رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الحرية لفلسطين

فلسطين.. أرض يبدو أهلها كأنهم رهينة لقرارات صُنّاع التاريخ، تحاصرهم جغرافية الحاضر، وتتوارى عنهم ساعة الخلاص الموعودة في المستقبل. هي قضية مرتهنة طويلاً لأروقة القرار السياسي، غير أن المعضلة التاريخية تظل تبحث عن نهايتها الحتمية. من رحم هذا الواقع المعقد، جاءت حادثة صغيرة في تفاصيلها، كبيرة في دلالاتها؛ ففي أحد فروع مطعم ‹برغر كينغ› بالولايات المتحدة، دخل المغني المنتمي للكيان الصهيوني، ‹رامي فاينشتاين›، لطلب الطعام. وحين سألته الموظفة ‹أريانا› بعفوية عن أصله، أجاب بأنه من ‹إسرائيل›، ولم يكتفِ بذلك، بل استعرض بوقاحة قلادةً تحمل ‹نجمة داود› أخرجها مستفزاً من خلف قميصه. لترد عليه بكلمة واحدة اختصرت ضمير الحق العادل «الحرية لفلسطين!». إن واقع فلسطين اليوم ليدمي القلب حيث هذا الانقسام الشديد بين الأطراف الفلسطينية والتباينات العربية للقضية وحتى العالمية مما يجعل البوصلة الفلسطينية تدور في منحنيات لا نهائية للحل. ولم تكن الحدود الجغرافية والسياسية لأرض فلسطين يوماً كما هي وفق إرادة أبنائها عبر التاريخ القديم والحديث، إلا أن تأثيرها البالغ يظل حاضراً في مصير القضية من كل منظور. وإذا أردنا تأصيل التاريخ الفلسطيني انطلاقاً من أواخر العصور الحديثة حسب تقاسيم المؤرخين، فإن أبعاد القضية تتسع وتزداد تعقيداً. ولتبسيط هذا الامتداد التاريخي العميق، لا بد من وضعه في إطاره الطبيعي المتمثل في انتمائه للرقعة العربية، وبطبيعة الحال للأمة الإسلامية برمتها، رغم ما ألقته التقاطعات الفكرية والسياسية بظلالها الثقيلة على مسار القضية. من هنا، يصبح التركيز منصبًّا على محطات العصر الحديث، لا سيما القرنين التاسع عشر والعشرين، اللذين يمثلان الحجر الأساس في صياغة الكثير من السردية الفكرية المعاصرة لفلسطين. بالعودة إلى جذور الانتماء، نجد أن فلسطين في العهود العباسية والأيوبية والمملوكية، وصولاً إلى العهد العثماني، قد شكلت حجر الزاوية في ذاكرة التاريخ الفلسطيني. يظل نقطة مفصلية في صلب السردية المعاصرة، لا سيما مع تصاعد الممارسات الاحتلالية للدول التي لم تستهدف فلسطين وحدها، بل طالت جسد الأمة الإسلامية برمتها وخوصواً العرب تحديداً. غير أن العهد العثماني و»الثورة العربية الكبرى» عام ١٩١٦ تظل هي المحطة الزلزالية التي أرست قواعد الواقع السياسي الراهن، وإن تباينت حولها القراءات والتأويلات. فمنذ تلك اللحظة التاريخية، انقسم الموقف الفلسطيني إلى تيارين متناقضين، تحولا بمرور العقود من محاولات التأييد الحذر إلى تجرع مرارة الصدمة، والانكسار التاريخي الذي لا نزال نستشعر ندوبه في واقعنا اليوم. لقد تحركت الحركات السياسية الفلسطينية المبكرة في أواخر سنوات احتضار العهد العثماني، مدفوعةً بأزمات ميدانية ومعيشية خانقة؛ تمثلت في سياسات ‹التتريك› الرامية لطمس الهوية العربية، والتجنيد القسري المعروف بـ ‹السفربرلك›، ناهيك عن المجاعات والإعدامات الدموية الظالمة التي نفذها جمال باشا. هذا الواقع المأساوي دفع النخب الفلسطينية والعربية للانحياز نحو ‹الثورة العربية الكبرى› عام ١٩١٦، طمعاً في التحرر والاستقلال وإقامة دولتهم الموحدة في كنف الاستقلال العربي، مستلهمين روح التاريخ والكرامة ومتطلعين لاستعادة أمجاد الأمة. غير أن هذا الحلم العارم اصطدم بخديعة احتلالية كبرى تمثلت في اتفاقية ‹سايكس بيكو› عام ١٩١٦ التي قسمت المشرق العربي، تلتها الكارثة الأكبر بصدور ‹وعد بلفور› المشؤوم ٢ نوفمبر عام ١٩١٧ القاضي بإقامة وطن قومي لليهود. وقد تزامن ذلك مع دخول القوات البريطانية واحتلال فلسطين، ليعلن الجنرال ‹اللنبي› لحظة دخول القدس مقولته الشهيرة التي كشفت وجه الصراع الحقيقي: «الآن انتهت الحروب الصليبية»! وفي الجانب المقابل؛ لم تكتفِ بريطانيا بإصدار الوعود، بل تحولت في ظل ‹انتدابها› المزعوم إلى مهندس فعلي لبناء نواة الكيان الصهيوني عبر ثلاث محطات أساسية: بدأت الأولى بإرساء البنية السياسية والإدارية عام ١٩٢٠ عبر تعيين أول مندوب سامٍ، المدعو ‹هربرت صموئيل›، الصهيوني البريطاني المتحمس الذي وضع تشريعات سلب الأرض. وتلتها المحطة الثانية بتشكيل ‹الوكالة اليهودية› والإدارة الذاتية لتكون حكومة ظل ترسخ قبضة المستوطنين على الجغرافيا الفلسطينية. ولم تتوقف عند هذا الحد، بل توجت ذلك بالتأسيس والدعم العسكري المباشر للعصابات الصهيونية مثل «الهاجانة «و»البلماخ»، والتي أدت وظيفتها الدموية في قمع المقاومة الفلسطينية، وصولاً إلى إعلان قيام كيان الاحتلال عام ١٩٤٨ على أنقاض النكبة. يبقى هناك لغز تاريخي مرتبط بالقضية الفلسطينية! وما كان قيام هذا الكيان على أشلاء الواقع ليأتي مصادفةً، بل نبت من رحم عهر المؤامرة الصهيونية منذ مؤتمر عام ١٨٩٧، مروراً باعتراف الاتحاد السوفيتي في السابع عشر من مايو عام ١٩٤٨بعد ثلاثة أيام فقط من إعلان الكيان، وصولاً إلى تبنيه من قبل العم سام، بعد أن انتقل قسراً من ملجأ المجرمين والرعاع البريطاني لتكون ولاية الولايات الأمريكية في الشرق الأوسط. قال تعالى: {وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا} الإسراء ٤.

