رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الحديث عن الشباب حديث عن المستقبل والتغيير والآمال الطموحة.. فأين موقع هذه الشريحة من أولويات اهتمام مجتمعاتنا العربية التي توصف بالفتية، وهل تحظى بما تستحقه على مستوى البناء الثقافي والمعرفي وتنمية المهارات والإمكانات وإطلاق المبادرات واستثمار الطاقات.
أسئلة لا بد من طرحها وأخذها على محمل الجد خصوصا إذا علمنا أن نسبة الشباب بحدود 20 بالمائة من مجمل سكان العالم العربي (أي حوالي 70 مليون شاب وشابة) وقد ترتفع النسبة إلى أكثر من ذلك حسب بعض التقديرات التي تصل بها إلى 30 بالمائة.
سأتجاوز الحديث عن القطاع الحكومي وواقع حاله لأن الخوض فيه قد يطول، وربما قد يصيب متتبعه بالإحباط واليأس والقنوط، وسأقصره على جهود منظمات المجتمع المدني، والأحزاب، ودور رجال الأعمال والبيوتات المالية، والمؤسسات الإعلامية والشبابية والثقافية والفنية والأحزاب الأهلية والخاصة لأقول إن الأمر ليس بأحسن حالا رغم بعض المبادرات التي تستحق الثناء والتقدير هنا وهناك، ولكنها دون المأمول، وهي لا تتناسب والفراغ الكبير في هذا الفضاء.
معروف أن سن الشباب هو الفترة الذهبية لبناء القدرات المعرفية والمهارية، وهنا أتساءل: كم عدد المؤسسات والبرامج العربية التي تعمل في حقل الاستثمار المعرفي، وتتيح للشباب فرصا حقيقية للتدريب وتطوير المهارات، وكم هو المتوفر منها بأسعار معقولة تطيقها هذه الشريحة ومن يعيلها، مع ضرورة الإشارة إلى ما يحيط بهذه الصنعة من إشكالات تتصل بضعف المخرجات والقائمين عليها، والدوافع التي ارتبطت بقضايا شكلية ـ لا فعلية في كثير من الأحيان ـ في أذهان المستفيدين، إذ لا يخفى أنها أصبحت ضرورة لابد من إثباتها في السير الذاتية لإيجاد أو تسهيل الحصول فرص العمل.
وقريبا من هذا السياق، معلوم أن لدى الشباب أوقات فراغ لا تتوفر لغيرهم وقدرة على الإسهام في خدمة المجتمع من حولهم بحكم القدرات البدنية والذهنية وروح المبادرة والعطاء، والسؤال الذي يطرح نفسه كم يستفاد من هذا الوقت للصالح العام والإسهام في تنمية ونهضة المجتمعات العربية، والذي تقاس قيمته الاقتصادية بعدد ساعات التطوع التي يقدمونها، لا شك أن تطوع الشباب ثروة كبيرة يتم تضييعها، ومن خلال المتابعة المسحية يتضح بجلاء ندرة المؤسسات المتخصصة في هذا المجال والمشاريع الموجهة لهذا الجانب سواء من قبل المنظمات الشبابية أو المؤسسات الخيرية، ومن العجيب أن تسوّق الجمعيات المعنية بالشأن الإنساني للمشاريع الخيرية التي ترغب في تنفيذها ولا تسوّق بنفس القدر والاهتمام للعمل التطوعي خصوصا في أوساط الشباب، ولا تستفيد من جهدهم وإمكاناتهم ووقتهم كقيمة مقدرة كما هو حال التبرعات التي تحصل عليها لتنفيذ المشاريع والخدمات الإنسانية.
وإذا كانت نسبة البطالة بين الشباب العربي لا تقل عن 25 في المائة، فإننا لا نكاد نجد من المؤسسات الخيرية اهتماما كافيا بالمشاريع الصغيرة المدرة للدخل التي تمكّن من تشغيل الشباب وتخرجهم من مستنقع الفقر ودوامة الحاجة وتضمن لهم الاستقرار من خلال الزواج وبناء الأسر، والشيء نفسه يمكن أن يقال عما يفترض أن يقوم به رجال الأعمال وأصحاب والبيوتات المالية تجاه مجتمعهم، وهنا ـ على مستوى دولة قطر ـ لا بد من الإشادة بمجهودات دار الإنماء الاجتماعي من جهة لتركيزها على هذا الجانب، وجهود رجل الأعمال المعروف إبراهيم الأصمخ الذي تبرع بـ 100 مليون ريال لقطر الخيرية من أجل إنشاء مؤسسة تهتم بالإقراض الأصغر، وتعمل وفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية من جهة أخرى.
