رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
من المؤكد أن اكتشاف النفط في قطر قد أحدث تأثيرا كبيرا في تحولات القوة وأهمية الأدوار في المجتمع، بظهور سلطة القطاع الحكومي العام ليهيمن بدءا من منتصف القرن العشرين بديلا للقطاع الخاص، انطلاقا من تمتع الدولة بالثروة المالية التي نجمت عنه. ولكن مع ذلك أولت الحكومة اهتماما بتطوير أنشطة القطاع الخاص لمواكبة التوجهات الجديدة المأمولة للدولة في النهضة، وخاصة في الجوانب الاقتصادية وكانت فرصة له، والمتمثلة في النهضة التعليمية والاسكانية والعمرانية.
فبدأ هذا القطاع الخاص يمارس دوره في التنمية بتمويل حكومي سخي عبر طرح مشروعات التنمية الشاملة. ومع تطور الدولة ماليا في السبعينيات قدمت له من الدعم ما لا يتصور. وللعلم بأن الدولة في الستينيات قد أسست مجموعة من الشركات دعت أفرادا من المجتمع في تملكها، أصبحت وكلاء لمنتجات عالمية كثيرة حمتهم قوانين الوكيل المعتمد فمثلوا المستوردين الكبار لمناقصات الدولة ومشروعاتها، واحتياجات المواطنين المعيشية المتزايدة، مما عززت مكانتها. ولا غبار في ذلك الدعم لأن نجاحهم من نجاح البلد، ولكن كان على القطاع الخاص في المقابل دور في العمل الاجتماعي دون مقابل على المشاركة في متطلبات التنمية الوطنية وان يحرص على الاهتمام بقضايا المجتمع، فنجاحهم الكبير كان أجمل بكثير أن يرى في أدوارهم المجتمعية كذلك، ومن بينها بشكل مؤكد الحرص على تبني أبناء البلد، وتطويرهم بخلق فرص العمل لهم.
والمؤشرات تؤكد بأن شركات القطاع الخاص في قطر قد تطورت كما ونوعا خلال العقود الماضية، وتعددت كذلك صور الدعم لها سواء الحكومية المباشرة وغير الحكومية وخاصة من قبل البنوك وأصبحت أكثر نضجا في ادارتها وتقنياتها، وخروجها من القالب المحلي إلى العالمية، حيث نلمس بين الفترة والأخرى بروز اسمائها بين كبريات الشركات العالمية او الإقليمية العربية وشمال أفريقيا، ونسمع عن رجال أعمال قطريين وصفوا بأنهم عالميون، وهذا الإنجاز فخر للدولة القطرية دون شك. فبيئة العمل الآمنة التي خلقتها الدولة كانت مشجعة استغلها المبادرون، فقد ارتفع على سبيل المثال عدد منشآت القطاع الخاص في عام 2020 بنسبة 130% خلال عشر سنوات الى حوالي 71 الفا، من بينها 2100 منشأة يعمل بها أكثر من 100، بلغ مجموعهم حوالي 880 ألف عامل، ولا يتعدى للأسف نسبة العاملين القطريين 2% وغالبا هم ملاكها وأقرباؤهم، وستكون كما أتوقع المستهدفة، بناء على القانون رقم 12 لسنة 2024 بشأن توطين الوظائف في القطاع الخاص.
ومن الجدير بالذكر، فإن نتائج التعداد العام لسنة 2020 أظهرت ارتفاعا إيجابيا في نسبة العاملين القطريين في شركات القطاع المختلط الى حوالي 34% بعد ان كانت 9% في عام 2010، واظهرت النتائج كذلك بان 50 % من وظائف الوزارات والإدارات الحكومية يشغلها غير القطريين، وفي الامس القريب أعلنت وزارة الاتصالات عن 26 ألف فرصة وظيفية توفرها الاجندة الرقمية بحلول 2030. أي أن فرص العمل في القطاع الحكومي ما زالت متاحة بوفرة. وهذا ما يدعو الشباب الباحثين عن العمل التردد في التوجه نحو القطاع الخاص، إلا بحوافز.
