رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. حامد أحمد المرواني

مساحة إعلانية

مقالات

1869

د. حامد أحمد المرواني

حين تتحول الرؤية إلى كفاءة إدارية

25 أغسطس 2026 , 11:17م

بحكم أن أحد أفراد أسرتي يتلقى العلاج في لندن على فترات، فقد أتيحت لي فرصة التعامل المباشر مع المكتب الطبي القطري في لندن، والاطلاع عن قرب على أسلوب العمل المتبع فيه. ومن خلال هذا التعامل، لمست أن المكتب يُدار برؤية واضحة، تتمثل في الحرص على توفير أفضل الخدمات العلاجية المتاحة في المملكة المتحدة للمبتعثين للعلاج، والعمل على راحتهم وراحة مرافقيهم طوال فترة وجودهم في لندن.

وقد نجح المكتب، بإدارة السيد عبدالله الأنصاري، الملحق الطبي في سفارة دولة قطر لدى المملكة المتحدة، في ترسيخ هذه الرؤية لدى جميع العاملين فيه، حتى أصبح الحرص على تقديم أعلى معايير الخدمة للمريض القطري جزءاً راسخاً من ثقافة العمل ومسؤولية أساسية لدى جميع الموظفين. ولا تبدو هذه الرؤية مجرد شعارات إدارية، بل تظهر بوضوح في آلية العمل، وسلوك الموظفين، وسرعة الاستجابة، ودقة المتابعة، والتعاون في تلبية احتياجات المرضى ومرافقيهم، وهو ما انعكس على أداء فريق عمل متعاون يؤدي مهامه بكفاءة واهتمام.

ومن أبرز الممارسات الإدارية التي لاحظتها تبنّي سياسة الباب المفتوح؛ إذ يستطيع المريض أو مرافقه مقابلة الملحق الطبي بسهولة، والتحدث معه مباشرة عن أي خدمة يحتاج إليها، أو عائق يواجهه ويطلب العون في تذليله. وهذه السهولة في التواصل لا تمنح المرضى ومرافقيهم شعوراً بالاهتمام والطمأنينة فحسب، بل تساعد الإدارة أيضاً على التعرف المباشر إلى احتياجاتهم، والوقوف على الصعوبات التي تواجههم، والعمل على معالجتها دون تأخير.

ومن الممارسات التي تعكس جدية هذا النهج الإداري أيضاً الزيارات الميدانية التي يقوم بها الملحق الطبي، برفقة أحد أطباء المكتب، للمرضى المقيمين في المستشفيات؛ للاطمئنان على تطور حالاتهم الصحية، والوقوف على مستوى الرعاية والخدمات المقدمة إليهم.

ولا تقتصر هذه الزيارات على الاطمئنان الشخصي، بل تشمل الاستماع إلى ملاحظات المرضى وأسرهم، ومناقشتها مباشرة مع المسؤولين في المستشفى عند الحاجة. وعلى الرغم من أن هذا الحوار يظل مهنياً بحتاً، فإنه يتسم بالحزم حين يتعلق الأمر بحقوق المريض وجودة الرعاية المقدمة إليه، بما يعكس بوضوح مدى حرص الدولة على صحة أبنائها وسلامتهم.

كما لاحظت اعتماد الإدارة أسلوب التدوير الوظيفي؛ إذ تعمد بين فترة وأخرى إلى تغيير مهام بعض الموظفين الإداريين، وأحياناً مواقع عملهم داخل مبنى المكتب. ويسهم هذا الأسلوب في توسيع خبراتهم، ومنع احتكار المعرفة بتفاصيل العمل وإجراءاته لدى موظف بعينه، وضمان استمرارية الخدمات عند غياب أي موظف، إلى جانب اكتشاف قدرات العاملين والتعرف إلى الموظف الأنسب لكل مجال. وهذا يعكس حرص الإدارة على بناء منظومة عمل مرنة ومتكاملة، لا تعتمد على فرد واحد في إنجاز مهامها.

