رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في زمنٍ تختلط فيه البوصلة وتُشترى فيه المواقف وتُباع، تبرز القضية الفلسطينية كمرآةٍ صافية تكشف جوهر الإنسان. ففلسطين اليوم لم تعد قضية الفلسطيني وحده، ولا العربي وحده، ولا المسلم وحده، بل أصبحت قضية إنسانية عالمية، يدافع عنها الأحرار من كل بقاع الأرض، كثيرٌ منهم لم يولدوا عربًا، ولم يعتنقوا الإسلام، وربما لم يكونوا يعرفون موقع فلسطين على الخريطة يومًا، لكنهم عرفوا معنى الظلم واختاروا الوقوف في وجهه. لقد شهد التاريخ الحديث مواقف واضحة لشخصيات عالمية دفعت ثمن انحيازها للحق دون مواربة، وتفضل لديك بعض الأمثلة.. نيلسون مانديلا الزعيم الجنوب أفريقي وأحد أبرز رموز النضال العالمي ضد نظام الفصل العنصري، عبّر صراحة عن دعمه للقضية الفلسطينية، معتبرًا أن حرية شعبه ستبقى ناقصة ما لم ينل الفلسطينيون حريتهم. وإلى جانبه وقف ديزموند توتو الأسقف الجنوب أفريقي الحائز على جائزة نوبل للسلام، وأحد أهم الأصوات الأخلاقية في العالم. شبّه توتو ما يتعرض له الفلسطينيون بنظام الأبارتهايد انطلاقًا من تجربة شخصية عميقة مع التمييز والقهر. ورغم حملات التشويه والضغوط السياسية، لم يتراجع عن موقفه لأن العدالة في نظره لا تُجزّأ ولا تُقاس بالمصالح. ومن داخل المجتمع الإسرائيلي ذاته خرج إيلان بابِه المؤرخ الإسرائيلي المعروف وأستاذ التاريخ، ليكشف في أبحاثه وكتبه ما تعرّض له الفلسطينيون عام 1948 من تهجير قسري وتطهير عرقي. لم يكن كلامه خطابًا سياسيًا، بل توثيقًا تاريخيًا مدعومًا بالمصادر. نتيجة لذلك تعرّض للتهديد والنبذ الأكاديمي، واضطر إلى مغادرة بلاده، ليصبح شاهدًا على أن قول الحقيقة قد يكون المنفى وليس أي منفى، إنه منفى الشرفاء. وفي الولايات المتحدة برز اسم نورمان فنكلستاين الأكاديمي الأمريكي اليهودي والمتخصص في القانون الدولي وحقوق الإنسان. دافع عن الحقوق الفلسطينية من منطلق قانوني وإنساني، ورفض استخدام المآسي التاريخية لتبرير الاحتلال. هذا الموقف كلّفه مستقبله الأكاديمي حيث حُرم من التثبيت الجامعي وتعرّض لعزل ممنهج، لكنه بقي مصرًّا على أن الدفاع عن فلسطين ليس موقفًا ضد شعب بل ضد الظلم والقهر. وهنا يبرز السؤال الجارح لماذا يقفون مع فلسطين؟ يقفون لأن الضمير لا يحتاج إلى جواز سفر. لأن الإنسان حين يرى طفلًا تحت الأنقاض، أو أمًا تبحث عن أشلاء أبنائها، لا يسأل عن الديانة، هو يُجسد الإنسانية بذاتها. لماذا يقفون؟؟ لأنهم يؤمنون أن الصمت شراكة، وأن الحياد في وجه الظلم ظلمٌ أكبر من الظلم نفسه. يقفون في البرد القارس وتحت المطر وفي حرّ الصيف وهم يعلمون أن الكلمة قد تُكلفهم منصبًا أو سمعة أو أمانًا شخصيًا. ومع ذلك لا يتراجعون. إيمانهم بعدالة القضية لم يُبنَ على هوية بل على مبدأ بسيط.. العدل. وهنا تأتي المقارنة المؤلمة.. إذا كانت فلسطين ليست قضيتي كمسلم، فهؤلاء ليسوا عربًا، ولا مسلمين، ولا تجمعهم بفلسطين رابطة دم أو دين ولا حتى رابطة دم جغرافية ومع ذلك وقفوا بشجاعة. أما نحن فماذا فعلنا؟ ومن يفعل … ماذا يُقال له؟ يُقال له لا ترفع صوتك يُقال له هذه سياسة يُقال له اهتم بنفسك ويُحاصر أحيانًا بالتشكيك أو التخوين أو السخرية القضية الفلسطينية اليوم لا تطلب المعجزات بل تطلب الصدق صدق الكلمة صدق الموقف صدق الإحساس وصدق ألا نكون أقل شجاعة ممن لا يشاركوننا اللغة ولا العقيدة. فلسطين ليست اختبار انتماء بل امتحان إنسانية، ومن فشل فيه لم يفشل لأنه لا يعرف فلسطين بل لأنه لم يعرف نفسه.
