رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
شغلنا العاطفي عن السياسي في متابعة أكبر صفقة في تاريخ الصراع مع إسرائيل، تم خلالها الاتفاق على إطلاق سراح أكثر من ألف أسير فلسطيني مقابل الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط. كانت النتيجة أننا حصلنا كثيرا من الانطباعات وقليلا من التحليلات والمعلومات، التي وجدتها وفيرة في الصحف الإسرائيلية.
(1)
«هذا أصعب قرار اتخذته في منصبي كرئيس للوزراء»
كان ذلك تعليق بنيامين نتنياهو على الصفقة أثناء اجتماع الحكومة الذي عقد لإقرارها، واستمر 5 ساعات. هكذا قالت صحيفة يديعوت أحرنوت في 14/10. وأشارت إلى أنه حين ذكر في الاجتماع أن الدفعة الأولى من الأسرى ضمت 450 فلسطينيا أدينوا في قتل 599 إسرائيليا علق على ذلك أحد الوزراء قائلا إن الرقم يبعث على القشعريرة، أما رئيس المخابرات يورام كوهين فقد قال إنها صفقة عسيرة الهضم للغاية. إلا أنها الأفضل الذي أمكن الحصول عليه. وكتب ناحوم برنياع وشمعون شيفر في ذات الصحيفة أن القرار كان صعبا والثمن باهظا.
صحيفة هآرتس نقلت في 12/10 على لسان يورام كوهين قوله للصحفيين إن الصفقة لم تكن جيدة. فلم يكن أمامنا سبيل آخر لتحرير شاليط حيث لا يوجد خيار عسكري يحقق ذلك الهدف.
ناحوم برنياع عاد للكتابة في الموضوع، في 18/10 حيث قال: لقد خسرنا في هذه المعركة.. خسرنا لأننا لم نستطع أن نخلص «شاليط» بطرق أخرى. خسرنا لأننا برهنا للفلسطينيين على أنه يمكن بالقوة إحراز الكثير جدا منا، لكنهم لا يحرزون شيئا بالتعاون معنا. وخسرنا لأننا اضطررنا إلى الاستسلام لإملاء يقترن بمخاطرة أمنية باهظة.
في اليوم ذاته نشرت صحيفة هآرتس مقالة تحت عنوان: فشل الخيار العسكري أدى إلى صفقة شاليط. كتب المقالة عاموس هرئيل وانشل بابر. تحدثا فيها عن «إخفاق وقلق للأذرع الأمنية. إذ تلقى الشاباك أكثر الضربات بعدما اعترف قادته بفشلهم في العثور على المعلومات الاستخبارية ذات الصلة. لكن فحصا دقيقا لأحداث السنوات الخمس الأخيرة يدل على أن الجيش الإسرائيلي له نصيبه الجوهري في الخلل الذي حدث. في 19/10 كتب أمير اورن في الصحيفة ذاتها أنه: في الميزان التاريخي حققت حركة المقاومة الإسلامية انتصارا كبيرا. فقد أقدمت على خطوة وصمدت فيها وأخضعت إسرائيل. بما أثبت أن الصبر مجد. وأن الزمن العربي ينتصر على الزمن الغربي وأنه في ضوء طول النفس لا يوجد معنى للتفوق العسكري والتكنولوجي. وإزاء ذلك فثمة احتمال لأن تختفي إسرائيل ذاتها بعد مرور عقود من الزمن.
(2)
عدد غير قليل من المعلقين انتقدوا موافقة نتنياهو على الصفقة. واستخدموا في ذلك عباراته التي نشرها في كتابه «مكان تحت الشمس». وسجل فيه اعتراضه الشديد على صفقة تمت في عام 1985 لإطلاق سراح ألف أسير فلسطيني. وقال إنه كان سفيرا لدى الأمم المتحدة آنذاك. وحين علم بالأمر، كتب رسالة احتجاج واعتراض إلى وزيره المباشر (إسحاق شامير وزير الخارجية آنذاك) وتساءل في الكتاب الذي صدر في عام 1995 بعد عشر سنوات من تلك الصفقة: كيف يمكن لإسرائيل أن تحث الولايات المتحدة والغرب على انتهاج سياسة عدم الاستسلام للإرهاب، بينما هي نفسها تخضع لهذا الشكل المخجل جدا؟ وذكر أن إطلاق ألف «مخرب» سيؤدي إلى تصعيد شديد للعنف، لأنهم سيستقبلون كأبطال يقتدي بهم الشباب الفلسطيني. مضيفا في كتابه أن النتائج لم تتأخر في الوصول لأن إطلاق أولئك «المخربين» أدى إلى توفير مخزون من المحرضين والزعماء الذين أضرموا نار الانتفاضة «في عام 1987».
