رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الكراهية والعداء أصبحا الخبز اليومي لليمين المتطرّف في أوروبا الإسلام يزحف لدرجة أنه أصبح يهدّد كل بيت في فرنسا! الاستثمارات الخليجية أصبحت في مرمى نيران الصحافة الغربية
على مَن نضحك، صعود اليمين المتطرّف في أوروبا لم يكن رداً على الأصولية المسيحية ومطالبها بلعب دور أكبر، ولا اليهودية ودعمها للمشاريع الصهيونية الاستيطانية وتثبيتها على أرض الواقع وان كانت ضد المصالح الغربية، ولا حتى الالتفات لما يسمى الخطر الأصفر والأحمر في شرق وجنوب آسيا ودياناتها والهندوسية والسخية والبوذية، بل يجيء ردا على الخوف والرهبة من المستقبل في ظل تنامي الحضور الإسلامي والعربي والخليجي داخل المجتمعات الأوروبية؟!
(1)
بغض النظر عن معارك الانتخابات الفرنسية ونتائجها، كان المُلفت هو المؤشرات البارزة لصعود اليمين المتطرّف وأجنداته التي يطرب لها العديد في الدول الأوربية اليوم. استطلاع الرأي الذي نشرته صحيفة "لوموند" أشار إلى أن شريحة كبيرة من الشباب الفرنسي تتراوح أعمارهم بين 18 و24 سنة، تميل لليمين المتطرّف في الانتخابات الفرنسية 2012م. الاستطلاع ذكر أن الجيل الجديد في فرنسا يفضّل مارين لوبين على المرشحين الآخرين بفرانسوا هولاند مرشح الاشتراكيين، والرئيس المرشح نيكولا ساركوزي صديق العرب والمسلمين كما يتم تقديمه. مارين لوبين مرشحة اليمين المتطرّف حصلت على أرقام قياسية وصفتها صحيفة ليبيراسيون ان "اليمين المتطرّف لم يكن يوما بهذه القوة في فرنسا"، هي محامية تبلغ من العمر 43 عاماً، والابنة الصغرى التي اختارت أن تحمل راية الكفاح وتكمل المشوار الذي بدأه والدها مؤسس حزب "الجبهة الوطنية" اليميني جان ماري لوبين بعد مسيرة 40 سنة حفلت بالفضائح والعنصرية والمعادة للمهاجرين ولمسلمي فرنسا الذي أصبحت عبارته المفضلة "فرنسا للفرنسيين" شعارا لحملاته. مارين لوبين تؤمن أن الإسلام يزحف لدرجة انه أصبح يهدّد كل بيت في فرنسا، وتشير إلى انه "ليس هناك ما يستدعي الشعور بالخجل إزاء محاربة التوسّع الإسلامي في فرنسا"، الذي اكتسب مصطلح "أسلمة فرنسا" المتعارف عليه. فالحرب "ضد الدين الإسلامي يجب أن تستمر وألا تتوقف أبداً." مارين لوبين وجهت سهام انتقاداتها اللاذعة للمسلمين أيضا بسبب إجبارهم الفرنسيين والسياح الأجانب وبينهم مليون ياباني على أكل اللحم المذبوح بحسب الشريعة الإسلامية، واصفة اللحم الحلال بالوباء الغذائي. وطالبت الحكومة الفرنسية "بعدم إقحام الدين في الطعام الفرنسي"، وأعربت عن مساندتها لرئيس البلاد في حظر الحجاب والنقاب، كما طالبت بوقف بناء المساجد وعدم السماح للمصلّين بالصلاة في الساحات القريبة من المساجد. كما دعت إلى إغلاق باب الهجرة مشيرة إلى أنها لا تعترف بأي إنجازات فرنسية حقّقها فرنسيون "بأسماء مهاجرة"، لافتة الأنظار إلى أنها لا تنظر إلى زين الدين زيدان الجزائري الأصل على أنه مواطن فرنسي، معربة عن دهشتها كيف يمكن لشخص أن يلعب في صفوف منتخب بلادها لكرة القدم وهو لا يعرف كلمات نشيد فرنسا الوطني!.
(2)
الاستثمارات الخليجية السعودية والكويتية والإماراتية والقطرية التي زادت في السنوات الأخيرة وقامت بعد أحداث الشلل والانهيارات التي سادت القطاعات الاقتصادية العالمية الأمريكية والأوربية بالتحديد منذ 2008، بضخ الكثير من السيولة في الاقتصاد الأوروبي المحتضر والاستثمار في المؤسسات والشركات المتعثّرة أو المقبلة على الإفلاس، أصبحت في مرمى نيران الصحافة الغربية واتهاماتها العشوائية والمتحيّزة. لقد بلغت قيمة التجارة الخارجية لفرنسا مع الدول العربية خلال العام الماضي قرابة 146.365 مليار فرنك فرنسي منها 37.793 مليار فرنك مع دول مجلس التعاون الخليجي و81.059 مليار فرنك مع دول المغرب العربي و27.511 مليار فرنك مع الدول العربية الأخرى. إلا أن الحالة الأبرز تمثّلت في الاستثمارات الداخلية في باريس وضواحيها.
