رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تعثرت الكثير من الشركات وتوقفت المصانع التي سرحت العمال مع توالي الأزمات الاقتصادية بداية من زمن الكورونا اللعين التي توقف فيه الأنشطة الاقتصادية الرئيسية والإنتاجية بالقطاع الخاص في معظم دول العالم وتوقفت الصادرات وحركة السياحة وأصيبت قطاعات السفر والطيران والمؤسسات الفندقية والمنشآت السياحية بالشلل الذي ضرب هذه القطاعات في مقتل وانعكست آثارها السلبية على الاقتصاد فهل القطاع الخاص هو المسؤول؟ أو تقع المسؤولية على الحكومات.. أم أنها مسؤولية مشتركة؟ بعد أن تفاقمت هذه المشاكل والأزمات في ظل الحرب بين روسيا والغرب ممثلا في أوكرانيا التي هي في جوهرها حرب اقتصادية، في ظل الصراع السياسي القائم الذي يخشى من التمدد الاقتصادي الصيني وتحالفه مع القضب الروسي الذي يسعى للظهور كقوة عظمى اقتصادية وسياسية غابت لسنوات عن المسرح العالمي. ومن هنا تفاقمت بشدة المشاكل الاقتصادية المستترة والكامنة التي عانت منها الاقتصاديات الضعيفة والهشة التي وجدت في أزمة كورونا شماعة لتبرر فشلها في تحقيق التنمية والنهوض بالمجتمعات، بعد أن عجزت الحكومات بامتياز في إدارة هذه الأزمة. وظهر ذلك جليا في معاناة الاقتصاديات النامية والقطاع الخاص تحديدا من ازدياد حالات إفلاس الشركات وهروب الاستثمارات وضعف وسوء الممارسات، التي نتج عنها العجز في الإنتاج وتوقف الصادرات والتعثر في سداد القروض أو في الوفاء بالالتزامات تجاه مستحقات البنوك ومؤسسات التمويل، حيث تتعقد الأمور أكثر عندما يتم ذلك تحت غطاء من الفساد المالي والإداري الذي تتميز به الاقتصادات الضعيفة والمنهكة، والتي نراها في صعوبة حصول المستثمر على تراخيص المشروعات بداية من تراخيص الأراضي الصناعية وفرض الرسوم والضرائب المتنوعة التي لا يقابلها تقديم منافع وخدمات، والروتين والبيروقراطية العقيمة وتعدد جهات التعامل، وعدم استقرار أو ثبات القوانين والتشريعات، وتوغل ومنافسة الشركات الحكومية في مشروعات القطاع الخاص بل احتكار بعض الأنشطة الأساسية ذات الربحية العالية وحرمان القطاع الخاص منها، حيث تكبدت شركات القطاع الخاص خسـائر فادحة في رأس المال، وسوف تزداد وتتفاقم تبعا للتوترات الجيوسياسية المتعاقبة التي آخرها حتى الآن طوفان الأقصى وتبعاته وقد حذرت من ذلك رئيسة منظمة التجارة العالمية من أن استمرار الصراع العربي الإسرائيلي واتساع نطاقه سيؤثر على تدفقات التجارة العالمية كما ذهب صندوق النقد الدولي في توقعاته لأداء النمو الاقتصادي العالمي بتقريره «آفاق الاقتصاد العالمي» إلى أن النمو الاقتصادي العالمي الحالي هش، ولن يتعدى 2.9 % فقط في عام 2024. ومن المؤسف حقيقة أن ذلك يواكب التردي الواضح في إدارة القطاع الخاص من خلال دور غرف التجارة والصناعة الضعيف والهش في معظم الدول النامية، حتى قبل هذه الأزمات، نظرا لافتقار البعض للخبرات الإدارية القادرة على إدارة التنمية الاقتصادية وافتقادها إلى الرؤية التي تمكنها من قيادة وتوجيه دفة الاقتصاد في القطاع الخاص بشكل علمي واقتصادي، بعد أن ألقت قيادات غرف التجارة