رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أحيا الشعب التونسي يوم الأربعاء 23 أكتوبر 2013 الذكرى الثانية لانتخاب المجلس الوطني التأسيسي، وسط صورة درامية تعكس حالة الجدل والخلاف والانقسام الكبير في المشهد السياسي التونسي، بين المعارضة المدنية الليبرالية واليسارية والقومية التي تظاهر أنصارها في شارع الحبيب بورقيبة بالعاصمة التونسية، لدفع الحكومة التي تقودها حركة "النهضة" الإسلامية إلى الاستقالة، وذلك تزامناً مع اكتمال سنتين على أول انتخابات تأسيسية (البرلمان) بعد الانتفاضة الشعبية التي أطاحت الرئيس السابق زين العابدين بن علي، من جهة. وبين حركة النهضة الإسلامية الحاكمة، المنتمية لجماعة الإخوان المسلمين، وحلفائها، من جهة أخرى.
وعمّق من حالة الانقسام عدم انطلاق الحوار الوطني في تونس، في موعده المحدد الأربعاء23 أكتوبر الجاري، حيث أصرّت مختلف الأطراف على مطالبها ومواقفها المندرجة في سياق فهمها الخاص بتنفيذ آليات المبادرة التي أطلقتها "الرباعية" الراعية للحوار في 17 سبتمبر 2013، في وقت اندلعت اشتباكات لم تكن مفاجئة لكل المتابعين لقضية انتشار الإرهاب في عموم البلاد التونسية، بين القوات الأمنية و "مجموعة إرهابية" تنتمي إلى تنظيم "أنصار الشريعة" في منطقة سيدي علي بن عون من ولاية سيدي بوزيد،وتحديدا في منطقة الونايسية،حيث استشهد 6 من عناصر أعوان الحرس الوطني فيما سقط 6 جرحى آخرون يتلقون العلاج حاليا في المستشفى الجهوي بسيدي بوزيد. وتُعتبر منطقة "سيدي علي بن عون" من أهم معاقل التيار "السلفي الجهادي" في تونس، ويقطن فيها الخطيب الإدريسي، الزعيم الروحي لـ "الجهاديين" التونسيين.
وحسب المعطيات الأولية المتوافرة من مصادر أمنية تونسية،فإن معلومات وردت إلى أعوان الأمن بالجهة مفادها أن "عناصر مجموعة إرهابية مسلحة تتحصن به"، تخطط للانتقام لعملية قبلاط متواجدة في أحد منازل الجهة،فتحولت العناصر الأمنية لتقصي حقيقة المعلومة، لكن المجموعة الإرهابية باغتتها بالرصاص مما أسفر عن استشهاد 6 بينهم نقيب وجرح 6 آخرون فيما قتل عنصران من المجموعة الإرهابية وجرح عدد آخر لم يتم تحديد عددهم.وتشبه هذه العملية الإرهابية إلى حد كبير ما حدث يوم الخميس 17 أكتوبر الجاري في منطقة قبلاط في ولاية باجة، حيث سقط قتيلان من الحرس الوطني في اشتباكات مع مجموعة مسلحة.
لا شك أن تزامن سلسلة العمليات الإرهابية الأخيرة،يدق جرس الإنذار للأطراف السياسية على مدى تغلغل الإرهاب في البلاد التونسية، حيث إن هناك مخططاً واضحاً من طرف تنظيم "أنصار الشريعة" المتعاون مع عصابات التهريب، يستهدف المقرات والدوريات الأمنية والديوانية الحدودية بغاية كسر "الحصار" عن المجموعات الإرهابية المتحصنة بالجبال وعمليات التهريب التي تخرّب الاقتصاد الوطني. فهذا التحالف الموضوعي بين تنظيم "أنصار الشريعة"و عصابات التهريب، فرضته "مصالح مشتركة" بين الطرفين، انطلقت منذ أكثر من العام، حيث لعبت عصابات التهريب دوراً فاعلاً في "تسهيل" دخول الجماعات الإرهابية إلى البلاد التونسية وتمركزها بين عدد من الجبال بالقصرين والكاف وجندوبة بصفة خاصة. كما إن عصابات التهريب تتلقى أموالا ضخمة من الجماعات الإرهابية مقابل توفير "المؤونة" لها لدعم تحصّنها بالجبال.وكانت الأجهزة الأمنية تفطنت في الفترة الأخيرة إلى العلاقة العضوية بين تنظيم" أنصار الشريعة" وعصابات التهريب المعروفة باسم "الكونترا"،حيث تتستر هذه الأخيرة في المجموعات الإرهابية عكس ما كان سائدا قبل أعوام.