ومما يجب الإشادة به في هذا المقام، بأنه ومنذ عقود والحكومة تعمل عبر خططها وقراراتها على زيادة قوة العمل المواطنة في القطاع غير الحكومي، وبالدرجة الأولى شركات القطاع المختلط التي فاق عدد الملبية والمبادرة لها الأربعين، وآتت أكلها ولكن بشكل بطيء، حيث لم يتعد أفضل رقم لها 50 %، وغالبيتها هي الشركات الكبرى المختلطة والتي بحكم ملكية الحكومة بجزء من أسهمها، كانت تتنافس على توظيف القطريين للمصالح المتبادلة. وقد تحسنت التغطية كثيرا بدخول الفتاة القطرية سوق العمل بسبب اتساع دائرة تخصصاتها العلمية وخاصة الهندسية والاقتصادية الإدارية والمالية، واتساع القبول المجتمعي لعمل المرأة. فعلى سبيل المثال تحققت زيادة ملفتة للنظر في عدد القطريين بين 2021 و2022 من 394 الى 1850 عاملا، كثير منهم من الإناث.
وختاما أرى بأن ثلاثة أطراف معنية في هذا التوجه الجميل وهي: الحكومة والقطاع الخاص وبينهما الباحثون عن العمل من القطريين، فلكل متطلبات لا بد أن تراعى، ولا أدعي بأنها غائبة عن المخططين. فالحكومة هي المخططة للنشاط الاقتصادي والتنموي ومن حقها الطبيعي لتحقيق أهدافها بعيدة المدى اعلان رغبتها في هذا المجال والتخطيط له لتحقيق المصلحة العامة على المدى البعيد وقد تكون معذورة ولا تلام في بذل المال السخي فيما لا يمكن تحققه دونه. وأما القطاع الخاص فمن حقه أن يبحث عن مصلحته كما في العادة، في تحقيق أرباح مالية قبل سواها، فتبحث شركاته عن عمالة تقدم لها قيمة مضافة، لهم من السمات الوظيفية والمهارات الإدارية المنضبطة، ولهم شغف بالإبداع واثبات الذات والتحدي، ما يؤدي إلى أن يثق بهم أصحاب العمل.
والباحثون عن العمل من القطريين وأبناء القطريات حسب القانون الجديد هم الطرف الثالث حسب القانون، فهم أيضا يتطلعون، ولهم الحق، بأن لا تقل حوافزهم عن نظرائهم العاملين في القطاع الحكومي من رواتب وعلاوات وترقيات واجازات ودورات، بالإضافة إلى منح القروض الميسرة وعلى رأسها قرض الإسكان والأرض، وأخيرا إلى قانون معتمد للموارد البشرية يحفظ حقوق نهاية الخدمة والتقاعد بالمزايا الوطنية.
وأختم هنا بالسؤال الأخير، آمل أن الجهة المعنية قامت بدراسة علمية لحالة العمالة المواطنة من ذكور وإناث في شركات مصانع مسيعيد وراس لفان وقطاع البنوك والاستثمار وحتى الخطوط القطرية، لمعرفة التحديات التي جابهتهم فيها، ومدى رضاهم خلال فترة عملهم حتى من الذين تسربوا منها، أو تقاعدوا مبكرا.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أستاذ الجغرافيا غير المتفرغ
جامعة قطر
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
عمل الغرب جاهدًا على أن يزرع في شعوب العالم أنه النموذج الأخلاقي والقيمي الأرقى، قوانين متقدمة، حقوق الإنسان، تحرير المرأة، عدالة اجتماعية، وإنسانية لا تعرف التمييز، هكذا طرح الغرب نفسه بتلك المنظومة القيمية التي حاول فرضها كمعايير عالمية، وجعل لنفسه حق التدخل في شؤون الدول التي لا تساير تلك المنظومة المُعلنة. بيد أن وثائق جيفري إبستين التي كشف عنها وأحدثت زلزالًا تتجاوز آثاره كونها حالة جنائية، إلى النظر إليها والتعامل معها على أنها جرائم سياسية وأخلاقية، تزاوجت في تنفيذها السلطة والمال والنفوذ. تلك الوثائق قد نسفت ادعاءات الغرب في تفوقه الأخلاقي، وأبرزت أن هذه القيم التي يترنم بها قيم نسبية مرهونة بالمصالح والنفوذ، ذلك لأنها ليست خطيئة فردية، بل هي جريمة منظمة ممنهجة ممتدة