رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم يعد السؤال اليوم هو ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيدخل إلى المستشفى، بل إلى أي حد سيعيد تشكيل الطريقة التي نكتشف بها المرض، ونشخصه، ونختار علاجه، بل ونطور بها الأدوية نفسها. فالمشهد الطبي العالمي خلال سنة 2026 يكشف عن انتقال تدريجي من مرحلة استخدام الذكاء الاصطناعي كأداة مساعدة للطبيب إلى مرحلة أكثر عمقا، يصبح فيها الذكاء الاصطناعي جزءا من سلسلة إنتاج المعرفة الطبية والدوائية.
ولعل التطور الأكثر إثارة في هذا المجال ظهر في سبتمبر 2026، عندما كشف باحثون عن نظام أطلق عليه اسم «Virtual Biotech»، يضم ما يصل إلى 37 ألف وكيل من وكلاء الذكاء الاصطناعي القادرين على تنفيذ مهام متعددة وتحليل نتائج آلاف التجارب السريرية. وتمكن النظام من اقتراح هدف بيولوجي جديد يمكن أن يكون أساسا لعلاج محتمل لسرطان الرئة، في نموذج يقترب من فكرة «شركة أدوية افتراضية» تعمل بسرعة وحجم يصعب على فريق بشري تقليدي مجاراتهما.هذه التطورات تفتح الباب أمام تحول جوهري. فالطبيب لن يكون وحده في مواجهة ملايين البيانات المتعلقة بالمريض، والباحث لن يكون مضطرا دائما إلى البحث في فضاء علمي هائل بطريقة خطية وبطيئة. فالخوارزميات تستطيع تحليل الصور الطبية، والملفات الجينية، ونتائج التحاليل، والمعلومات السريرية، والأبحاث المنشورة، وبيانات التجارب الدوائية، ثم البحث عن علاقات قد لا تكون واضحة للعين البشرية.
والأكثر أهمية أن الذكاء الاصطناعي بدأ يقترب من قلب الطب الشخصي. ففي سبتمبر الجاري، طور باحثون نموذجا يعرف باسم «الخلية الافتراضية»، يستطيع التنبؤ بكيفية استجابة خلايا أورام سرطان الثدي الثلاثي السلبي لأدوية مختلفة، اعتمادا على ملايين القياسات المتعلقة بالبروتينات. أهمية هذا التطور لا تكمن فقط في سرعة الحساب، بل في إمكانية الانتقال تدريجيا من سؤال «ما العلاج المناسب لهذا النوع من السرطان؟» إلى سؤال أكثر دقة: «ما العلاج الذي يحتمل أن تستجيب له خلايا هذا المريض بالذات؟»
وهنا يظهر أحد أهم التحولات التي يمكن أن يحدثها الذكاء الاصطناعي في الطب. إنه الانتقال من الطب القائم على متوسط استجابة المرضى إلى طب أكثر فردية، يأخذ بعين الاعتبار الاختلافات الجينية والبيولوجية والسريرية بين الأشخاص.
لكن الذكاء الاصطناعي لا يعمل في فراغ. فهو يتقاطع اليوم مع ثورة أخرى في الطب تتمثل في العلاج الجيني، والعلاجات المناعية، واللقاحات الشخصية، وتقنيات تحرير الجينات. وفي سبتمبر 2026، وافقت السلطات الصحية الأمريكية على علاج جيني لمرض «سان فيليبو من النوع A»، وهو مرض وراثي نادر وقاتل يصيب الأطفال، يقوم على إدخال نسخة سليمة من الجين المسؤول عن إنتاج الإنزيم المفقود لدى المرضى.
قد لا يكون هذا العلاج نفسه نتاجا مباشرا للذكاء الاصطناعي، لكن الجمع بين الذكاء الاصطناعي والبيانات الجينية والعلاج الجيني يمثل اتجاها استراتيجيا بالغ الأهمية. فكلما أصبحت قدرة العلماء على قراءة بيولوجيا الإنسان أكبر، ازدادت الحاجة إلى أنظمة قادرة على تحليل هذا الحجم الهائل من المعلومات وربطها باحتمالات التشخيص والعلاج.