في قراءة لحصاد السنتين الماضيتين منذ إنجاز أول انتخابات ديمقراطية في الساحة التونسية يوم 23 أكتوبر 2011، يلمس المتابع للأحداث السياسية في هذا البلد العربي مفجر ربيع الثورات العربية منذ عامين، أن الشعب المدفوع بالغيرة على تونس التي نُهبت تحت براثن الفساد والمحسوبية من قبل النظام الديكتاتوري السابق، وتعاطفا مع الأبناء الذين امتهنت كرامتهم في الداخل والخارج، بحثا عن سبل الحياة الكريمة، في حين استأثر رعايا السلطة بكل المزايا والفرص الكبيرة، هذا الشعب لم يحقق أي من أهدافه في مجال تحقيق بناء الدولة الديمقراطية التعددية، والعدالة الاجتماعية، والحرية، والعزة، والكرامة، بعد عقود من الهوان والاستبداد.
ومنذ انتخابات 23 أكتوبر 2012، ساد الانقسام والصراع السياسي في المشهد السياسي التونسي،بين سلطة الائتلاف الحاكم الذي تتزعمه حركة "النهضة" على مجمل العملية السياسية،ومحاولتها المحمومة من أجل الهيمنة على مفاصل الدولة التونسية، وبين المعارضة الليبرالية والعلمانية التي تناضل من أجل إنجاز أهداف الثورة التونسية. وفي تلك الأثناء شهدت الساحة السياسية بروز تنظيم "أنصار الشريعة " الإرهابي المتورط في عمليات الاغتيال التي طالت كل من الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي وصنف بعدها تنظيما إرهابيا، وواصل عملياته الإرهابية حتى بعد ذلك التصنيف وكانت آخرها منذ أيام في قبلاط بمحافظة باجة، وأمس الأربعاء في ولاية سيدي بوزيد، في اليوم الذي كان مخصصاً لانطلاق الحوار الوطني.ورغم تشكل حكومة علي العريض على أثر استقالة حكومة حمادي الجبالي في 19 فبراير 2013، فإن هذه الحكومة استمرت في نفس النهج السابق وأعادت إنتاج الأزمة السياسية، لاسيَّما بعد استشهاد المعرض محمد البراهمي في 25يوليو 2013.
فمن الناحية السياسية، كان المأمول من حكم النهضة أن يسعي سريعا نحو إنجاز الدستور الديمقراطي التوافقي، وإدارة عملية التحول الديمقراطي كجزء من عملية إعادة بناء الدولة المدنية الديمقراطية التعددية، في إطار من الوفاق الوطني والرضا الشعبي المستند إلى حكم القانون، أي بناء الدولة الديمقراطية الحديثة على نحو ما فعلت الدول المتحولة في أوروبا الشرقية، وتحقيق النهضة الاقتصادية، علي نحو ما فعلت الدول الناهضة في جنوب شرق آسيا، الأمر الذي يؤدى إلى تحسين الأحوال المعيشية للشعب التونسي، وتخفيف وطأة الفقر، وتحقيق العدالة الاجتماعية.
على نقيض كل ما كان مأمولاً من جانب حركة النهضة أن تستجيب -ولو نسبيا- لتحقيق أهداف الثورة التونسية، كشفت لنا التطورات السياسية خلال السنتين الماضيتين، أن حركة النهضة متحالفة مع المجموعات الإرهابية، وعبدت لها الطريق لكي يكون لها موقع قدم على الأرض التونسية، واستخدمتها في نطاق حربها على المعارضة اليسارية والليبرالية والقومية. ومما زاد من حدة هذه الحالة الانفلات الأمني الذي تمر به تونس، وتغلغل الإرهاب في المدن والأرياف والجبال، لاسيَّما في المحافظات المهمشة والفقيرة، وفي أحزمة الفقر بالعاصمة، فكانت النتيجة الحتمية أن فشلت كل مبادرات الحوار الوطني للخروج من الأزمة السياسية التي تعيشها تونس، بسبب إصرار صقور حركة النهضة على عدم قبول استقالة الحكومة، وعدم ثقتهم في جدوى الحوار الوطني، واستخدامهم للمجموعات الإرهابية للقيام بعمليات إرهابية، الهدف الرئيسي منها هو تعطيل الحوار الوطني، وخدمة مآربها في إفشال تحقيق أهداف الثورة التونسية، الأمر الذي جعل تونس، على شفا الإفلاس، وصار شبح الدولة الفاشلة يحوم حولها، مهددا بانهيار ركائزها.