بنفسها في أحضان الحكومات مستسلمة للسيطرة عليها حتى أصبح دورها هامشيا وغير مؤثر، لأنها لا تملك المبادرات والابتكارات الجديدة، التي تثري أداء استثمارات وأصول شركات ومؤسسات القطاع الخاص، القادرة على تحقيق التنمية الاقتصادية الحقيقية، باعتبار أن دور غرف التجارة والصناعة يُعد رمانة الميزان في الاقتصاد لأنه ليس من المنطق أن يظل أداء غرف التجارة والصناعة تقليديا ومقتصرا على السفريات والزيارات الخارجية واستقبال الوفود، والتصريحات الخاوية من المضمون، وتثمين الإجراءات الحكومية حتى ولو لم يتوافق بعضها مع متطلبات واحتياجات ومصالح القطاع الخاص. ولا شك أن عدم تطوير نشاط غرف التجارة والصناعة وزيادة فاعليتها يعوق القطاع الخاص الذي يعد قاطرة التنمية، والمنفذ الحقيقي لتوفير فرص العمل الجديدة التي تستوعب جحافل الخريجين والباحثين عن العمل، بعد أن عجزت الحكومات عن توفير فرص العمل الجديدة أو مواجهة معدلات البطالة المتزايدة والتي تتراكم سنويا. لذلك نؤكد على أن مسؤولية القطاع الخاص وبمشاركة الحكومة في العمل على تطوير الشركات الصغيرة والمتوسطة لتعطي الفرصة للأيدي العاملة لإكسابها المهارات الفنية لتكوين قاعدة للصناعات الصغيرة التي تغذي الصناعات الكبيرة وتغطي احتياجات السوق المحلي وتصدير الفائض للخارج، على أن توفر لها الحكومة قنوات التمويل المناسبة ووسائل التسويق والترويج لمنتجاتها في الداخل والخارج، لضمان تواجدها حتى تضع قدمها في الأسواق العالمية والإقليمية، على أن تستفيد من العلاقات القائمة مع غرف التجارة العربية والأجنبية المشتركة في جذب الاستثمارات وترويج الصادرات والتعاون في المشروعات المشتركة، وتبادل المعلومات والبيانات والتقارير والدراسات التي تخدم القطاع الخاص وتمكنه من التواجد كعنصر إيجابي وفاعل وهام من عناصر التنمية الاقتصادية ونواة للمجتمع الصناعي الذي يصنع الدولة المتقدمة.
mohmeedosman@yahoo.comمحمد محمود عثمان
تعثرت الكثير من الشركات وتوقفت المصانع التي سرحت العمال مع توالي الأزمات الاقتصادية بداية من زمن الكورونا اللعين التي توقف فيه الأنشطة الاقتصادية الرئيسية والإنتاجية بالقطاع الخاص في معظم دول العالم وتوقفت الصادرات وحركة السياحة وأصيبت قطاعات السفر والطيران والمؤسسات الفندقية والمنشآت السياحية بالشلل الذي ضرب هذه القطاعات في مقتل وانعكست آثارها السلبية على الاقتصاد فهل القطاع الخاص هو المسؤول؟ أو تقع المسؤولية على الحكومات.. أم أنها مسؤولية مشتركة؟ بعد أن تفاقمت هذه المشاكل والأزمات في ظل الحرب بين روسيا والغرب ممثلا في أوكرانيا التي هي في جوهرها حرب اقتصادية، في ظل الصراع السياسي القائم الذي يخشى من التمدد الاقتصادي الصيني وتحالفه مع القضب الروسي الذي يسعى للظهور كقوة عظمى اقتصادية وسياسية غابت لسنوات عن المسرح العالمي.
ومن هنا تفاقمت بشدة المشاكل الاقتصادية المستترة والكامنة التي عانت منها الاقتصاديات الضعيفة والهشة التي وجدت في أزمة كورونا شماعة لتبرر فشلها في تحقيق التنمية والنهوض بالمجتمعات، بعد أن عجزت الحكومات بامتياز في إدارة هذه الأزمة.
