رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

طب الذكاء الاصطناعي

لم يعد السؤال اليوم هو ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيدخل إلى المستشفى، بل إلى أي حد سيعيد تشكيل الطريقة التي نكتشف بها المرض، ونشخصه، ونختار علاجه، بل ونطور بها الأدوية نفسها. فالمشهد الطبي العالمي خلال سنة 2026 يكشف عن انتقال تدريجي من مرحلة استخدام الذكاء الاصطناعي كأداة مساعدة للطبيب إلى مرحلة أكثر عمقا، يصبح فيها الذكاء الاصطناعي جزءا من سلسلة إنتاج المعرفة الطبية والدوائية. ولعل التطور الأكثر إثارة في هذا المجال ظهر في سبتمبر 2026، عندما كشف باحثون عن نظام أطلق عليه اسم «Virtual Biotech»، يضم ما يصل إلى 37 ألف وكيل من وكلاء الذكاء الاصطناعي القادرين على تنفيذ مهام متعددة وتحليل نتائج آلاف التجارب السريرية. وتمكن النظام من اقتراح هدف بيولوجي جديد يمكن أن يكون أساسا لعلاج محتمل لسرطان الرئة، في نموذج يقترب من فكرة «شركة أدوية افتراضية» تعمل بسرعة وحجم يصعب على فريق بشري تقليدي مجاراتهما.هذه التطورات تفتح الباب أمام تحول جوهري. فالطبيب لن يكون وحده في مواجهة ملايين البيانات المتعلقة بالمريض، والباحث لن يكون مضطرا دائما إلى البحث في فضاء علمي هائل بطريقة خطية وبطيئة. فالخوارزميات تستطيع تحليل الصور الطبية، والملفات الجينية، ونتائج التحاليل، والمعلومات السريرية، والأبحاث المنشورة، وبيانات التجارب الدوائية، ثم البحث عن علاقات قد لا تكون واضحة للعين البشرية. والأكثر أهمية أن الذكاء الاصطناعي بدأ يقترب من قلب الطب الشخصي. ففي سبتمبر الجاري، طور باحثون نموذجا يعرف باسم «الخلية الافتراضية»، يستطيع التنبؤ بكيفية استجابة خلايا أورام سرطان الثدي الثلاثي السلبي لأدوية مختلفة، اعتمادا على ملايين القياسات المتعلقة بالبروتينات. أهمية هذا التطور لا تكمن فقط في سرعة الحساب، بل في إمكانية الانتقال تدريجيا من سؤال «ما العلاج المناسب لهذا النوع من السرطان؟» إلى سؤال أكثر دقة: «ما العلاج الذي يحتمل أن تستجيب له خلايا هذا المريض بالذات؟» وهنا يظهر أحد أهم التحولات التي يمكن أن يحدثها الذكاء الاصطناعي في الطب. إنه الانتقال من الطب القائم على متوسط استجابة المرضى إلى طب أكثر فردية، يأخذ بعين الاعتبار الاختلافات الجينية والبيولوجية والسريرية بين الأشخاص. لكن الذكاء الاصطناعي لا يعمل في فراغ. فهو يتقاطع اليوم مع ثورة أخرى في الطب تتمثل في العلاج الجيني، والعلاجات المناعية، واللقاحات الشخصية، وتقنيات تحرير الجينات. وفي سبتمبر 2026، وافقت السلطات الصحية الأمريكية على علاج جيني لمرض «سان فيليبو من النوع A»، وهو مرض وراثي نادر وقاتل يصيب الأطفال، يقوم على إدخال نسخة سليمة من الجين المسؤول عن إنتاج الإنزيم المفقود لدى المرضى. قد لا يكون هذا العلاج نفسه نتاجا مباشرا للذكاء الاصطناعي، لكن الجمع بين الذكاء الاصطناعي والبيانات الجينية والعلاج الجيني يمثل اتجاها استراتيجيا بالغ الأهمية. فكلما أصبحت قدرة العلماء على قراءة بيولوجيا الإنسان أكبر، ازدادت الحاجة إلى أنظمة قادرة على تحليل هذا الحجم الهائل من المعلومات وربطها باحتمالات التشخيص والعلاج. وتظهر الصورة نفسها في علاج السرطان. فقد شهدت الأسابيع الأخيرة تطورات مهمة في العلاجات الموجهة، ومنها توسيع إتاحة علاج Enhertu في النظام الصحي البريطاني لفئة من النساء المصابات بسرطان الثدي النقيلي منخفض HER2، بعد أن أظهرت التجارب تحسنا في البقاء على قيد الحياة مقارنة بالعلاج الكيميائي التقليدي. هذه التطورات تجعل الذكاء الاصطناعي جزءا من منظومة أكبر وليست تقنية منفصلة. فالمستقبل لن يكون بالضرورة «ذكاء اصطناعيا يعالج المريض»، وإنما منظومة صحية تجمع بين البيانات الجينية، والتشخيص الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والأدوية الموجهة، والعلاج الجيني، والمراقبة المستمرة للمريض. ومن هنا تبدأ المسألة التنظيمية، فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يساهم في تحسين التشخيص وتسريع البحث العلمي وتطوير الأدوية وتحسين تدبير الموارد الصحية. وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن تطبيقاته أصبحت تشمل بالفعل التشخيص والرعاية السريرية وتطوير الأدوية ومراقبة الأمراض والاستجابة للفاشيات وتدبير النظم الصحية. لكنها في الوقت نفسه تحذر من أن سرعة التطور التكنولوجي أصبحت تتجاوز أحيانا قدرة الأطر القانونية والتنظيمية على مواكبته. وهنا تبرز قضية أساسية بالنسبة للدول، خصوصا الدول التي تعمل على إصلاح منظوماتها الصحية. هل يمكن إدماج الذكاء الاصطناعي في المستشفيات دون إعادة التفكير في الحكامة الصحية؟ الجواب يبدو صعبا إذا ظل التعامل مع الذكاء الاصطناعي مجرد اقتناء للبرمجيات والأجهزة. فالتحول الحقيقي يتطلب بنية تحتية رقمية، وسجلات صحية إلكترونية قابلة للتشغيل البيني، وقواعد بيانات صحية ذات جودة، وتكوين الأطباء والممرضين والإداريين، وأطرا قانونية تحدد المسؤولية عندما يقدم نظام خوارزمي توصية خاطئة. والأخطر أن الذكاء الاصطناعي قد يعيد إنتاج التفاوتات الموجودة داخل المجتمع إذا كانت البيانات التي تدرب عليها الخوارزميات منحازة أو لا تمثل مختلف الفئات السكانية. ولذلك تؤكد منظمة الصحة العالمية على ضرورة أن تكون أنظمة الذكاء الاصطناعي الصحية آمنة وعادلة وقابلة للمساءلة، وألا تتحول التكنولوجيا الجديدة إلى مصدر جديد لعدم المساواة في الولوج إلى العلاج. وتكتسب هذه المسألة أهمية أكبر في البلدان التي تواجه أصلا تفاوتات مجالية في توزيع الأطباء والتجهيزات والخدمات الصحية. فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد على تقليص جزء من هذه الفجوات، مثلا من خلال التشخيص عن بُعد وتحليل الصور الطبية ودعم الأطباء في المناطق التي تعاني نقصا في الاختصاصيين، لكنه يمكن أيضا أن يزيد الفجوة إذا اقتصرت تطبيقاته المتقدمة على المستشفيات الكبرى والمدن الأكثر تجهيزا. والتحدي إذن ليس في امتلاك الذكاء الاصطناعي، وإنما في تحديد موقعه داخل السياسة الصحية الوطنية. هل سيكون أداة لتقليص الفوارق الصحية؟ أم مجرد تقنية إضافية تستفيد منها المؤسسات الأكثر قدرة على الاستثمار؟ هل ستكون البيانات الصحية ملكا للمريض والمرفق الصحي والدولة ضمن قواعد واضحة، أم ستصبح موردا تجاريا تتحكم فيه شركات التكنولوجيا؟ ومن يتحمل المسؤولية عندما تقترح الخوارزمية علاجا غير مناسب؟ الطبيب؟ المستشفى؟ الشركة المنتجة للنظام؟ أم الجميع وفق إطار قانوني جديد؟ هذه ليست أسئلة تقنية، بل أسئلة سياسية بامتياز لأنها تتعلق بالسلطة والمسؤولية والعدالة وتوزيع الموارد وحماية الحقوق. والواقع أن التحول بدأ بالفعل. فقد أصبحت أدوات التشخيص المدعومة بالذكاء الاصطناعي والتطبيقات الحوارية من الاستخدامات المتنامية في الأنظمة الصحية، مع استمرار عوائق تتعلق بالكلفة واليقين القانوني والتكوين والمشاركة المجتمعية. لذلك فإن المستشفى المستقبلي لن يكون بالضرورة مستشفى بلا أطباء، كما قد توحي بعض الخطابات المتفائلة حول الذكاء الاصطناعي. الأرجح أنه سيكون مستشفى يكون فيه الطبيب محاطا بطبقة جديدة من الذكاء الرقمي تساعده على قراءة المعلومات واتخاذ القرار، بينما يظل القرار الطبي النهائي مرتبطا بالمسؤولية المهنية والاعتبارات الإنسانية. فالخوارزمية تستطيع أن تقارن ملايين الاحتمالات، لكنها لا تستطيع أن تختزل الإنسان في مجموعة بيانات. ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يتنبأ باحتمال الإصابة بمرض، لكنه لا يتحمل وحده المسؤولية الأخلاقية عن القرار. ويمكنه أن يقترح الدواء الأكثر احتمالا للنجاح، لكن مسألة قدرة المريض على تحمل تكلفته والوصول إليه تظل قضية اجتماعية وسياسية. ومن هنا، فإن أعظم ثورة قد يحدثها الذكاء الاصطناعي في الصحة ليست أن يحل محل الطبيب، وإنما أن يغير طبيعة الطب نفسه. من تشخيص متأخر إلى تنبؤ مبكر، ومن علاج موحد إلى علاج شخصي، ومن تطوير دواء يستغرق سنوات طويلة من البحث إلى عملية يمكن تسريعها بواسطة نماذج حسابية متقدمة، ومن إدارة صحية تعتمد على رد الفعل إلى نظام يستطيع التنبؤ بالحاجات والمخاطر. لكن نجاح هذه الثورة لن يقاس بعدد الخوارزميات التي تدخل المستشفيات، ولا بعدد التطبيقات التي تحمل شعار «AI». المعيار الحقيقي سيكون عدد المرضى الذين استفادوا فعليا من تشخيص أدق، وعلاج أسرع، ودواء أكثر ملاءمة، وخدمة صحية أكثر عدالة. في النهاية، قد يكون السؤال الأكبر أمام الحكومات ووزارات الصحة في السنوات المقبلة ليس: هل نستخدم الذكاء الاصطناعي في الصحة؟ بل: كيف نضمن ألا يتحول الذكاء الاصطناعي إلى امتياز تكنولوجي جديد، وأن يصبح بدلا من ذلك جزءا من الحق في العلاج؟ فالطب يدخل بالفعل عصر الخوارزميات. والتحدي السياسي هو أن يدخل هذا العصر الإنسان أولا، لا التكنولوجيا وحدها.