633
| 20 يناير 2026
ما يحدث في عالمنا العربي والإسلامي اليوم ليس صدفة، ولا يمكن اعتباره مجرد سلسلة أزمات منفصلة. إنه درس تاريخي يتكرر، له بداية معروفة ونهاية محفوظة في كتب الأمم التي تجاهلت تجاربها السابقة. والفرق هنا أننا نقرأ هذه الدروس، ثم نصرّ على تجاهلها. سقطت الأندلس ليس لأن المسلمين كانوا قلة، ولا لأنهم كانوا أضعف عسكرياً أو علمياً، بل لأنهم انقسموا. دويلات الطوائف لم تسقط بسبب الجيوش وحدها، بل نتيجة صراعات داخلية، واستقواء بعضهم على بعض، واستخدام العدو أداةً لتدمير الأخ والدين. كل مدينة ظنت أن النار ستتوقف عند حدود جارتها، حتى التهمت الجميع. ثمانية قرون من الحضارة والعلم والعمران انتهت لأن الوحدة تآكلت من الداخل قبل أن تُكسر من الخارج. وأعاد التاريخ نفسه في بغداد، حين سقطت عاصمة الخلافة العباسية، لا لقوة التتار وحدها، بل بسبب صراعات داخلية، وخيانات، وعمى سياسي. ثم تكرر المشهد في الشام، وفي فترات متعددة من تاريخ الأمة، حيث كان الانقسام دائماً هو الثغرة الأولى، ثم يأتي الغزو كتحصيل حاصل. ما نراه اليوم في سوريا، والعراق، ولبنان، واليمن، وليبيا، والسودان… ليس إلا فصولاً جديدة من القصة ذاتها. الفتن أولاً، ثم التدخل الخارجي، ثم التدمير، ثم البكاء على الأطلال. لا شيء جديد، سوى أننا نعيش النسخة الحديثة من المأساة. الجزيرة العربية اليوم في موقع لا يسمح لها بالحياد ولا بالانتظار. فهي عقدة جغرافية عالمية، تمر من فوقها خطوط الطيران الدولية، وتتحكم مضائقها بالتجارة العالمية، وتملك ثروات من النفط والغاز تمثل شريان طاقة العالم. ومن يظن أن هذه المكانة ستحميه تلقائياً، من دون مشروع وحدة وتكامل، يكرر خطأ الأندلس ولكن بترف أكبر. نحن نتميز عن باقي الأمم: دين واحد لغة واحدة تاريخ مشترك ومقدسات في قلب أرضنا مكة والمدينة لا تختلف عليها قلوب المسلمين. ورغم ذلك، نتصرف وكأن ما يجمعنا أقل مما يفرقنا، بينما اجتمعت أمم أخرى رغم اختلاف لغاتها وأديانها وأعراقها، بعد أن دفعت ثمناً دموياً هائلاً. لم تتحد أوروبا لأنها متجانسة، بل لأنها تعلمت بعد أن فقدت مئات الملايين في حروب داخلية طاحنة. فهل نحتاج نحن أيضاً إلى كارثة بحجمها، أو أكبر، حتى نقتنع؟ الوحدة لا تعني إلغاء الدول، ولا مصادرة السيادة، ولا فرض نموذج واحد، لكنها تعني وضوح العدو الحقيقي، وتعني أن الخلافات الداخلية لا تُدار بأيدٍ خارجية، ولا تُحل بتفكيك الداخل. وتعني أن نختلف بعقل، ونتفق على المصير. الاستمرار على هذا النحو ليس استقراراً، بل تأجيلاً للانهيار والانفجار. فالتاريخ لا يرحم من يكرر أخطاءه، والجغرافيا لا تحمي من يرفض فهم موقعه، والثروة لا تنقذ من لا يحسن استخدامها. السؤال ليس هل نريد الوحدة؟ السؤال الحقيقي كم دولة أخرى يجب أن تُدمَّر؟ وكم مدينة يجب أن تُهجر؟ وكم جيلاً يجب أن يُضيَّع مستقبله؟ قبل أن نعترف بأن الوحدة لم تعد حلماً رومانسياً، بل آخر خط دفاع قبل أن تأكل النار ما تبقى منا.
660
| 15 يناير 2026
لسنا بخير، ولن نكون بخير ما دمنا نُقدّس المجاملة، ونخشى الحقيقة أو نُخفيها. لقد تحوّلت المجاملة من سلوكٍ تحسيني محدود إلى ثقافةٍ عامة مُضرّة، ومن لباقةٍ اجتماعية إلى مرضٍ مزمن ينخر في وعي المجتمع ويشوّه القيم. نحن نعيش في زمنٍ يُكافأ فيه من يُجيد التملّق … أو سمِّه التسلّق إن شئت، ويُبعد من يملك الشجاعة ليقول هذا خطأ أو هذا لا ينبغي. زمنٌ أصبح فيه المجامل أقرب الناس إلى أصحاب المناصب، لا لأنه الأصدق، ولا لأنه الأكفأ، بل لأنه الأكثر استعدادًا لدفن الحقيقة ونفسه معها تحت ركام المديح الكاذب. أيها المسؤول، إن أخطر عدوٍّ لك ليس الناقد، بل ذاك الذي يبتسم لك دائمًا، ذاك الذي يقول لك إنك مُصيب حتى وأنت تُخطئ، والذي يصف الفشل إنجازًا، والخراب تطوّرًا. هو لا يحميك، بل يقودك، ويقودنا معك إلى الهاوية، لأن سفينة المجتمع واحدة. وأيها المواطن، حين تصمت بدعوى الأدب، وحين تُجامِل خوفًا أو طمعًا، فأنت لا تحمي نفسك، بل تُشارك في صناعة الفساد. فالمجاملة هنا ليست حيادًا، بل تواطؤاً، وليست خُلُقًا، بل تخاذلًا مموَّهًا. ألسنا أمة النصح والعدل؟ ألسنا أمة (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ)؟لقد قتلت المجاملة الكفاءة، ورفعت الجهل إلى مواقع القرار. أصبح الجاهل محبوبًا لأنه لا يُحرج أحدًا، ولا يُربك منظومة الفشل بأسئلة محرجة، لأنه وصل إلى موقعه بالطريقة ذاتها بلا كفاءة. أما العالِم، والصادق، والمخلص المتفاني، فقد أُبعدوا لأنهم يُزعجون الضمير، ويكسرون وهم النجاح الكاذب، ويُعرّون الفشل. أيها المجتمع، لا تُبنى الأوطان بالتصفيق، ولا تنهض المؤسسات بالمديح، ولا يُصان المستقبل بالصمت. الحقيقة قد تكون مُرّة، لكنها تُنقذ وتُصلح وتُعمِّر. أما المجاملة، فهي سُمٌّ بطيء يُخدِّر الألم مؤقتًا، ثم يقتل الجسد بلا عودة. قل الحقيقة، وليس شرطًا أن تفقد بها القُرب، كُن حكيمًا، محتسبًا، صافي النيّة. قل الحقيقة، حتى لو وُصفت بالمزعج، فصوت الأذان مزعجٌ للشياطين. قل الحقيقة، لأن المجاملة لم تُنقذ وطنًا، ولم تُصلح مؤسسة، ولم تبنِ إنسانًا. إن المجتمع الذي يخاف من الصدق، مجتمعٌ محكوم عليه بالتيه. والمجتمع الذي يُكافئ المجامل، ويُعاقب الناصح، إنما يختار الهدم بمعوله، ويباشره بيده. هذه ليست دعوةً للفوضى، بل دعوةٌ للوعي. وليست تحريضًا، بل إنذارٌ حكيم.. إما أن نختار الصدق طريقًا، أو نواصل المجاملة … ونحجز مقعدًا في مدرج الفشل، نراقب من بعيد انهيار منظومة الأخلاق.