فإذا كان إسقاط النظام الديكتاتوري السابق هو الهدف الذي وحد القوى السياسية في من أجل إنجاز الثورة، فإنه بعد ما تحقق هذا الهدف، انكشفت القوى السياسية على حقيقتها، إذ تبينت أكذوبة إيمان القوى الإسلامية ببناء الدولة المدنية، وباتت تدافع عن مرجعيتها الثابتة والمختلفة عن فصائل المعارضة الليبرالية والعلمانية، وعملت حركة النهضة التي وصلت إلى السلطة قبل سنتين على تطبيق مرجعيته الأيديولوجية الإسلامية على أرض الواقع بالتدرج، مع إصرار ها على أن تكون المعادلة صفرية، ورفضها الوصول لمعادلة الحل التوافقي، من خلالها عدم جدية حكومة علي العريض في محاربة الإرهاب، واستمرار مناورتها بشأن تقديم استقالة الحكومة، رغم أن الأحداث السياسة أثبتت فشلها، في ظل انقلاب موازين القوى الشعبية والسياسية لغير مصلحة حركة النهضة الإسلامية.
وهناك إجماع لدى مكونات الشعب التونسي، أن "نموذج الإسلام الحداثي " -وفقا لتسمية -وفقا لتسمية الشيخ راشد الغنوشي، عندما كان في المعارضة قد وصل إلى مرحلة النهاية، بسبب تحالف حركة النهضة مع الجماعات الجهادية المتطرفة التي تمارس العنف ضد المجتمع، ووقوع حركة النهضة في فخ الابتزاز الديني من الجماعات السلفية التكفيرية طيلة العامين الماضيين من جهة، وبسبب سقوط مشروع جماعة الإخوان المسلمين في مصر، الذي يمثل ضربة موجعة لكل حركات الإسلام السياسي، وللفكرة المركزية التي تدور حولها هذه الحركات، من جهة أخرى.
حركة النهضة أصبحت تخشى من أن يقود الحوار الوطني إلى تشكيل حكومة كفاءات وطنية، تكون من أولياتها محاربة الإرهاب الذي يقود تونس في الوقت الحاضر إلى المجهول، لاسيَّما في ظل تحالف صقور النهضة مع الإرهاب، واستهدافه قوات الأمن الوطني. كما أن حركة النهضة لا تريد إنجاز ما تبقى من عمر هذه المرحلة الانتقالية التي طالت أكثر من اللزوم، لاسيَّما إنجاز الدستور الديمقراطي التوافقي، وتحديد موعد الانتخابات القادمة،ومواجهة الأزمة الاقتصادية التي تتخبط فيها البلاد، والعمل على بناء دولة القانون من خلال تفعيل قانون محاربة الإرهاب، وبناء أجهزة أمنية ذات طابع جمهوري، والقضاء على الأجهزة الموازية المغلغلة في وزارة الداخلية، والتي تحمي الإرهاب. لكل هذا باتت حركة النهضة تخاف من موافقتها على استقالة الحكومة، لأن برحيل هذه الحكومة الفاشلة، ستتشكل حكومة جديدة تقوم على سيادة القانون، وتعمل من أجل خدمة مصالح الشعب التونسي في تحقيق أهداف ثورته.، وأنقذ تونس من الإفلاس، لاسيَّما في ظل تدني الاقتصاد وصيحات الفزع التي يطلقها البنك المركزي بأن تونس أصبحت على حافة الإفلاس.
إن تونس، عبر تاريخها الطويل، اتسمت بحالة من التآلف الفريد والانسجام، الذي لا مثيل له، جغرافيا وسكانيا وحضاريا، وذلك علي قاعدة من التسامح الديني الذي تميز به التونسي عبر تاريخه. لكن حركة النهضة بتحالفها مع الجماعات الجهادية التكفيرية المتطرفة التي لجأت إلى الإرهاب، شذت هذه القاعدة، فجعلت الشعب التونسي يفقد صبره من هذه الحكومة الفاشلة، ويطالب رحيلها. وما من شك في أن ميزة التآلف والانسجام هذه هي التي حفظت لتونس وحدتها الوطنية، وبلورت مكانتها الرائدة بين البلدان المتقدمة. وكلما ابتعدت تونس عن هذه القاعدة أو تراجعت عنها، زادت الأخطار والتحديات الداخلية والخارجية. إن المشهد الحاكم في تونس الآن هو مشهد الانقسام السياسي الحاد، ومنه تأتي الفرقة والفتنة التي ولدتها التيارات التكفيرية المحمية من قبل حكومة النهضة، ومنهما يولد الضعف لدى البلاد التونسية، وعنده تقف الثورة التونسية عاجزة عن تحقيق أهدافها، في بناء الدولة الديمقراطية، الكفيلة وحدها بحماية مصالح الشعب التونسي في الداخل والخارج، وحماية أمنها الوطني الذي أصبح عرضة لمخاطر الإرهاب.