228

| 16 أغسطس 2026

مضيق باب المندب

منذ قديم الأزمان، وحكايات الأساطير والخوف الدفين تنتاب البحارة عند قدومهم قديماً للندب من هذا الباب البحري؛ إذ تُرجع الروايات التاريخية والشعبية سبب تسميته إلى أهوال الأمواج العاتية لبحر العرب المشترك مع المحيط الهندي والتي لطالما ابتلعت السفن، محولةً عبوره إلى مغامرة محفوفة بالموت، أو نسبةً إلى «الدمع» حيث السفن التي تقطعت بها السبل، أو القصص التاريخية لزلزال عظيم شق قارتي آسيا وأفريقيا. لم يكن هذا الممر المائي مجرد مسار بحري عادي، بل كان عبر العصور شرياناً حضارياً؛ فقد استُخدم المضيق فيما قبل التاريخ كجسر ضحل لعبور الهجرات البشرية الأولى من إفريقيا إلى شبه الجزيرة العربية وبقية آسيا، وتنافست عليه الإمبراطوريات القديمة والحديثة، من الفراعنة والرومان إلى القوى الاحتلالية الكبرى، حيث سعى البرتغاليون للسيطرة على مداخل البحر الأحمر وباب المندب للتحكم بطرق التجارة الآسيوية ومنع التجارة الإسلامية. كما احتلت بريطانيا مدينة عدن عام ١٨٣٩، ثم سيطرت على جزيرة ميون (بريم) الاستراتيجية في قلب المضيق عام ١٨٥٧ لتأمين طريق مستعمراتها في الهند بعد افتتاح قناة السويس عام ١٨٦٩. لا تقتصر أهمية المضيق على إرثه فحسب، بل تمتد لتتجسد في واقعه المعاصر الذي ارتبط طويلاً بتحديات أمن البحار؛ فقد برزت أزمة القراصنة قبالة السواحل الصومالية واليمنية كواحدة من أبرز التهديدات التي استهدفت هذا الممر الحيوي، مما دفع المجتمع الدولي إلى حشد أساطيله العسكرية تحت مظلة التحالفات الدولية لحماية خطوط الملاحة. ومن رحم تلك الأزمات الأمنية يعيد التاريخ نفسه، ليتحول المضيق والضفة المقابلة له -التي تضم اليمن، جيبوتي، إريتريا، وإقليم أرض الصومال - (شمال الصومال) إلى مسرح استراتيجي للتنافس الدولي والإقليمي على إنشاء القواعد العسكرية وتأمين موطئ قدم دائم. وفي هذا السياق الجيوسياسي المحتدم، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في ٢٦ ديسمبر ٢٠٢٥ رسمياً الاعتراف بإقليم أرض الصومال (صومالي لاند) دولة مستقلة ذات سيادة، ليصبح الكيان الإسرائيلي أول دولة عضو في الأمم المتحدة تقدم على هذه الخطوة منذ إعلان الإقليم انفصاله ذاتياً عام ١٩٩١. وقد أدت هذه التشابكات الدولية إلى إعادة صياغة التحالفات السياسية؛ إذ تحول المضيق إلى ساحة صراع نفوذ وأوراق ضغط تستخدمها القوى الكبرى لحماية أمنها المائي وقنوات إمدادها. أما على الصعيد الاقتصادي العالمي، فيشكل المضيق الشريان النابض الذي تترابط عبره التجارة وناقلات الطاقة بين الشرق والغرب. بيد أن تعارض المصالح الدولية، وتصاعد التوترات الأمنية والعسكرية الحديثة، بات يهدد حرية الملاحة ويدفع حركة الشحن العالمية نحو مسارات بديلة باهظة التكلفة، ليبقى باب المندب الحلقة الأخيرة في منطقة الشرق الأوسط لصراع النفوذ الدولي بعد أزمة مضيق هرمز التي لم تحل حتى الآن؛ فهذان المضيقان يشكلان معاً حلقة الوصل الحساسة التي تعتمد عليها موازين القوة الاقتصادية للعالم بأسره. وخلف هذا الصراع الجيوسياسي المعقد وصراع النفوذ الإقليمي، يدفع الشعب اليمني وحده الفاتورة الأثقل من أزمات معيشية خانقة، وتدهور مأساوي للبنية التحتية، وانقسام مجتمعي عميق. فهذا التشظي الداخلي واستمرار توظيف الورقة اليمنية في الصراعات الخارجية لا يؤديان فقط إلى إطالة أمد معاناة الملايين، بل يحولان الممر الاستراتيجي لورقة مساومة دولية، مما يجعل أي استقرار مستدام مرهوناً برفع الغطاء الخارجي عن أطراف الصراع، وإعلاء مصلحة الدولة الوطنية الجامعة فوق أي اعتبار حزبي أو طائفي أو مناطقي. ورغم قتامة المشهد اليمني وعمق الانقسامات، لم تتوقف الجهود الإقليمية والدولية- وخصوصاً دولتي الحبيبة قطر التي لم تدخر جهداً في رأب الصدع وإيجاد نافذة أمل تنهي مأساة الاقتتال- إذ تكللت تلك المحاولات الحثيثة، ولا سيما الوساطات الإقليمية والمبادرات الدبلوماسية المستمرة التي قادتها المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان، بفتح قنوات حوار، وتثبيت هدن إنسانية، وتبادل للأسرى والمعتقلين، وتخفيف حدة التوتر العسكري على بعض الجبهات. وحين نتأمل حدث الوحدة اليمنية في ٢٢ مايو ١٩٩٠، ندرك أن إنجازها التاريخي لم يكن وليد صدفة سياسية عابرة، بل نتاجاً خالصاً لأصل الحكمة اليمانية التي تجلت حين أدرك أبناء الوطن مصلحتهم العليا من خلال لغة الحوار والتنازل المتبادل لأطراف النزاع، شريطة الاتفاق على منع التدخل الخارجي من أي طرف كان إلا بما يخدم مصلحة الوطن وسيادته.

429

| 09 أغسطس 2026

ثنائية التمدد الإيراني والصهيوني

حين يتأمل العقل النقدي المشهد الاستراتيجي للشرق الأوسط، يصطدم بأكبر مأزق فكري يعاني منه الوعي الجمعي العربي: السقوط في فخ «الاستقطاب المزدوج»، وهي مغالطة منطقية تُعرف (بـ التفرع الأسود والأبيض) أو (الاحتكام إلى التطرف)، وتقوم على اختزال خيارات معقدة في قطبين لا ثالث لهما، حيث يُصوَّر أي موقف نقدي على أنه ولاء للطرف المعاكس. وهنا تتقاطع أجندات التمدد الإقليمي لطهران مع مشروع الاحتلال الإسرائيلي في تمزيق نسيج الفكر العربي. فمنذ ضربتي الكيان وإيران خلال العام الفائت على دولتي الحبيبة قطر، تغير المشهد الذي يبدو راسخاً في وعي المشاهد العربي. والمثير للدهشة والأسف ليس فقط فداحة الاعتداءات الإيرانية المتكررة على سيادة العواصم العربية، بل ذلك «التعاطف الوهمي» والانحراف الوجداني الذي تسقطه قطاعات واسعة من الجمهور على حروب طهران بالوكالة وأتباعها، تحت غطاء دعم القضية الفلسطينية. عندما ترى الأنباء عن التقارير أو التصريحات الرسمية من قبل الجمهورية الإيرانية على طاولة المفاوضات الرسمية المباشرة التي تجري مع الولايات المتحدة أو الأطراف الدولية كـ (محادثات مسقط وجنيف وإسلام آباد وغيرها) فلن تجد أي مداولات أو حديث عن ملف غزة! وظلت الترتيبات السياسية والأمنية تدار عبر مسارات الوسطاء (مثل مصر وقطر وتركيا والمبعوثين الأمميين والأمريكيين ضمن خطط السلام الخاصة بالقطاع) فيما ظل ذراع المقاومة الفلسطينية حماس وإيران تتعاملان وفق تقاطعات استراتيجية وعقائدية أوسع دون أن تكون غزة بنداً تفاوضياً رسمياً تُديره طهران نيابة عن الفصائل في مباحثاتها المباشرة مع الخصوم الدوليين. إن إحدى أكبر خدع العصر الحديث هي نجاح آلة الدعاية الإيرانية في توظيف مظلومية الشعب الفلسطيني وعدالة قضيته كـ «صك غفران» لتمرير مشروع هيمنة استيطاني لا يقل خطورة عن المشروع الصهيوني. لقد وقع قطاع من الجمهور العربي في شباك «المقاربة العاطفية المأزومة»؛ فبات يبرر التدخلات الإيرانية أو يقف على حياد مريب أمام اعتداءاتها، توهماً بأنها تشكل جبهة ممانعة حقيقية. هذا التعاطف الأعمى يتجاهل حقيقة تاريخية ساطعة: أن دماء الشعوب العربية واستقرار دولها كانا دائماً «سُلعة تفاوض» رخيصة في أسواق المساومة الإقليمية والدولية التي تديرها طهران لخدمة مصالحها الخاصة لا تحريراً لفلسطين. الحقيقة المرة التي يجب أن يوجهها الشارع العربي هي أنك تواجه وحشين أو ماردين مدعومين من قبل الأحزاب الدولية الشرقية (كروسيا والصين) والتي تمثل الدعم لإيران أو الأحزاب الدولية الغربية (كالاتحاد الأوربي والولايات المتحدة الأمريكية) والتي تمثل الدعم للكيان الصهيوني المسمى إسرائيل. فالاستيطان والاحتلال فكرة لا تتجزأ بشكل المحتل أو جنسه أو عرقه أو عقيدته، فهي حروب الوكالة لمصالح الأحزاب في هذا العالم. وأن الوكيل الإيراني في المنطقة لا يعمل لتحرير الأراضي المحتلة، بل لتثبيت قواعد نفوذ على أنقاض الدول العربية المتداعية. إن الجمع بين رفض أطماع الكيان الإسرائيلي ورفض الأطماع الإيرانية ليس ترفاً فكرياً، بل هو عين العقل السياسي والشرط الأساسي لاستعادة السيادة وحماية الوعي من السقوط في فخ الجهل الطوعي الأيديولوجي.إننا أمام خيارين أحلاهما مر! فبناء على هذا المشهد الدولي الصعب تجبر دولنا العربية عبر خيارات للتحالفات الدولية الصعبة. خصوصاً وشح القدرة الذاتية للدول العربية على الاستقلال عن الهيمنة الدولية ناهيك عن المنافسة مع تلك الأقطاب. فاستعادة البوصلة الحقيقية تبدأ بإسقاط الأقنعة عن كل مشاريع الهيمنة؛ ففلسطين الأبيّة لا يحررها خبث المصالح الدولية، والأوطان العربية لا تحصّنها سياسات الحياد الانتقائي أو التغاضي عن المعتدلين بسلاح الإفك عن وحدة مصير هذه الأمة. وحين يدرك الجمهور هذا الزيف. يعلم أن دولنا العربية لم تستقل إلا بمقاومة ودحر المحتل بعقيدة صافية لله عز وجل.