651
| 12 يناير 2026
في زمنٍ لم تعد فيه الشوارع أخطر ما يهدد أطفالنا، ولا الغريب المجهول هو العدو الأول، ظهر عدوٌّ أخطر، وأشد فتكًا، عدوٌّ نُدخله نحن بأيدينا إلى بيوتنا، ونضعه بين أيدي أطفالنا، ونتركه يسهر معهم وينام قربهم بعيونٍ مفتوحة دون رقابة. خوارزميات مواقع التواصل الاجتماعي، هذا الخطر لا يصرخ ولا يقتحم الأبواب، بل يعمل بصمت، وبخبث، وبلا رحمة، يسرق الطفولة قطعة قطعة، ويعيد تشكيل العقول الصغيرة وفق منطق الربح، لا التربية، والمشاهدة، لا القيم. لم تعد هذه المنصات تسلية بريئة، بل أصبحت مربيًا بديلاً، ومعلمًا متسلطًا، وصانع وعي منحرف، يزرع ما يشاء، وقتما يشاء، دون أن يُسأل أو يُحاسب. الطفل كائن ضعيف أمام هذا العالم، فضولي مقلّد سريع الانجذاب، لم تتشكل لديه بعد القدرة على التمييز أو المقاومة، وحين نتركه وحيدًا أمام شاشة ذكية، فإننا عمليًا نسلّمه للخوارزميات لتربيه بالنيابة عنا. لا تُقدَّم له الحقيقة، بل ما يضمن بقاءه أطول، ولا يُزرع فيه التفكير، بل الإدمان، ولا تُبنى شخصيته، بل تُفكك. والأسوأ من ذلك أن كثيرًا من الآباء والأمهات يشاركون في هذه الجريمة بصمت، حين يستخدمون الهاتف واللعبة كوسيلة لإسكات الطفل، لا تربيته، للهروب من الإزعاج، لا لتحمل المسؤولية، ثم يتفاجأون لاحقًا بسلوك عدواني، أو برود عاطفي، أو طفل غريب لا يعرفونه. النتائج لم تعد خفية ولا تحتاج إلى دراسات معقدة، فهي تُرى بالعين المجرّدة ضعف التركيز، القلق الدائم، العزلة اجتماعية، التفكك الأسري، وعدوانية متزايدة. والكارثة الأكبر بوجهة نظري ليست في المحتوى نفسه، بل في أن الهاتف أصبح المرجع الأول للطفل في السؤال، والفهم، والتعلم، وحتى التربية. يسأل الهاتف قبل أن يسأل أباه، ويبحث في منصة قبل أن يرجع إلى أمه، ومع الوقت يتحول الوالدان إلى مجرد ممولين للإنترنت، بلا دور حقيقي، بلا حضور، بلا تأثير. ليس لأنهم غير مهمين، بل لأنهم اختاروا الغياب، أو الصمت، أو الراحة المؤقتة على حساب مستقبل أبنائهم. وهنا تتشكل الفجوة القاتلة، طفل يُربّى خارج البيت، بقيم مستوردة وهوية مشوشة ووعي بلا جذور. لسنا هنا أمام نقاش فلسفي، بل أمام مسؤولية أخلاقية وتربوية واضحة. لست أدعو إلى منع التقنية، وإن كنت أؤمن أن ضررها اليوم تجاوز نفعها على الأطفال، لكنني أدعو إلى شيء أبسط وأصعب في آنٍ واحد أن تتحمّل دورك كأب وكأم أن ترافق طفلك، أن تراقب، أن تناقش، أن تكون حاضرًا، أن تكون أنت الخوارزمية الأولى في حياته، لا أن تترك هذا الدور لشركات لا ترى في طفلك سوى رقم وربح وصفر يزيد المعادلة. أطفالنا ليسوا حقل تجارب، وطفولتهم ليست مشروعًا تجاريًا. إن إشغال طفلك بهذه الوسائل لتنال بعض الهدوء اليوم، سيكلّفك غدًا أضعاف ذلك تعبًا ومالًا وندمًا. طفلك هو استثمارك الحقيقي، وما تزرعه اليوم ستجنيه حتمًا غدًا، انتبه … لأن ما تُهمله الآن، ستدفع ثمنه لاحقًا، ولكن بعد فوات الأوان.
414
| 07 يناير 2026
يشتعل العالم، يُسفك الدم، يطحن الفقر الملايين، والحروب تلتهم الأوطان، بينما الناس – وخصوصًا الشباب – غارقون في شاشات هواتفهم، يتنقلون بين صور إنستغرام ومقاطع فارغة وترندات تضر ولا تنفع. أصبحنا نعيش في زمنٍ غريب، زمنٍ تمرّ فيه الجرائم والفظائع وكأنها أخبار طقس لا تستحق التوقف. لا أحد يكاد يعير اهتمامًا لما يحدث من حوله، وكأن المآسي صارت عبئًا ثقيلًا على المزاج يجب الهروب منه. وهنا سؤال يفرض نفسه بقسوة… هل تبلدت مشاعر الناس؟ هل ملّوا من الأخبار؟ أم أن الضمائر فعلًا بدأت تموت بصمت وبلا جنازة؟ لم يعد مشهد الدمار صادمًا، ولا صور الجوعى توقظ الغضب، ولا صرخات الضحايا تحرّك شيئًا في الداخل. أصبح الألم مألوفًا، والظلم مُعتاداً، حتى فقد قيمته في سوق التفاعل. نمرّ على الأخبار كما نمرّ على الإعلانات، بنظرة سريعة ثم نكمل التمرير، وكأننا تعودنا على القبح إلى درجة أنه لم يعد يؤلم الروح قبل العين. الخطر هنا ليس في كثرة الجرائم وحدها، بل في اعتيادنا عليها، وفي قدرتنا المخيفة على التعايش معها. فمثلاً ما يحدث في فنزويلا خبر خطير وصادم، خُطف فيه رئيس دولة وزوجته أمام العالم، حدث يمسّ سيادة دولة كاملة ويكشف حجم الفوضى والاستخفاف بالقانون الدولي، ومع ذلك مرّ وكأنه لم يكن. لا أحد يكتب، لا أحد يغرد، لا منشورات ولا نقاشات حقيقية. صمتٌ جماعيّ يثير الرعب أكثر من الحدث نفسه. كيف يمكن أن يُخطف رئيس دولة، رمز السيادة والقرار، ولا تهتز المنصات ولا ترتجف الضمائر؟ الإجابة المؤلمة الناس مشغولة بجمع ما تبعثر من حفلة رأس السنة، وبتزيين الصور، وبمتابعة أخبار تافهة. وفي الوقت نفسه، نرى كيف تراجعت أخبار غزة أو لنقل تلاشت تدريجيًا من الصفحات، لا لأن المأساة انتهت، بل لأن الاهتمام مات. وكأن معاناة الشعوب لها تاريخ صلاحية، وبعده تصبح ذكرى ثقيلة لا يريد أحد حملها. ما يحدث اليوم ليس مجرد انشغال أو إرهاق نفسي، بل أزمة ضمير حقيقية. عالمٌ لا يتألم ولا يغضب ولا يسأل هو عالم فقد بوصلته الأخلاقية. السؤال الأخطر ليس لماذا كل هذا الشر، بل لماذا لم نعد نراه شرًا أصلًا، ولم نعد نسأل من أين يأتي وكيف يتكرر. فحين نصبح غير مبالين، لا نكون قد خسرنا إنسانيتنا فجأة، بل نكون قد سلّمناها قطعةً قطعة، ونحن نمرّر الشاشة إلى الأعلى.