وإذا كانت وسائل الإعلام تلعب دورا مهما في حياة الكبار والصغار وتؤثر فيهم سلبا وإيجابا، خصوصا في عهد القنوات الفضائية والشبكات العنكبوتية فإن نظرة فاحصة للمشهد الإعلامي العربي تكشف عن حجم التفريط بجيل الشباب على هذه الضفة..بدءا من ندرة الفضائيات والمواقع الإلكترونية والصحف والمجلات والصفحات والمنتديات المتخصصة في هذا المجال، ومرورا بضآلة الاهتمام بقضاياه والتركيز عليها في الخطط والبرامج والمساحات الإعلامية ضمن هو متوفر من وسائط على الساحة، أو الاقتصار على برامج تهتم بقضايا الفن الهابط والموضة والنزعات الشكلية الضارة والاستهلاكية التافهة وما يسمى ببرنامج تلفزيون الواقع كبرنامج " ستار أكاديمي" وغيره، وانتهاء بعدم وضع خطط لاستثمار التطور المتسارع لشبكات الاتصال الاجتماعي والرقمي وبما يسهم في التنمية الثقافية والسياسية لهذا الجيل بدلا من تركيز النسبة الكبيرة فيه على قضايا التسلية و " الشات" وربما الاستغراق بما هو أسوأ من ذلك.
نريد جوائز لرعاية مواهب الشباب وتكريم الناشطين منهم، وحملات توعوية لتعزيز السلوكيات الإيجابية والتفكير الإبداعي في حياتهم، نريد التفكير بأوقاف لرعايتهم واحتضان مشاريعهم، ودعم مبادراتهم، نريد مكتبات ومقاه ثقافية تخصص لهم.. نريد ونريد.. ونريد قبل هذا وبعده أن يكون الشباب شريكا أساسيا في بناء وتطوير ذاته وصياغة حاضره واستشراف مستقبله.
إن هذه الشريحة العمرية لابد أن تلقى اهتماما خاصا لدى الشعوب والأمم لأنها ثروتها الحقيقية، ورصيدها الإستراتيجي، وعدّتها وعتادها لأي تغيير مطلوب أو تنمية منشودة، ولأن الحديث عنها هو حديث عن المستقبل.. ولكن هل هذا الحال ينطبق على عالمنا العربي، وهل يحتل الشباب سلم الأولويات في اهتماماته على المستوى الخطط الإستراتيجية الخمسية أو العشرية، وعلى مستوى البرامج التي تسهم في بناء قدراته وتطوير مهاراته وتعالج المشكلات التي تعترضه والتحديات التي تواجهه وتعمل على استثمار إمكاناته وتفجير طاقاته الذاخرة بالعطاء وإدماجه لإنجاز مشاريعها النهضوية.
السيادة المعرفية.. حين تتحول المعرفة إلى أصل إستراتيجي
في زمن تتسارع فيه التحولات، لم تعد المعرفة مجرد مورد نُضيفه إلى مسارات التنمية، بل أصبحت الإطار الذي... اقرأ المزيد
18
| 27 أبريل 2026
أسرار أخرى للنجاح
في مقال الأسبوع الماضي تحدثت عن «سر وزارة التربية والتعليم» وتناولت فيه بعض أوجه النجاح التي تقودها سعادة... اقرأ المزيد
195
| 27 أبريل 2026
التجاوب مع الوساطة ومعالجة جذور الأزمة
تواصل دولة قطر حراكها الدبلوماسي المكثف واتصالاتها مع كل دول العالم لدعم الجهود الرامية إلى تحقيق السلام وتعزيز... اقرأ المزيد
126
| 27 أبريل 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