324

| 02 أغسطس 2026

خداع الذات

لماذا يفضل العقل (الوهم المريح) على (الحقيقة المزعجة) يا ترى؟ يعد خداع الذات آلية دفاعية نفسية يلجأ إليها العقل للهروب من «التنافر المعرفي» والحقائق القاسية، مفضلاً الوهم المريح على الألم. وبدلاً من مواجهة الحقيقة، يختلق العقل تبريرات لا واعية لتجنب الشعور بالذنب، مما يتطلب وعياً ذاتياً لكسر هذا النمط. هذه الحيلة النفسية الخفية ليست مجرد سلوك عابر، بل هي ظاهرة علمية رصدها علماء النفس ليفهموا كيف يمكن للإنسان أن يكذب على نفسه ويصدق كذبته تماماً. دولار واحد يصنع الفارق! في عام 1959، قام عالم النفس الشهير «ليون فيستينجر» بتجربة غريبة؛ حيث طُلب من متطوعين القيام بمهمة غاية في الملل لساعات طويلة. بعد انتهائهم، طُلب منهم الكذب على المتطوعين الجدد وإخبارهم بأن المهمة ممتعة ومحمسة للغاية. قسّم الباحث المشاركين إلى مجموعتين: الأولى تقاضت 20 دولاراً مقابل الكذب، والثانية تقاضت دولاراً واحداً فقط. النتيجة صدمت الأوساط العلمية حينها؛ أصحاب العشرين دولاراً اعترفوا لاحقاً في التقييم السري بأن المهمة كانت تافهة ومملة، بينما أصرّ أصحاب الدولار الواحد وبشدة على أن المهمة كانت ممتعة ومفيدة حقاً! لم يكونوا يكذبون على الباحثين في النهاية، بل كانوا قد كذبوا على أنفسهم وصدقوا الكذبة بالكامل. فما هي هذه سيكولوجية؟ يكمن تفسير هذه الظاهرة في التنافر المعرفي. حيث يحدث هذا التنافر عندما يعيش الإنسان صراعاً داخلياً بين فكرتين متناقضتين، أو بين معتقداته وسلوكه الفعلي. فعندما تؤمن بأنك (شخص صادق) ولكنك تضطر للكذب، ينشأ داخل عقلك توتر نفسي حاد ومزعج جداً. أصحاب العشرين دولاراً وجدوا مبرراً خارجياً كافياً لتهدئة هذا التوتر؛ فالمال كان كافياً لتبرير السلوك. أما أصحاب الدولار الواحد، فلم يجدوا مبرراً مادياً مقنعاً يغفر لهم الكذب، وهنا تدخل العقل الباطن بذكاء لحمايتهم من الشعور بالذنب، فقام بتعديل قناعاتهم الداخلية لتتماشى مع سلوكهم، حتى أقنعهم بأنهم لم يكذبوا أصلاً وأن التجربة كانت ممتعة بالفعل. آليات الهروب في حياتنا اليومية، حيث نحن نكذب على أنفسنا يومياً بصور مختلفة؛ نستمر في علاقات مؤذية ونيأس من إصلاحها، فنقنع أنفسنا بأن الطرف الآخر «سيتغير قريباً». ونشتري أشياء باهظة الثمن لا نحتاجها، فنبرر ذلك بأنها «استثمار ضروري للمستقبل». حتى المدخن الذي يعلم يقيناً أضرار التدخين، تجده يخترع كذبة مريحة مثل «جدي عاش حتى التسعين وهو يدخن» ليهرب من واقع التنافر المعرفي بين علمه بالضرر واستمراره في العادة. إن العقل البشري يميل بطبيعته لتجنب الاعتراف بالخطأ طلباً للراحة والاستقرار المزيّف. فما السبيل من التحرر من فخ الوهم؟ وهي عبر الخطوة الأولى للعلاج، ألا وهي الوعي الذاتي. يجب أن ندرك أن عقولنا تمارس علينا هذه الحيل النفسية لحمايتنا من الإحراج الخفي. عندما تجد نفسك تبرر سلوكاً خاطئاً أو تدافع عن قرار تشعر في عمقك بأنه غير صائب، توقف فوراً واسأل نفسك بشجاعة: «هل أنا أدافع عن الحقيقة، أم أحاول فقط حماية كبريائي؟». الصدق مع الذات قد يكون مؤلماً ومكلفاً في البداية، ولكنه يظل الضمانة الوحيدة لعيش حياة حقيقية ونفسية صحية. وكما قال الفيلسوف الروسي فيودور دوستويفسكي يوماً: «إن المرء الذي يكذب على نفسه ويستمع إلى كذبته، يصل إلى درجة يصبح معها عاجزاً عن تمييز الحقيقة في داخله أو فيمن حوله.

