رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
التاريخ يعيد نفسه ولكن بشكل أكثر مأساة ومهزلة هذه المرة، السلطة تطلب المفاوضات مرة أخرى. تريد لفلسطين أخذ العضوية المراقبة في الأمم المتحدة من أجل العودة إلى المفاوضات. ولكن بتبرير: أنها ستفاوض كدولة محتلة! لا نعرف ولا يعرف أحد ما الفرق بين المفاوضات في الحالتين؟ هل ستحترم إسرائيل وضعية الدولة الفلسطينية المحتلة؟ هل ستتزحزح إسرائيل عن تعنتها والحالة هذه؟ هل يتعاطف المجتمع الدولي مع القضية الفلسطينية بشكل أكبر حين يكون وضعها دولة محتلة؟ نشك أن من يسوق تبرير العودة للمفاوضات يؤمن بما يقول! لكن ما من بد في السير في نهجه وخياره الوحيد فلا خيار آخر لديه. حشر نفسه في زاوية ضيقة ولا منفذ له منها للخروج غير التفاوض. فالحياة وفقا لأصحاب هذا الرأي هي: مفاوضات ثم مفاوضات ثم مفاوضات! يبدو أن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس لم يستفد من تجربة فشل المفاوضات مع إسرائيل والتي امتدت لما يقارب العشربن عاماً. والتي لم تنتج سوى المزيد من التعنت الصهيوني في رفض الحقوق الفلسطينية جملةً وتفصيلاً، والمزيد من الاشتراطات الإسرائيلية: كالاعتراف بيهودية إسرائيل من الفلسطينيين والعرب. وإجراء المفاوضات في ظل الاستيطان. وبدون شروط مسبقة من الجانب الفلسطيني. ولا نعرف ماذا ستشترط الدولة الصهيونية مستقبلاً على الفلسطينيين من أجل (التكرم) والقبول بالجلوس معهم!!
مناسبة القول: حدثان: الأول: الرسالة التي أرسلها عباس للرئيس أوباما، والتي يقول فيها: إن الطلب الفلسطيني بالتقدم إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة والحصول على وضع دولة غير عضو في المنظمة الدولية لا يهدف إلى عزل إسرائيل. بل للحصول على اعتراف دولي يسهل عملية المفاوضات "حيث سنكون مستعدين للعودة إلى المفاوضات بعد حصولنا على الاعتراف الدولي".
للعلم: الولايات المتحدة طلبت من الرئيس عباس تأجيل بحث الطلب في المنظمة الدولية لما بعد الانتهاء من الانتخابات الأمريكية، طلع الوفد الفلسطيني علينا بعد قبوله الاقتراح الأمريكي بتبرير التأجيل: من خلال القول: سيتم البحث في الطلب في 29 نوفمبر القادم، والذي يوافق يوم التضامن الدولي مع الشعب الفلسطيني أي كان من الصعب على الوفد ذكر حقيقة التأجيل. رغم استجابة عباس للاقتراح الأمريكي ورغم الرسالة مارست الإدارة الأمريكية على الأمم المتحدة ضغوطات كبيرة من خلال ضغوطاتها على حليفاتها من دول العالم برفض الطلب الفلسطيني، الذي اعتبرته واشنطن "خطوة أحادية" لم تأت بالتنسيق مع الشريك الإسرائيلي (الحليف الإستراتيجي للولايات المتحدة).
من ناحية ثانية: هدد الكونغرس الأمريكي بقطع المساعدات والمنح التي تقدمها واشنطن للسلطة الفلسطينية إذا لم تسحب طلبها من المنظمة الدولية. أمريكا كانت قد ضغطت على دول مجلس الأمن حين تقدمت السلطة للمجلس بقبول فلسطين عضواً كامل العضوية في الأمم المتحدة، وبالفعل ونتيجة لتلك الضغوطات لم يفز مشروع القرار بأغلبية الثلثين (حصل على 8 أصوات بدلاً من 9 ضرورية)، ولو افترضنا وحصل المشروع على(9) أصوات، لاستعملت الولايات المتحدة حق النقض (الفيتو) في التصويت من أجل إبطال القرار. رغم هذا الوضوح الكامل في الموقف الأمريكي المنحاز بالكامل للدولة الصهيونية لم تستفد السلطة الفلسطينية مما حصل، وأصّر الرئيس عباس على إرسال رسالته لأوباما، وكأن لسان حاله ينطق بــ(وافقوا فقط على الطلب وسنعود بعدها للمفاوضات).