أصبح ملاحظًا في الآونة الأخيرة تزايد شكاوى المعلمين وأساتذة الجامعات من سطحية بعض الطلاب وضعف قدرتهم على التحليل، بل وقلة اهتمامهم بالشأن العام وغياب الحس بالمسؤولية المجتمعية. وهذه الظاهرة لا يمكن إلقاء اللوم بها على المناهج أو أساليب التدريس، بل ترتبط بشكل كبير بغياب المتابعة الأسرية وانشغال الوالدين أو اعتمادهم الكامل على المؤسسات التعليمية لتأدية دور الوالدين أو توكيل الخدم بكل ما سبق، وهذه طامة أخرى سنأتي عليها لاحقًا. هل يُعقل أن طالبًا جامعيًا لا يعرف من وزير خارجية بلاده؟! وكم هي مساحة الدولة التي يعيش فيها؟! بل أكثر من ذلك، ففي مثل هذه الأيام التي تمر فيها المنطقة في صراع إقليمي وحرب تُغيّر خريطة العالم وتحالفاته وتقلب طاولة الاقتصاد رأسًا على عقب، هو لا يعرف من وكيف ولماذا، وهل هو مع أو ضد توجه معين أو رأي بلاده من كل هذا؟! وبسبب ما سبق عملنا مع بعض الزملاء مسحًا سريعًا للبحث عن هذه الأسباب، فتبيّن أن الأم والأب يقضيان أكثر من ٤ ساعات يوميًا على الهاتف بين برامج التواصل الاجتماعي بما لا ينفع بل بما يضر أحيانًا، ولم نحسب ساعات متابعة الأفلام والمسلسلات ضمن هذا. إن مسؤولية تربية الأبناء لا يمكن تفويضها أو التهرب منها. فتربية الأبناء ليست ما تنتجه المدارس أو المعاهد أو الجامعات، بل هم انعكاس لبيئة كاملة تبدأ بالأسرة. وإذا أردنا جيلًا واعيًا مثقفًا وقادرًا على تحمل مسؤولياته فعلينا أن نعيد الاعتبار لدور الوالدين، وأن ندرك أن التربية الحقيقية تُبنى في البيت أولًا ثم تُستكمل في بقية مؤسسات المجتمع. لأن التربية ليست مهمةً يمكن اختصارها في مؤسسة واحدة أو جهة رسمية بعينها. ومن هنا فإن إلقاء المسؤولية على وزارة التربية والتعليم فيما يتعلق بمستوى الأبناء الفكري والسلوكي والثقافي، هو طرحٌ ناقص يُغفل الدور الجوهري الذي يقع على عاتق الوالدين أولًا ثم بقية مكونات المجتمع. الأسرة هي النواة الأولى التي تتكون فيها شخصية الطفل، وهي البيئة التي يتعلم فيها القيم الأساسية والدينية قبل أن يتعلم الحروف والأرقام. في البيت يتعلم الأبناء معنى المسؤولية واحترام الوقت وأهمية المعرفة والقدرة على الحوار. فإذا نشأ الطفل في بيئة تشجعه على التساؤل وتمنحه مساحة للتعبير وتعطيه قدرًا من الثقة والشعور بالمصداقية وتتابع اهتماماته الدراسية والثقافية، فإنه يدخل المدرسة والجامعة وهو يحمل أدوات التفكير والفهم لا مجرد قابلية للحفظ والتلقين. أما إذا غاب هذا الدور فإننا نجد أنفسنا أمام طالب يفتقر إلى الأساس الذي يُبنى عليه كل شيء. فحين يجلس الأب أو الأم مع الأبناء لمناقشة حدثٍ ما أو كتابٍ قرأوه أو فكرةٍ سمعوها، فإنهم يزرعون فيهم بذور التفكير النقدي، ويعلمونهم كيف يكونون جزءًا من مجتمعهم لا مجرد متفرجين عليه، كما أن للشارع والأصدقاء دورًا لا يقل أهمية، فهم يشكلون جزءًا من البيئة التي يتفاعل معها الأبناء يوميًا. لذلك فإن اختيار الصحبة الصالحة، وتوجيه الأبناء نحو الأنشطة المفيدة، ومتابعة سلوكهم خارج المنزل، كلها أمور تقع ضمن مسؤولية الوالدين. إضافة إلى ذلك، فإن وسائل الإعلام ومؤسسات الدولة المختلفة تتحمل دورًا تكامليًا في تعزيز القيم الثقافية والاجتماعية من خلال تقديم محتوى هادف، وخلق بيئات داعمة للنمو الفكري. إن التربية مشروعٌ مشترك تتكامل فيه الأدوار ولا تتقاطع. فوزارة التربية والتعليم تؤدي دورًا مهمًا في تنظيم العملية التعليمية وتوفير المناهج والتربية كذلك، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع وعيًا أو تبني شخصية متكاملة. هذا الدور يبدأ من البيت حيث تتشكل القيم ويتأسس الفكر ويتعلم الأبناء أين يقفون في هذا العالم المتغير من حولهم.