متشابكة. أظهرت الوثائق أن القيم تتبدد أمام إغراءات المال والسلطة، ولم يكن إبستين مجرد رجل يستغل النظام القضائي والإعلامي والسياسي من أجل تحقيق أطماعه في استعباد النساء والأطفال، بل هو صنيعة ونتاج منظومة الفساد الأخلاقي والقيمي. سيكون من السطحية والسخف أن تختزل هذه الفضيحة في شخص إبستين، فهو مجرد حلقة في سلسلة طويلة من الانتهاكات التي شهدها الغرب، ولذا جرى التهاون القضائي مع الرجل لأنه يعلم جيدًا أن من كان في مثل موضعه من السلطة والمال لن يُحاكم بنفس المعايير التي يحاكم بها غيره. لم يتجل السقوط الأخلاقي للغرب من خلال الفضيحة ذاتها وما ارتبطت به من أسماء ما يمكن أن نسميه «إدارة العالم» فحسب، بل من خلال تأخير الكشف عنها، فلم تكن هذه الحقائق مجهولة، بل كانت مؤجلة، فأصبحت هذه الحقيقة مجرد توثيق لحسابات النهاية، فالعدالة الحقيقية هي تلك التي تأتي في الوقت المناسب، فلماذا لم يتم الكشف عنها حينها؟ كأن الحقيقة قد سمح لها بالظهور فقط بعدما أصبحت فاقدة للقدرة على التغيير.ثم لنا أن نتساءل عن سر التهاون القضائي مع إبستين، وما تفسير حادث موته في السجن بكل ما يتعلق به من سلوكيات مريبة كتعطيل الكاميرات وغياب المراقبة لشخصية من المفترض أن تحظى بالرقابة الصارمة؟ الوثائق كشفت أن العدالة طبقية وانتقائية في النموذج الغربي، وليست سوى عمليات تفاوضية على الصياغة، وعلى ما يقال وما يترك، تجلى ذلك في الصفقات القانونية التي أبرمت، والتخفيف غير المبرر في الأحكام القضائية الصادرة، وتأجيل المحاسبة، بما يجعلنا نقول إن القانون يفسر وفقا لموقع المتهم لا حجم الجريمة، وهذا يؤكد انهيار ركيزة المساواة أمام القانون التي هي إحدى أهم ركائز أية منظومة قيمية. الوثائق كذلك عرّت الإعلام الغربي الذي يفاخر بالحرية والاستقلالية والشفافية والموضوعية وأظهرت ضلوعه في التواطؤ لخدمة السلطة والمال، وذلك بالتغطية على الجريمة، وأبرز طبيعته الاستهلاكية التي يقاس نجاحها بالمشاهدات وعوائد الإعلانات، كما أظهرت كذلك خضوع هذا الإعلام لنفوذ المال والسياسة وتمحوره حول حماية الأقوياء.. حتى في التناول الإعلامي للقضية، جرى التعامل الانتقائي الطبقي، حيث تم تهميش الضحايا وكأنهم مجرد أرقام تُذكر في السياق العام للجريمة، أو خلفية حزينة للأسماء اللامعة. من دواعي السخرية أن هذه الإدارة العالمية التي ضربت بحقوق الإنسان عرض الحائط، هي نفسها التي نصّبت نفسها مراقبًا على حقوق المرأة والطفل والحريات في عالمنا العربي والإسلامي، هي نفسها التي تتدخل في تربية أطفالنا وتسعى لتجريم تأديب الأبناء، وتؤجج الحركات النسوية لدفعها للتمرد على قيم وثقافات المجتمعات، وتبتز الحكومات بملفات الحرية وحقوق الإنسان، بما يؤكد أن الغرب يتعامل مع القيم باعتبارها سلاحًا سياسيًا. فصل الأخلاق عن السلطة، والفصل بين الخطاب السياسي والممارسة، يقوض الثقة الداخلية في الغرب ذاته، فأنّى لمجتمع يؤمن بتلك المنظومة وهو يراها تتهاوى أمام السلطة والمال، ويوقفه حائرًا أمام ذلك الثراء الذي يهب الحصانة. لعل هذا الحدث الجلل يجعل المُختطفين ببريق الغرب ويترنمون بتفوقه القيمي يراجعون أنفسهم، ويفصلون في الدعوة إلى السير على خطى الغرب بين ما يمكن أن نأخذه عنه من تقدم علمي وتكنولوجي ونحوهما، وما لسنا بحاجة إليه من قيم وأخلاقيات لنا السبق والسمو فيها، فالغرب إنما تقدم بسبب الأخذ بأسباب القوة والتقدم، لا من خلال منظومته القيمية والأخلاقية النسبية.