783
| 05 يناير 2026
لا تمثّل نهاية العام مجرد انتقال زمني، بل تشكّل محطة فكرية واجتماعية تتقاطع فيها الذاكرة مع التطلعات، وتُستعاد فيها التجربة كاملة قبل الانتقال إلى صفحة جديدة. ففي مثل هذه اللحظات، لا تكون المراجعة مضيعة للوقت، بل ضرورة؛ لأن المجتمعات والأفراد الذين لا يتوقفون للتأمل، غالبًا ما يكررون الأخطاء ذاتها بأشكال مختلفة. إن ختام العام بصورة واعية لا يقوم على استدعاء الندم أو تضخيم الإخفاقات، بل على قراءة متزنة لما تحقق، وما كان ممكنًا ولم يكن مهيّأً بعد. فكل تجربة، مهما بدت قاسية، تحمل في جوهرها قيمة معرفية. ومن يحسن التقاط هذه القيمة، يحوّل نهاية العام من لحظة حساب عاطفي إلى خطوة إعداد عقلاني لما هو قادم. أما الدخول إلى عام جديد، فلا ينبغي أن يُبنى على اندفاع مؤقت أو قرارات عجولة سرعان ما تتلاشى مع ضغوط الواقع، بل على رؤية واضحة تستند إلى فهم الذات وحدودها، وإدراك السياق الذي يتحرك فيه الفرد أو المؤسسة على حد سواء. فالتخطيط الحقيقي لا يعني التنبؤ بكل التفاصيل، بل امتلاك اتجاه واضح محدد الزمن والكيفية، يسمح بالمرونة دون فقدان الهدف. وفي هذا الإطار، تصبح جودة القرارات أهم من كثرتها، كما يغدو الوضوح عنصرًا حاسمًا في الاستمرارية. ويفرض الواقع المعاصر معادلة مختلفة للنجاح؛ فالموارد وحدها لم تعد كافية، بل باتت القدرة على التعلم المستمر، وتحديث المهارات، وإدارة الوقت والجهد، ومعرفة توظيف الذكاء الاصطناعي، من أبرز عناصر التقدم. فالعام الجديد فرصة لإعادة النظر في الأولويات، وفي نوعية الجهد المبذول، لا في حجمه فقط. كما أنه مناسبة لإعادة تقييم العلاقات المهنية والشخصية، والتمييز بين ما يعزز النمو وما يستنزفه بصمت. ولا تكتمل البدايات الجيدة دون مصالحة داخلية حقيقية؛ فالدخول إلى عام جديد بعقلية مثقلة بالاستياء أو التردد يعيد إنتاج الإرباك ذاته، حتى وإن تغيّرت الظروف. إن إغلاق الملفات العالقة، وتصفية النوايا، والتخلي عن عادات لم تعد تخدم الأهداف، يمنح الزمن الجديد معنى مختلفًا، ويجعل الانطلاق أكثر توازنًا وثباتًا. ختامًا، لا يحمل العام الجديد حلولًا جاهزة ولا وعودًا تلقائية، لكنه يفتح مساحة جديدة للمبادرة، ويمنح فرصة مجانية للتغيير، لمن يدرك أن التغيير يبدأ بالوعي، ويستمر بالالتزام، ويكتمل بالفعل الجاد. فالبدايات القوية لا تصنعها الصدف، بل يصنعها التخطيط الواعي لما نريد أن نكون عليه. كما أن النهايات الناضجة لا تتحقق دون مراجعة متزنة. وبين نهاية عام وبداية آخر، تتجدد الفرصة لبناء مسار أكثر وضوحًا، وأكثر انسجامًا مع الطموح والواقع معًا.
