رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يقترب النأي كثيرا فيصبح ضربا من القرب الناء، وينأى القرب إلى درجة يكون فيها نأيا قريبا جدا.
لا يروم القرب نأيا هنا، ولا يبحث النأي عن قرب له هنالك، بل ينزعان إلى الآخر نزوعا عفويا كنزوع الأثر إلى الخطوة، والظل إلى الشمس، إنهما يهربان من بعضهما البعض فيمتزجان في الآخر، ونراهما في تضاد حاد لا مجال معه للتوافق، ولو رأينا أخرى لوجدناهما ائتلافا متسقا لا سبيل فيه إلى التنافر.
وبين نأيين يمتشق القرب قوامه السافر، وبين قربين يبرق النأي المسافر.
وبين هذين المسارين المتجاذبين، اللذين بهما يشتد عود المسافة، ويحتد نظر المعنى، يكتسي الكلام عن الشاعر الدكتور حسن النعمة شكلا من الصمت الفصيح، ويغامر الصمت في حلبات الغناء الصادح.
تتسع الرؤية في تجربة النعمة - الشاعر والدبلوماسي الأديب - أو تضيق، فإننا نجد إزاءنا من العبارة سكونا مطبقا، كأن الأمر لا يعنيها، وحيث يبلغ الإفراط في التذوق شأوا طويلا وشمما عاليا، فإن قامة الحديث تظل متضائلة، كأن الحال يستدعي مطاولة نقدية ممتدة الزمان وفسيحة النطاق، أو غرقا في مناخ العقود الثمانية الأخيرة من عمر قطر، واستدعاء لأمزجة الدهر العربي الحديث وهي بين انقباض وانبساط، واستحضار لذاكرات منثورة في المدى، محفوفة بالجوع والفيض والندى، كما واستجماعا لقطع من الوجوه والقلوب والصور والأصوات، فرقتها يد الخليج في مخابئ مصر والهند وأمريكا وتركيا.
هكذا يبدو الخيط العريض الناظم لحياة النعمة، خريطة من الترحال في مرايا الذاكرة، وعالما تفتح نوافذه على نوافذ أخرى، وطريقا يفضي إلى طريق آخر، إلى أن يتبدى الشجن دليلا للإحاطة، وكشفا للسر، وهداية للغواية، أعني الشجن الذي يحل عقدة الانطباع، تجاه هذه التجربة التي اختمرت طويلا في ثنايا الزمان، وارتبعت بين روض وقفر، واعتلت آفاقا، وانتبذت وديانا، فحل وصالها متقطعا، وجاء حضوره رهين التلقائية التي يحركها وجدان الشعر، وكما لو أنها تكشفت بتقادم الهموم والقضايا السياسية في محيطنا العربي، وباحتدام الهواجس والمواقف في محيط النعمة، ثم بزغت في لحظة الإغفال، وتجلت في معرض التناسي.
وما الشعر إلا نهلةٌ واندفاقةٌ
وفَرْطُ رجاءٍ نبْعُهُ لم يزل ثرّا
نصوغُ به الذكرى طُيوفًا جميلةً
وفَيْئًا وَريفَ الظلّ يبترد الصدرا
بقدر الانسياب الذي تتركه قصائد شاعرنا في نفس قارئها، بحجم الحيرة التي تلفّها -القصائد- حول قلم هذا القارئ، على الأقل في حالتي هذه، التي كثيرًا ما تساءلتُ حيالها: كيف ينبغي الكتابة عن حسن النعمة؟ على نحو يفصح عن مكانته وموقعه سيّما في التاريخين الثقافي والدبلوماسي القطري، ولا يخل باتساع مسيرته، ولا يقصر في حقها. قد تكون ثمة نبرة احتفائية، والحق يقال ما المانع من الاحتفاء؟ إذا كان النعمة قد ترك هذه المسافة، لا لمن يقوم بها من الأغيار، بل زهدا في تصديرها من جهة، وانهماكا في شؤون أحواله من جهة أخرى.
كأنما أراد أن يعيش في الحياة، متبتلا في عوالمها السرية، متمسكا بعُراها الخاصة، ملتزما بحماها المغلّقة، لا أن يعيش من أجلها، ويباهي بها القاصي والداني.
