رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
فيلم «نظرية مؤامرة» 1997، لميل جيبسون يعرض نموذجاً للعمليات القذرة التي شملها برنامج «إم كيه ألترا» للتحكم في عقول البشر، (أشرت إليه سابقا)، والذي تطور حاليا إلى شيء أكبر وأخطر، هو حرب شاملة لـ «احتلال العقول» في كل مكان، تسخيراً لوسائل التكنولوجيا الحديثة، وما يسمى «علم النفس الخارق»، في حالة تتجاوز «غابة هوبز» التي تحدث فيها عن «حرب الكل ضد الكل» إلى غابة أكبر بحجم العالم كله تشهد حرب «البعض (النُّخب) ضد الكل. أحيانا تكون المُسلّمات والبديهيات هي الأكثر صعوبة على الانتباه لها. وأكثر الأمور بداهة هي حرب الشيطان على بني آدم، ورغم ذلك فالناس عنها غافلون. وكنت تحدثت سابقا باختصار عنها وسميتها «الحرب العالمية الأبدية»، وحان الوقت لمزيد من التفاصيل. في المقال السابق وقفنا عند «هندسة الفكر» وهذه تعني، السيطرة على عقول البشر. وبما أن سلاح الشيطان الأمضى هو الوسوسة، فقد قرر قبيله وأتباعه استخدامه، فشرعوا منذ عقود في تنفيذ عملية «وسوسة وتسخير شاملة» لعقول البشر، يستخدمون فيها كل الأسلحة الممكنة وخاصة الإلكترونية، والعقاقير؛ حرب عابرة للحدود والمعايير، وشاملة للجميع، بلا استثناء، حتى المحايدين، وحتى الأمريكيين.
القصة تتلخص في أن أعداء الإنسانية وعندما حقق برنامج «إم كيه ألترا»، نجاحا مقبولا، أرادوا أن يعمموا نموذجه على العالم. بدأ «إم كيه ألترا» عام 1953، وزعموا أنهم أوقفوه عام 1973، لكن الحقيقة أنهم طوروه. فبعد الإعلان عن وقفه ظلوا يكشفون تدريجيا عن برامج أشمل حتى العام 1980، فقيل إنهم كلفوا عقيدا اسمه بول فاليلي ليتعاون مع ضابط آخر لوضع برنامج يجمع كل أنواع الحرب النفسية، و»التخاطر» و»الإفساد الصوتي»، والتجسس، إلخ..، بهدف غسيل العقول والتأثير مباشرة على الجهاز العصبي المركزي الذي يتحكم في الإنسان، باعتبار البشر «أجهزة استقبال».
وكان شريك فاليلي في ذلك، والمؤلِف الفعلي للبرنامج، ضابطا اسمه مايكل أكينو، وهو مؤسس «معبد سيت» (نسبة إلى الإله الفرعوني سيت)، واعترف بنفسه بأن الشيطان ظهر له عام 1975، وطلب منه تأسيس المعبد وتسميته «سيت»، ولقنه تحديثات على «الإنجيل الأسود» أي إنجيل الشيطان. وكان يقود مجموعة لاغتصاب الأطفال بشكل منظم، تحت أعين السلطات، التي برأتهم من كل تهمة وُجهت إليهم. وهذه اعترافات وأحداث موثقة تؤكد ارتباط أعداء الإنسانية ارتباطا مباشرا بالشيطان. وكنت أشرت سابقا إلى مصادر قالت إن دارون تلقى نظريته «الداروينية» من الشيطان مباشرة.
