رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

عبدالرحمن الشمري

مساحة إعلانية

مقالات

882

عبدالرحمن الشمري

أنتَ وأنتِ

25 مارس 2026 , 03:54ص

إن التصريحات الأخيرة لمعالي رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني تعبر عن رؤية عميقة تتجاوز كل الحسابات الحديثة، حيث ذكر جملة عميقة في خطابه وهي (الخسائر المادية تعوض أما الإنسان لا يعوض )، ليؤكد معاليه أن الإنسان يظل الثروة الحقيقية التي تُبنى بها الأمم وتُصان بها الحضارات. ففي عالم تكثر فيه الأزمات وتتصاعد فيه كلفة النزاعات، اختارت قطر إيضاح ترتيب الأولويات، واضعةً الكرامة الإنسانية وحماية الأرواح فوق كل اعتبار اقتصاديا كان أم سياسيا مهما بلغت الخسائر.

إن تأكيد الدولة على أن الخسائر المليارية لا تُقارن بقيمة الإنسان يعكس نضجًا سياسيًا وفكريًا وفلسفياً عميقاً، ويعبّر عن فهم عميق لطبيعة التنمية المستدامة وجوهر الإنسان. فالأموال، مهما عظمت، قابلة للتعويض، بينما فقدان الإنسان هو خسارة دائمة لا يمكن جبرها. ومن هذا المنطلق، تتبنى قطر نهجًا يرتكز على الاستثمار في الإنسان، باعتباره أساس النهضة ومحور التقدم، وهو ما يتقاطع مع رؤيتها الوطنية التي تضع التنمية البشرية في قلب استراتيجياتها.

وتتجلى هذه الرؤية بصورة أكثر عمقًا من خلال نظرة الدولة إلى المقيم باعتباره شريكًا حقيقيًا في بناء الوطن، لا مجرد وافدٍ يؤدي دورًا مؤقتًا. فالمقيم في قطر يُنظر إليه كشريك للمواطن، تسعى الدولة إلى رعايته والاهتمام به، إيمانًا بأن الانتماء لا يُختزل في حدود الجنسية وحدها، بل يتجذر في الانتماء الإنساني والإسلامي والعربي، وفي الشعور بالمسؤولية المشتركة تجاه هذه الأرض. ومن هذا المنطلق، تتعزز قيم التعايش والتكامل، حيث يشارك الجميع في مسيرة التنمية، ويُسهم كل فرد، مواطنًا كان أو مقيمًا، في صناعة الحاضر وبناء المستقبل.

كما أن هذا التوجه يحمل في طياته بُعدًا دينيًا وأخلاقيًا واضحًا، يتماشى مع القيم الإسلامية التي تضع حفظ النفس في مقدمة المقاصد الكبرى. فالإسلام يعلّم أن إحياء نفس واحدة كإحياء الناس جميعًا، وهو مبدأ يتجسد عمليًا في سياسات تحرص على تجنيب الشعوب ويلات الحروب، وتقديم العون للمحتاجين، وتعزيز ثقافة السلام. ومن هنا، يمكن فهم هذه الرؤية كامتداد طبيعي لمنظومة قيمية متكاملة، تُعلي من شأن الإنسان وتُقدّمه على المصالح المادية.

ومن زاوية استشرافية، تعكس هذه الرؤية وعيًا بمستقبل تتزايد فيه أهمية رأس المال البشري بوصفه المحرك الأساسي للاقتصادات الحديثة. فالدول لم تعد تُقاس فقط بثرواتها الطبيعية، بل بقدرتها على بناء إنسان متعلم، مبدع، وقادر على التكيف مع التحولات المتسارعة. وفي هذا السياق، تواصل قطر الاستثمار في التعليم، والبحث العلمي، والرعاية الصحية، إيمانًا منها بأن هذه القطاعات تشكل الركيزة الحقيقية لأي نهضة مستدامة.

كما أن تقديم الإنسان على المال يرسل رسالة قوية إلى المجتمع الدولي مفادها أن التنمية الحقيقية لا يمكن أن تتحقق على حساب القيم الإنسانية. وفي زمن تتغلب فيه المصالح على المبادئ، تبرز هذه المواقف لتؤكد أن هناك نماذج مختلفة في التفكير والعمل، نماذج تُعيد الاعتبار للأخلاق في السياسة، وتربط بين التقدم المادي والسمو الإنساني.

وفي المحصلة، فإن ما عبّر عنه معاليه ليس مجرد تصريح عابر، بل هو انعكاس لرؤية استراتيجية متكاملة، ترى في الإنسان جوهر البناء الحضاري، وفي القيم الإنسانية والدينية بوصلةً توجه السياسات والقرارات. إنها رؤية تعتبر كل من يعيش على هذه الأرض جزءًا من نسيجها، وشريكًا في مسؤوليتها، ودعامةً في نهضتها، لتؤكد أن المستقبل الأكثر إشراقًا هو ذلك الذي يُبنى بالإنسان ولأجل الإنسان.

اقرأ المزيد

alsharq ما بين ضفتي الخليج

في صباح أحد أيام أكتوبر 1973 توقفت إشارات المرور في شوارع لندن، وأُطفِئت المصابيح في مكاتب نيويورك، وهرع... اقرأ المزيد

45

| 06 أبريل 2026

alsharq الأنفاس الأخيرة للحرب

اليوم تنتهي المهلة التي كان الرئيس الأمريكي قد منحها لإيران لإبرام اتفاق أو فتح مضيق هرمز وإلا كما... اقرأ المزيد

48

| 06 أبريل 2026

alsharq غادر.. بكرامتك!

التجاوز ليس ضعفًا كما يُظن، بل مهارة نجاةٍ يتقنها المرء حين يختار كرامته على حساب الاستنزاف؛ فبعض المعارك... اقرأ المزيد

39

| 06 أبريل 2026

مساحة إعلانية