534
| 31 ديسمبر 2025
لماذا تقاعست دول عربية وإسلامية عن إنجاز مثل هذا العمل قبل قطر؟ لأن المعجم التاريخي للغة العربية ليس مشروعًا سهلًا، ولا سريع النتائج. فهو يحتاج إلى رؤية بعيدة المدى، وصبرٍ مؤسسي طويل، وتمويلٍ مستدام، وفِرق علمية تعمل سنواتٍ متواصلة دون ضجيج إعلامي أو مكاسب سياسية مباشرة. وكثير من الدول، رغم إمكاناتها المالية الضخمة، فضّلت المشاريع سريعة الأثر، أو انشغلت بأولويات آنية تحقق عوائد مادية، فأُهملت المشاريع المعرفية العميقة التي لا تُؤتي ثمارها فورًا. في هذا السياق، اختارت قطر أن تستثمر في مشروع لا يدرّ أرباحًا، ولا يبرز في صورة عابرة أو مؤتمر احتفالي، بل يقوم على سنوات من العمل الصامت، والبحث الدقيق، والصبر الطويل. وهذا الاختيار بحد ذاته رسالة حضارية واضحة، مفادها أن بناء الإنسان يبدأ ببناء أدوات معرفته، وأن اللغة ليست سلعة، بل أساس للوعي والهوية والتواصل. واليوم، يخدم معجم الدوحة التاريخي للغة العربية القارئ العادي حين يقرأ نصًا تراثيًا فيفهمه كما أُريد له أن يُفهم، لا كما توحي به معانٍ أخرى أو معانٍ معاصرة طارئة. وكذلك يخدم الطالب حين يدرس، والباحث حين يكتب، والقاضي حين يفسّر نصًا، والمُشرِّع حين يصوغ قانونًا، والمفكّر حين يناقش مفهومًا، والإعلامي حين يُعد خطابًا عامًا لا يلتبس معناه بين بلد وآخر. والأهم أن المعجم يسهم عمليًا في توحيد المصطلحات في العالم العربي، وهي مشكلة تعاني منها الجامعات ومراكز البحث منذ عقود، حيث يختلف معنى المصطلح الواحد بين دولة وأخرى، بل أحيانًا بين مؤسسة وأخرى. وعندما تتوحّد دلالة المصطلح، يصبح الحوار العلمي أكثر دقة، ويقلّ الخلاف القائم على سوء الفهم اللغوي لا على الاختلاف الحقيقي في الرأي. ولتقريب المعنى إلى القارئ أكثر، يمكن مقارنة هذا المشروع بمعاجم عالمية راسخة، مثل Oxford English Dictionary، الذي لا يُعدّ مجرد قاموس، بل مرجعًا حضاريًا تعتمد عليه الجامعات، والمحاكم، ووسائل الإعلام، والباحثون لفهم تطوّر اللغة الإنجليزية وتحول معانيها بدقة. وكذلك الحال مع المعاجم التاريخية الفرنسية والألمانية، التي تُعد ركائز أساسية في البحث العلمي والفكري. واليوم، وبفضل هذا المشروع، تمتلك اللغة العربية للمرة الأولى في تاريخها المدوّن، وبعد أكثر من ألف عام من التأليف المعجمي، معجمًا تاريخيًا يربط اللفظة بزمنها، ويؤرّخ لمسار معناها، ويكشف تحوّلات دلالتها عبر العصور، لا أن يكتفي بشرحها كما استقرّت في زمن واحد. والفضل في ذلك، بعد توفيق الله، يعود إلى حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدّى، الذي تبنّى هذا المشروع الحضاري ووقف خلفه لسنوات طويلة، إيمانًا بأن خدمة اللغة العربية استثمار في الإنسان، وأن المشاريع المعرفية العميقة هي التي تصنع أثرها الحقيقي مع الزمن. لقد أصبح بين أيدينا اليوم مرجع تاريخي يُحتكم إليه، ويُبنى عليه، ويمنح اللغة العربية المكانة التي تستحقها بين لغات العالم الحيّة. فكما لا يمكن دراسة الفكر الغربي دون الرجوع إلى معاجمه التاريخية، لن يكون ممكنًا مستقبلًا دراسة التراث العربي، أو فكره، أو لغته، دون العودة إلى معجم عربي جامع أنجز ما أنجزه معجم الدوحة التاريخي. ومن هنا، تتجلّى قيمة ما أُنجز؛ فمعجم الدوحة التاريخي لم يأتِ ليسدّ نقصًا لغويًا فحسب، بل ليقدّم نموذجًا لما تصنعه الإرادة حين تلتقي المعرفة بالرؤية الحضارية. إنه مشروع يخدم الحاضر، ويؤسّس للمستقبل، ويؤكد أن اللغة العربية قادرة، متى وُجد من يرعاها علميًا، أن تكون لغة معرفة دقيقة في زمن التحديات الكبرى.
741
| 24 ديسمبر 2025
في اليوم الوطني، كثيرًا ما نتوقف عند ما قدّمه الوطن لمواطنيه ومقيميِه من أمنٍ واستقرار وفرص. غير أن السؤال الأعمق، والأكثر صدقًا، يظل حاضرًا بإلحاحه الهادئ: ما حقُّ الوطن علينا؟ حين قال الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني إنه حوّل قطر إلى جنة إلى دولةٍ حقيقية، لم يكن الحديث عن رفاهٍ عابر أو منجزٍ مرحلي، بل عن رؤيةٍ تؤمن بأن الوطن لا يُبنى بالحجر وحده، بل بالإنسان؛ إنسانٍ محفوظ الكرامة، واعٍ بدوره، مدرك أن السيادة الحقيقية تبدأ من الداخل، من الشعور بالمسؤولية قبل المطالبة بالحقوق. ثم جاء دور حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى حفظه الله، ليُترجم هذه الرؤية في لحظاتٍ كانت فيها المعاني تُختبر لا تُقال. فالدولة الحقيقية لا تُقاس بما تملكه في أوقات الرخاء، بل بما تحمله من ثباتٍ ووحدة حين تضيق الخيارات. وقد أثبتت قطر، بقيادته، أن الوطن القوي هو الذي يثق بشعبه، ويستمد قوته من تماسك مجتمعه، وهدوء قراره، ووضوح بوصلته. الدولة الحقيقية لا تكتفي بأن تعطي، بل تُذكّر أبناءها بأن العطاء مسؤولية متبادلة. حقُّ الوطن على المواطن أن يشعر أن كل موقع يشغله هو موقع تمثيل، وأن كل عمل يؤديه هو رسالة. أن يُتقن لا خوفًا من رقابة، بل وفاءً لانتماء. فالمواطنة ليست صفة تُكتب في الوثائق، بل سلوكٌ يومي يُمارَس في العمل، والشارع، والكلمة، والموقف. وحقُّ الوطن على المقيم لا يقل عمقًا؛ فالإقامة في وطنٍ اختار أن يكون كريمًا وعادلاً ليست علاقة عابرة أو منفعة مؤقتة، بل شراكة أخلاقية وإنسانية. احترام القانون، وصون القيم، والإسهام الإيجابي، ليست واجبات مفروضة، بل ردٌّ طبيعي على وطنٍ منح الأمان والفرصة. فالمقيم، كما المواطن، جزء من صورة هذا البلد أمام نفسه وأمام العالم. الوطن لا يطلب المستحيل. يطلب الصدق. يطلب أن نختلف دون أن نُسيء، وأن ننتقد بدافع الإصلاح لا الهدم، وأن نفهم أن القانون ليس قيدًا، بل عقد ثقة يحفظ الحقوق ويصون الكرامة للجميع. في اليوم الوطني، لا يكفي أن نفتخر بما كانت عليه قطر، ولا بما أصبحت عليه، إن لم يصاحب ذلك سؤالٌ صريح نوجهه لأنفسنا: هل نحن اليوم على قدر هذا الوطن؟ فالأوطان القوية لا تقوم فقط على حكمة قيادتها، بل على وعي أهلها، وعلى شعورهم بأن هذا الوطن أمانة في أعناقهم. هكذا أُسِّسَت قطر وهكذا تُدار اليوم وهكذا تبقى دولةً حقيقية، حين يتحوّل حبّها في قلوبنا إلى مسؤولية رد الجميل.