وفي أواخر العام 1980 أصدر، فاليلي وأكينو، دراسة بعنوان «من عمليات الحرب النفسية إلى حرب العقول: سيكولوجية النصر». وكانت تلك الدراسة هي النموذج الأحدث من «إم كيه ألترا»، الذي تم تطويره من حرب على عقول الأفراد إلى حرب عامة على عقول الشعوب في كل مكان. وهذا ما أكده لي عنصر سابق في أحد أجهزة تنفيذ تلك المخططات في أمريكا الشمالية بشرط السرية. وفي العام 2013 صدر كتاب بعنوان «حرب العقول» يحوي تلك الدراسة بتفصيل أكبر، وبتوقيع أكينو، خادم الشيطان، وحده، وبخطة تفصيلية للتنفيذ العملي للبرنامج من خلال إعادة تشكيل فروع العمليات الخاصة بالجيش الأمريكي؛ النفسية، والمدنية، والخاصة. ويوضح الكتاب مراحل تعاون وانخراط تلك الأجهزة في «حرب العقول»، التي تستخدم كل وسائل التكنولوجيا المعروفة وغير المعروفة. ويزعم الكتاب أن الحرب متجذرة في النفس، ولإنقاذ البشرية يجب جعلها أكثر إنسانية وأقل عنفًا بـ «هندسة» العقل البشري. وهكذا، وكما تمت هندسة جينات البذور والحيوانات، يحاولون هندسة أجسام البشر بالأمراض والأمصال، و»هندسة الأفكار» لتخليصها من النزوع للحرب، بزعمهم، ثم التحكم فيها بالكلية. ولأجيال عدة كانت معضلة دراسة العلوم الاجتماعية الأصعب هي أنها ليست علوما «كمية»، كون المشاعر والأفكار لا تصح فيها الحسابات الدقيقة ولا التعميم. لكن باعتبارهم الإنسان «جهاز استقبال»، بعدما جعلوه «شيئا» (أشرنا لذلك في مقال «تشييء الإنسان»)، فهم يبتدعون علما اجتماعيا جديدا هو «هندسة الفكر»، في طريق سعيهم الحثيث لتغيير خلق الله، وصناعة الكفر.
ووفقا لتقرير لمجلة «إكزيكيوتف إنتليجينس ريفيو» بعدد أغسطس 2005، فإن فاليلي وأكينو وآخرين، عملوا على استخدام السحر والممارسات الشيطانية في تلك الحرب. ويكشف التقرير الذي أعده جيفري ستاينبيرج كثيرا من التجارب البشعة على البشر، في معتقلي «غوانتانامو» و»أبو غريب»، وعلى الحيوانات، وخاصة الماعز، فيما سموه «مختبر الماعز». ولستاينبرج تقرير آخر بنفس العدد بعنوان «التخريب الشيطاني للجيش الأمريكي. ومن الذين رصدوا تلك الحرب الشيطانية، في جانبها الإعلامي، مبكرا، الأمريكي هربرت شيللر في كتابه، «المتلاعبون بالعقول»، 1974، ويشرح عمليات التضليل وتشكيل الوعي العام وتزييف الواقع، من خلال وسائل الإعلام. ويدعم ذلك تصريحات حديثة للمنتج الهوليوودي السابق وخبير الإعلام سكوتي ساكس أكد فيها استخدام «الدولة العميقة» تلك الأساليب للسيطرة على السردية العامة في البرامج الإعلامية. ولتشومسكي أقوال مهمة في ذلك سنأتي عليها لاحقا. ويؤكد ذلك بتوسع كتاب جديد بعنوان «ميلاد الحرب النفسية»، 2023، للمحاضر بجامعة لانكاستر د. جيفري وايت، وخاصة جزئية أن الحرب النفسية لا تستثني حتى الأمريكيين. كما يؤكد في الفصل الثالث اضطلاع السي آي أيه بجانب كبير من تلك الحرب، ويشدد على أنها ليست أقل عنفا كما يزعمون.
ولتأكيد الترابط بين كل منظومات النُّخب، يكفي أن نعرف أن اسم «ميتا» الذي تتسمى به «فيسبوك» حاليا مأخوذ من مسمى عمليات عسكرية، أسست، واعتبارا من العام 1983، لأول «غرف دردشة» ضمن برنامج حرب العقول، الذي شاركت «داربا» (وكالة مشاريع أبحاث الدفاع المتقدمة) في تطويره لجعل الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي رأس حربتهم فيما بات يسمى عصر ما بعد الحقيقة أو «عصر الزيف».