وتظهر الصورة نفسها في علاج السرطان. فقد شهدت الأسابيع الأخيرة تطورات مهمة في العلاجات الموجهة، ومنها توسيع إتاحة علاج Enhertu في النظام الصحي البريطاني لفئة من النساء المصابات بسرطان الثدي النقيلي منخفض HER2، بعد أن أظهرت التجارب تحسنا في البقاء على قيد الحياة مقارنة بالعلاج الكيميائي التقليدي.
هذه التطورات تجعل الذكاء الاصطناعي جزءا من منظومة أكبر وليست تقنية منفصلة. فالمستقبل لن يكون بالضرورة «ذكاء اصطناعيا يعالج المريض»، وإنما منظومة صحية تجمع بين البيانات الجينية، والتشخيص الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والأدوية الموجهة، والعلاج الجيني، والمراقبة المستمرة للمريض.
ومن هنا تبدأ المسألة التنظيمية، فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يساهم في تحسين التشخيص وتسريع البحث العلمي وتطوير الأدوية وتحسين تدبير الموارد الصحية. وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن تطبيقاته أصبحت تشمل بالفعل التشخيص والرعاية السريرية وتطوير الأدوية ومراقبة الأمراض والاستجابة للفاشيات وتدبير النظم الصحية. لكنها في الوقت نفسه تحذر من أن سرعة التطور التكنولوجي أصبحت تتجاوز أحيانا قدرة الأطر القانونية والتنظيمية على مواكبته.
وهنا تبرز قضية أساسية بالنسبة للدول، خصوصا الدول التي تعمل على إصلاح منظوماتها الصحية. هل يمكن إدماج الذكاء الاصطناعي في المستشفيات دون إعادة التفكير في الحكامة الصحية؟
الجواب يبدو صعبا إذا ظل التعامل مع الذكاء الاصطناعي مجرد اقتناء للبرمجيات والأجهزة. فالتحول الحقيقي يتطلب بنية تحتية رقمية، وسجلات صحية إلكترونية قابلة للتشغيل البيني، وقواعد بيانات صحية ذات جودة، وتكوين الأطباء والممرضين والإداريين، وأطرا قانونية تحدد المسؤولية عندما يقدم نظام خوارزمي توصية خاطئة.
والأخطر أن الذكاء الاصطناعي قد يعيد إنتاج التفاوتات الموجودة داخل المجتمع إذا كانت البيانات التي تدرب عليها الخوارزميات منحازة أو لا تمثل مختلف الفئات السكانية. ولذلك تؤكد منظمة الصحة العالمية على ضرورة أن تكون أنظمة الذكاء الاصطناعي الصحية آمنة وعادلة وقابلة للمساءلة، وألا تتحول التكنولوجيا الجديدة إلى مصدر جديد لعدم المساواة في الولوج إلى العلاج.
وتكتسب هذه المسألة أهمية أكبر في البلدان التي تواجه أصلا تفاوتات مجالية في توزيع الأطباء والتجهيزات والخدمات الصحية. فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد على تقليص جزء من هذه الفجوات، مثلا من خلال التشخيص عن بُعد وتحليل الصور الطبية ودعم الأطباء في المناطق التي تعاني نقصا في الاختصاصيين، لكنه يمكن أيضا أن يزيد الفجوة إذا اقتصرت تطبيقاته المتقدمة على المستشفيات الكبرى والمدن الأكثر تجهيزا.
والتحدي إذن ليس في امتلاك الذكاء الاصطناعي، وإنما في تحديد موقعه داخل السياسة الصحية الوطنية.
هل سيكون أداة لتقليص الفوارق الصحية؟ أم مجرد تقنية إضافية تستفيد منها المؤسسات الأكثر قدرة على الاستثمار؟ هل ستكون البيانات الصحية ملكا للمريض والمرفق الصحي والدولة ضمن قواعد واضحة، أم ستصبح موردا تجاريا تتحكم فيه شركات التكنولوجيا؟ ومن يتحمل المسؤولية عندما تقترح الخوارزمية علاجا غير مناسب؟ الطبيب؟ المستشفى؟ الشركة المنتجة للنظام؟ أم الجميع وفق إطار قانوني جديد؟
هذه ليست أسئلة تقنية، بل أسئلة سياسية بامتياز لأنها تتعلق بالسلطة والمسؤولية والعدالة وتوزيع الموارد وحماية الحقوق.