وظهر ذلك جليا في معاناة الاقتصاديات النامية والقطاع الخاص تحديدا من ازدياد حالات إفلاس الشركات وهروب الاستثمارات وضعف وسوء الممارسات، التي نتج عنها العجز في الإنتاج وتوقف الصادرات والتعثر في سداد القروض أو في الوفاء بالالتزامات تجاه مستحقات البنوك ومؤسسات التمويل، حيث تتعقد الأمور أكثر عندما يتم ذلك تحت غطاء من الفساد المالي والإداري الذي تتميز به الاقتصادات الضعيفة والمنهكة، والتي نراها في صعوبة حصول المستثمر على تراخيص المشروعات بداية من تراخيص الأراضي الصناعية وفرض الرسوم والضرائب المتنوعة التي لا يقابلها تقديم منافع وخدمات، والروتين والبيروقراطية العقيمة وتعدد جهات التعامل، وعدم استقرار أو ثبات القوانين والتشريعات، وتوغل ومنافسة الشركات الحكومية في مشروعات القطاع الخاص بل احتكار بعض الأنشطة الأساسية ذات الربحية العالية وحرمان القطاع الخاص منها، حيث تكبدت شركات القطاع الخاص خسـائر فادحة في رأس المال، وسوف تزداد وتتفاقم تبعا للتوترات الجيوسياسية المتعاقبة التي آخرها حتى الآن طوفان الأقصى وتبعاته وقد حذرت من ذلك رئيسة منظمة التجارة العالمية من أن استمرار الصراع العربي الإسرائيلي واتساع نطاقه سيؤثر على تدفقات التجارة العالمية كما ذهب صندوق النقد الدولي في توقعاته لأداء النمو الاقتصادي العالمي بتقريره "آفاق الاقتصاد العالمي" إلى أن النمو الاقتصادي العالمي الحالي هش، ولن يتعدى 2.9 % فقط في عام 2024. ومن المؤسف حقيقة أن ذلك يواكب التردي الواضح في إدارة القطاع الخاص من خلال دور غرف التجارة والصناعة الضعيف والهش في معظم الدول النامية، حتى قبل هذه الأزمات، نظرا لافتقار البعض للخبرات الإدارية القادرة على إدارة التنمية الاقتصادية وافتقادها إلى الرؤية التي تمكنها من قيادة وتوجيه دفة الاقتصاد في القطاع الخاص بشكل علمي واقتصادي، بعد أن ألقت قيادات غرف التجارة بنفسها في أحضان الحكومات مستسلمة للسيطرة عليها حتى أصبح دورها هامشيا وغير مؤثر، لأنها لا تملك المبادرات والابتكارات الجديدة، التي تثري أداء استثمارات وأصول شركات ومؤسسات القطاع الخاص، القادرة على تحقيق التنمية الاقتصادية الحقيقية، باعتبار أن دور غرف التجارة والصناعة يُعد رمانة الميزان في الاقتصاد لأنه ليس من المنطق أن يظل أداء غرف التجارة والصناعة تقليديا ومقتصرا على السفريات والزيارات الخارجية واستقبال الوفود، والتصريحات الخاوية من المضمون، وتثمين الإجراءات الحكومية حتى ولو لم يتوافق بعضها مع متطلبات واحتياجات ومصالح القطاع الخاص. ولا شك أن عدم تطوير نشاط غرف التجارة والصناعة وزيادة فاعليتها يعوق القطاع الخاص الذي يعد قاطرة التنمية، والمنفذ الحقيقي لتوفير فرص العمل الجديدة التي تستوعب جحافل الخريجين والباحثين عن العمل، بعد أن عجزت الحكومات عن توفير فرص العمل الجديدة أو مواجهة معدلات البطالة المتزايدة والتي تتراكم سنويا.
لذلك نؤكد على أن مسؤولية القطاع الخاص وبمشاركة الحكومة في العمل على تطوير الشركات الصغيرة والمتوسطة لتعطي الفرصة للأيدي العاملة لإكسابها المهارات الفنية لتكوين قاعدة للصناعات الصغيرة التي تغذي الصناعات الكبيرة وتغطي احتياجات السوق المحلى وتصدير الفائض للخارج، على أن توفر لها الحكومة قنوات التمويل المناسبة ووسائل التسويق والترويج لمنتجاتها في الداخل والخارج، لضمان تواجدها حتى تضع قدمها في الأسواق العالمية والإقليمية، على أن تستفيد من العلاقات القائمة مع غرف التجارة العربية والأجنبية المشتركة في جذب الاستثمارات وترويج الصادرات والتعاون في المشروعات المشتركة، وتبادل المعلومات والبيانات والتقارير والدراسات التي تخدم القطاع الخاص وتمكنه من التواجد كعنصر إيجابي وفاعل وهام من عناصر التنمية الاقتصادية ونواة للمجتمع الصناعي الذي يصنع الدولة المتقدمة.