333

| 26 يوليو 2026

القائد فقيد الأمة

فجعت الأمة بوقع نبأ وفاة حضرة صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني رحمه الله وغفر له. وإننا إذ نصبر أنفسنا بهذا المصاب، فلا نقول إلا ما يرضي ربنا بقوله {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} البقرة ١٥٦. وحين يتأمل المرء في هذا الصرح الوطني الشامخ ببنيانه المرصوص، يتساءل بذهول: كيف أُقيمت هذه الأركان؟ وما سرُّ ذلك الأساس المتين الذي مكن دولةً صغيرة المساحة، قليلة السكان، من أن تغدو كبيرة التأثير، عابرة للقارات؟ هنا تحضرني حكمة الشاعر: تُعَيِّرُنا أَنّا قَليلٌ عَديدُنا ... فَقُلتُ لَها إِنَّ الكِرامَ قَليلُ. ولا أرى في مسيرة الثلاثة عقود الماضية حتى يومنا هذا، مَن تجسدت فيه سمات ‹سيد الكرام› كحضور الشيخ حمد؛ فهو الذي لم يكتفِ ببناء دولة، بل صاغ أمة. ولم تكن مسيرةُ الفقيدِ محصورةً في نطاقٍ جغرافيّ، بل تجاوزت الحدودَ لتطالَ آلامَ الشعوبِ وتطلعاتِهم في عالمنا الإسلامي. لقد جعلَ من العملِ الإنسانيّ مؤسسةً راسخةً لا تعرفُ الانكفاء، فأنشأ الصروحَ التي حملت اسمَه كشواهدَ على رؤيةٍ تؤمن بأنَّ الاستثمارَ في الإنسانِ هو أسمى درجاتِ العطاء. فمن ‹جامعة حمد بن خليفة› التي باتت منارةً للعلومِ والبحثِ الرصين، إلى ‹مدينة حمد› ومجمعاتها السكنيةِ والتعليميةِ التي احتضنت المنكوبين، وصولاً إلى مستشفيات التأهيلِ ومراكزِ العونِ الإغاثي، تجلى نهجُه في نقلِ المجتمعاتِ من ضيقِ الحاجةِ إلى رحابِ التمكين. لقد كان يرى في مساعدةِ الملهوفِ واجباً أخلاقيّاً وضرورةً تاريخيّة، فظلّت مشاريعُه ومبادراتُه في الترجمةِ والتعليمِ والإغاثةِ جسراً ممتداً من الخيرِ، يربطُ بين طموحِ الدولةِ وبين آمالِ الأمةِ في نهضةٍ تنهضُ بالإنسانِ وتصونُ كرامتَه. وفي صميم هذا الإرث الحضاري، كان الإعلامُ حاضراً كأداةٍ استراتيجيةٍ للتنويرِ والتعريف؛ فقد أطلق الفقيدُ قناة ‹الجزيرة›، التي لم تكن مجردَ قناةٍ إخبارية، بل صرحاً إعلامياً عالمياً كسرَ احتكارَ الروايةِ الواحدة في عالمٍ كانت سياسته التحريرية مركزةً من اتجاهٍ واحد، وأعادَ صياغةَ حضورِ قطر على الخريطةِ الدولية. لقد كان هذا المنبرُ بمثابةِ الجسرِ الذي عبرت من خلاله الدولةُ إلى وجدانِ العالم، فحولها من فاعلٍ محليٍّ إلى لاعبٍ أساسيٍّ يؤثرُ في صُنعِ الأحداثِ ويُعَرِّفُ بها كدولةٍ صاحبةِ رسالةٍ وقوةٍ ناعمةٍ فاعلة. فمن خلالِ الجرأةِ في الطرحِ والمصداقيةِ في التغطية، استطاع هذا الإعلامُ أن يفرضَ اسمَ قطر في قلبِ الأحداثِ العالميّة، محولاً إياها إلى منصةٍ دوليةٍ للحوارِ الحر، ومؤكداً أنَّ الكلمةَ الحرّةَ هي الركيزةُ التي استندت إليها الدولةُ لتُعرِّفَ العالمَ بهويتها، وطموحاتها، وقدرتها على التأثيرِ في مجرياتِ التاريخِ الحديث. ولم يكتفِ الفقيدُ بالتنميةِ الداخلية، بل انطلقَ بالدولةِ نحو العالميةِ عبرَ استضافةِ الأحداثِ الكبرى التي جعلت من قطر وجهةً للقرارِ والتميز؛ فمن استضافةِ ‹كأس العالم للشباب ١٩٩٥ التي كانت أولى خطواتِ البروز، إلى الإبهارِ التنظيميِّ في ‹أسياد ٢٠٠٦ التي أثبتت للعالمِ قدرةَ الإنسانِ العربيِّ على الإنجاز، وصولاً إلى الحضورِ المؤثرِ في المنتدياتِ الاقتصاديةِ والسياسيةِ العالمية كمؤتمر ‹دافوس› وغيره من المحافلِ الدولية. لم تكن هذه المحطاتُ مجردَ فعالياتٍ عابرة، بل كانت مساراً استراتيجياً تُوِّجَ بالنجاحِ التاريخيِّ في تنظيمِ ‹كأس العالم›، ليعلنَ للعالمِ أجمعَ أنَّ قطر، بفضلِ رؤيةِ سمو الأمير الوالد الشيخ حمد رحمه الله، حيث لم تعدْ مجردَ نقطةٍ على الخريطة، بل صارت مركزاً ثقيلاً يلتقي فيه العالمُ ليتشاورَ في الاقتصاد، ويتبادلَ الخبراتِ في السياسة، ويتنافسَ بسلامٍ في الرياضة، مؤكداً للعالمِ أنَّ الطموحَ لا سقفَ له حينما يُقترنُ بالإرادةِ والتخطيط. وعلى الصعيد الداخلي، أرسى الفقيد دعائم الدولة الحديثة بتطوير الدستور الدائم، ليؤكد أنَّ نهضةَ البلاد تستندُ إلى مؤسساتٍ دستوريةٍ وقانونيةٍ متينة. هذا الالتزامُ بالنهجِ القويمِ انعكسَ على الساحةِ الدوليةِ؛ حيثُ جعلَ من قطر وسيطاً سياسياً موثوقاً لا يملّ من السعيِ لترسيخِ السلامِ العالميّ. لقد كانت مدرسةُ الأمير الوالد في الحكمِ قائمةً على مبادئَ لا تتزحزح؛ فقد كان يوصي دائماً بـ ‹الثباتِ على الأصول، وقولِ الحقِ مهما كلّفت الظروف›، مؤمناً بأنَّ قوةَ الموقفِ تنبعُ من نقاءِ المبدأ. ولتكتملَ الصورةُ التي يمتزجُ فيها السياسيُّ بالروحيّ، شُيّد ‹جامعُ الإمام محمد بن عبد الوهاب› ليكون منارةً شاهقةً تعكسُ هويةَ الدولةِ الإسلاميةِ الأصيلة، ورمزاً يربطُ بين عراقةِ التراثِ وطموحِ الحاضر، لتظلَّ قطرُ دائماً صوتاً للحقِ، وواحةً للسلامِ، وحارساً للقيم. رحلَ قائدُ الأمة رحمه الله وغفر له ووسع منزله، لكنَّ أثرَهُ فينا ممتدٌّ لا يغيب؛ فقد تركَ أمانةً ثقيلةً صانها التاريخُ، ونهجاً قوياً رسمَ ملامحَ الطريق. واليوم، نرى هذا المجدَ يتجلّى في قيادةِ حضرةِ صاحبِ السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، الذي يواصلُ مسيرةَ البناءِ والعزة، حاملاً لواءَ الأمةِ نحو آفاقٍ أسمى؛ فكان حقاً خيرَ خلفٍ لخيرِ سلف.

333

| 19 يوليو 2026

سقطت ورقة التوت يا فيفا

لم تكن مواجهة أتلانتا في ثمن نهائي مونديال ٢٠٢٦ –عفواً «بلاتر».. قصدي السيد «إنفانتينو»– مجرد مباراة عابرة انقضت بصافرة فرنسية منحازة، بل كانت زلزالاً كشف بوضوح عن الوجه الآخر لمؤسسة تتدثر بشعارات الروح الرياضية، بينما تدار غرفها المظلمة بعقليّة الشركات الاستثمارية الطامعة. عندما خسر المنتخب المصري أمام الأرجنتين بنتيجة ٣-٢ بعد مباراة درامية لا تمت للعدالة التحكيمية بصلة، لم تخسر مصر هيبتها بخروجها بشرف، بل سقطت ورقة التوت الأخيرة عن عورة الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، لتظهر اللعبة الشعبية الأولى في العالم كمسرحية هزلية؛ كُتبت فصولها لحماية مصالح الأرجنتين وصيانة عقود الرعاية المليونية لأصحاب النفوذ. لم يكن الانحياز مجرد خطأ تقديري للحكم، بل بدا كأنه استحقاقٌ مدفوع الأجر، في مشهدٍ يعيد للأذهان تلك التسريبات التي كشفت عن لقاءاتٍ جمعت وزراء إسرائيليين بالرئيس الأرجنتيني، حيث لم تكن أجندة اللقاءات تدور حول الاستثمار أو السياسة التقليدية، بل تجاوزت ذلك إلى ‹هوس› غير مبرر بضرورة تتويج الأرجنتين بالكأس الرابعة. وكأن كرة القدم لم تعد ميداناً للمنافسة الشريفة، بل تحولت إلى ‹بروتوكول› سياسي يكتب فيه المسؤولون سيناريوهات البطولات في الغرف المغلقة، ليجد المشجع العربي نفسه أمام عبثٍ مُمنهج، يُحوّل فيه الفيفا حلم الملايين إلى أداة لخدمة صفقاتهم الدولية، ضاربين بعرض الحائط مشاعر الشعوب التي لا تزال تصدق كذبة «العدالة الرياضية». في المقابل، لم يكن صدفةً أن يتحول مدرب المنتخب المصري إلى هدفٍ مباشر لهذا الانتقام المؤسسي، فقد كانت ‹خطيئته› الكبرى أنه تجرأ على رفع العلم الفلسطيني عقب التأهل، متحدياً بذلك صمت الفيفا المريب عن مآسي الإنسانية. وبينما أغمضت أذرع الفيفا التحقيقية أعينها عن شعارات العنصرية الصريحة ورموز الكراهية التي استُخدمت في المدرجات - رغم أن ‹شبك الذراعين› ورموز التفوق العرقي محظورة قانوناً بنصوصٍ صريحة في ميثاق الأخلاق - سارعت الماكينة نفسها لتكيل التهم وتدبر المكائد للمدرب الذي انحاز لضميره الإنساني. لقد سقطت الأقنعة هنا بشكلٍ أشد فجاجة؛ إذ أثبتت المؤسسة أن قوانينها ليست سوى سوطٍ مسلط على رقاب الرافضين، ومظلة واقية للمتنفذين، لتصبح ‹الروح الرياضية› مجرد شعارٍ فارغ يُنتزع من القاموس حين يتعارض مع أجنداتهم السياسية الملوثة. حتى أن رئيس ولاية نيويورك كان يتهكم على الحادثة بأن مصر سرقت. كإشارة على الفضيحة التحكيمية التي حدثت. ناهيك عن ما حدث من قبل من منع الحكم الصومالي وتحقيق رغبة الرئيس الأمريكي برفع العقوبة عن اللاعب الحاصل على البطاقة الحمراء. لم يكن رد فعل رئيس الفيفا برفع العلم المصري في المباراة اللاحقة سوى محاولة مفضوحة لترميم واجهةٍ تهشمت تحت أقدام الحقيقة؛ حركة استعراضية باردة لم تخدع أحداً، خاصةً حين نقارنها بلقاءاته المريبة التي دارت في الغرف المغلقة بعيداً عن أعين الإعلام. لقد ظن أن قطعة قماش ملونة يمكنها أن تمسح آثار ‹مجزرة تحكيمية› مكتملة الأركان، متناسياً أن ذاكرة الشعوب لا تُشترى بالبروتوكولات الزائفة. ومع ذلك، وبفعل الضغط الدولي الذي قاده خبراء اللعبة ومشاهيرها، الذين رفضوا السكوت عن هذا العبث، وجد الفيفا نفسه مضطراً لاتخاذ خطوة ‹تجميلية› بإقالة الحكم المعني، بعد شكوى الاتحاد المصري الرسمية التي وثقت الانتهاكات بدقة. إن سقوط ورقة التوت لم يكشف فقط عورة الفيفا، بل وضعنا أمام حقيقة صادمة: أن ‹المنصة› التي كنا نظنها ساحةً للعدالة، باتت منصةً للإعدام الطموحٍ لكل منتخب يبذل جهده بشكل شريف..