ابن كاسبيت كتب في «معاريف» قائلا إن كلام نتنياهو الأخير ينطبق على الوضع الراهن لأن أولئك «المخربين» الذين تم إطلاقهم أخيرا خرجوا في وقت يتزايد فيه الحديث عن الانتفاضة الثالثة ووصف يوم إتمام الصفقة بأنه يوم استسلام، جثت فيه إسرائيل على ركبتيها أمام حماس «12/10».
كيف حدث الاختراق؟ يديعوت أحرنوت روت القصة كالتالي في عدد 14/7 بعد خمس سنوات من الجمود. بدت خلالها الفجوة بين الطرفين غير قابلة للتجاوز أو الهلهلة. تلقى ديفيد ميدان رجل الموساد البارز رسالة من شخص مستقل ــ غير إسرائيلي مفادها أن حماس مستعدة للتفاهم مجددا حول شروط إطلاق سراح جلعاد شاليط. ميدان سافر للقاء الشخص الذي بعث بالرسالة. ومنذ ذلك اللقاء لم يتوقف الحوار اليومي بينهما. استنفرت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية لأجل إتمام العملية، بعدما اطمأنت إلى أن قناة الحوار فتحت. استثمر ميدان هذه القناة وطلب من رجل الاتصال أن يأتي من حماس بورقة مكتوبة تحدد فيها طلباتها. وبالفعل أعدت الوثيقة في آخر يونيو الماضي. وحين حدث ذلك وجدت إسرائيل أنها بحاجة إلى وسيط إقليمي مهم يرعى العملية. وقرروا أن المصريين يمكن أن يلعبوا دورهم في هذا الصدد. وكانت هناك فكرة لإشراك الأتراك الذين عرضوا التوسط في الموضوع، رغم التوتر الحاصل بين البلدين، ولكن الإسرائيليين فضلوا أن يكون الوسيط هو مصر. في نهاية شهر يوليو الماضي دعت مصر الطرفين إلى اللقاء في فندق معزول مطل على الأهرامات في القاهرة. أقاموا في غرف متجاورة وكان رجال المخابرات المصرية ذو الخبرة العريضة بالوضع العربي الإسرائيلي يتنقلون بين الطرفين. في أول أكتوبر كان الاتفاق قد تم على التفاصيل. وبعدما أقرها مجلس الوزراء يوم الثلاثاء 11/10 اتصل نتنياهو هاتفيا بالمشير محمد حسين طنطاوي لكي يشكره على الجهد الذي بذله رجال المخابرات المصرية في العملية. بالمناسبة ذكرت صحيفة يديعوت أحرنوت في 12/10 أن اعتذار إسرائيل لمصر عن قتل الجنود المصريين الستة على الحدود كان من قبيل التقدير لدور مصر في إنهاء الصفقة، علما بأنها رفضت الاعتذار لتركيا عن قتل تسعة من أبنائها كانوا على السفينة مرمرة.
(3)
مما نشرته الصحف الإسرائيلية تبين أن حماس طلبت في أول توسط للألمان في الموضوع إطلاق عشرة آلاف وخمسمائة أسير فلسطيني مقابل تسليم جلعاد شاليط. وأن الإسرائيليين قبلوا بالحديث عن 450 فقط. وأن بين المفرج عنهم 279 فلسطينيا ظلت إسرائيل تصر على احتجازهم في المفاوضات السابقة باعتبارهم من «الخطرين» ومن هؤلاء 25 شخصا وصفتهم الصحف الإسرائيلية بأنهم من «القتلة». مما نشر أيضا أن رئيس الوزراء السابق إيهود أولمرت وافق في إحدى جولات المفاوضات السابقة على إطلاق سراح 550 أسيرا من فتح وليس من حماس. وأيده في ذلك الرئيس السابق حسني مبارك. والأول أراد أن يجامل أبو مازن في حين أراد الثاني ألا يحسب الإنجاز لحماس. وهي الفكرة التي نحاها نتنياهو جانبا هذه المرة.
مما ذكرته صحيفة يديعوت أحرنوت في 14/10 أن أجهزة الأمن الإسرائيلية رفضت إطلاق سراح عدد من القيادات الفلسطينية ليس اعتراضا على أشخاصهم أو أفعالهم ولكن «لأنهم اعتقدوا أنه لا يجوز أن يفرج عن هؤلاء الأشخاص الذين لا يزال مستقبلهم السياسي أمامهم برعاية حماس»، بمعنى أن إسرائيل لا تريد أن يكون لحماس «دالة» أو فضل على هؤلاء الأشخاص الذين يفترض أن يكون لهم دور في مستقبل الساحة الفلسطينية. من هؤلاء أشخاص مثل عبدالله البرغوثي المحكوم عليه بـ 67 مؤبدا وإبراهيم حامد الذي أدين في قتل 82 إسرائيليا، ومروان البرغوثي من قادة فتح في الضفة وأحمد سعدات قائد الجبهة الشعبية.