العلم يموت بصمت... فمن يسمع؟
في زمنٍ تاهت فيه المعايير، واختلطت فيه القيم، نقف اليوم على مفترق طريق خطير؛ طريقٍ يُرفع فيه الجهل،... اقرأ المزيد
51
| 30 يناير 2026
أهمية دور الشرطة المجتمعية فى المدارس
دور الشرطة المجتمعية مهم فى تحقيق الأمان لأولياء أمور الطلاب والمراهقين بالأخص، نظراً لبعض الحالات الاجتماعية المتعددة، فالاعتراف... اقرأ المزيد
54
| 30 يناير 2026
روبلوكس ضد الواجب.. تربية قطر تحسم اللعبة
تدخل لعبة «روبلوكس» إلى حياتي فجأة بلا استئذان، مثل ساحرٍ رقميٍّ يلوّح بعصاه فيختفي الواجب ويتبخر التركيز، ويبدأ... اقرأ المزيد
33
| 30 يناير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
يمثّل فوز الشيخ جوعان بن حمد آل ثاني برئاسة المجلس الأولمبي الآسيوي لحظة تتجاوز منطق التغيير الإداري إلى أفق أوسع من المعنى والمسؤولية. فالمجلس، بوصفه المظلة الأعلى للحركة الأولمبية في آسيا، ليس مؤسسة رياضية فحسب، بل هو كيان يعكس توازنات القارة، وتحدياتها، وقدرتها على تحويل الرياضة إلى لغة تعاون لا صراع، وإلى مساحة بناء لا تنافس سلبي. آسيا، بتنوعها الجغرافي والثقافي والسياسي، تضع رئيس المجلس أمام مهمة دقيقة: الحفاظ على وحدة رياضية لقارة تتباين فيها الإمكانات، وتختلف فيها الرؤى، وتتقاطع فيها المصالح. ومن هنا، فإن الثقة التي مُنحت للشيخ جوعان ليست ثقة بمنصب، بل ثقة بقدرة على الإصغاء، وإدارة الاختلاف، وبناء مساحات مشتركة تضمن عدالة الفرص وتكافؤ الحضور. التجربة القطرية في المجال الرياضي، والتي كان الشيخ جوعان أحد أبرز مهندسيها، تقدّم مؤشراً مهماً على فهم العلاقة بين الرياضة والتنمية، وبين التنظيم والحوكمة، وبين الاستثمار في الإنسان قبل المنشأة. هذا الفهم يُنتظر أن ينعكس على عمل المجلس، ليس عبر قرارات سريعة أو شعارات واسعة، بل من خلال تراكم هادئ لإصلاحات مؤسسية، وبرامج مستدامة، وشراكات تحترم خصوصية كل دولة آسيوية دون أن تعزلها عن المشروع القاري. الأمل معقود على أن تكون المرحلة المقبلة مرحلة إعادة تعريف للدور الآسيوي في الحركة الأولمبية العالمية؛ ليس من حيث عدد الميداليات فقط، بل من حيث جودة التنظيم، ونزاهة المنافسة، وتمكين الرياضيين، ودعم الرياضة النسائية، وتوسيع قاعدة الممارسة في الدول الأقل حظاً. فالقوة الحقيقية للمجلس لا تقاس بقمته، بل بقدرته على رفع أطرافه. إن الثقة بالشيخ جوعان تنبع من هدوئه الإداري، ومن ميله إلى العمل بعيداً عن الاستعراض، ومن إدراكه أن الرياضة، حين تُدار بحكمة، يمكن أن تكون جسراً سياسياً ناعماً، وأداة تنمية، ورسالة سلام. والتمنّي الأكبر أن ينجح في تحويل المجلس الأولمبي الآسيوي إلى منصة توازن بين الطموح والواقع، وبين المنافسة والإنصاف، وبين الحلم الأولمبي والالتزام الأخلاقي.