522
| 18 ديسمبر 2025
لم يكن ما فعلته منصة (إكس) مؤخرًا مجرّد تحديثٍ تقني أو خطوةٍ إدارية عابرة، بل كان دون مبالغة لحظةً كاشفة. فحين سمحت منصة (إكس) بقرارٍ مباشر من مالكها إيلون ماسك، بظهور بيانات الهوية الجغرافية للحسابات، لم تنكشف حسابات أفرادٍ فحسب، بل انكشفت منظوماتٌ كاملة، دولٌ وغرف عمليات، وشبكات منظمة وحسابات تتحدث بلسان العرب والمسلمين، بينما تُدار من خارجهم. تلك اللحظة أزاحت الستار عن مسرحٍ رقميٍّ ظلّ لسنوات يُدار في الخفاء، تُخاض فيه معارك وهمية، وتُشعل فيه نيران الفتنة بأيدٍ لا نراها، وبأصواتٍ لا تنتمي لما تدّعيه. وحين كُشفت هويات المستخدمين، وظهرت بلدان تشغيل الحسابات ومواقعها الفعلية، تبيّن بوضوحٍ لا يحتمل التأويل أن جزءًا كبيرًا من الهجوم المتبادل بين العرب والمسلمين لم يكن عفويًا ولا شعبيًا، بل كان مفتعلًا ومُدارًا ومموّلًا. حساباتٌ تتكلم بلهجة هذه الدولة، وتنتحل هوية تلك الطائفة، وتدّعي الغيرة على هذا الدين أو ذاك الوطن، بينما تُدار فعليًا من غرفٍ بعيدة، خارج الجغرافيا. والحقيقة أن المعركة لم تكن يومًا بين الشعوب، بل كانت ولا تزال حربًا على وعي الشعوب. لقد انكشفت حقيقة مؤلمة، لكنها ضرورية: أن كثيرًا مما نظنه خلافًا شعبيًا لم يكن إلا وقودًا رقميًا لسياسات خارجية، وأجندات ترى في وحدة المسلمين خطرًا، وفي تماسكهم تهديدًا، وفي اختلافهم فرصةً لا تُفوّت. فتُضخ التغريدات، وتُدار الهاشتاقات، ويُصنع الغضب، ويُعاد تدوير الكراهية، حتى تبدو وكأنها رأي عام، بينما هي في حقيقتها رأيٌ مُصنَّع. وما إن سقط القناع، حتى ظهر التناقض الصارخ بين الواقع الرقمي والواقع الإنساني الحقيقي. وهنا تتجلى حقيقة أعترف أنني لم أكن أؤمن بها من قبل، حقيقة غيّرت فكري ونظرتي للأحداث الرياضية، بعد ابتعادي عنها وعدم حماسي للمشاركة فيها، لكن ما حدث في قطر، خلال كأس العرب، غيّر رأيي كليًا. هنا رأيت الحقيقة كما هي: رأيت الشعوب العربية تتعانق لا تتصارع، وتهتف لبعضها لا ضد بعضها. رأيت الحب، والفرح، والاحترام، والاعتزاز المشترك، بلا هاشتاقات ولا رتويت، بلا حسابات وهمية، ولا جيوش إلكترونية. هناك في المدرجات، انهارت رواية الكراهية، وسقط وهم أن الشعوب تكره بعضها، وتأكد أن ما يُضخ في الفضاء الرقمي لا يمثل الشعوب، بل يمثل من يريد تفريق الأمة وتمزيق لُحمتها. فالدوحة لم تكن بطولة كرة قدم فحسب، بل كانت استفتاءً شعبيًا صامتًا، قال فيه الناس بوضوح: بلادُ العُرب أوطاني، وكلُّ العُربِ إخواني. وما حدث على منصة (إكس) لا يجب أن يمرّ مرور الكرام، لأنه يضع أمامنا سؤالًا مصيريًا: هل سنظل نُستدرج إلى معارك لا نعرف من أشعلها، ومن المستفيد منها؟ لقد ثبت أن الكلمة قد تكون سلاحًا، وأن الحساب الوهمي قد يكون أخطر من طائرةٍ مُسيّرة، وأن الفتنة حين تُدار باحتراف قد تُسقط ما لا تُسقطه الحروب. وإذا كانت بعض المنصات قد كشفت شيئًا من الحقيقة، فإن المسؤولية اليوم تقع علينا نحن، أن نُحسن الشك قبل أن نُسيء الظن، وأن نسأل: من المستفيد؟ قبل أن نكتب أو نشارك أو نرد، وأن نُدرك أن وحدة المسلمين ليست شعارًا عاطفيًا، بل مشروع حياة، يحتاج وعيًا، وحماية، ودراسة. لقد انفضحت الأدوات، وبقي الامتحان. إما أن نكون وقود الفتنة أو حُرّاس الوعي ولا خيار ثالث لمن فهم الدرس والتاريخ.. لا يرحم الغافلين
1050
| 16 ديسمبر 2025
في عالمٍ يزداد انقسامًا، وفي إقليم عربي مثقل بالتحزّبات والصراعات والاصطفافات، اختارت قطر أن تقدّم درسًا غير معلن للعالم: أن الرياضة يمكن أن تكون مرآة السياسة حين تكون السياسة نظيفة، عادلة، ومحلّ قبول الجميع واحترام عند الجميع. نجاح قطر في استضافة كأس العرب لم يكن مجرد تنظيم لبطولة رياضية، بل كان حدثًا فلسفيًا عميقًا، ونقلاً حياً ومباشراً عن واقعنا الراهن، وإعلانًا جديدًا عن شكلٍ مختلف من القوة. قوة لا تفرض نفسها بالصوت العالي، ولا تتفاخر بالانحياز، ولا تقتات على تفتيت الشعوب، بل على القبول وقبول الأطراف كلها بكل تناقضاتها، هكذا تكون عندما تصبح مساحة آمنة، وسطٌ حضاري، لا يميل، لا يخاصم، ولا يساوم على الحق. لطالما وُصفت الدوحة بأنها (وسيط سياسي ناجح ) بينما الحقيقة أكبر من ذلك بكثير. الوسيط يمكن أن يُستَخدم، يُستدعى، أو يُستغنى عنه. أما المركز فيصنع الثقل، ويعيد التوازن، ويصبح مرجعًا لا يمكن تجاوزه. ما فعلته قطر في كأس العرب كان إثباتاً لهذه الحقيقة: أن الدولة الصغيرة جغرافيًا، الكبيرة حضاريًا، تستطيع أن تجمع حولها من لا يجتمع. ولم