والحقيقة أن ما يسترعي التفكير في حياة النعمة وشعره ومواقفه، ليس القيمة الإبداعية والتاريخية التي يحملها وحسب، إنما ذاكرة البلاد التي ضمها في ساعديه بين حله وترحاله، وعيون الأخبار التي عبرت عن مقالة حاله، ولو قررت أن أمضي نحو استنطاق صمته، واستكناه قلبه، لركبت في ذلك الصعاب، وحملت نفسي ما لا يجوز احتماله، فدعوني أحدث عن فقرات حياته كما حدث عنها بنفسه، وذكره الآخرون عنه، أعني الكتاب الذي صدر حديثا عن دار نشر كتارا للناقدة المتميزة د. مريم عبدالرحمن النعيمي، وتكون من جزأين احتوى الأول على خمس وأربعين قصيدة من قصائده، موشّى بثلاثة فصول تناولت جوانب من سيرته العريضة، بينما خُصص الجزء الثاني لدراسة فنية للمضامين الشعرية والأنساق الموسيقية عند حسن النعمة.
ولأنه ما أستعرضه هنا وجيز جدا، وليس بالطبع عرضا لهذين الكتابين اللذين بذلت فيهما الأستاذة مريم النعيمي جهدا جليلا، فإنه إذن لا يستوفي سياقا فسيحا - من حياة النعمة - كالوادي الأبطح، غمرته الأحداث على مدى الأعوام الطوال، وتعرضت له رياح المواسم المتقلبة، ومرت عليه نسائم السنين، ونبتت على ضفافه زهور العشب، ولم ينضب معينه.
ولد شاعرنا حسن النعمة في عام ١٩٤٢م، يقول: "ولدت في سوق واقف، لأن الأم في العادات القطرية تضع مولودها في بيت الأب، وبيت جدي لأمي - رحمه الله - في أحد أهم مواقع سوق واقف، وأنا نشأت في هذا البيت، وأتمنى أن أموت في سوق واقف، وأتردد بشكل يومي على سوق واقف، ولا أعرف سواه في قطر".
التحق سنين طفولته بالكُتّاب ثم سرعان ما انتظم في المدارس النظامية، وفي عام ١٩٥٨م انخرط موظفا متدربا في وزارة التربية والتعليم، ومن الطريف أنه حضر في ذلك العام مؤتمر الأدباء العراقيين المنعقد في بغداد وهو ابن ست عشرة سنة، وشارك بعد ذلك بعام في مؤتمر أدبي عقد في الكويت، مما يشير إلى كونه ربما بدأ ينظم الشعر آنذاك، وهي سن صغيرة جدا بمعاييرنا الحديثة، وكيف لفتى أن يتقصد المحافل الأدبية في ذلك العمر والزمان، إلا بنضج تام، ونظر بعيد، وروح واعية؟.
يذكر النعمة أنه شهد حفل افتتاح دار الكتب القطرية عام ١٩٦١م حيث ألقى قصيدة في ذلك المحفل، وليس يُعرف الكثير عن الأعوام الخمسة التي توالت بعدها، إلا ارتباطه بالعمل الحكومي، غير أنه كان - بلا شك - أكثر ارتباطا بالقضايا العربية وهواجسها وهمومها، التي كانت تحتدم احتدامها المشهود في تلك الفترة الحرجة. وبين شاغل قومي، وسعي معيشي، وتحصيل علمي، تخرج الشاب المتدفق شعرا حسن النعمة من مدرسة الدوحة - كانت في مقام الجامعة - عام ١٩٦٦م، وبعد ذلك بعامين انتقل للدراسة في جامعة كامبردج: "وانصرمت فيها خمس سنوات من العمر لدراسة الدكتوراه، فدرست الدراسات الشرقية في الفكر المقارن. الفكر الإنساني المقارن". ومما يُذكر أن المستشرقة الألمانية المعروفة آنا ماري شيمل قامت بمناقشة رسالته في الدكتوراه مع مجموعة من الأكاديميين، وليس بمستبعد أنه ارتبط بشخصيات علمية أدبية ذات تأثير، تحديدا أثناء دراسته في المملكة المتحدة. ومن عَجَبٍ أن تحول إثر عودته إلى السلك الدبلوماسي دون سابق تقدير، إذ كان مزمعا له العمل في السلك التعليمي، فحزم متاعه واتجه سفيرا لقطر في الهند، التي طاب فيها المقام قرابة عقد ونصف، إذ وجد فيها موطئا للتخفف وأرضا للاكتشاف، كما ومرتعا يفيض بالألوان المختلفة من الشعر سيما الشعر الصوفي الهندي، والفن والموسيقى، ولعل