2373
| 28 يناير 2026
تخيل معي هذا المشهد المتكرر: شركة كبرى ترسل موظفيها ومديريها في دورات تدريبية باهظة التكلفة لتعلم «المهارات الناعمة» (Soft Skills)، و»الذكاء العاطفي»، و»فن الإتيكيت». يجلسون في قاعات مكيفة، يستمعون لمدرب يشرح لهم بلغة أجنبية ومصطلحات معقدة كيف يبتسمون، وكيف ينصتون، وكيف يقرأون لغة الجسد ليكونوا قادة ناجحين. إنه مشهد يدل على الرغبة في التطور، بلا شك. ولكن، ألا تشعر ببعض المرارة وأنت تراه؟ ألا يخطر ببالك أن كل هذه النظريات التي ندفع الملايين لتعلمها، كانت تُوزع «مجاناً» وبجودة أعلى في مجالس آبائنا وأجدادنا تحت اسم واحد يختصر كل تلك الكتب: «السنع الخليجي»؟ مشكلتنا اليوم أننا نقع في فخ كبير حين نظن أن «السنع الخليجي» مجرد كلمة عامية دارجة، أو تقاليد قديمة لصب القهوة. نحن نختزله في «شكليات»، بينما هو في الحقيقة «نظام تشغيل» اجتماعي وإداري فائق التطور، وله جذور لغوية تكشف عن عمقه الفلسفي. السنع.. جمال الروح لا الجسد المفاجأة التي يجهلها الكثيرون هي أن كلمة «السنع» ليست عامية دخيلة، بل هي فصحى قحة. ففي قواميس العرب، الجذر (س ن ع) يدور حول معاني «الجمال» و «الارتفاع». كان العرب يقولون «امرأة سَنعاء» أي جميلة القوام، ويقولون للنبت إذا طال وحسن شكله «أسْنع». وهنا تتجلى عبقرية العقل الخليجي؛ فقد أخذ أجدادنا هذه الكلمة التي تصف «جمال الشكل»، ونقلوها بذكاء لوصف «جمال الفعل». فأصبح «السنع» عندهم هو: «فن صناعة الجمال في السلوك». فالشاب الذي يوقر الكبير، ويخدم الضيف، ويثمن الكلمة، هو في الحقيقة يرسم «لوحة جمالية» بأخلاقه توازي جمال الخِلقة. ذكاء عاطفي.. بلهجة محلية إذن، السنع الخليجي هو «الجمال السلوكي»، وهو ما يطلق عليه الغرب اليوم «الذكاء العاطفي». عندما يعلمك والدك أن «المجالس مدارس»، وأنك لا تقاطع الكبير، هو يعلمك «أدبيات الحوار والتفاوض». وعندما تتعلم أن «الضيف في حكم المَضيف»، وأنك تقوم لخدمته بنفسك مهما علا شأنك، أنت تمارس «القيادة بالخدمة» (Servant Leadership) التي تتغنى بها كتب الإدارة الحديثة. وعندما تتعلم «الفزعة» والوقوف مع ابن عمك أو جارك في مصيبته دون أن يطلب، أنت تمارس «المسؤولية الاجتماعية» و «بناء روح الفريق» في أنقى صورها. المأساة اليوم أننا أصبحنا نستورد «المسميات» وننسى «المعاني» التي تجري في عروقنا. بتنا نرى جيلاً من الشباب يحملون أعلى الشهادات الأكاديمية، يتحدثون لغات العالم بطلاقة، لكنهم «أمّيون» اجتماعياً. يدخل أحدهم المجلس فلا يعرف كيف يُحيّي،.... ولا أين يجلس، ولمن يقوم..، وإذا تكلم «جرّح» دون أن يشعر، لأنه لم يتعلم مهارة «وزن الكلام» التي هي جوهر السنع الخليجي. خاتمة: العودة إلى «جامعتنا» نحن لسنا ضد العلم الحديث، ولا ضد كتب «هارفارد». ولكننا بحاجة ماسة لأن نعود إلى «جامعتنا» المحلية. نحتاج أن نعيد الاعتبار لمفهوم «السنع» ليس كتراث فلكلوري، بل كمنظومة قيم وسلوك حضاري تعبر عن «الجمال المعنوي». أن تكون «متطوراً» لا يعني أن تنسلخ من جلدك. قمة التطور هي أن تجمع بين «كفاءة» الإدارة الحديثة، و»أصالة» السنع الخليجي. فالشهادة قد تجعلك «مديراً» ناجحاً، لكن السنع وحده -بما يحمله من جمال وتواضع وذكاء- هو الذي يجعلك «قائداً» يأسر القلوب، ويفرض الاحترام بلا سطوة. فلنعلم أبناءنا أن «السنع» هو الإتيكيت الخاص بهويتنا، وأنه الجمال الباقي حين يذوي جمال الوجوه.