يكن ذلك بسبب المال، ولا بسبب البنية التحتية الضخمة، بل بسبب رأس مال سياسي أخلاقي حضاري راكمته قطر عبر سنوات، رأس مال نادر في منطقتنا. لأن البطولة لم تكن مجرد ملاعب، فالملاعب يمكن لأي دولة أن تبنيها. فالروح التي ظهرت في كأس العرب روح الضيافة، الوحدة، الحياد، والانتماء لكل القضايا العادلة هي ما لا يمكن فعله وتقليده. قطر لم تنحز يومًا ضد شعب. لم تتخلّ عن قضية عادلة خوفًا أو طمعًا. لم تسمح للإعلام أو السياسة بأن يُقسّما ضميرها، لم تتورّط في الظلم لتكسب قوة، ولم تسكت عن الظلم لتكسب رضا أحد. لذلك حين قالت للعرب: حيهم إلى كأس العرب، جاؤوا لأنهم يأمنون، لأنهم يثقون، لأنهم يعلمون أن قطر لا تحمل أجندة خفية ضد أحد. في المدرجات، اختلطت اللهجات كما لم تختلط من قبل، بلا حدود عسكرية وبلا قيود أمنية، أصبح الشقيق مع الشقيق لأننا في الأصل والحقيقة أشقاء فرقتنا خيوط العنكبوت المرسومة بيننا، في الشوارع شعر العربي بأنه في بلده، فلا يخاف من رفع علم ولا راية أو شعار. نجحت قطر مرة أخرى ولكن ليس كوسيط سياسي، نجحت بأنها أعادت تعريف معنى «العروبة» و»الروح المشتركة» بطريقة لم تستطع أي دولة أخرى فعلها. لقد أثبتت أن الحياد العادل قوة. وأن القبول العام سياسة. وأن الاحترام المتبادل أكبر من أي خطاب صاخب. الرسالة كانت واضحة: الدول لا تُقاس بمساحتها، بل بقدرتها على جمع المختلفين. أن النفوذ الحقيقي لا يُشترى، بل يُبنى على ثقة الشعوب. أن الانحياز للحق لا يخلق أعداء، بل يصنع احترامًا. قطر لم تنظّم بطولة فقط، قطر قدّمت للعالم نموذج دولة تستطيع أن تكون جسرًا لا خندقًا، ومساحة لقاء لا ساحة صراع، وصوتًا جامعًا لا صوتًا تابعًا.
951
| 10 ديسمبر 2025
في كل يوم، ينظر الإنسان إلى ما ينقصه أكثر مما ينظر إلى ما يملكه. ينشغل الإنسان بأمنياته المؤجلة، وأحلامه البعيدة ينشغل بما ليس في يده، بينما يتجاهل أعظم ما منحه الله إياه وهي موهبته الخاصة. ومثلما سأل الله موسى عليه السلام: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾، فإن السؤال ذاته موجّه لكل إنسان اليوم ولكن بطريقة أخرى: ما هي موهبتك؟ وما عصاك التي بيدك؟ جوهر الفكرة ان لكل إنسان عصا. الفكرة الجوهرية لهذا المفهوم بسيطة وعميقة، لا يوجد شخص خُلق بلا قدرة وبلا موهبة وبلا شيء يتميز به، ولا يوجد إنسان وصل الدنيا فارغ اليدين. كل فرد يحمل (عصاه) الخاصة التي وهبه الله ليتكئ عليها، ويصنع بها أثره. المعلم يحمل معرفته. المثقف يحمل لغته. الطبيب يحمل علمه. الرياضي يحمل قوته. الفنان يحمل إبداعه. والأمثلة لا تنتهي ….. وحتى أبسط الناس يحملون حكمة، أو صبرًا، أو قدرة اجتماعية، أو مهارة عملية قد تغيّر حياة أشخاص آخرين. الموهبة ليست مجرد ميزة… إنها مسؤولية في عالم الإعلام الحديث، تُقدَّم المواهب غالبًا كوسيلة للشهرة أو الدخل المادي، لكن الحقيقة أن الموهبة قبل كل شيء أمانة ومسؤولية. الله لا يمنح إنسانًا قدرة إلا لسبب، ولا يضع في يدك عصا إلا لتفعل بها ما يليق بك وبها. والسؤال هنا: هل نستخدم مواهبنا لصناعة القيمة، وترك الأثر الجميل والمفيد أم نتركها مدفونة ؟ تشير الملاحظات المجتمعية إلى أن عددًا كبيرًا من الناس يهملون مواهبهم لعدة أسباب، وليس ذلك مجرد انطباع؛ فبحسب تقارير عالمية خلال عام 2023 فإن نحو 80% من الأشخاص لا يستخدمون مواهبهم الطبيعية في حياتهم أو أعمالهم، مما يعني أن أغلب البشر يعيشون دون أن يُفعّلوا العصا التي في أيديهم. ولعل أهم أسباب ذلك هو التقليل من قيمة الذات، ومقارنة النفس بالآخرين، والخوف من الفشل، وأحيانا عدم إدراك أن ما يملكه الشخص قد يكون مهمًا له ولغيره، بالإضافة إلى الاعتقاد الخاطئ بأن الموهبة يجب أن تكون شيئًا كبيرًا أو خارقًا. هذه الأسباب تحوّل العصا من أداة قوة… إلى مجرد منحوتة معلقة على جدار الديوان. إن الرسالة التي يقدمها هذا المقال بسيطة ومباشرة، استخدم موهبتك فيما يخدم الناس. ليس المطلوب أن تشق البحر، بل أن تشقّ طريقًا لنفسك أو لغيرك. ليس المطلوب أن تصنع معجزة، بل أن تصنع فارقًا. وما أكثر الفروق الصغيرة التي تُحدث أثرًا طويلًا، تعلُم وتعليم، أو دعم محتاج، خلق فكرة، مشاركة خبرة، حل مشكلة… كلها أعمال نبيلة تُجيب على السؤال الإلهي حين يُسأل الإنسان ماذا فعلت بما أعطيتك ومنحتك؟ عصاك لا تتركها تسقط، ولا تؤجل استخدامها. فقد تكون أنت سبب تغيير في حياة شخص لا تعرفه، وقد تكون موهبتك حلًّا لعُقدة لا يُحلّها أحد سواك. ارفع عصاك اليوم… فقد آن لموهبتك أن تعمل.