13185
| 08 فبراير 2026
يطرح اليوم الرياضي إشكالية المفهوم قبل إشكالية الممارسة، إذ إن تحديد موقعه الوظيفي داخل البنية المجتمعية يسبق بالضرورة أي حديث عن أشكاله التنظيمية أو مظاهره الظاهرة. فإدراجه ضمن منطق الفعالية الزمنية المحدودة يُفرغه من قيمته، بينما يقتضي الفهم الرشيد التعامل معه كأداة توجيهية لإعادة بناء الثقافة الرياضية على أسس واعية ومستدامة. على مستوى الفرد، لا يمكن اختزال دور اليوم الرياضي في المشاركة الشكلية أو الامتثال المؤقت. بل يفترض أن يشكّل لحظة وعي نقدي تُعيد تعريف العلاقة بين الجسد والمسؤولية الذاتية. فالنشاط البدني، في هذا الإطار، لا يُنظر إليه كخيار ترفيهي، بل كواجب مرتبط بالصحة العامة، والانضباط الشخصي، والقدرة على الإنتاج والاستمرار. ومن ثم، فإن القيمة الحقيقية لليوم الرياضي تتجلى في قدرة الفرد على تحويله من تجربة عابرة إلى التزام سلوكي طويل الأمد، وإلا تحوّل إلى ممارسة رمزية فاقدة للأثر. أما الأندية الرياضية، فيقع على عاتقها دور بنيوي يتجاوز التنظيم اللوجستي إلى الدور التنويري. فهي مطالبة بأن تكون وسيطًا معرفيًا يربط بين الممارسة الرياضية وبناء الشخصية، وبين التدريب والوعي، لا أن تكتفي بتوفير النشاط دون تنظيم فكري. كما ينبغي أن تتحمل الأندية مسؤولية استيعاب المجتمع خارج دائرة النخبة، عبر برامج مستمرة تستهدف الفئات غير النشطة، وتحوّل اليوم الرياضي إلى بوابة انخراط لا إلى ذروة موسمية. كلمة أخيرة: إن اليوم الرياضي يستمد قيمته من كونه لحظة تأسيس وعي لا لحظة استهلاك نشاط، ومن قدرته على إعادة توجيه الأدوار الفردية والمؤسسية نحو ممارسة رياضية واعية، مستمرة، ومتصلة بأهداف المجتمع الكبرى، لا من مظاهره الآنية أو زخمه المؤقت.