642

| 12 يوليو 2026

غلق باب الجنة

لم يكن الفقد مجرد رحيل شخص، بل كان أشبه بانطفاء سراجٍ وهَّاجٍ كان يضيء عتمة الأيام، وبدءِ تسرب برودة الحزن إلى جدران بيتٍ اعتاد دفء الحضور. في تلك اللحظة التي يغادر فيها أحد الوالدين الحياة، يشعر المرء فجأةً بأن السماء قد أطبقت على الأرض، وأن دفة بابٍ من أبواب الجنة قد أُغلق؛ ذلك الباب الذي كان مشرعاً بالبر والرضا. وحين يرحلان، يدرك الإنسان عمق الحقيقة النبوية التي رواها أبو الدرداء رضي الله عنه، حين قال النبي ﷺ: «الوالِدُ أوسَطُ أبوابِ الجنَّةِ، فإنْ شِئتَ فأَضِعْ ذلك البابَ، أوِ احْفَظْهُ». إن غياب هذا الباب يترك المرء في مواجهة العالم بقلبٍ يكتشف، لأول مرة، المعنى الحقيقي لليتم أمام قسوة اختبارات الدنيا. لم تعد تفاصيل المكان كما كانت؛ فالكرسي الذي كان يشغل حيزاً من الفراغ، وتلك الزاوية التي كانت تفيضُ حكمةً وتوجيهاً، تحولت إلى شواهد صامتة تروي حكاية الغياب. في غمرة هذا الصمت، يكتشف المرء أن الحماية التي كان يظنها مكتسبة، كانت في الحقيقة ممتدة من قلبٍ يحرسه الحب، وأن غياب هذا الوجود يعني انتزاع الدرع الخفي الذي كان يمتص صدمات الأيام. لم يعد البيت مجرد جدران وأثاث، بل صار مستودعاً لذكرياتٍ تتزاحم في المخيلة، حيث كل زاوية تستحضر دعوةً صادقة، أو ابتسامةً عابرة كانت تمنح الحياة معناها. إن الفقد هنا لا يعني فقط غياب الجسد، بل يعني فقدان بوصلةٍ كانت تضبط إيقاع الأيام، وتحدد وجهة السير نحو الطمأنينة وسط ضجيج عالمٍ لا يتوقف عن الضياع. وعلى الرغم من انغلاق هذا الباب، إلا أن الوفاء يظل جسراً ممتداً لا يعرف الانقطاع. إن الفقد الحقيقي لا يكمن في الرحيل، بل في نسيان القيم التي غرسها الراحلون في أرواحنا. لذا، يصبح البر بعد الوفاة أسمى تجليات الامتنان؛ إذ يتحول الأبناء إلى امتدادٍ لرسالة والديهم، يحملون إرثهم الأخلاقي ومشاعل الحكمة التي أنارت دروبهم، ويترجمونها في أعمالٍ نافعة تخدم المجتمع وتُبقي ذكراهم حيةً لا تأفل. إننا، وإن ودعنا أجسادهم، نتمسك بأثرهم الذي لا يغيب، مؤمنين بأن الباب الذي أُغلق دنيوياً، قد فُتحت بسببه أبوابٌ من الأجر والعمل الصالح؛ فبإمكان المرء التنويع في القربات من وقفٍ ودعاء وحج وعمرة وغيرها من سبل الخير. فكأنهم برحيلهم قد علمونا درساً أخيراً في كيفية الارتقاء بالروح نحو خلودٍ لا يعرف الفناء: {وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} الإسراء ٢٤.

750

| 05 يوليو 2026

قطر بلاد الأمن والسلامة

ببالغ الأسى والحزن، تلقيت نبأ حادث مصنع «برزان» للغاز في مدينة رأس لفان. خالص العزاء لأهالي المتوفين، وصادق المواساة للمصابين وذويهم، سائلين المولى أن يحفظ بلادنا من كل سوء. لقد وقع الحادث في لحظات من الهدوء، إذ كنت أتابع مباراة إيران وبلجيكا ضمن منافسات كأس العالم الحالية، حين فُتح باب منزلي فجأة دون سابق إنذار. سارعت لاستطلاع الأمر، ظناً مني أن الرياح قد تكون السبب، لكن السكون كان يلف المكان، مما أثار استغرابي الشديد؛ لأدرك بعد لحظات من خلال وسائل الإعلام وقوع الحادثة. وفي هذا السياق، أكد سعادة المهندس سعد بن شريدة الكعبي، وزير الدولة لشؤون الطاقة، العضو المنتدب والرئيس التنفيذي لـ «قطر للطاقة»، في البيان الرسمي أن الحادثة ليست عملاً تخريبياً. إن هذا التأكيد يضعنا أمام حقيقة راسخة؛ فدولة قطر كانت ولا تزال بلاد الأمن والسلامة، ليس على مستوى المنطقة فحسب، بل على مستوى العالم، بفضل شفافيتها العالية ومنظومتها الأمنية والمهنية المتماسكة. إن هذه الفاجعة، بكل ما تعنيه من ألم، لا تحجب شمس الحقيقة الثابتة؛ وهي أن بلادي الحبيبة قطر قد أسست منظومة أمن وسلامة مهنية تضاهي أكبر الدول على مستوى العالم، بل وتتفوق عليها في كثير من الأحيان. فعلى سبيل المثال؛ تصدرت الدولة المركز الأول في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لعام ٢٠٢٦م مؤشر السلام العالمي. كما صنفت باستمرار ضمن المراكز الثلاثة الأول كأكثر الدول أمناً في موسوعة «نامبيو»، بالإضافة للالتزام الصارم للرقابة على التزام المشاريع الوطنية الكبرى بمعايير السلامة والمهنية في جميع مؤسسات الطاقة والهيئات الأخرى كهيئة الأشغال العامة «أشغال» على سبيل المثال لا على سبيل الحصر. إننا لا نبني نهضتنا على الصدفة، بل على الالتزام الصارم بمعايير مثل (ايزو ٤٥٠٠١) وتشريعات (الأوشا) الدولية، مدعومةً بفرق تفتيش وطنية تستخدم أحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي لرصد المخاطر وتجنبها. إن تميزنا في هذه المقاييس العالمية، التي تُشيد بها منظمة العمل الدولية والمنظمات المتخصصة، هو ما يجعل من منشآتنا الحيوية، رغم تعرضها لمثل هذه العوارض البشرية، بيئات عمل تُدار بأعلى درجات المهنية والشفافية. إننا في قطر نؤمن بأن الحكمة الحقيقية لا تكمن في غياب الأخطاء، بل في شجاعة الاعتراف بها والتعلم من دروسها. إن أي عارض يواجهنا ليس سوى جرس إنذار يدعونا لمزيد من المراجعة والتدقيق، ليصبح درساً إضافياً يُضاف إلى رصيد خبراتنا المتراكمة. فمثال حوادث سابقة نتج عنها تطوير السياسات العامة كرخص ومتطلبات الدفاع المدني. إن تفاؤلنا بالمستقبل يظل نابعاً من ثقتنا المطلقة بأن قيادتنا وشعبنا يضعون «الإنسان» دائماً في قلب القرار، وأننا سنمضي قدماً مسترشدين بقيمنا الأصيلة ومعاييرنا العالمية، لنحوّل كل تحدٍ إلى لبنة جديدة في بناء وطن يزداد يوماً بعد يوم أماناً واستقراراً. وليظل اسم قطر دائماً مقترناً بالرفعة، والتقدم، والنموذج الذي لا يرضى إلا بالامتياز العالمي. في الختام، يظل سجل دولة قطر الحافل بالإنجازات والأمان شاهداً على أننا نمضي على الطريق الصحيح. إن قيمنا العربية والإسلامية ستظل هي البوصلة والقيود الموجهة لعملنا، ننهل من التكنولوجيا العالمية، لكننا نؤصلها بروح وطنية تحمي الإنسان، وتصون المكتسبات، وتعدُ الأجيال القادمة بوطن لا يعرف المستحيل، ويبقى دائماً ملاذاً آمناً لكل من يعيش على أرضه. قال تعالى: {وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} البقرة ٢١٦.