1806
| 02 ديسمبر 2025
أصبحت قطر اليوم واحدة من أفضل الوجهات الخليجية والعربية للسياحة العائلية بشكل خاص، فضلاً عن كونها من أبرز الوجهات السياحية العالمية بفضل ما تشهده من تطور متسارع في البنية التحتية وجودة الحياة. ومع هذا الحضور المتزايد، بات دور المواطن والمقيم أكبر من أي وقت مضى في تمثيل هذه الأرض الغالية خير تمثيل، فالسكان هم المرآة الأولى التي يرى من خلالها الزائر انعكاس هوية البلد وثقافته وقيمه. الزائر الذي يصل إلى الدوحة سواء كان خليجياً أو عربياً أو أجنبياً، هو لا يعرف أسماءنا ولا تفاصيل عوائلنا ولا قبائلنا، بل يعرف شيئاً واحداً فقط: أننا قطريون. وكل من يرتدي الزي القطري في نظره اسمه «القطري”، ذلك الشخص الذي يختزل صورة الوطن بأكمله في لحظة تعامل، أو ابتسامة عابرة، أو موقف بسيط يحدث في المطار أو السوق أو الطريق. ولهذا فإن كل تصرّف صغير يصدر منا، سواء كان إيجابياً أو سلبياً، يُسجَّل في ذاكرة الزائر على أنه «تصرف القطري”. ثم يعود إلى بلده ليقول: رأيت القطري … فعل القطري … وقال القطري. هكذا تُبنى السمعة، وهكذا تُنقل الانطباعات، وهكذا يترسّخ في أذهان الآخرين من هو القطري ومن هي قطر. ولا يقتصر هذا الدور على المواطنين فقط، بل يشمل أيضاً الإخوة المقيمين الذين يشاركوننا هذا الوطن، وخاصة من يرتدون لباسنا التقليدي ويعيشون تفاصيل حياتنا اليومية. فهؤلاء يشاركوننا المسؤولية، ويُسهمون مثلنا في تعزيز صورة الدولة أمام ضيوفها. ويزداد هذا الدور أهمية مع الجهود الكبيرة التي تبذلها هيئة السياحة عبر تطوير الفعاليات النوعية، وتجويد الخدمات، وتسهيل تجربة الزائر في كل خطوة. فبفضل هذه الجهود بلغ عدد الزوار من دول الخليج الشقيقة في النصف الأول من عام 2025 أكثر من 900 ألف زائر، وهو رقم يعكس جاذبية قطر العائلية ونجاح سياستها السياحية، وهو أمر يلمسه الجميع في كل زاوية من زوايا الدوحة هذه الأيام. وهنا يتكامل الدور: فالدولة تفتح الأبواب، ونحن نُكمل الصورة بقلوبنا وأخلاقنا وتعاملنا. الحفاظ على الصورة المشرّفة لقطر مسؤولية مشتركة، ومسؤولية أخلاقية قبل أن تكون وطنية. فحسن التعامل، والابتسامة، والاحترام، والإيثار، كلها مواقف بسيطة لكنها تترك أثراً عميقاً. نحن اليوم أمام فرصة تاريخية لنُظهر للعالم أجمل ما في مجتمعنا من قيم وكرم وذوق ونخوة واحترام. كل قطري هو سفير وطنه، وكل مقيم بحبه لقطر هو امتداد لهذه الرسالة. وبقدر ما نعطي، بقدر ما تزدهر صورة قطر في أعين ضيوفها، وتظل دائماً وجهة مضيئة تستحق الزيارة والاحترام.
1758
| 25 نوفمبر 2025
مساحة إعلانية
في مقالي هذا، سأركز على موقفين مفصليين من...
2367
| 20 يناير 2026
بعد أسابيع عصيبة عاشتها بلادنا على وقع الأزمة...
1761
| 14 يناير 2026
بين فرحة الشارع المغربي وحسرة خسارة المنتخب المصري...
1452
| 16 يناير 2026
في رحلتي من مطار حمد الدولي إلى منزلي،...
750
| 15 يناير 2026
لا تأتي القناعات الكبرى دائماً من التقارير الرسمية...
705
| 16 يناير 2026
في خطوة تنظيميّة مهمّة تهدف إلى ضبط سوق...
702
| 14 يناير 2026
التحديثات الأخيرة في قانون الموارد البشرية والتي تم...
663
| 20 يناير 2026
ما يحدث في عالمنا العربي والإسلامي اليوم ليس...
660
| 15 يناير 2026
في زمنٍ تختلط فيه البوصلة وتُشترى فيه المواقف...
633
| 20 يناير 2026
في عالم تتسارع فيه المنافسة على استقطاب أفضل...
585
| 15 يناير 2026
احتفل مركز قطر للمال بمرور عشرين عاماً على...
573
| 18 يناير 2026
تجول في ممرات أسواقنا الشعبية المجددة، أو زُر...
567
| 14 يناير 2026
مساحة إعلانية