والواقع أن التحول بدأ بالفعل. فقد أصبحت أدوات التشخيص المدعومة بالذكاء الاصطناعي والتطبيقات الحوارية من الاستخدامات المتنامية في الأنظمة الصحية، مع استمرار عوائق تتعلق بالكلفة واليقين القانوني والتكوين والمشاركة المجتمعية.
لذلك فإن المستشفى المستقبلي لن يكون بالضرورة مستشفى بلا أطباء، كما قد توحي بعض الخطابات المتفائلة حول الذكاء الاصطناعي. الأرجح أنه سيكون مستشفى يكون فيه الطبيب محاطا بطبقة جديدة من الذكاء الرقمي تساعده على قراءة المعلومات واتخاذ القرار، بينما يظل القرار الطبي النهائي مرتبطا بالمسؤولية المهنية والاعتبارات الإنسانية.
فالخوارزمية تستطيع أن تقارن ملايين الاحتمالات، لكنها لا تستطيع أن تختزل الإنسان في مجموعة بيانات. ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يتنبأ باحتمال الإصابة بمرض، لكنه لا يتحمل وحده المسؤولية الأخلاقية عن القرار. ويمكنه أن يقترح الدواء الأكثر احتمالا للنجاح، لكن مسألة قدرة المريض على تحمل تكلفته والوصول إليه تظل قضية اجتماعية وسياسية.
ومن هنا، فإن أعظم ثورة قد يحدثها الذكاء الاصطناعي في الصحة ليست أن يحل محل الطبيب، وإنما أن يغير طبيعة الطب نفسه. من تشخيص متأخر إلى تنبؤ مبكر، ومن علاج موحد إلى علاج شخصي، ومن تطوير دواء يستغرق سنوات طويلة من البحث إلى عملية يمكن تسريعها بواسطة نماذج حسابية متقدمة، ومن إدارة صحية تعتمد على رد الفعل إلى نظام يستطيع التنبؤ بالحاجات والمخاطر.
لكن نجاح هذه الثورة لن يقاس بعدد الخوارزميات التي تدخل المستشفيات، ولا بعدد التطبيقات التي تحمل شعار «AI». المعيار الحقيقي سيكون عدد المرضى الذين استفادوا فعليا من تشخيص أدق، وعلاج أسرع، ودواء أكثر ملاءمة، وخدمة صحية أكثر عدالة.
في النهاية، قد يكون السؤال الأكبر أمام الحكومات ووزارات الصحة في السنوات المقبلة ليس: هل نستخدم الذكاء الاصطناعي في الصحة؟ بل: كيف نضمن ألا يتحول الذكاء الاصطناعي إلى امتياز تكنولوجي جديد، وأن يصبح بدلا من ذلك جزءا من الحق في العلاج؟
فالطب يدخل بالفعل عصر الخوارزميات. والتحدي السياسي هو أن يدخل هذا العصر الإنسان أولا، لا التكنولوجيا وحدها.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
9378
| 06 أكتوبر 2026
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2025
| 09 أكتوبر 2026
في بعض المؤسسات، يستطيع مسؤول أن يتخذ قراراً كبيراً من دون الرجوع إلى أحد، لكنه عندما يفشل القرار يقول إن الظروف لم تساعده، أو إن المعلومات التي وصلته كانت ناقصة، أو إن الموظفين لم يحسنوا التنفيذ. وفي المقابل، قد يُحاسب مدير إدارة على نتائج لم يُمنح الصلاحيات اللازمة لتحقيقها. هنا تظهر إحدى صور ضعف الحوكمة: صلاحية تتمدد عند اتخاذ القرار، ومسؤولية تنكمش عند ظهور النتائج. تبدو كلمة الحوكمة، أو Governance باللغة الإنجليزية، وكأنها مصطلح جامعي معقد، لكنها في حقيقتها تجيب عن أسئلة بسيطة: من يملك القرار؟ وإلى أي حد؟ ومن يراقب تنفيذه؟ ومن يتحمل نتيجته؟ أما ضعف الحوكمة (Weak Governance) فلا يعني غياب اللوائح، بل غياب العلاقة الواضحة بين من يملك القرار ومن يتحمل نتيجته. وقد يظهر هذا الضعف في مؤسسة تملك عشرات السياسات واللجان؛ فيتخذ شخص القرار، وينفذه شخص آخر، ويُحاسب شخص ثالث. وفي قلب هذه المشكلة يأتي مفهوم حدود الصلاحيات (Limits of Authority)، أي أن يعرف كل مستوى إداري ما يستطيع أن يقرره، وما يتجاوز سلطته، ومتى يحتاج إلى موافقة جهة أعلى أو مستقلة. هذه الحدود لا توضع لتعطيل العمل أو للتعبير عن عدم الثقة بالمسؤول، بل لحمايته وحماية المؤسسة. فالإنسان، مهما بلغت خبرته، قد يخطئ في التقدير، أو يتأثر بعلاقاته، أو يندفع نحو قرار يبدو جذاباً في لحظته. وحين تخضع القرارات الكبيرة لمراجعة مستقلة ومحددة، تقل احتمالات الخطأ والانفراد وإساءة استخدام السلطة. لكن المشكلة تبدأ عندما تكون الحدود غامضة أو مرنة بحسب الأشخاص. فقد تُطبّق الإجراءات بدقة على مدير، بينما يتجاوزها آخر بسبب قربه من القيادة. وقد يحتاج قرار صغير إلى سلسلة طويلة من التوقيعات، في حين يمر قرار أكثر خطورة بموافقة مسؤول واحد. عندها لا تصبح الصلاحيات نظاماً مؤسسياً، بل امتيازات شخصية. وليست كل الصلاحيات مكتوبة في قرار إداري. ففي بعض المؤسسات يظهر أشخاص لا يملكون منصباً يبرر نفوذهم، لكنهم يؤثرون في التعيينات والعقود والقرارات بحكم قربهم من صاحب القرار. وهذه السلطة غير المكتوبة أخطر من الصلاحية الرسمية؛ لأنها تمارس النفوذ من دون أن تترك وراءها مسؤولاً يمكن مساءلته. تبدأ المسؤولية من مجلس الإدارة. فالمجلس لا يدير العمل اليومي، لكنه يحدد المساحة التي تتحرك داخلها الإدارة التنفيذية. وعليه أن يحدد بوضوح القرارات التي يستطيع الرئيس التنفيذي اعتمادها منفرداً، وتلك التي لا تصبح نافذة إلا بموافقة المجلس، مثل الاستثمارات الكبرى، والاقتراض، وبيع الأصول، والعقود المهمة، والتغييرات الجوهرية في الهيكل والقيادات. إذا ترك المجلس هذه الحدود غامضة، فقد يكتشف بعد وقوع الخسارة أن الإدارة تجاوزت ما كان يتوقعه منها، بينما تقول الإدارة إنه لم يسبق أن مُنعت من ذلك. وهنا تتحول المساءلة إلى جدل حول النيات بدلاً من الرجوع إلى قواعد واضحة. وحتى عضو مجلس الإدارة له حدود. فعضويته لا تمنحه حق إصدار التعليمات المباشرة للموظفين، أو التدخل منفرداً في التعيينات والمشتريات. المجلس يمارس سلطته مجتمعاً، أما تحول بعض أعضائه إلى مديرين من خلف الستار فيربك الإدارة، ويجعل الموظف أمام أكثر من رئيس، ويمنح العضو تأثيراً لا تقابله مسؤولية تنفيذية واضحة. أما الرئيس التنفيذي، فصلاحياته الواسعة لا تعني أنها مطلقة. المؤسسة ليست امتداداً لشخصه، والقرار الكبير لا يصبح آمناً لمجرد أن من اتخذه يتمتع بالخبرة. مسؤوليته أن يعمل داخل الحدود التي وضعها المجلس، وأن يوزع جزءاً من صلاحياته على القيادات تحته بوضوح. وهذا ما يسمى