العلاقة التي بدأت إيجابية ومرحّب بها في البداية وقت الانكسار والأسى والحزن والبحث عن بدائل لتنمية الاقتصاد الفرنسي تحوّلت إلى نقد لاذع وأسلوب رخيص للهجوم. قطر كان لها نصيب الأسد فالصحافة الفرنسية التي كانت تشيد بالخطوات القطرية الشجاعة في الانفتاح ودعم الاقتصاد الفرنسي وتغيير الصورة النمطية للعرب والمسلمين، غدا معظمها يركّز على الغمز واللمز والتشهير. والعناوين اختلفت ألوانها ومضامينها، قطر تشتري فريق كرة القدم الباريسي، قطر شريك أساسي في مجموعة «لاغاردير» للإعلام والرياضة والطيران، قطر مساهم أساسي في شركة النفط الفرنسية «توتال»، قطر تشارك بحصة كبيرة في مجموعة شركات LVMH «لويس فيتون مويه هينيسي»، قطر تستثمر في سوق الطاقة والعقارات الفرنسية، قناة «الجزيرة» تحصل على الحصة الأكبر من حقوق نقل مباريات دوري الأبطال الأوروبي، قطر تشتري فنادق في باريس وتتملّك قصوراً تاريخية، قطر تدخل في صفقات سياسية، السياسيون الفرنسيون والفرنسيات يتقاطرون إلى الدوحة. مقال صحيفة «ليبيراسيون»، تخيّل مستقبل الدولة الفرنسية في عام 2022، سيكون معظمه مملوكا من قطر. موقع «ميديابار» الفرنسي ذكر في مقال بعنوان «بيع فرنسا وأوروبا لقطر». لماذا يتم الإغفال من الغرب للدور المدمّر لبلدنا ((من قبل حلفائنا المزعومين المملكة العربية السعودية وقطر)). قطر من جانبها ردّت على هذه الافتراءات بتقديم مبادرة إنسانية من خلال تخصيص 50 مليون يورو لدعم مشاريع أبناء الأحياء الشعبية، إلا أن هذه المساهمة لم تنل رضا زعيمة اليمين المتطرّف مارين لوبان التي لعبت على هذا الوتر الطائفي، معتبرة أنه تشجيع للطائفية في بلد كفرنسا الذي لا يعترف بها، لأن التركيز على هذه الأحياء، الغرض منه، بحسب تحليلها، التوجّه إلى المسلمين فيها فقط دون غيرهم من الفرنسيين بأصولهم ودياناتهم المختلفة. الغريب أن الفرنسيين لم يرفضوا العروض لتقديم المساعدات أو يفكروا في رد المبالغ المخصّصة، بل تم تأجيل الموضوع للاستحواذ عليها إلى ما بعد انتهاء الانتخابات الرئاسية الفرنسية؟!.
(3)
السنوات الماضية شهدت صعود نجم العديد من الأحزاب اليمينية الشعوبية ذات التوجهات اليمينية المتطرّفة واستطاعت أن تنجح في الحصول على أصوات شريحة انتخابية عريضة في عدد من البلدان من السويد إلى المجر ومن النمسا إلى هولندا والآن فرنسا وغدا بريطانيا وهي لا تتراجع في شعبيتها بل تتصاعد كلما كان خطابها مركزا أكبر على استهداف شريحة (الآخر) من خلال اعتبارهم عبئاً سياسيا واقتصادياً وثقافيا وديمغرافياً وعامل هدم وإخلال على المدى الطويل، وفرض نموذج أُحادي للتعايش واتهامهم بأنهم لا يستطيعون الاندماج في النموذج الأوروبي، واتهام حتى مَن يسعى ليساهم في دعم اقتصادهم من البلدان العربية والإسلامية والخليجية بالتحديد بالأجندات السياسية والأيدلوجية. المحصلة أن خطاب هؤلاء قادر على بعث وتغذية الخوف من (الإسلاموفوبيا إلى العربوفوبيا وإضافة مصطلح جديد سنطلق عليه الخليجوفوبيا) وإعادة إنتاج العناصر التي تؤمن بالكراهية والعداء والتي قد تتبنّى الاستهداف والمواجهة والقيام بالعمليات الإرهاب لتحقيق أهدافها وشعاراتها.
أندرس بيرينغ برييفيك (Anders Behring Breivik) الذي قتل 77 شخصا في النرويج العام الماضي وقام بتفجير قنبلة في وسط أوسلو، أكد في محاكمته التي تجرى حاليا وتنقل بشكل مباشر في المحطات الإخبارية العالمية، على وجود خلايا نائمة يمكن أن تضرب في أي وقت في أوروبا. وأنها مؤلفة من خلايا فردية ومستقلة تعمل الواحدة بمعزل عن الأخرى وتهدف إلى «توحيد جميع الناشطين القوميين في أوروبا» وتدريبهم على استلهام طرق تنظيم القاعدة والإسلاميين الجهاديين. اللوم كله كما يعتقد برييفيك يقع على «الشيطانيون من الديموقرطيين الاشتراكيين والماركسيين المثقفين الذين يريدون تحويل بلدهم إلى مجتمع متعدّد الثقافات بدون استشارة الشعب».
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8907
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4830
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
3912
| 23 سبتمبر 2026