أهم مكتنزات الهند قد تجلت في اتصاله بالشاعر السوري عمر أبو ريشة، إذ توثقت بينهما عرى الصداقة، وجمعهما الود والشعر والأدب واهتمامات متعددة. وقدر له بعد ما غرس في تراب الهند نخيلا ووردا، أن ينتدب إلى الأمم المتحدة عام ١٩٨٩م، حيث قضى بها ردحا ناهز السبع سنين، وصادف أن تسنمت قطر حينها رئاسة مجلس التعاون الخليجي إبان غزو الكويت الغاشم أغسطس عام ١٩٩٠، فوجد نفسه في مواجهة سلسلة من المسؤوليات الثقيلة، لم يتخفف عنها كاهله إلا بعد انتقاله إلى تركيا، حيث وجد فيها أُنسا، ورِواء، وعودا إلى جذور تالدة، وتحررا من قيود جمة، حملته على المصاعب: "كان دافعي للعمل في تركيا هو محاولة العودة للجذور والروح". ولا ريب أن المعنيّ هنا هو الجانب الحضاري بطابعيه العربي والإسلامي في الإرث العثماني-التركي.
في ٢٠٠٢م بلغ العمل الدبلوماسي الطويل ذروته، فتيسر له أخيرًا أن يلقي عصا الترحال بعد سبعة وعشرين عاما، ويشغل منذاك مستشارا ثقافيا لدى سمو الأمير الوالد.
إن هذه المسيرة الدبلوماسية والشعرية لقصة عريضة تفيض بالفوائد والشواهد، وباب من أبواب ذاكرة قطر المعاصرة، ونظرة من نظراتها، ساهمت الأستاذة مريم النعيمي في جمعها وإخراجها، والاستزادة عبر قراءة محطاتها ونقد ملامحها وإبراز مآثرها. وبالرغم من أهمية هذا العمل وثرائه، إلا أن السيرة الذاتية للأستاذ النعمة تبقى ذات إلحاح، باعتبارها سردية - قل نظيرها - تجمع مراحل التطور القطري، منذ الأربعينيات الميلادية،
ومؤالفتها بين مساقات مختلفة متباينة، وتبحر النعمة فيها، كما وارتباطه الوثيق بشخصيات أدبية وفنية محلية كالشاعر الطبيب حجر البنعلي والموسيقار عبدالعزيز ناصر العبيدان (ابن خاله)، وعربية مثل عمر أبو ريشة - كما تقدم - والطيب صالح وصلاح عبدالصبور.
لقد كان الدكتور حسن النعمة قريبا جدا بمقدار نأيه، ونائيا جدا بحجم قربه، فلم يشبهه أحد.
أهمية تنمية وإدارة الموارد البشرية
تُعد الموارد البشرية الركيزة الأساسية لنجاح المؤسسات وتحقيق أهدافها، إذ إن العنصر البشري هو المحرك الرئيس للإنتاج والتطوير... اقرأ المزيد
120
| 05 يونيو 2026
رمز QR.. مسح سريع وخسارة كبيرة
أصبح رمز الاستجابة السريعة (QR) جزءًا من تفاصيل يومنا؛ نمسحه لقراءة قائمة طعام، أو لدفع رسوم موقف سيارة،... اقرأ المزيد
126
| 05 يونيو 2026
كيف نردع المتنمرين ؟
إن التنمر ينتشر غالبا بين الأطفال والمراهقين، سواء في المدرسة أو بين أبناء الأقارب أو غيرهم، وذلك يرجع... اقرأ المزيد
96
| 05 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها بثقة الرجال الكبار، برز اسم عبدالله بن حمد العطية كأحد أهم العقول الوطنية التي لعبت دوراً محورياً في صناعة نهضة الدولة الحديثة، وتحويل قطاع الطاقة إلى قصة نجاحٍ عالمية تُروى باحترام وإعجاب. لم يكن الراحل مجرد وزير أو مسؤول تنفيذي في قطاع النفط والغاز، بل كان رجل دولة من الطراز الرفيع، جمع بين الرؤية الإستراتيجية والحنكة السياسية والقدرة الفائقة على إدارة الملفات المعقدة في واحدة من أكثر الصناعات حساسية وتأثيراً في العالم. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً من متابعتي الصحفية لقطاع الطاقة في جريدة الشرق، عرفت عبدالله بن حمد العطية عن قرب، فوجدت فيه نموذجاً فريداً للمسؤول الذي يعمل بصمت، ويتحدث بلغة الإنجاز لا الشعارات. كان يؤمن بأن بناء قوة قطر الحقيقية يبدأ من حسن استثمار مواردها، ولذلك كرَّس جهده وعلاقاته وخبراته لترسيخ مكانة الدولة في الأسواق العالمية للطاقة. في عهده، شهدت قطر التحول الأكبر في صناعة الغاز الطبيعي المسال، حتى أصبحت واحدة من أهم الدول المصدّرة للطاقة في العالم، وصار اسمها حاضراً بقوة في القرارات الاقتصادية الدولية. كما لعب دوراً بارزاً في تعزيز حضور قطر داخل منظمة أوبك والمحافل العالمية، حيث كان يحظى باحترام واسع بين كبار المسؤولين وصناع القرار في قطاع الطاقة الدولي. تميَّز رحمه الله بشخصية قيادية تجمع بين الحزم والهدوء، وبين الدبلوماسية والقدرة على اتخاذ القرار في الأوقات الصعبة. وكان قريباً من الجميع، يقدّر الكفاءات، ويحترم العمل المهني، ويؤمن بأن نجاح الوطن مسؤولية مشتركة. لقد كان عبدالله بن حمد العطية واحداً من رجالات مرحلة التأسيس الكبرى، والذين ساهموا بإخلاص في نقل قطر من دولةٍ ناشئة في قطاع الطاقة إلى قوة اقتصادية عالمية ذات تأثير وثقل دولي. واليوم، وبرحيله، تفقد قطر اسماً كبيراً من أسماء جيل البناء، لكن سيرته ستبقى حاضرة في ذاكرة الوطن، وفي كل إنجاز تحقق على أرض هذه البلاد. رحم الله عبدالله بن حمد العطية رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء.
6753
| 30 مايو 2026
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
2793
| 31 مايو 2026
قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير من الأسر، وكان الاحتفاظ بجزء من الدخل للمستقبل أمرًا بديهيًا. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف أن نسمع عن أحدث سيارة، أو أغلى ساعة، أو وجهة السفر القادمة، بينما يتراجع الحديث عن الادخار والاستثمار والتخطيط المالي طويل الأجل. وفي الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات الدخل وتحسنت فيه مستويات المعيشة، برزت ظاهرة تستحق التأمل؛ فالكثير من الناس أصبحوا ينفقون أكثر مما كانوا يفعلون في السابق، ليس فقط على احتياجاتهم الأساسية، بل على المظاهر وأنماط الحياة التي يشاهدونها من حولهم يوميًا. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا أصبحنا ندخر أقل وننفق أكثر على المظاهر؟ وهل المشكلة في حجم الدخل أم في طريقة إدارة المال وتحديد الأولويات؟ لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا من السلوكيات المالية. فلم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن حوله فقط، بل أصبح يقارن نفسه يوميًا بآلاف الأشخاص الذين يشاهد تفاصيل حياتهم وسفرهم وسياراتهم ومقتنياتهم الفاخرة على مدار الساعة. ومع صعود المؤثرين وصناع المحتوى، أصبح التركيز على المظاهر والعلامات التجارية والسفر والمقتنيات باهظة الثمن أكثر حضورًا من أي وقت مضى. ولا تكمن المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعي أو في نجاح المؤثرين، بل في غياب الوعي لدى بعض المتابعين بأن ما يُعرض على الشاشات هو جزء محدود ومنتقى من الواقع. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت المقارنة أسهل من أي وقت مضى، لكنها لم تجعل بناء الثروة أسهل. ومن المهم هنا التفريق بين الثروة والاستهلاك. فهناك من يمتلك ثروات كبيرة أو استثمارات ناجحة أو أصولًا متراكمة عبر سنوات طويلة من العمل والاجتهاد، ومن الطبيعي أن ينفق على ما يرغب فيه من ساعات فاخرة أو سيارات مميزة أو مقتنيات ثمينة دون أن يشكل ذلك عبئًا على أوضاعه المالية. فهذه الفئة بنت ثروتها أولًا ثم استمتعت بثمارها لاحقًا. أما القضية التي تستحق النقاش فهي سعي بعض أصحاب الدخول المتوسطة أو المحدودة إلى تقليد أنماط إنفاق لا تتناسب مع أوضاعهم المالية الحقيقية. فقد ينفق البعض جزءًا كبيرًا من دخله أو مدخراته على ساعة فاخرة أو سيارة أو حقيبة من علامة تجارية عالمية أو رحلات متكررة، بينما كان بالإمكان توجيه جزء من تلك الأموال إلى الادخار أو الاستثمار أو بناء أصل يدر دخلًا مستقبليًا. إن المشكلة ليست في اقتناء السلع الكمالية بحد ذاتها، بل في أن تتحول إلى معيار للنجاح أو المكانة الاجتماعية. ولعل من أبرز مظاهر هذا التغير ما نشاهده من سباق نحو اقتناء العلامات التجارية العالمية، سواء في الساعات أو الحقائب الفاخرة أو السيارات أو غيرها من السلع الكمالية. فبعض الأشخاص يقضون سنوات طويلة في ملاحقة المظاهر الاستهلاكية، بينما يقضي آخرون السنوات نفسها في بناء محافظ استثمارية أو أصول عقارية أو مشاريع منتجة. وبعد عشر أو عشرين سنة تظهر النتائج بوضوح؛ فالأول قد يمتلك ذكريات مشتريات كثيرة، بينما يمتلك الثاني أصولًا تدر عليه دخلًا وأمانًا ماليًا واستقلالًا اقتصاديًا. وفي عالم ترتفع فيه تكاليف المعيشة وتتآكل فيه قيمة الأموال بفعل التضخم، لم يعد الادخار وحده كافيًا. ولهذا أصبحت الثقافة المالية الحديثة تقوم على ركيزتين أساسيتين: الادخار والاستثمار. فالادخار هو الخطوة الأولى نحو بناء الثروة، أما الاستثمار فهو الجسر الذي ينقل المدخرات إلى أصول منتجة. ومن الوسائل الفعالة لتعزيز ثقافة الادخار والاستثمار أن يضع الإنسان لنفسه أهدافًا مالية واضحة ومحددة، مثل شراء منزل، أو تأمين تعليم الأبناء، أو تكوين محفظة استثمارية، أو تحقيق الاستقلال المالي في مرحلة لاحقة من العمر. فوجود هدف واضح يجعل الإنسان أكثر قدرة على مقاومة الإنفاق غير الضروري، ويمنح الادخار معنى وغاية. ولا يقل أهمية عن ذلك تنمية الثقافة الاستثمارية وفهم الأدوات المالية المتاحة. وليس المقصود أن يتحول كل شخص إلى خبير في الأسواق، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تساعده على اتخاذ قرارات مالية أكثر وعيًا. ففي عصر تتوفر فيه المعرفة بضغطة زر، لم يعد التعلم المالي رفاهية، بل أصبح ضرورة. ليس المهم كم تكسب، بل ماذا تفعل بما تكسبه. ومن الأخطاء الشائعة أيضًا تمويل الرفاهية بالديون؛ فبعض الأشخاص يلجؤون إلى الاقتراض لشراء كماليات أو لمجاراة أنماط حياة تفوق قدراتهم المالية، فيتحول ما يبدو رفاهًا مؤقتًا إلى عبء مالي طويل الأمد. إن ترسيخ ثقافة الادخار والاستثمار يمثل أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الاستقلالية المالية والاستقرار الاقتصادي، كما يسهم في بناء أجيال أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق أهدافها بثقة ووعي. فالرفاه الحقيقي لا يقاس بما نظهره للناس، بل بما نملكه من أمان واستقرار وقدرة على مواجهة المستقبل بثقة واطمئنان. وليس الخطأ أن نشتري ساعة فاخرة أو سيارة مميزة أو أن نستمتع بثمار نجاحنا، وإنما الخطأ أن نجعل المظاهر أولوية قبل بناء الأساس المالي الذي يضمن لنا ولأبنائنا مستقبلًا أكثر استقرارًا وأمانًا. فالثروة لا تُبنى بالراتب وحده، بل بالانضباط المالي، والادخار المنتظم، والاستثمار الواعي والصبر.
2520
| 02 يونيو 2026