الاستيطان نقيضٌ لحل الدولتين
أكد التصويت الأمريكي على قرار مجلس الأمن رقم 2334، الذي يدين الاستيطان الصهيوني في فلسطين المحتلة، تماهي مواقف... اقرأ المزيد
925
| 30 ديسمبر 2016
الاختراق الصهيوني الكبير لتونس
شكلت جريمة اغتيال الشهيد محمد الزواري الذي كان ينتمي إلى حركة النهضة الإسلامية ،وأصبح ينشط لاحقًا مع حركة... اقرأ المزيد
1858
| 23 ديسمبر 2016
هل يكرّس قانون المالية مبدأ العدالة الجبائية؟
لاحديث هذه الأيام في تونس سوى عن قانون المالية لسنة 2017،الذي أثار جدلاً في الشارع التونسي،وانتقل إلى سجال... اقرأ المزيد
1089
| 16 ديسمبر 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
(ضاعوا عيالنا) عبارة أصبحت تقال كثيرًا في المجالس واللقاءات ومواقع التواصل يقولها الآباء والأمهات وهم يتحدثون عن أبنائهم، وهي عبارة تختصر حجم المشكلة التي نعيشها اليوم. فالأبناء لم يضيعوا منا لأنهم بعيدون عن بيوتنا واعيننا، بل المؤلم أنهم بين أيدينا، وأمام ناظرينا، ويجلسون معنا تحت سقف واحد، ومع ذلك نشعر بأنهم مختطفون منا. لقد سُلبت حرية أبنائنا، وتم السطو على أوقاتهم وتفكيرهم وسلوكهم، حتى أصبحنا نرى آثار ذلك داخل بيوتنا بأشكال كثيره: ضعف في التركيز، وضعف في الحفظ، وحالة من عدم الانتباه والإدراك لما يدور حولهم، وعصبية، وعزلة عن الأسرة، وضعف في الحوار والتواصل، حتى أصبح الجهاز في بعض البيوت المهدئ لهذا الادمان وفقده يجعل الطفل في حالة استنفار وغضب. والمؤلم أننا كأولياء أمور نشعر بالعجز وهذه حقيقه لا نكابر فيها. لقد حاولت الأسر المنع، وحاولت تحديد الساعات، وحاولت سحب الأجهزة، وحاولت الترغيب والترهيب، ولكننا أمام حرب أكبر من قدرة الأب والأم وحدهما، اصبح الواقع السباحة عكس التيار. ولذلك نسمع في كل مجلس تلك العبارة المؤلمة: (ضاعوا عيالنا). والمفارقة أننا في الماضي كنا نخاف على أبنائنا من الشارع، ومن اللعب بعيدًا عن البيت، ومن الخروج دون اذن، وكنا نطمئن عندما يعود الطفل إلى المنزل ونغلق عليه الباب، معتقدين أنه أصبح الان في المكان الأكثر أمانًا. أما اليوم فقد انقلبت المعادلة، وأصبح الخطر يدخل عليه ويأتيه وهو في بيته، بل وهو في غرفته. قد لا يخرج الطفل أو الشاب من المنزل يومًا كاملًا، وربما لا يغادر غرفته لساعات طويلة، فنظن أنه أمام أعيننا وفي أمان، بينما هو عبر هاتفه يتجول في أماكن أبعد وأخطر من الشارع الذي كنا نخاف عليه منه. يستطيع في دقائق أن يعبر حدود الوطن، وأن يدخل مجتمعات افتراضية لا نعرف عنها شيئًا، وأن يتعرف إلى أشخاص من دول وثقافات وأفكار مختلفة. وليس الخوف هنا من اختلاف الثقافات في حد ذاته، وإنما ممن قد يستغل براءة الطفل أو اندفاع الشاب، أو يستدرجه ويبتزه أو يدفعه إلى سلوكيات وأفعال خطرة، وقد يصل الأمر إلى استغلاله في جرائم أو إقناعه بتصوير أفعال مجّرمه ونشرها عبر مواقع ومنصات محظورة. وهنا يصبح الخطر أكبر، لأن الأب يكون جالسًا في الغرفة المجاورة معتقدًا أن ابنه في أمان، بينما ابنه موجود فعليًا في عالم لا يعرف الأب عنه شيئا. لقد كنا نسأل أبناءنا في الماضي: أين ذهبت؟ ومع من كنت؟ ومتى ستعود؟ أما اليوم فعلينا أن نسأل سؤالًا أصعب: أين كنت وأنت جالس معي وأمامي؟ والخطير ان العالم اليوم قد بدأ يخشى من خروج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة، واجتمعت الدول والشركات الكبرى لمناقشة مخاطره ووضع الضوابط والحدود لقدراته، فلماذا لا نتوقف نحن أيضًا أمام ما يحدث لأطفالنا؟ وإذا كانت دول قد بدأت بالفعل في وضع قيود وضوابط على بعض البرامج والمواقع ومنصات الإنترنت بالنسبة للأطفال، فلماذا نترك الأسرة وحدها تخوض هذه الحرب؟ وهي حرب غير متكافئة. ومن هنا فإننا نطلق نداء استغاثة، وليس مجرد اقتراح، إلى الوزارات والمؤسسات والجهات المعنية في الدولة: تدخلوا قبل أن نفقد أبناءنا أكثر. نحتاج إلى آلية واضحة وحقيقية تساعد الأسرة على حماية أبنائها، وإلى قيود وضوابط على البرامج والمواقع والتطبيقات التي يصل إليها الأطفال، وإلى حلول تقنية وتشريعية ورقابية تعيد للأب والأم شيئًا من القدرة على حماية أبنائهم. فالأسرة حاولت كثيرًا، لكنها اليوم تقف بوجه تيار لا تستطيع مواجهته بمفردها. نحن لا نتحدث عن مشكلة عابرة، بل عن جيل كامل يتعرض يوميًا لسيل لا يتوقف من المقاطع والصور والألعاب والرسائل والمحتويات، يدخل إلى عقله وغرفته وبيته دون استئذان حتى منه. إنه تلوث جديد ينساب ببطء إلى فلذات أكباد هذا المجتمع، وقد لا نرى نتائجه كاملة اليوم، لكننا نرى مقدماته واضحة في بيوتنا ومدارسنا ومجالسنا. ولهذا فإن صرخة (ضاعوا عيالنا) التي تتكرر على ألسنة الآباء والأمهات يجب ألّا تبقى شكوى حبيسةً داخل المجالس بل يجب أن تصل إلى أصحاب القرار والجهات المختصة لتتدخل الدولة فالأسرة اليوم تطلب المساندة، وتطلب التدخل، وتطلب حلًا سريعًا. لأن أبناءنا ما زالوا أمام أعيننا، ولكننا نخشى أن يأتي يوم يكونون فيه أمامنا أجسادًا.. بينما عقولهم ووعيهم وحياتهم تخدم أجندة أخرى وربما عدوه.
43506
| 14 سبتمبر 2026
في عام 1997، كان السيد فيصل محمد السويدي يخوض المفاوضات مع الشركات اليابانية بصفته نائب رئيس مجلس إدارة شركة قطر للغاز. ولم يعتمد على الخبرة العملية وحدها، بل اهتم بدراسة الطريقة التي يفكر بها اليابانيون ويديرون بها مفاوضاتهم. وكان كتاب The Japanese Negotiator، للمؤلف روبرت مارش، من الكتب التي استعان بها لفهم ذلك الأسلوب. وقد أهداني نسخة منه آنذاك، كما أهدى نسخًا منه إلى آخرين. وكان، من واقع تجربته المباشرة معهم، يشرح لي أسلوب اليابانيين في التفاوض، وكيف يستعدون ويتشاورون ويتأنون قبل اتخاذ القرار. ولم يكن ذلك مجرد حديث عابر، بل كان يعكس حرصه على ألا تبقى خبرته حبيسة غرف المفاوضات، وأن ينقل ما تعلمه إلى الجيل الذي يليه. بقي هذا الكتاب معي، وبقيت معه تلك الشروح، لكن قيمته لم تكن في وصف المفاوض الياباني وحده، بل في السؤال الذي أثاره لديّ: هل يمكن الحديث، في المقابل، عن أسلوب مميز للمفاوض القطري؟ وإذا كان الياباني يدخل غرفة التفاوض مستندًا إلى الإعداد الدقيق والعمل الجماعي والصبر، فما الذي يميز المفاوض القطري؟ وما الذي يمكن أن يتعلمه كل طرف من الآخر؟ لا تعني هذه المقارنة أن كل مفاوض قطري أو ياباني يتصرف بالطريقة نفسها؛ فالأفراد والمؤسسات والظروف تختلف. ويشير الباحث بيتر بيرتون إلى أن كثيرًا من الممارسات المنسوبة إلى اليابانيين توجد بدرجات مختلفة في ثقافات أخرى، ولذلك لا ينبغي اعتبارها صفات ثابتة. يبين روبرت مارش في كتابه The Japanese Negotiator، ويشرح كازو نيشياما في كتابه Doing Business with Japan، أن الاجتماع الرسمي ليس دائمًا المكان الذي يُصنع فيه القرار. فكثير من العمل يتم قبله، من خلال جمع المعلومات ودراسة المخاطر والتشاور بين الإدارات، وصولًا إلى قدر واسع من التوافق داخل المؤسسة. ولذلك قد يبدو المفاوض الياباني بطيئًا أو متحفظًا، بينما هو يتأكد من أن مؤسسته تستطيع الوقوف خلف القرار. ولا يتعامل أعضاء الفريق الياباني عادةً مع المفاوضات باعتبارها مناسبة لإظهار المهارات الفردية. وقد لا يكون أكثرهم حديثًا هو صاحب القرار، كما أن الصمت لا يعني بالضرورة الرفض، والتأخر في الإجابة لا يدل دائمًا على عدم الاهتمام. فقد يكون المطلوب مزيدًا من التشاور الداخلي قبل تقديم موقف تستطيع المؤسسة الالتزام به. وتقدم مفاوضات الغاز بين قطر واليابان مثالًا عمليًا على ذلك. ففي أواخر الثمانينيات كانت قطر تمتلك احتياطيات هائلة من الغاز، لكنها لم تكن قد بنت بعد سجلًا في تصدير الغاز الطبيعي المسال. وكان نجاح المشروع يتطلب مشتريًا رئيسيًا يلتزم بكميات كبيرة ولفترة طويلة، بما يمنحه الأساس التجاري اللازم لجذب الشركاء والتمويل. ويروي مايكل توسياني وآن ماري جونسون، في كتابهما From Black Gold to Frozen Gas، تفاصيل الطريق الصعب الذي سبق انطلاق أول مشروع قطري للغاز الطبيعي المسال، والدور الذي أدته السوق اليابانية في توفير الركيزة التجارية اللازمة لانطلاقه. وفي عام 1991 وقّعت شركة تشوبو اليابانية خطاب نوايا لشراء أربعة ملايين طن سنويًا لمدة خمسة وعشرين عامًا، رغم ظروف حرب الخليج. ولكن عندما انسحبت شركة BP من المشروع، أثار ذلك مخاوف اليابانيين، وأعادوا تقييم المخاطر، فتأجل توقيع العقد النهائي. وبعد استمرار الاتصالات ومعالجة المخاوف، وُقّع العقد عام 1992، ووصلت أول شحنة من الغاز القطري إلى اليابان في يناير 1997. تكشف هذه القصة أن الجانب الياباني في تلك المفاوضات لم يمنح ثقته بسهولة، لكنه عندما اطمأن إلى قدرة المشروع، التزم بعلاقة امتدت لعقود. كما تكشف جانبًا من التجربة القطرية؛ فلم يكن الفريق القطري يفاوض على سعر الغاز وشروط توريده فقط، بل كان مطالبًا ببناء الثقة في قدرة قطر، التي لم يسبق لها حينذاك تصدير الغاز المسال، على إنجاز مشروع ضخم والوفاء بالتزامات تمتد لعقود. وهنا يظهر اختلاف مهم بين المدرستين: المفاوض الياباني يصنع جزءًا كبيرًا من القرار قبل دخول غرفة التفاوض، عبر الدراسة والتشاور الداخلي، بينما ظهرت قوة الفريق القطري في هذه التجربة داخل عملية التفاوض، من خلال سرعة التواصل وبناء العلاقة وفهم مخاوف الطرف الآخر والبحث عن حلول تحفظ مصالح الطرفين. ومن الناحية العملية، نتعلم من التجربة اليابانية أن الاستعداد لا يقتصر على معرفة السعر والشروط، بل يبدأ بفهم الطريقة التي يتخذ بها الطرف الآخر قراره: من أصحاب التأثير داخل مؤسسته؟ ومن يملك الموافقة النهائية؟ وما المعلومات التي يحتاج إليها ليقنع زملاءه؟ وما المخاطر التي يخشى أن يتحمل مسؤوليتها لاحقًا؟ قد ننجح في إقناع الجالس أمامنا، لكن الصفقة تتعثر لأنه لم يستطع إقناع مؤسسته. فالمفاوض الجيد يسير في مسارين متوازيين: يفاوض الشخص الجالس أمامه، ويساعده في الوقت نفسه على بناء الحجة التي يحتاج إليها لإقناع مؤسسته. وفي المقابل، تكشف التجربة القطرية عن قيمة سرعة التواصل، وبناء القنوات المباشرة، والقدرة على التكيف مع الظروف المتغيرة. فالنجاح ليس في اختيار أحد الأسلوبين ورفض الآخر، بل في الجمع بين دقة الإعداد وسرعة الاستجابة. وتعيدنا تجربة فيصل السويدي إلى درس إداري مهم: فالمعرفة التي تتكون خلال المفاوضات الكبرى يجب ألا تغادر المؤسسة مع أصحابها، بل يجب أن تتحول إلى دراسات حالة وأدلة عمل وبرامج تدريب يستفيد منها المفاوضون الجدد، بدل أن يبدأ كل جيل من الصفر. وقد تجددت الشراكة في فبراير 2026، عندما وقّعت قطر للطاقة وشركة JERA اليابانية للطاقة عقدًا لتوريد ثلاثة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنويًا لمدة سبعة وعشرين عامًا، ابتداءً من عام 2028. وبعد أكثر من ثلاثة عقود على الاتفاق الأول، دخلت العلاقة مرحلة جديدة من الالتزام طويل الأجل. إن أهم ما تعلمناه من هذه التجربة ليس أن المفاوض القطري يجب أن يصبح يابانيًا، بل أن التفاوض الناجح يبدأ قبل الجلوس إلى الطاولة: بدراسة الطرف الآخر، وفهم طريقة اتخاذ القرار داخل مؤسسته، والاستعداد لمخاوفه قبل أن يعبّر عنها. أما الدرس الأهم لمؤسساتنا، فهو ألا تبقى خبرات المفاوضين الكبار حبيسة الذاكرة أو غرف الاجتماعات، بل يجب أن تتحول إلى معرفة موثقة تنتقل من جيل إلى آخر. فالصفقة الجيدة تحقق مكسبًا اليوم، أما المعرفة المتراكمة فتصنع مفاوضين قادرين على تحقيق المكاسب لسنوات طويلة.
7131
| 15 سبتمبر 2026
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة السفن وتكاليف الشحن والتأمين وسرعة وصول البضائع إلى دول المنطقة. ومع استمرار الاضطراب، ارتفعت أسعار بعض السلع، وقد يمتد الارتفاع إلى سلع أخرى إذا طالت الأزمة. وجانب من هذا الغلاء له أسباب حقيقية، فعبور السفن في منطقة عالية المخاطر يرفع أقساط التأمين، وقد يدفع شركات الشحن إلى فرض رسوم إضافية. كما أن تأخر وصول البضائع يزيد تكاليف التخزين والتمويل، وقد يضطر المستورد إلى استخدام طريق أطول أو وسيلة نقل أكثر كلفة حتى يحافظ على توافر السلعة. لكن ارتفاع هذه التكاليف لا يعني أن تصبح أزمة هرمز مبرراً مفتوحاً لزيادة أسعار جميع السلع وبأي نسبة. فليست كل السلع تمر بالطريق نفسه، ولا تمثل كلفة الشحن النسبة ذاتها من سعر كل سلعة. كما أن بعض البضائع المعروضة حالياً وصلت إلى قطر قبل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «غلاء هرمز»، أي الزيادة التي فرضتها الأزمة فعلاً. غير أن هناك فرقاً بين هذه الزيادة الحقيقية وبين استغلال الظروف لرفع الأسعار بما يتجاوز ارتفاع التكلفة. فقد يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بنسب تتجاوز الزيادة الفعلية أو المتوقعة في تكلفة استبدال المخزون، أو يرفعون أسعار سلع لم تتأثر مباشرة، مستفيدين من توقع المستهلك أن كل شيء سيصبح أغلى. ولا يعني ذلك اتهام التجار والمستوردين عموماً؛ فكثير منهم يواجهون ظروفاً صعبة ويحاولون المحافظة على تدفق البضائع رغم ارتفاع المخاطر. لكن حماية التاجر الجاد لا تتعارض مع مساءلة من يستغل الأزمة لتوسيع هامش ربحه. والفاصل بين الحالتين هو قدرة التاجر على إثبات مقدار الزيادة التي تحملها فعلاً. وقد تحركت الجهات المختصة في قطر مبكراً لمواجهة آثار