3120
| 22 أبريل 2026
شهدت وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي خلال الفترة الأخيرة نقلة نوعية لافتة في أساليب التعامل مع الجمهور، انعكست بشكل مباشر على مستوى رضا أولياء الأمور والطلبة في المدارس القطرية ، وساهمت في تسهيل إنجاز المعاملات بصورة غير مسبوقة. هذه الطفرة لم تكن مجرد تحسينات شكلية، بل جاءت نتيجة رؤية واضحة تهدف إلى تطوير الخدمات التعليمية والإدارية بما يتماشى مع التحول الرقمي الذي تشهده الدولة.في السابق، كان إنجاز العديد من المعاملات المتعلقة بأمور الطلاب يتطلب وقتًا طويلًا وجهدًا كبيرًا، إضافة إلى الحاجة للمتابعة المستمرة من قبل أولياء الأمور، سواء فيما يتعلق بنقل الطلبة أو استخراج الشهادات أو متابعة الطلبات المختلفة، وكانت الإجراءات تتسم أحيانًا بالتعقيد وكثرة الخطوات، مما يسبب ضغطًا وإرهاقًا للأولياء الأمور.أما اليوم، فقد تغيرت الصورة بشكل جذري. فقد عملت الوزارة على تبسيط الإجراءات وتوحيدها، مع إطلاق منصات إلكترونية متطورة تتيح للمستخدمين إنجاز معاملاتهم بسهولة وسرعة من أي مكان. وأصبح بإمكان ولي الأمر متابعة حالة الطلب بشكل فوري، دون الحاجة إلى مراجعة المكاتب أو الانتظار لفترات طويلة،هذا التحول أسهم في تقليل الجهد المبذول، ورفع مستوى الشفافية، وتعزيز الثقة بين الجمهور والمؤسسة التعليمية.ويرى كثيرون أن السر في التحول اللافت الذي شهدته وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي في الفترة الأخيرة لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة جهود قيادية ركزت على كسر الجمود الإداري وتحديث أساليب العمل، قامت بها سعادة السيدة لولوة الخاطر وزيرة التربية والتعليم والتعليم العالي التي ارتبط اسمها بالدفع قدما وسريعا بعجلة التطوير التي تشهدها الوزارة وإعادة النظر في عدد من الإجراءات التي ظلت لفترات طويلة دون تغيير يُذكر.فمنذ تولي سعادتها الوزارة، اتجهت الجهود نحو مراجعة شاملة للأنظمة والإجراءات، ليس فقط بهدف التحديث، بل لإزالة التعقيدات التي كانت تُعد في السابق من المسلّمات التي لا يجب التعامل معها إلا كما هي دون تغيير، إن هذا التوجه الجديد أتاح إعادة تصميم الخدمات بطريقة أكثر مرونة، وجعل تجربة أولياء الأمور والطلبة أكثر سلاسة ووضوحًا، وقد انعكس ذلك في تقليص الوقت والجهد اللازمين لإنجاز المعاملات، وتحسين آليات التواصل مع الجمهور.كما تميزت هذه المرحلة بشكل كبير وواضح بالتركيز على اعتبار أولياء الأمور شركاء أساسيين في العملية التعليمية، وليسوا مجرد متلقين للخدمة. ومن هنا، تم تطوير قنوات تواصل أكثر فاعلية، والاستماع لملاحظاتهم بشكل مباشر، والعمل على تحويلها إلى تحسينات ملموسة على أرض الواقع.ولم يقتصر التغيير على الإجراءات فقط، بل شمل أيضًا ترسيخ ثقافة مؤسسية جديدة تقوم على الابتكار والتطوير المستمر، وتشجع على المبادرة بدلاً من التمسك بالأنماط التقليدية، هذا التحول الكبير كان له أثر كبير في جعل العمل داخل الوزارة أكثر حيوية ومرونة، وأسهم في تحقيق مستوى أعلى من رضا جميع أصحاب العلاقة مع الوزارة.إن هذه الطفرة النوعية تعكس التزام الوزارة بتحقيق التميز في تقديم الخدمات، وحرصها على مواكبة التطورات العالمية في مجال الإدارة والخدمات الحكومية،كما أنها تؤكد أن الاستثمار في التكنولوجيا وتطوير الكفاءات البشرية يمكن أن يحدث فرقًا حقيقيًا في حياة الناس اليومية.وهنا يمكن التأكيد بأن هذه الجهود القيادية أسهمت في إحداث نقلة نوعية حقيقية، حيث أصبحت الخدمات أكثر كفاءة، والتعامل مع الوزارة أكثر سهولة ومرونة، بما يعكس رؤية حديثة تضع احتياجات الطلبة وأولياء الأمور في صميم أولوياتها.