ولم تغفل الإدارة، إلى جانب كفاءتها المهنية، أهمية البعد الإنساني والتواصل الشخصي مع المرضى ومرافقيهم. فعندما يلتقي الملحق الطبي مريضاً أو مرافقاً للمرة الأولى، وما إن يعرّف الزائر بنفسه، حتى يبادر الملحق الطبي إلى ذكر من يعرفهم من أفراد أسرته، سواء كان أباً أو أخاً أو ابن عم. وهذا الأسلوب العفوي والصادق يزيل الحواجز الرسمية، ويمنح المراجع شعوراً بالألفة والاهتمام، بما يعكس معرفة واسعة بالمجتمع القطري وروابطه الأسرية. ومثل هذا التواصل له أثر بالغ في طمأنة المريض وأسرته، خصوصاً خلال فترة العلاج بعيداً عن الوطن.

وتتميز الإدارة كذلك برحابة الصدر في التعامل مع مطالب المرضى ومرافقيهم، حتى عندما تكون بعض الطلبات خارج صلاحيات المكتب أو لا تندرج ضمن الخدمات المنوطة به. ففي مثل هذه الحالات، لا يُكتفى برفض الطلب، بل يحرص الملحق الطبي على توضيح حدود اختصاص المكتب، وشرح الإجراءات الإدارية المتبعة وفقاً للوائح والقوانين، وتحديد الجهة المخولة بالنظر في الطلب والموافقة عليه. وهذا الأسلوب يمنح المريض ومرافقيه فهماً واضحاً للإجراءات، ويؤكد أن تعذر تلبية بعض الطلبات لا يعني غياب الاهتمام أو الرغبة في المساعدة، وإنما هو التزام بالصلاحيات والضوابط المنظمة للعمل.

كما لا يفوتني أن أنوّه بكفاءة الأنظمة الإدارية ونظم المعلومات في المكتب، التي يتضح أنها أُسست على أسس احترافية، بما يضمن سرعة إنجاز المعاملات ودقة متابعتها. وتشمل هذه الأنظمة تحديد المواعيد الطبية، والتواصل مع مقدمي الخدمات الطبية، والتنسيق مع وزارة الصحة العامة في قطر، وإصدار الضمانات المالية لمقدمي الخدمات العلاجية، وفهرسة التقارير الطبية والمعاملات المالية وحفظها، إلى جانب تنسيق وسائل المواصلات، والتنسيق مع الخطوط الجوية القطرية في كل ما يتعلق بخدمات السفر، فضلاً عن تنظيم خدمات الطوارئ بما يضمن سرعة الاستجابة للحالات العاجلة والتعامل معها بكفاءة. وقد أسهم هذا التنظيم في ربط مختلف جوانب العمل وتيسيرها، بما يضمن انسيابية الإجراءات، وسرعة الوصول إلى المعلومات، ودقة متابعة كل حالة، وينعكس بصورة مباشرة على جودة الخدمة المقدمة للمريض ومرافقيه.

إن نجاح الإدارة لا يُقاس بكثرة التعليمات أو الشعارات، بل بقدرتها على تحويل الرؤية إلى ثقافة مؤسسية وآليات عمل واضحة، يشعر بنتائجها كل من يتعامل مع المؤسسة. ومن خلال ما لمسته من وضوح في الرؤية، وكفاءة في الأداء، ودقة في المتابعة، يمكن القول إن المكتب الطبي القطري في لندن يمثل نموذجاً للكفاءة الإدارية؛ إذ يجمع بين الإدارة المهنية والمتابعة الميدانية، وبين التقنية الحديثة والتواصل الإنساني، وبين المرونة في التعامل والالتزام باللوائح والصلاحيات.

وفي الختام، فإن ما يقدمه المكتب الطبي القطري في لندن من خدمات علاجية وإدارية وإنسانية يعكس حرص دولة قطر على تنفيذ رؤيتها في مجال صحة المواطن، وترجمة هذه الرؤية إلى ممارسات عملية تضع سلامته وراحته في مقدمة الأولويات.

مساحة إعلانية