الأزمة. فدعت غرفة قطر، بالتعاون مع الهيئة العامة للجمارك، شركات الشحن والنقل إلى استخدام المسار البري عبر المملكة العربية السعودية ونظام النقل الدولي البري «TIR»، مع تخصيص مسار سريع وتسريع التخليص من خلال نظام النديب الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، كثفت وزارة التجارة والصناعة رقابتها على الأسواق، فنفذت بين 28 فبراير و22 مارس 2026 نحو 50 ألف جولة تفتيشية طارئة، وضبطت منشآت مخالفة وأغلقت منشأتين، في رسالة واضحة بأن ارتفاع التكلفة لا يمنح أحداً الحق في استغلال الأزمة. كما تمتلك قطر قاعدة بيانات للأسعار، بعد إلزام المنشآت التجارية والصناعية بتسجيل أسعار السلع والخدمات وتحديثها إلكترونياً. وهناك أيضاً سلع وخدمات لا يجوز رفع أسعارها من دون موافقة الجهة المختصة. وبذلك تتوافر أدوات لمقارنة الأسعار قبل الأزمة وبعدها، وربط أي زيادة بفواتير الاستيراد والشحن والتأمين. إلا أن استمرار الأزمة يتطلب البناء على هذه الإجراءات، والانتقال من الاستجابة العاجلة إلى خطة أطول مدى. وينبغي أن تسير هذه الخطة في اتجاهين متوازيين: منع استغلال الأزمة داخل السوق، وخفض تكلفة وصول البضائع إلى قطر عبر الطرق البديلة. ففتح الطريق البري خطوة مهمة، لكن نجاحه لا يقاس بوصول البضاعة فقط، بل بالتكلفة التي تصل بها. فإذا كانت كلفة الطريق البديل مرتفعة جداً، فسيدفع المستهلك ثمنها في النهاية. لذلك من المهم مقارنة تكاليف الاستيراد عبر المسارات المختلفة، واختيار الطريق الأنسب لكل نوع من السلع. ومن المهم أيضاً منح الأولوية في النقل والتخليص للغذاء والدواء والسلع الأساسية، وتقليل فترات انتظار الشاحنات عند المنافذ؛ لأن كل يوم إضافي يرفع تكاليف النقل والتبريد والتخزين. ويمكن دراسة تخفيف بعض الرسوم مؤقتاً، متى ثبت أن ذلك سينعكس على السعر النهائي، لا أن يتحول إلى زيادة في هامش الربح. أما داخل السوق، فينبغي أن تركز الرقابة على العلاقة بين ارتفاع التكلفة وارتفاع سعر البيع. فإذا أثبت المستورد أن تكلفة وصول سلعة معينة ارتفعت بنسبة محددة، فمن الطبيعي أن ينعكس جزء من ذلك على سعرها. أما إذا ارتفع السعر بنسبة أكبر كثيراً، فمن حق الجهة الرقابية أن تطلب تفسير الفارق. وفي المقابل، يجب الحذر من تثبيت جميع الأسعار بصورة جامدة؛ لأن إجبار المستورد على البيع بأقل من تكلفته قد يدفعه إلى تقليل الاستيراد، فتتحول مشكلة الغلاء إلى نقص في السلع. فالرقابة الناجحة تقبل الزيادة المبررة، وتكبح الزيادة التي تستغل الأزمة، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرار الإمدادات. لقد أثبتت قطر في أزمات سابقة قدرتها على تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزون إستراتيجي والمحافظة على استقرار الأسواق. والمطلوب اليوم هو تطوير الإجراءات الحالية إلى خطة مستمرة لطرق استيراد بديلة ذات تكلفة مقبولة، مع رقابة تمنع استخدام اسم هرمز لفرض زيادات لا تبررها الأرقام. إن مواجهة «غلاء هرمز» تقوم على مسارين لا ينفصلان: تسهيل وصول البضائع إلى قطر بأقل تكلفة ممكنة، ومنع تضخيم هذه التكلفة عندما تنتقل إلى المستهلك. وبهذا التوازن يمكن حماية المستهلك، ومساندة التاجر الجاد، والمحافظة على استقرار السوق في وقت واحد.
5385
| 13 سبتمبر 2026