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إعلامي وباحث سياسي
ماجستير العلوم السياسية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
6030
| 13 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1797
| 13 مايو 2026
في كل مرة يُطرح فيها موضوع دعم ربات البيوت القطريات، ينقسم النقاش سريعًا بين من يراه "عودة إلى الوراء"، ومن يراه " تصحيحًا لمسار اختل منذ عقود"، لكن السؤال الحقيقي الذي نتجنّب مواجهته هو: لماذا لا نعتبر الأمومة عملاً يستحق الأجر أصلًا؟ لاسيما وأنه يعزز الرعاية الوالدية والتماسك الأسري. نعيش اليوم مفارقة واضحة؛ نحتفي بالإنتاجية في المكاتب، ونقيس القيمة بعدد الساعات خلف شاشات الحاسوب، بينما نتجاهل عملاً يوميًا شاقًا يحدث داخل المنازل، بلا إجازات ولا تقاعد ولا تأمين، عملٌ بإتمامه ونجاحه تنجح الأسرة ويتقدم المجتمع وهو (تربية الأبناء)، وهي ليست مهمة هامشية، بل هي أهم استثمار في أي مجتمع، لأنها تصنع الإنسان نفسه. الواقع يقول إن كثيرًا من النساء لا يؤجلن الإنجاب لعدم الرغبة، بل بسبب معادلة قاسية إما الوظيفة أو الأسرة، فساعات العمل الطويلة، وضغط الأداء، وصعوبة التوفيق بين الحمل ومتطلبات الوظيفة، تجعل خيار الأمومة مكلفًا جدًا، والنتيجة انخفاض في معدلات الخصوبة، وارتفاع في مستويات التفكك الأسري، واعتماد متزايد على العمالة المنزلية في تربية الأطفال. هنا يأتي المقترح الذي يثير الجدل: لماذا لا تُمنح ربة المنزل القطرية التي تختار البقاء في المنزل دعمًا ماليًا لا يقل عن راتب نظيرتها الموظفة؟ قد يبدو الطرح صادمًا للبعض، لكنه في جوهره بسيط؛ إذا كنا ندفع مقابل أي عمل ذي قيمة، فلماذا نستثني العمل الأكثر تأثيرًا على مستقبل المجتمع؟ ربة المنزل لا "تجلس بلا عمل"، بل تقوم بدور متعدد المهام: مربية، ومشرفة، ومديرة منزل، وداعم نفسي، وصانعة بيئة آمنة للأبناء. لا شك بأن الاعتراضات معروفة؛ سيُقال إن ذلك سيُعيد المرأة إلى البيت فقط، أو أنه سيُضعف مشاركتها في سوق العمل، لكن هذا الطرح يفترض أن الخيار الوحيد للتمكين هو الوظيفة، ويتجاهل أن التمكين الحقيقي هو حرية الاختيار، فدعم ربة المنزل لا يعني إجبار المرأة على ترك العمل، بل يعني إزالة الضغط الاقتصادي عن قرارها. الأكثر حساسية في هذا النقاش هو الجانب الاقتصادي ؛ من خلال التساؤل الذي يقول: هل يمكن للدولة تحمّل هذا النوع من الدعم؟ الإجابة تعتمد على زاوية النظر، فإذا اعتبرنا الأمر تكلفة مباشرة، فقد يبدو عبئًا، لكن إذا نظرنا إليه كاستثمار طويل الأمد في الاستقرار الأسري، وتقليل المشكلات الاجتماعية، وتحسين جودة التنشئة، فقد تتغير المعادلة تمامًا. هناك أيضًا جانب كان لا يُنظر إليه ولا يُعار له اهتماماً حتى انتبه المجتمع والدولة له ودقوا ناقوس الخطر بسببه؛ عندما تكون كثير من المشكلات السلوكية والنفسية لدى الأطفال ترتبط بغياب الوقت الكافي مع الوالدين، لا سيما في السنوات الأولى، ومع تزايد الاعتماد على الخدم، تتحول التربية تدريجيًا إلى "خدمة مُستأجرة"، بدل أن تكون مسؤولية أسرية مباشرة. السؤال الذي يجب أن نطرحه بوضوح: أيهما أخطر على المجتمع أن ندفع للأم مقابل تربية أبنائها؟ أم أن نواصل تجاهل هذا الدور حتى ندفع لاحقًا ثمن التفكك الأسري والمشكلات الاجتماعية؟ ربما حان الوقت لإعادة تعريف "العمل"، فليس كل عمل يُقاس براتب شهري من شركة، وليس كل إنتاج يُقاس بأرقام في تقارير، هناك عمل يُقاس بأثره في الإنسان، في استقراره، في قيِمه، وفي مستقبله. دعم ربات البيوت ليس تراجعًا، بل قد يكون خطوة جريئة نحو الاعتراف بأن بناء الأسرة هو أهم وأسمى وأعظم من أي عمل مؤسسي، فهو مشروع بناء إنسان متمسك بدينه وقيمه وأخلاقه وعاداته وتقاليده، وهي غاية أي دولة وكيان يرغب في الاستثمار الحقيقي في بناء المواطن الذي هو طريق مستقبلها وآمالها. لكن هذا الطرح، رغم وجاهته، لا يمكن أن يُمرّر دون نقاش صريح حول مخاطره المحتملة. فالدعم المالي غير المدروس قد يتحول من أداة تمكين إلى أداة تقييد، إذا أصبح ضغطًا اجتماعيًا يدفع المرأة قسرًا للبقاء في المنزل بدل أن يكون خيارًا حرًا. هنا تكمن الحساسية: كيف نضمن أن هذا الدعم لا يُستخدم لإقصاء المرأة من سوق العمل، بل لمنحها مساحة اختيار حقيقية؟ الحل لا يكون في الفكرة نفسها، بل في طريقة تطبيقها، فبالإمكان تصميم برامج دعم مرنة، تتيح للمرأة الانتقال بين العمل والتفرغ الأسري دون خسائر كبيرة، وتربط الدعم بمراحل عمرية محددة للأطفال، خاصة في السنوات الأولى الأكثر تأثيرًا في تكوينهم، كما يمكن أن يكون الدعم تدريجيًا أو جزئيًا، بدل أن يكون نموذجًا جامدًا "إما عمل أو منزل”. من جهة أخرى، لا بد من الاعتراف بأن سوق العمل نفسه يحتاج إلى مراجعة، فلماذا لا تكون هناك وظائف أكثر مرونة للأمهات؟ لماذا لا يُعاد تصميم بيئات العمل لتكون صديقة للأسرة بدل أن تكون في صراع معها؟ دعم ربة المنزل لا يجب أن يكون الحل الوحيد، بل جزءًا من منظومة أوسع تعيد التوازن بين الحياة المهنية والعائلية. الأهم من ذلك، أن النقاش يجب أن يخرج من ثنائية "مع أو ضد"، فالقضية ليست صراعًا بين نموذجين للحياة، بل محاولة لإيجاد مساحة عادلة تعترف بقيمة كل دور، هناك نساء يجدن ذواتهن في العمل، وأخريات يجدنها في تربية الأبناء، وكلا الخيارين يستحق الاحترام والدعم. وهناك امثلة من دول متقدمة كألمانيا مثلاً التي تقدم برامج مثل بدل الوالدين (Elterngeld) والتي تمنح دخلًا شهريًا للأم أو الأب عند التفرغ لرعاية الطفل، وقد يصل إلى نسبة كبيرة من الراتب السابق، ويهدف إلى تشجيع الإنجاب وعدم إجبار الوالدين على العودة السريعة للعمل، وأيضاً دولة مثل النرويج تقدم ما يسمى بدل رعاية الطفل (Cash-for-care)، أما فنلندا فتقوم بتوفير بدل رعاية منزلية للأم التي تعتني بأطفالها في البيت وتدعم خيار التربية المنزلية. خلاصة القول، لعل ما نحتاجه فعليًا هو تغيير في الثقافة قبل السياسات، بأن نتوقف عن التقليل من قيمة العمل المنزلي، وأن نكف عن ربط قيمة الإنسان بوظيفته فقط، حينها فقط يمكن لمثل هذا المقترح أن يُفهم في سياقه الصحيح، لا كخطوة إلى الخلف، بل كتصحيح لنظرة مختلة. فاصلة أخيرة قد لا يكون مهماً بأن تكون صيغة ومغزى السؤال المراد أن نسأله بـ "هل ندفع راتبًا للأم ربة البيت" ؟ بل بالسؤال الحقيقي الذي يجب أن نسأله أنفسنا وهو: هل نستمر في تجاهل أهم وظيفة في المجتمع فقط لأنه خيار استراتيجي وحل لمعظم المشكلات الحالية مثل قلة معدل الخصوبة وتعزيز التماسك الأسري؟!!
1281
| 18 مايو 2026