492

| 28 يونيو 2026

أمير السلام

سبحان مغير الأحوال الحافظ؛ فبينما كانت أنظار العالم تتجه خلال الشهور الماضية نحو منطقتنا، مرتقبةً تصعيداً لم تشهد له مثيلاً منذ أكثر من قرن، وحينما واجهت المنطقة تهديدات وجودية غير مسبوقة، برز قائد من قلب الأحداث بدوره الفذ لينزع فتيل الأزمات، مستنداً إلى رؤية استراتيجية ثاقبة، وجهد دبلوماسي حذق، وإدارة رصينة لفض النزاعات. إنه حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد بن خليفة آل ثاني، أمير البلاد المفدى، أمير السلام. إن هذا السير الدؤوب لم يكن وليد اللحظة، بل هو تجسيد لعقيدة راسخة لدولةٍ نذرت نفسها لتعزيز استقرار العالم عبر الحوار لا المواجهة. ولعل أبرز البراهين على حكمة القيادة القطرية هو ذلك التوجه المؤسسي الذي كرّسه سمو الأمير، لا سيما مع التعديلات الدستورية عام ٢٠٢٤ التي جعلت من ‹الوساطة والحوار، ركيزة دستورية ثابتة في سياسة الدولة. ولم يظل هذا النهج حبيس النصوص، بل تجلى في الدبلوماسية القطرية خلال عام ٢٠٢٥، حيث قادت الدوحة مفاوضات مضنية نجحت في وقف نزيف الدم الفلسطيني، ولم تكتفِ بالدور التفاوضي، بل انتقلت بجرأة إلى قلب الحدث، مديرةً الأزمات ميدانياً عبر تأمين قنوات الإغاثة وإجلاء الجرحى؛ لتثبت قيادة سموه للعالم أن التوترات العنيفة يمكن تحويلها، بإرادةٍ صلبة وحكمة سياسية، إلى مساراتٍ للحل المستدام. إن أميرنا المفدى لم يدخر جهداً في سبيل السلام العادل الحافظ لسيادة الدول، حيث امتدت سياسته التي تتميز بالحنكة من خلال أدوات الدولة الدبلوماسية لتضم سلاماً شاملاً ليس للمنطقة فحسب، بل للعالم بأسره. فقلب الأزمة وشريان حياة العالم (مضيق هرمز) لا يقبل التهديد؛ فقاد سموه حوارات التهدئة من بؤرة العاصفة لخفض التصعيد بين المتصارعين الدوليين في الإقليم، وفي سبيل حفظ أمن الطاقة العالمي والممرات الملاحية في ساحل الخليج العربي والمضيق. وبالرغم من الاعتداءات التي طالت الدوحة خلال الفترة السابقة من طرفي الصراع تل أبيب وطهران، إلا أن حكمة سموه في مواجهة هذا الصراع الدولي الشائن تثبت بما لا يدع مجالاً للشك قدرة سموه على القبض بزمام الأمر عبر قوة التوازن التي لا غنى عنها في معادلات السياسة الدولية، مما جعل دولتنا الحبيبة قطر تحوز على الثقة الدولية في حل النزاعات بفضل موقفها الحيادي والنزيه والمشرف للأمة. وفي مسك الختام؛ نجد أن مسيرة «أمير السلام» ليست مجرد سياسات دبلوماسية نادرة، بل هو رسوخ شامخ ورؤية شاملة ثاقبة نحتت قطر كقلبٍ معدن صلب نابض للحوار العالمي. ولم يكن نجاح الدبلوماسية القطرية في تثبيت الهدن وليد الانفراد، بل جاء متوجاً بشراكات استراتيجية؛ حيث لعب التنسيق الوثيق بين الدوحة وإسلام أباد دوراً محورياً في ترسيخ الرعاية الدولية للهدن وتفعيل مسارات السلام، مما شكل لبنةً أساسية في بناء الاستقرار الإقليمي. هذا حصاد سياسة الحكمة لسمو الأمير، الذي حوّل الوساطة من مجرد محاولات إلى واقع ملموس، وجد صداه في أروقة الكبار؛ فكان حضور سموه في قمة الدول السبع «G7» الأخيرة بمثابة تتويجٍ مستحق لهذا المشهد الاستراتيجي، واعتراف دولي بأن قطر بقيادتها الحكيمة وشراكاتها الفاعلة، لم تعد مجرد وسيط، بل أصبحت بوصلةً عالمية لا يمكن الاستغناء عنها في معادلات الأمن والاستقرار. إننا اليوم، ونحن نرى هذا الحضور القطري المشرف في محافل القرار الدولي، ندرك أن أمير السلام حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني قد سار ببلادنا من دور الفاعل الإقليمي إلى دور الشريك الاستراتيجي الدولي الذي يكتب بيده فصول المستقبل العالمي، مؤكداً أن السلام، حين يقوده الحكماء، هو أفقٌ ممكن فاتح للخير وغالق للشر. حفظ الله سمو الأمير، وحفظ الله البلاد والعباد.