1797
| 28 يناير 2026
برحيل والدي الدكتور والروائي والإعلامي أحمد عبدالملك، فقدت الساحة الثقافية والإعلامية قامةً فكرية استثنائية، كرّست حياتها للعلم والمعرفة والكلمة المسؤولة، رحل بعد مسيرة حافلة بالعطاء، امتدت لعقود، ترك خلالها إرثًا معرفيًا وأدبيًا وإعلاميًا سيظل شاهدًا على حضوره العميق وتأثيره المتواصل. كرّس الراحل حياته للعلم والتعليم، فعمل أستاذًا جامعيًا وأسهم في تكوين أجيال من الطلبة، مؤمنًا بأن المعرفة ليست ترفًا، بل مسؤولية ورسالة، وإلى جانب عمله الأكاديمي، كان شغوفًا بالكتابة، فأصدر ما يقارب ثمانيةً وخمسين كتابًا في مجالات متعددة، عكست عمق رؤيته الفكرية واهتمامه بالإنسان والمجتمع، كما كان أحد الأسماء البارزة في الإعلام الخليجي والعربي، إذ بدأ مشواره مذيعًا، ثم تدرّج في المناصب حتى أصبح رئيس تحرير، وتقلّد مناصب إعلامية مهمة، حافظ خلالها على المهنية والصدق، رافضًا التنازل عن مبادئه مهما كانت التحديات. لم يكن أحمد عبدالملك مجرد مثقف أو مسؤول إعلامي، بل كان نموذجًا للإنسان الملتزم بقيمه، علّم من حوله أهمية التمسك بالمبادئ، وعدم تقديم التنازلات على حساب الكرامة، والإيمان بأن الكبرياء الأخلاقي قد يكون مكلفًا، لكنه الطريق الوحيد للسلام الداخلي، غرس في أسرته وتلامذته قيم الصدق، وحب المعرفة، والنظام، والدقة، والالتزام، والأمانة، فكان حضوره التربوي لا يقل أثرًا عن حضوره المهني. في الأشهر الأخيرة من حياته، خاض الراحل معركة قاسية مع مرض السرطان، الذي تمكن من جسده خلال سبعة أشهر فقط منذ لحظة تشخيصه، كانت صدمة المرض مفاجئة، لكنها كشفت عن صلابة نادرة في مواجهة الألم، خضع للعلاج الكيماوي، متنقّلًا بين المواعيد الطبية وجلسات العلاج، متحليًا بالصبر والرضا، محافظًا على هدوئه وإيمانه، دون شكوى، في تلك الرحلة المؤلمة، لم يكن وحيدًا؛ فقد رافقته في كل تفاصيل العلاج، وحفظت أدويته، وكنت معه في كل موعد، وكل جرعة كيماوي، وكل يوم ثقيل كان يعيشه. وفي أيامه الأخيرة التي قضاها في المستشفى، ازداد حضوره الروحي صفاءً وطمأنينة، وفي آخر يوم من حياته، حرصت على تلقينه الشهادة طوال اليوم، وكان يطلبني الذهاب للمنزل، ولكني لم اكن اعلم أنه ذاهب لمنزل آخر، رحل بكل هدوء وسلام، كما عاش حياته ملتزمًا بالقيم، تاركًا خلفه حزنًا عميقًا، وذكريات تسكن الأمكنة، ووجعًا لا يُختصر بالكلمات. رحل الدكتور أحمد عبدالملك، لكنه ترك بصمة ثقافية وأدبية راسخة، وإرثًا إعلاميًا مهمًا، ومحبةً صادقة في قلوب كل من عرفه أو قرأ له أو تعلم على يديه، سيبقى اسمه حاضرًا في كتبه، وفي ذاكرة طلابه، وفي الضمير الثقافي العربي. رحمه الله رحمةً واسعة، وجعل علمه وعمله في ميزان حسناته، وأسكنه فسيح جناته. كابنة، لم أفقد والدي فقط، بل فقدت سندي الأول ومرشدي في دربي الإعلامي والثقافي، كان الداعم الأكبر لشغفي بالكتابة، والمعلّم الذي غرس فيّ أصول التقديم الإذاعي والتلفزيوني والإنتاج الإعلامي، بفضله تعلّمت أن الإعلام مسؤولية، وأن الكلمة موقف قبل أن تكون مهنة، رحل، لكنه تركني واقفة على أسس إعلامية متينة، أحمل إرثه وأمضي به بثقة وامتنان.
714
| 25 يناير 2026