تفويض الصلاحيات (Delegation of Authority). فالرئيس الذي يحتفظ بكل القرارات على مكتبه يعطل المؤسسة ويجعل المديرين ينتظرون توقيعه. وفي المقابل، فإن التفويض الشفهي أو الغامض يفتح باباً للفوضى والإنكار. والتفويض السليم لا يقول للمدير فقط: «أنت مفوض»، بل يحدد ما الذي يستطيع اعتماده، وإلى أي حد، ولمدة كم، ومتى يجب أن يعود إلى مستوى أعلى. ولا يكفي الالتزام بشكل الصلاحية مع التحايل على غرضها. فقد يُقسَّم عقد كبير إلى عقود أصغر حتى لا يحتاج إلى موافقة المستوى الأعلى. يبدو كل عقد سليماً منفرداً، لكن الصورة الكاملة تكشف أن الحدود وُجدت ثم جرى الالتفاف عليها. أما الإدارة الوسطى، فهي غالباً أكثر المستويات تأثراً باختلال هذا التوازن. فقد يُطلب من مدير الإدارة خفض التكاليف وتحسين الأداء، لكنه لا يستطيع اختيار فريقه، أو إعادة توزيع موارده، أو معالجة ضعف أحد موظفيه. ثم يُسأل في نهاية العام: لماذا لم تحقق النتائج؟ لا توجد مساءلة عادلة من دون صلاحية مناسبة. فمن تطلب منه المؤسسة النتيجة، يجب أن تمنحه الأدوات والقرار اللازمين لتحقيقها. أما المسؤولية من دون صلاحية، فهي طريقة للبحث مبكراً عن شخص يتحمل اللوم. ويأتي المدير المباشر، الذي يمارس الحوكمة في تفاصيل تبدو صغيرة لكنها تمس حياة الموظف يومياً: توزيع المهام، واعتماد الإجازات، وتقييم الأداء، والترشيح للترقية والتدريب. ولهذا يجب ألا تُترك هذه الصلاحيات للمزاج أو العلاقات، بل تخضع لمعايير معروفة وإمكانية عادلة للمراجعة. ويمتد وضوح الصلاحيات إلى الموظف أيضاً. متى يستطيع معالجة طلب العميل بنفسه؟ ومتى يجب أن يرفعه إلى مديره؟ وما المعلومات التي يحق له الاطلاع عليها؟ وما الالتزام الذي يستطيع تقديمه باسم المؤسسة؟ الموظف الذي لا يعرف ذلك قد يتردد في كل شيء، أو يتجاوز صلاحياته من دون أن يدرك، ثم لا يتعرف إلى حدودها إلا بعد وقوع المشكلة. أما الإدارات القانونية والرقابية، فدورها التأكد من سلامة المسار والتنبيه إلى المخاطر، لا اتخاذ القرار بدلاً من صاحبه. فمراجعة الإدارة القانونية للعقد لا تعني أنها اتخذت القرار التجاري، وعدم اعتراض إدارة المخاطر لا ينقل إليها مسؤوليته. الاستشارة تساعد صاحب القرار، لكنها لا تحل محله. ومن أبرز علامات ضعف الحوكمة أن نسأل بعد فشل مشروع: من اتخذ القرار؟ فنجد عدداً كبيراً من التوقيعات، ولا نجد مسؤولاً واحداً. هذا وافق فنياً، وذاك راجع قانونياً، وثالث وفر الميزانية، ورابع يقول إنه نفذ فقط. وهكذا تتحول كثرة التوقيعات من وسيلة للرقابة إلى وسيلة لتذويب المسؤولية حتى تختفي. الحوكمة الجيدة لا تُقاس بعدد السياسات والتوقيعات، بل بقدرة المؤسسة على معرفة من اتخذ القرار، وبأي صلاحية، ومن سيجيب عن نتيجته. فحين تتمدد الصلاحية عند النجاح وتنكمش المسؤولية عند الفشل، لا يكون الخلل في قرار واحد، بل في مؤسسة يتعدد فيها المشاركون في القرار، ويختفي المسؤول عند المساءلة.
1119
| 06 أكتوبر 2026