69

| 25 سبتمبر 2026

خليجي جدة وصوت الإعلام الرياضي
خليجي جدة وصوت الإعلام الرياضي

نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز...

5886

| 23 سبتمبر 2026

إيرلندا المسلمة
إيرلندا المسلمة

هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها...

4059

| 29 سبتمبر 2026

من حمد الطبية إلى القطاع الخاص.. والحلقة المفقودة؟!
من حمد الطبية إلى القطاع الخاص.. والحلقة المفقودة؟!

جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية...

3132

| 24 سبتمبر 2026

الاقتصاد في خطاب سمو الأمير.. الاستقرار قبل الأرقام
الاقتصاد في خطاب سمو الأمير.. الاستقرار قبل الأرقام

ما لفتني في خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ...

2232

| 23 سبتمبر 2026

الخبير والاستشاري مسمى للتكريم أم خبرة للاستفادة؟
الخبير والاستشاري مسمى للتكريم أم خبرة للاستفادة؟

تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص...

1086

| 28 سبتمبر 2026

حين تصنع الأرقام رواية أخرى
حين تصنع الأرقام رواية أخرى

أخطر التضليل الإداري لا يحتاج إلى تزوير رقم...

1059

| 27 سبتمبر 2026

من يحمي الشركة العائلية من صراع الورثة؟
من يحمي الشركة العائلية من صراع الورثة؟

بعد أيام من رحيل مؤسس الشركة، يجتمع الأبناء...

939

| 29 سبتمبر 2026

شرائح دماغية.. كي نلحق بالركب
شرائح دماغية.. كي نلحق بالركب

كان ظهور جهاز جديد في الماضي يعني أن...

759

| 23 سبتمبر 2026

مجلس التقاعد الجديد
مجلس التقاعد الجديد

جاء قرار معالي رئيس مجلس الوزراء الموقر بإعادة...

666

| 29 سبتمبر 2026

لنجعل من الأزمة طريقاً للبناء
لنجعل من الأزمة طريقاً للبناء

-سمو الأمير لخصَ السياسة الخارجية القطريةفي معادلة تجمع...

645

| 27 سبتمبر 2026

كل شيء سيمر
كل شيء سيمر

كل شيء سيمر، قد تبدو هذه العبارة بسيطة،...

561

| 30 سبتمبر 2026

بركة المعلّم حاضرة في أبنائه
بركة المعلّم حاضرة في أبنائه

يحظى المعلم في دولة قطر بالاهتمام الكبير والتقدير...

498

| 25 سبتمبر 2026

أخبار محلية