378

| 21 يونيو 2026

القيم الغربية

لم تكن القيم الغربية المُشاهَدَة اليوم وليدة اللحظة! بل هي تعاقب لرصيد متراكم من الثقافات عبر العقود والسنين ورغم ما يُشاع حول علمانيتها، وفصلها للدين عن السياسة، ودعوتها لاحترام التنوع الإنساني، إلا أن الاختبار الحقيقي لهذه القيم يكمن في مدى اتساقها مع مبادئها المعلنة. في سنة ٢٠١٠ ميلادية؛ عُرض مجسم فني لنحات إسباني اسمه «يوجينيو ميرينو» في معرض أركو للفنون المعاصرة في العاصمة الإسبانية مدريد. وقد كان المجسم يسمى بـ «درج إلى السماء» وهو عبارة عن شكل تمثال تبدأ قاعدته بمجسم لشخص يرتدي ملابس بيضاء في وضعية السجود يمثل المسلمين، واقفاً فوقه في وسط المجسم قس نصراني يرتدي السواد وهو في وضعية الجثو على الركبتين مع قبض اليدين عند الصدر في طقس رجاء النصارى، ومن فوقهم جميعاً ومن الأعلى حبر يهودي يرتدي الملابس التقليدية وهو في وضعية الوقوف. قامت سفارة الكيان الصهيوني بردة فعل من خلال الاحتجاج رسمياً معتبرةً هذا متقززا لليهود ولكنه بسبب تمثال آخر بجانبه على شكل بندقية آلية (رشاش) يخرج من فوهته شمعدان يهودي. لم تكن هذه الواقعة مجرد حادثة فنية، بل كانت كاشفة لسطوةٍ تتجاوز الفن؛ حيث أثبتت تلك «الخطوط الحمراء» التي فُرضت بقوة الضغط، أن المنظومة القيمية الغربية - بما تدعيه من انفتاح وحرية - تبدو انتقائية وموجهة حينما يتعلق الأمر بمركزية العقيدة الصهيونية ومكانتها داخل ذلك النسق. في لقاء مثير للجدل على منصة «دي ول واتش» مع الإعلامي الروسي ذي العلاقة البارزة والمقربة من الكرملين «فلاديمير سولوفيوف»، تحدث بمنتهى الصراحة منزوعة الدبلوماسية عن ازدواجية القيم الغربية وتناقضها من حيث معايير حقوق الإنسان، فقد ارتكبت جرائم فظيعة ضد شعوب الأرض قاطبة عبر التاريخ. فوصفهم بأنهم كالفراشات التي تفقد الذاكرة! وفي مقابلة مع قناة إيطالية أخرى انتقد فيها الموقف الأوروبي تجاه الأزمة الأوكرانية. كما سلَّط الضوء على الانهيار الأخلاقي وفوضى القيم المتراجعة. مما بيَّن الكثير من الحقائق الواقعية للأزمات الاجتماعية التي يعاني منها الغرب الأوروبي، والذي حاول تقضيته باستقطاب العمالة الشرقية لعل ذلك يرقع الهوة العميقة في المجتمع الغربي. تعاني المجتمعات الغربية من أزمةٍ بنيويةٍ في صميم نسيجها الاجتماعي، حيث أدت «الفردانية المفرطة» إلى تآكل مفهوم الأسرة والروابط الجماعية. لقد تحول الإنسان في تلك المنظومة إلى ذرةٍ معزولة، تغرق في مستنقع من الخواء الروحي والعزلة الإنسانية، متوهماً أن التحرر من القيم هو ذروة الرقي. لكن الواقع يشير إلى أن هذه الحرية المطلقة - بمعزل عن المسؤولية الاجتماعية - قد أنتجت مجتمعاتٍ مفككة تفتقر إلى صمامات الأمان التي توفرها منظومة القيم الأخلاقية المتماسكة. في المقابل، تقدم القيم العربية والإسلامية نموذجاً حضارياً يقوم على مبدأ «التوازن»؛ فهي لا تلغي الفرد، بل تضعه ضمن إطارٍ أوسع من المسؤولية تجاه الجماعة والأسرة. إن قيم العدالة، الرحمة، والتكافل ليست مجرد شعارات، بل هي منظومةٌ متكاملة لحماية الإنسان وتنمية المجتمع. وعلى خلاف التوجهات التي تعلي من شأن الأنا المفرطة، تؤكد مرجعيتنا أن استقرار الفرد رهينٌ باستقرار محيطه، مما يجعلها اليوم - أكثر من أي وقت مضى - حاجةً إنسانية لتصحيح بوصلة الأخلاق العالمية. ختاماً، إن القيم التي تُفرض اليوم كـ «معايير كونية» لا يمكن أن تستقيم طالما أنها تغض الطرف عن ازدواجيتها وانتقائيتها. إن العالم في أمسِّ الحاجة إلى مراجعةٍ شجاعة، تتجاوز الاستعلاء الثقافي وتؤمن بـ «تلاقح القيم» بدلاً من هيمنة نموذجٍ أحاديٍّ مأزوم. ولن يكون بمقدور القوى الغربية الاستمرار في تقديم دروسٍ أخلاقيةٍ للعالم، بينما تعجز هي عن حل أزماتها الداخلية. آن الأوان لنعتز بمرجعيتنا الأخلاقية، ونطرحها بقوةٍ كنموذجٍ حضاريٍّ متوازنٍ وقادرٍ على حماية الإنسان، لا على هدمه باسم الحرية.

462

| 14 يونيو 2026

إلغاء كأس العالم!

ليست مجرد مخاوف يظنها المتابع لنسخة كأس العالم ٢٠٢٦ القادمة، والتي ستقام في ثلاث دول مشتركة لأول مرة وهي الولايات المتحدة والمكسيك وكندا. إن التاريخ حين يتم تأمل مسيرة تاريخه الكروي، نجد أنه شاهد على انهيار أنظمة دولية ونهوض أخرى خلال القرن الفائت؛ فعبر قرن من الزمان ونسخ للبطولة طواها النسيان أصبحت البطولة جزءا لا يتجزأ من التاريخ الإنساني العالمي، وأخرى أصبحت علامة فارقة في سجل الإنجاز البشري، كمونديال قطر ٢٠٢٢م الذي أصبح نموذجا تاريخيا مثاليا أعاد صياغة معايير لأي دولة سابقة أو لاحقة عبر العصور بشهادة القاصي والداني حول العالم. والذي أثبت بما لا يدع مجالاً للشك، أن نجاح التجربة القطرية لا يُقاس بحجم مساحة الجغرافيا، وإنما بالكفاءة الإدارية، مما جعلها اليوم بوصلة ملهمة للدول العربية والعالمية في الفعاليات الكونية. ولكن هل تعلم عزيزي القارئ أن هذه البطولة نفسها قد واجهت يوماً ما شبح الفناء، حيث أُلغيت قسراً في عامي ١٩٤٢ و١٩٤٦؟ نعم عزيزي القارئ فهي نفس دوافع مخاوفك عند قراءة عنوان المقال للوهلة الأولى، ولكن بشكل حقيقي غير واهم! يعود بنا الزمن إلى منتصف القرن العشرين، حيث كانت "الرياضة" هواية ووطنية في عالمٍ يشتعل تحت الرماد وواقع الحرب العالمية الثانية. ففي سنة ١٩٤٢ و١٩٤٦، لم يكن "الفيفا" يواجه عوائق ملاحية بالنقل أو مخاوف تنظيمية، بل كان يواجه انهياراً كاملاً للمنظومة الدولية التي تمنح للرياضة معناها القاري؛ فقد تعطلت وسائل النقل بالكلية إلا للغايات الحربية، وتقطعت الحدود، وتحولت الملاعب من ميادين للتنافس السلمي إلى حصون حربية مدججة بشتى الأسلحة. كان إيذاناً بصمت صافرة الحكم والإلغاء الرسمي للبطولة في حينه، وإعلان عالمي بغياب لعبة الشعوب في زمن الحروب. يعود بنا الزمن إلى منتصف الأربعينيات، حيث لم تكن "الرياضة" حينها إلا ورقةً في مهب عاصفة الحرب العالمية الثانية. ففي عام ١٩٤٢م، وفي ذروة الصراع الذي مزق القارات، واجه الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) خيارات وجودية؛ فقد كانت الدول الأعضاء منقسمة بين محاور القتال، مما جعل إقامة البطولة مستحيلاً في ظل حصار الموانئ وتوقف خطوط الإمداد. ورغم ذلك، برز دور الفرنسي "جول ريميه"، رئيس الفيفا ومبتكر فكرة كأس العالم، الذي قاوم بضراوة محاولات الضغط لإنهاء نشاط الاتحاد، متشبثاً بحلمه في أن تظل الكرة جسراً عابراً للحدود. ومع اقتراب عام ١٩٤٦م، كانت الأوضاع الدولية أكثر قتامة؛ فالقارة الأوروبية تعيش على أنقاض الدمار، والسيادة الوطنية كانت معطلة تحت وطأة الاحتلال والانهيار الاقتصادي. وفي مؤتمر لوكسمبورغ التاريخي، خاض ريميه مفاوضات مضنية ومحاولات أخيرة لإحياء البطولة، لكن الواقع السياسي كان أقوى من "الصافرة"، حيث تعطلت وسائل النقل بالكلية لخدمة المجهود الحربي، وأغلقت الحدود بإحكام، وتحولت الملاعب من ميادين للتنافس السلمي إلى حصون عسكرية مدججة. كان الإلغاء الرسمي حينها اعترافاً بانهيار المنظومة الدولية التي تمنح للرياضة معناها، وإعلاناً صريحاً عن غياب "لعبة الشعوب" في زمنِ الحروب. لم يكن الإلغاء في الأربعينيات مجرد سقطة لتماسك العلاقات الدولية الرياضية، بل كان لحظة كشفٍ لهشاشة النظام الدولي؛ ولولا إصرار البرازيل على تبني استضافة نسخة عام ١٩٥٠م - رغم دمار البنية التحتية العالمية آنذاك - لربما طوى النسيان هذا المحفل الكوني للأبد. إن تلك الروح البرازيلية التي انتشلت البطولة من تحت ركام الحرب، نراها اليوم وقد تحولت من "محاولة استدراك" إلى "نموذج مؤسسي" رسخته قطر ٢٠٢٢م. وبينما يترقب العالم بقلقٍ مصير الملاعب في نسخة ٢٠٢٦م، خاصة مع المشهد الحالي في المكسيك وما يشهده من اضطرابات أمنية عارمة أعقبت القبض على أحد زعماء العصابات، يبرز جرس إنذار يهدد استقرار البطولة؛ ففي حين تسود حالة التوجس الشارع المكسيكي وتُنذر باحتمالات التعثر، تبرز دوحتي الغراء كنموذجٍ مغايرٍ تماماً. لقد أثبتت دولتي الحبيبة قطر أن الأمن ليس مجرد إجراءات، بل هو "سيادة مطلقة" تحمي البطولة من أي اختراق، مقدمةً للعالم مرجعاً إستراتيجياً وبديلاً آمناً حين تُظهر هشاشة الأنظمة عجزها عن حماية إرث الرياضة من عبث الفوضى. إن الدرس القطري واضح، فنجاح هذه الفعاليات الكونية لا يُقاس إلا بمدى القدرة على حماية الهوية الثقافية الدينية والسيادة الوطنية أمام أي ضغوط جيوسياسية، لئلا تصبح "نسخ المستقبل" قابلةً للتعثر، تماماً كما حدث قبل ثمانية عقود.

