رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الشيخ د. سعود بن ناصر آل ثاني

مساحة إعلانية

مقالات

297

الشيخ د. سعود بن ناصر آل ثاني

الفرصة الثانية

25 يناير 2026 , 12:36ص

بين إشراقة الأمل وعزيمة الاستمرار، حتمية إعطاء الفرص بأنها ليست مجرد حلم بل استحقاق يجب أن يترسخ في فكر الناس جميعاً. ومن قلب بلادي الحضارية الحبيبة، حيث تعانق معالم نتاج الحضارة عنان السماء، وتبقى شاهدةً على طموح لا يعرف المستحيل، ندرك أن النجاح في قطر لم يكن يوماً وليد المصادفة، بل هو نتاج فلسفة "المحاولة والتكرار". ومن هذا المنطلق، أكتب لكم اليوم عن مفهوم غالباً ما يساء فهمه أو يُنظر إليه بعين الوجل ألا وهي "الفرصة الثانية". كثيراً ما نبحث عن نماذج للنجاح، لكننا ننسى أن أعظم المعلمين هو "الخطأ". ومن هنا نكتب اليوم عن مفهوم الفرصة الثانية؛ حيث إنه ليس خيارا ترفيا، بل ضرورة وجودية ومنهج حياة يبدأ من أبسط المسائل الحسابية ليصل إلى أسمى المعاني الإيمانية. 

كلنا، بلا استثناء، نخطئ، وكلنا نتوق لتلك "اليد الحانية" التي تمتد إلينا في لحظة الانكسار لتقول. "حاول مرة أخرى". أن نكون مفاتيح للخير مغاليق للشر يعني بالضرورة ألا نكون قضاة على نوايا الناس، بل أعواناً لهم على الشيطان وظروف الحياة. إن الحياة ليست ساحة للإقصاء؛ فنحن مسلمون بالفطرة، والفطرة السليمة تأبى أن ترى الإنسان يُنبذ لمجرد أنه تعثر في خطوة. الفرصة الثانية هي الوقود الذي يحول الإنسان من شخص "منبوذ" إلى شخص "ممتن" يقدم للمجتمع أضعاف ما فقده في عثرته. إن مجتمعنا القائم على قيم الإسلام السمحة يدرك أن مبدأ "كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون" هو القاعدة الذهبية للإصلاح الاجتماعي. إن الإسلام بمعناه العميق جاء ليحررنا من فكرة "الإقصاء" أو "الإلقاء في الجحيم" لمجرد عثرة.

تأملوا معي طالب العلم وهو يواجه مسألة رياضية معقدة. إن المحاولة الأولى، وما يتبعها من تعثر، هي في الحقيقة "الخاطرة الأولى" التي تشتبك معها عقولنا لفهم كنية الأشياء. في الرياضيات، لا يمكن أن تصل إلى الحل الصحيح إلا إذا مررت بسلسلة من الافتراضات الخاطئة. الفشل هنا ليس عجزاً، بل هو جزء من خوارزمية التعلم؛ فكل محاولة خاطئة هي في الواقع تضييق لنطاق البحث عن الصواب. إذا أقصينا الفاشلين من المحاولة الأولى، فنحن عملياً نغلق أبواب العبقرية. فالذكاء لا يولد من الإجابات الجاهزة، بل من رحم الصبر على "الخطأ" حتى ينبثق منه نور الفهم. فلم نولد من بطون امهاتنا ونحن نعلم ماهية وطرق عمل الحياة!

إن أولى قواعد التنمية البشرية التي يجب أن نرسخها في أذهاننا هو أن الفشل ليس "نهاية الطريق"، بل هو "لوحة إرشادية" تخبرك بأن المسار يحتاج إلى تعديل. إن اليأس هو العدو الحقيقي الوحيد، لأنه القوة الوحيدة القادرة على إيقاف عجلة الزمن في حياتك. أما العثرات، فهي مجرد دروس مدفوعة الثمن تمنحك الحكمة التي لا تُدرس في الجامعات.

تذكر دائماً أن أعظم قصص النجاح التي نحتفي بها اليوم وفي كل يوم، تبدأ من لحظة انكسار قوبلت بقرار شجاع: "سأحاول مرة أخرى". حيث النجاح بعد التعثر، وهو ليس ضرباً من الحظ، بل هو عملية منهجية تتطلب أدوات محددة. بدلاً من جلد الذات، اسأل نفسك: "ماذا تعلمت؟". الفرصة الثانية تبدأ بوعي جديد يختلف عن الوعي الذي تسبب في الإخفاق الأول. تحطيم قيود كـ “كلام الناس": في مجتمعاتنا، قد يخشى البعض من نظرة المجتمع للفشل. لكن الحقيقة هي أن المجتمع لا يحترم المتوقفين، ولكن ينحني إجلالاً لمن نهض بعد السقوط. القدرة على التكيف مع المعطيات الجديدة هي مفتاح العبور. إذا أُغلق باب، فمن الحكمة ألا تقضي وقتك في البكاء أمامه، بل ابحث عن النافذة التي فُتحت بجانبه.

ختامًا؛ نحن بحاجة اليوم إلى ثقافة "الرحمة مع الفاشلين". إن أسوأ ما قد يواجه المرء هو نظرة المجتمع التي تحرمه من العودة، بينما الأصل في العقاب هو الإصلاح لا الانتقام. حين نغلق الأبواب أمام من أخطأ، فنحن ندفعه نحو اليأس، واليأس هو منبت الشرور. إن الشر الحقيقي يبدأ حين يقتنع الإنسان أنه "محروم" من فرصة التغيير، فيتحول من لبنة بناء إلى معول هدم. لنكف عن الظن السيئ، ولنفتح مساحات أرحب للعائدين من دوامة الفشل.

مساحة إعلانية