من المعلومات المثيرة للتساؤل والدهشة ما نشرته صحيفة يدعوت يوم 16/10 في مقالها الافتتاحي الذي كتبته سمدار بيري وذكرت فيه أن معارضي صفقة إطلاق الأسرى الفلسطينيين في السابق لم يكونوا رئيس الشاباك والموساد ورئيس الحكومة (أولمرت فقط)، «ولكن الرئيس السابق حسني مبارك ووزير مخابراته عمر سليمان، بذلا جهدا غير ضئيل للتثبيط والتأخير، ولإقناع الإسرائيليين بعدم دفع الثمن الذي كان آنذاك أقل كثيرا مما دفع هذه المرة»!
ناحوم برنياع ذكر في مقاله الذي نشرته معاريف في (14/10) أنه في جولة سابقة للمفاوضات (عام 2009) طلب الإسرائيليون إبعاد أكثر من مائة أسير فلسطيني من العودة إلى الضفة، وقد أبدى اللواء عمر سليمان عدم اقتناعه بذلك المطلب وقال للإسرائيليين: أنتم تسيطرون بالكامل على الضفة، وإذا تبين أن أي واحد من أولئك «الإرهابيين» قد عاد للعمل فلن تكون لديكم أي مشكلة في القضاء عليه».
(4)
أحد الأسئلة التي يثيرها المشهد هو: لماذا أقدمت إسرائيل على هذه المغامرة الآن؟
لقد قيل إن نتنياهو يريد أن يتخفف من الضغوط الداخلية التي يواجهها بسبب ثورة المطالب الاجتماعية التي دفعت نحو نصف مليون إسرائيلي إلى التظاهر ضده، إضافة إلى أن نحو 90? من الإسرائيليين أصبحوا يتعاطفون مع قضية جلعاد شاليط ويؤيدون إطلاق سراحه. وهي خلفية غير مستبعدة ولكن الصحف الإسرائيلية تحدثت عن عنصر آخر يبدو أكثر أهمية. فقد نشرت صحيفة «يديعوت» في 12/10 مقالا كتبه أليكس فيشمان كان عنوانه: كل شيء من أجل إيران ــ تدور فكرته الأساسية حول أن نتنياهو بإغلاقه لملف شاليط وإطلاق ذلك العدد الكبير من الأسرى الفلسطينيين «أراد أن ينظف المائدة» لكي يشرع في التنسيق لمهمة جديدة تتعلق بمواجهة التهديد الذي تمثله إيران بمشروعها النووي، وقال فيشمان إنه بإتمام الصفقة يحقق إجماعا داخليا ودوليا حوله للتقدم صوب ذلك الهدف، الذي سترحب به بعض الدول العربية. في مقدمتها مصر والمملكة السعودية.
فكرة استهداف إيران كررها ناحوم برنياع في يديعوت 19/10 وساني راحلفسكي في هآرتس (17/10) التي نشرت في 14/10 مقالا في ذات الاتجاه كتبه أمير أورن.. وقد ذكرت تلك الصحف أن زيارة ليون بانته وزير الدفاع الأمريكي لتل أبيب في بداية شهر أكتوبر كان من أهدافها تحذير حكومة إسرائيل من مهاجمة إيران دون التنسيق المسبق مع واشنطن. ومما ذكره ناحوم بريناع في هذا الصدد أنه في عام 1991 حين أطلق صدام حسين صواريخ سكاد على إسرائيل، فإن نائب رئيس الأركان آنذاك إيهود باراك خطط لهجوم بري مضاد على قواعد الإطلاق، ولكن الأمريكيين عارضوا الخطة بشدة معتبرين أن من شأنها إفساد التحالف ضد النظام العراقي. وقالوا إنهم سيعالجون الأمر بصورة أخرى. وحينذاك أرسلت وحدة مغاوير بريطانية إلى العراق لمهمة قريبة من الخطة الإسرائيلية، مما أدى إلى انخفاض عدد الصواريخ الموجهة ضد إسرائيل انخفاضا حادا. بعد ذلك التقى باراك قادة العملية البريطانيين وشكرهم باسم الجيش الإسرائيلي.
لا أفترض البراءة في الصحف الإسرائيلية، ولا أستطيع أن أؤكد ما إذا كان الكلام الذي تنشره يساعدنا على فهم ما جرى أو تصور ما سيجرى، أم أنه من قبيل «كلام الجرايد» الذي نعرفه، لكن الذي لا أشك فيه أن الأيام القادمة ستجيب لنا على التساؤلات المثارة بهذا الخصوص.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8910
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4830
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
3912
| 23 سبتمبر 2026