2130
| 20 أبريل 2026
من خلال متابعتنا للمستجدات الصادرة في الثامن من أبريل ٢٠٢٦، حول تحديث قواعد الضريبة الانتقائية بموجب القانون رقم ٢ لسنة ٢٠٢٦، بداية فإن موضوع الضريبة الانتقائية بشكل خاص لا يتعلق بمفهوم الزيادة في الأسعار ولا السعر الجبري الذي تفرضه الدولة بالمعنى الشائع؛ بل هو آلية تنظيمية تلقائية للأسعار تعني ببعض السلع الانتقائية والذي يحفز الفرد على الاستغناء عنها أو تقليلها تدريجياً وهي خطوة ذكية لتعزيز المناعة المجتمعية. هذا التعديل الذي أصدره سمو الأمير يأتي في وقت تضغط فيه الأزمات العالمية على موازنات الدول، مما يجعل صحة الناس والبيئة المحيطة بمثابة الحصن الحقيقي، خصوصاً في زمن الحروب والظروف الجيوسياسية المتقلبة. فالدولة التي يمتلك أفرادها صحة جيدة، وميزانية لا تهدر في فواتير علاج الأمراض المزمنة، هي الأقدر على الصمود في وجه أي تحديات عالمية. وحسب ما هو مفهوم من هذه الأداة الاقتصادية والتحديث المقصود، نجد أن الضريبة الانتقائية هي ضريبة تُفرض على سلع محددة تضر الصحة أو البيئة عموماً. والهدف ليس تحصيل العوائد فحسب، بل تشجيع الناس على تغيير عاداتهم واستبدال المشروبات المليئة بالمحليات المضافة، سواء كانت سكراً طبيعياً أو بدائل صناعية، ببدائل طبيعية ومفيدة أكثر. كما أن هذا التوجه يتماشى مع سياسات دول مجلس التعاون الخليجي، التي بدأت تتحرك ككتلة واحدة لحماية أسواقها، والضغط على الشركات العالمية لتقديم منتجات أكثر جودة وصحة لمنطقتنا. إن جوهر هذا القانون والذي سيبدأ تطبيقه في يوليو ٢٠٢٦، لا يهدف لتقييد خيارات الناس، بل لإعادة هيكلة هذه الخيارات داخل المنظومة الاقتصادية. فالسوق لا يزال مفتوحاً للجميع وعادات الاستهلاك غير مقيدة لكن القواعد تغيرت؛ حيث صار المشروب المحلى يتحمل تكلفته الصحية مسبقاً عبر الضريبة الانتقائية. والجديد هنا هو الاعتماد على النموذج الحجمي، أي أن الضريبة تُحسب بناءً على كمية السكر أو المحليات في كل ١٠٠ ملل من محتوى المنتج. وللتوضيح، المشروب الذي تشتريه الآن بـ ٤ ريالات قد يصل سعره إلى ٥ أو ٥.٥٠ ريال إذا كان محتفظاً بنسبة سكر مرتفعة، بينما ستحافظ المشروبات قليلة التحلية على أسعارها الحالية أو قد تفرض عليها النسبة الدنيا من الضريبة، نظراً لانخفاض كثافة المحليات مقارنةً بنظيراتها المشبعة بالسكر، مما يدفع الشركات لتغيير مكوناتها لتبقى منافسة في السعر. هذا التغيير يفتح باباً للمنافسة العادلة، فالنموذج الحجمي يلغي الأفضلية السعرية التي كانت تُنسب عادةً للمشروبات الرخيصة المليئة بالسكر على حساب البدائل الصحية المبتكرة. اليوم المنافسة صارت على الجودة والابتكار، وهذا يحفز مصانعنا الوطنية لتقديم منتجات صحية منافسة محلياً وعالمياً. أما عن المردود المادي فالدولة في هذا السياق تنهض مرتين؛ الأولى عبر تنويع الدخل لدعم الخدمات العامة والبنية التحتية، والثانية عبر توفير المليارات التي كانت تُصرف على علاج السكري والسمنة والأمراض الأخرى المرتبطة باستهلاك السكاكر بشكل مفرط. ولضمان الشفافية خصص القانون نسبة ١٪ من هذه الضريبة لميزانية وزارة الصحة لتمويل برامج التوعية المختلفة، بينما تذهب بقية العوائد لدعم المشاريع الوطنية، مما يجعل المنتج الضار وسيلة لتمويل البناء والنهوض بالمجتمع. وباعتبار هذه الرؤية هي الركيزة لتعزيز الأمن القومي الغذائي والصحي؛ أضحت الوقاية التي ندركها من روح وجوهر هذا القانون خط الدفاع الأول ضد الأزمات، والمجتمع القوي صحياً هو المحرك الحقيقي لاقتصاد صامد في ظل أي ظرف، يحمي سيادة الوطن وصحة مكوناته الوطنية وأجياله القادمة.
810
| 24 أبريل 2026