807

| 07 يونيو 2026

الأصدقاء عبر الزمن

"قد تكون نفسي بالأمس لا تعرف من أكون الآن؟! ولا أصدقاء اليوم يعرفون ما سأكون عليه في الغد. إنه لأمر عجيب، فلم أعد أملك انعكاساً لصورة نفسي بعد اليوم؛ فالنسخة التي كنتُ عليها والشخصية التي أتحول إليها ليس لهما ذات الشهود لرحلة البداية والنهاية. لقد بات قدامى الأصدقاء لا يعرفون من أكون الآن، وجدد الأصدقاء لا يعرفون ما كنتُ عليه في الماضي؛ فكلتا النسختين أحملهما بمفردي، غريباً وممتناً، من البداية وحتى موضع الوقوف". "كان يا مكان عبر الزمان ومنذ نعومة أظفارنا؛ ففي الطفولة الباكرة، يكون وعي الإنسان بشقيقه الإنسان بريئاً بحدود الصغر. كان الصديق آنذاك هو من يبادر بالابتسامة، وفي مرحلة أخرى يشاركنا بهجة اللعب المبدع بخيال الفطرة والعفوية، أو يجاورنا على مقاعد البساتين الدراسية، ولم نكن نلتفت للنسخ أو التحولات الرقمية، فالغد كان بعيداً جداً عن الواقعية ولا يشغل بال النفس الطرية. ولكن، مع اتساع مداركنا والعبور نحو بوابات الفتية، يبدأ الوعي في التمرد والتغير إلا من رحم رب البرية؛ ولستُ من أنصار مصطلح 'المراهقة' بل مع حقيقة فتية أبطال هذه الأمة العصية. وتتحول الصداقة في كل محطة من محطات العمر؛ ليسقط شاهدٌ قديم ويُولَدَ صديقٌ جديد، لنجد أنفسنا في نهاية المطاف نقف في منتصف العمر، أمام حقيقة أن اتساع الوعي غدا المتهم الأول بجعل أصدقاء الماضي غرباء عن حاضرنا، وأصدقاء الحاضر جهلاء بماضينا". "ولكن، ومع قانون التحولات الوجودية، نصل إلى موضع الوعي الحاضر؛ مرحلة النضج الحكيم حيث تتغير كينونة الصداقة في عين الإنسان تَبَعاً لاتساع وعيه، والسقوط في منزلق الأخطاء والهفوات المسببة للشجار مع الأصدقاء. ففي هذه المحطة المتأخرة من العمر قد تتولد العداوات؛ حيث لم يعد اللهث خلف كثرة الأصدقاء غاية، ولا نجزع لقلة رصيد العلاقات المبنية على الصداقات، بل ندرك أن السنين كانت بمثابة مصفاةٍ عادلة تتساقط منها العلاقات الهشة، بل ويتغير فيها حتى ما كان صادقاً منها، ومع ذلك فليس الذي كان هو الذي كان". الصداقة هنا، وفي فضاء الوعي الجديد، لم تعد بحاجة إلى ثرثرة الألسنة أو تقاسم الوجه للابتسامات الصفر اليومية؛ بل تغدو قدرةً مذهلة على مشاركة الصمت دون حرج، حيث يفهم الصديق الحقيقي صاحبه بلمحة عين، ويقرأ غيبته بقلب صافٍ ونفس متغافلة عن الزلات. إننا نصل إلى التصالح مع غربة الذات، ونكتشف أن الصديق في سنين النضج ليس مرآة لماضينا ولا جهلاً بحاضرنا، بل هو شريك السكينة الذي يتكئ معنا على ذات جدار الأمل، عابراً بنا نفق الزمن بوفاء صامت، لنصبح-رغم انشطار نسخنا-أقل غربةً وأكثر امتناناً لرحلة البداية والنهاية". إن ماهية الوعي بالصداقات عبر الزمن تكمن في تلك المقارنة الحية بين ما كنا نحس به بقلوبنا الغضة؛ يوم كانت الصداقة في وجداننا طمأنينة مطلقة، ويقيناً لا يقبل الشك، ومظلة نحتمي بها من برد الأيام دون حسابات أو مخاوف، وبين ما صرنا نحس به اليوم بعد أن أدركنا أن العلاقات الإنسانية ليست قدراً ثابتاً، بل كائن يتأثر بتقلب الفصول وسيولة الهوية الإنسانية. لقد علّمنا هذا الوعي إعجازاً خلقياً لا نظير له، وإن كان تارةً عفوياً في الإدراك وصادقاً في التعبير، وبعض الأحيان مغلفاً بالاغتراب والعداوات الطارئة؛ فلنا أن نغفر للعابرين، وأن نمتنّ ونسامح نسخنا القديمة منا ومنهم، وأن نحتفي بـ 'شريك السكينة' الباقي بوفاء صامت الروح. وفي نهاية المطاف، وفي موضع الوقوف، تنقشع غيوم الحيرة، ويتصالح الإنسان مع وحدانية رحلته وعزلة وعيه الكينوني، ليدرك أن الملاذ الحقيقي والرباط الأسمى الذي لا تبدده السنون ولا تغيره الفصول هو بحبل الله المتين وقدره الجاري في أطوار خلقنا؛ قال تعالى{هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا ۚ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ مِن قَبْلُ ۖ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُّسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} غافر: ٦٧".

432

| 31 مايو 2026

الإبعاد الإداري في القانون القطري
الإبعاد الإداري في القانون القطري

لا شك أن قطر من الدول الرائدة التي...

11604

| 17 أغسطس 2026

حماية المستهلك
حماية المستهلك

فيه مشهد يتكرر في أسواقنا ويستحق وقفة مطولة،...

4128

| 17 أغسطس 2026

بغداد.. متى تعود بغداد؟
بغداد.. متى تعود بغداد؟

منذ سنوات وأنا أتابع ما يجري في بغداد...

3075

| 16 أغسطس 2026

حين تُفسد الإدارة ثقافة المؤسسة
حين تُفسد الإدارة ثقافة المؤسسة

ليست كل الأزمات التي تواجه المؤسسات مالية أو...

1722

| 16 أغسطس 2026

موافقة المريض على العملية  لا تعفي الطبيب من المسؤولية
موافقة المريض على العملية لا تعفي الطبيب من المسؤولية

لا تنحصر رسالة القضاء في الفصل في الخصومات...

1212

| 15 أغسطس 2026

قالت لها: سفينة... فماذا فعلت السفيرة؟!
قالت لها: سفينة... فماذا فعلت السفيرة؟!

من المواقف التي لا تُنسى في ملتقيات القمم...

1104

| 17 أغسطس 2026

وصية «أم الخير»... أم حسن
وصية «أم الخير»... أم حسن

فزّت «أم علي» من نومها ومستضيقه. شافتها أمها:...

690

| 17 أغسطس 2026

الطلاق المهني.. وعي المؤسسات خط الدفاع الأول
الطلاق المهني.. وعي المؤسسات خط الدفاع الأول

في العلاقات الإنسانية، نتحدث كثيرًا عن فن البدايات،...

636

| 16 أغسطس 2026

بغداد.. متى تعود؟ وكيف تعود؟
بغداد.. متى تعود؟ وكيف تعود؟

قرأت مقال الدكتور حمد بن عبد العزيز الكواري...

627

| 18 أغسطس 2026

مخاوف صهيونية
مخاوف صهيونية

تنظر فئات من الناس إلى دولة الاحتلال الإسرائيلي...

600

| 15 أغسطس 2026

حصان طروادة
حصان طروادة

تروي الأسطورة أن مدينة طروادة صمدت سنوات أمام...

594

| 19 أغسطس 2026

حين تكتب الدوحة عن بغداد... يزهر في القلب الأمل
حين تكتب الدوحة عن بغداد... يزهر في القلب الأمل

إلى الدكتور حمد بن عبد العزيز الكواري… شكراً...

546

| 16 أغسطس 2026

أخبار محلية