من خلال ما جرى يتضح بما لا يقبل مجالاً للشك: أن من الأهداف الأساسية لطلب السلطة للمنظمة الدولية بقبول فلسطين"عضواً مراقباً" في الجمعية العامة هو: العودة للمفاوضات مع إسرائيل. نقول ذلك وفي الخلفية: إعلانات عباس المتكررة وقادة السلطة بلا استثناء: أن المفاوضات هي الخيار الإستراتيجي بالنسبة لهم. ورغم فشلها ما زال عباس ينادي بها، فالمقاومة من وجهة نظره تعتبر(إرهاباً) وهي لم تجلب سوى الدمار والكوارث على الشعب الفلسطيني! وكرر هذا الموقف منذ بضعة أيام فقط في المقابلة التي أجرتها معه صحيفة " يديعوت أحرونوت " الإسرائيلية. وهو يفتخر دوماً بأنه (مهندس) اتفاقيات أوسلو المشؤومة، والتي لم تأتِ بإيجابية واحدة على الفلسطينيين، بل بالضرر الكبير الممتد إلى ما لا نهاية، وكبّلتهم ببنودها والتي جنت إسرائيل منها فوائد كبيرة عنوانها الأساسي "التنازلات الفلسطينية عن حق الفلسطينيين في وطنهم التاريخي"، والتي لم تُسفر ولن تُسفر سوى عن المزيد من الويلات لشعبنا، وعن حكم ذاتي هزيل، منزوع السيادة والصلاحيات. لا يُسمن ولا يُغني من جوع سوى تراجع القضية الوطنية الفلسطينية ومشروعها الوطني عقودا طويلة إلى الوراء.
الحدث الثاني: اجتماع الرئيس عباس بمندوبي الدول الأوروبية لدى السلطة الفلسطينية في رام الله، من سفراء وممثلين وقناصل وغيرهم، وطلبه منهم إفهام دولهم بأن السلطة الفلسطينية تقبل بالعودة إلى المفاوضات إذا ما جرى اعتماد بيانات دول الاتحاد حول القضية الفلسطينية كأساس وخلفية لها!
للعلم فإن دول الاتحاد الأوروبي (ورغم نسبة تقدم الموقف اللفظي لها مقارنة مع الموقف الأمريكي) لكنها لن تتجاوز بأي حالٍ من الأحوال سقف الموقف الأمريكي ووجهة نظر واشنطن فيما يتعلق بالتسوية السياسية بين إسرائيل وكل من الفلسطينيين أو العرب. ومع ذلك يريد الرئيس عباس أن تكون بيانات دول الاتحاد خلفية للمفاوضات، ولا يقول مرجعية الأمم المتحدة (مثلاً)!
إن كل الاشتراطات التي أعلنها عباس مرارا حول وقف الاستيطان من أجل العودة للمفاوضات لم يلتزم هو بها ولا السلطة. إذا يجري الالتفاف عليه بصيغ أخرى: كالمفاوضات الاستكشافية (وقد أطلق عليها هذا الاسم) التي جرت في العاصمة الأردنية عمان. كذلك دبلوماسية الرسائل مع نتنياهو وهكذا دواليك. ثم لا نعرف الاسم الكودي الذي سيطلقه عباس عليها في جولة المفاوضات القادمة.
نتنياهو رغم تقديمه لموعد الانتخابات التشريعية في إسرائيل صرح مرارا بأن الاستيطان لن يتوقف في القدس ومنطقتها ولا في الضفة الغربية. حكومته ورغم الاقتطاعات المالية من ميزانية 2013 أقرت خططا جديدة للاستيطان. فما الذي يريده عباس والسلطة أكثر من هذه الدلائل؟
لا نود لمثَلَ (النعامة) أن ينطبق على السلطة الفلسطينية"تدفن رأسها في الرمل وتقول لا أرى"، لكنه للأسف ينطبق، رغمها. فالسلطة حائرة في خياراتها السياسية المحدودة التي عمل عباس على تضييقها حتى أصبحت مثل "سم الأبرة"!
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4626
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3312
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1287
| 28 سبتمبر 2026