1296
| 10 فبراير 2026
لم يكن الطوفان حدثًا عابرًا يمكن تجاوزه مع مرور الوقت، ولا مجرد فصل جديد في صراع اعتدنا على تكراره. ما جرى كان لحظة فاصلة، كشفت الكثير مما كنا نفضّل تجاهله، ووضعت الجميع أمام واقع لم يعد من السهل الهروب منه. بعد الطوفان، لم تعد اللغة القديمة صالحة للاستخدام. لم يعد من الممكن ترديد العبارات نفسها، أو التظاهر بأن الصورة غير مكتملة. الصورة كانت واضحة، وربما كانت هذه أوضح لحظة شهدها هذا الجيل. أول ما سقط بعد الطوفان هو وهم الجهل. لم يعد أحد يستطيع الادعاء بأنه لا يعرف، أو أن الأمور بها لبس. كما سقطت فكرة النظام الدولي العادل. القانون الذي يعمل بانتقائية، وحقوق الإنسان التي تُفعّل حين تخدم المصالح وتُعطَّل حين تكون ضدها. والأهم انتهت اخطر كذبة كنا نكررها "ما باليد حيلة". وسقط أيضًا خطاب العجز الذي اعتدنا ترديده. ذلك الخطاب الذي يبرّر الصمت بحجة غياب القدرة، ويتعامل مع المأساة وكأنها قدر لا يمكن الاقتراب منه. ان تكون عاجزاً بعد الطوفان فهذا ليس بسبب الاوضاع بل بسبب اختيارك ان تكون عاجزاً. الطوفان لم يخلق قسوة العالم، لكنه كشفها بوضوح. كشف ازدواجية المعايير، وصمت المؤسسات، وبرود الخطاب السياسي أمام مشاهد لا تحتمل البرود. لكنه في الوقت نفسه كشفنا نحن، بطريقة ربما كانت مؤلمة أكثر. كشف سرعة انفعالنا، وسرعة تراجعنا. كشف كيف نغضب، ثم نتعب ثم نعتاد. كيف تتحول المأساة إلى صور، ثم إلى مقاطع، ثم إلى ذكرى بعيدة. كشف عدم قدرتنا على تحمل المناظر المؤلمة التي نراها في غزة عبر الفيديوات.. بينما اهل غزة يعيشون هذه المناظر فعلياً كل يوم ترك الطوفان أثرًا نفسيًا ثقيلًا. تعب عام، شعور بالعجز، وتقلّب مستمر بين الأمل واليأس. هذا التعب لا يُقاس بالأرقام، لكنه ينعكس في طريقة التفكير، وفي قبول الظلم باعتباره جزءًا من المشهد المعتاد. الخطر هنا ليس في الغضب، بل في الاعتياد. أن نصبح أقل دهشة، أقل صدمة. وضوح العدو لا يُعفي من مراجعة الذات. فالطوفان كشف ضعفنا في البناء الطويل، واعتمادنا المفرط على ردود الفعل. الغضب حاضر، لكن تحويله إلى مشروع مستمر، ما زال محدودًا. كما كشف تردّد النخب في تحمّل كلفة المواقف، وارتباك الجمهور بين الرغبة في الحقيقة والخوف من تبعاتها. النخب التي قال عنهم ابوعبيدة رحمه الله: انتم خصومنا امام الله. ما بعد الطوفان ليس مرحلة شعارات ولا خطابات حماسية. هو مرحلة أسئلة ثقيلة: كيف نفهم القوة؟ كيف نبني وعيًا ينهض بنا؟ إما أن يكون الطوفان نقطة تحوّل حقيقية، أو مجرد محطة أخرى في سلسلة صدمات اعتدنا أن نمرّ بها دون أن نتعلّم منها ما يكفي. ما بعد الطوفان يفرض مسؤولية أبعد من الغضب وأثقل من التعاطف. يفرض انتقالًا من حالة المشاهدة إلى موقع الفاعلية، ومن رد الفعل إلى الفعل الواعي طويل النفس. لم يعد السؤال: ماذا نشعر؟ بل ماذا سنفعل بهذا الشعور؟ لأن المشاعر التي لا تتحول إلى وعي، والوعي الذي لا يتحول إلى سلوك، ينتهي بهما الأمر وقودًا لجولة إحباط جديدة. أخطر ما قد يحدث بعد الطوفان ليس أن نُقهر، بل أن نقتنع أن أقصى دورنا هو أن نتألم ثم نعود إلى حياتنا كما كانت، وكأن الدم الذي رأيناه لم يكن اختبارًا أخلاقيًا مباشرًا لنا نحن، قبل أن يكون إدانة للعالم. بعد أن وقف اطلاق النار "الوهمي" حيث ان القصف لازال موجودا والقتل لازال موجودا ولكن الفرق هو ابتعاد الكاميرات عن غزة، بقيت الأسئلة بلا إجابات سهلة، يظل السؤال الأهم قائمًا: هل تغيّر العالم فعلًا، أم أنه كشف فقط حدود قدرتنا على التغيير؟ والأهم من ذلك.. هل تغيّرنا نحن بما يكفي؟ أم أننا ننتظر طوفانًا ودماء اكثر كي نتحرك فعلياً؟
795
| 10 فبراير 2026