رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
طرحت الجامعة العربية هذا الأسبوع مبادرة لتسوية الأزمة السورية ووضع حد للعنف هناك، وذلك من خلال حث الرئيس السوري بشار الأسد على التنحي، و "تفويض صلاحياته إلى نائبه لتسهيل مهمة تشكيل حكومة وحدة وطنية". وقالت الجامعة أيضا إنها سوف تتوجه إلى مجلس الأمن، وألمحت إلى إمكانية فرض مزيد من العقوبات على سوريا.
وجاء الرد السوري برفض مبادرة الجامعة العربية واعتبروا أنها "تشكل تهديداً لسيادتها الوطنية، وتدخلاً سافراً في شؤونها الداخلية وانتهاكاً صريحاً للأهداف التي أنشئت من أجلها جامعة الدول العربية، وخرقاً واضحاً للمادة الثامنة من ميثاقها".
ومن ناحية أخرى، أكد معالي رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني أن الخطة السورية " "تشابه نوعا ما المبادرة الخليجية في اليمن"، والتي نتج عنها موافقة علي عبدالله صالح رئيس الجمهورية على التنحي.
وهذا التشابه يشير إلى أن مبادرة جامعة الدول العربية بشأن سوريا قد تمت بقرار ودعم من المملكة العربية السعودية التي ألقت بكامل ثقلها في هذه المبادرة، وهي شبيهة بالمبادرة الخليجية الخاصة بالوضع في اليمن، في حين انسحبت قطر من المبادرة الخليجية. كذلك تلك الحقيقة المؤكدة بأن جميع الدول العربية باستثناء لبنان، والجزائر التي أبدت تحفظاً على أحد بنود المبادرة والمتمثل في إبلاغ مجلس الأمن لدعم الخطة العربية مما جعل سوريا تكيل الاتهامات للمملكة العربية السعودية بأنها قد مارست ضغوطا على الدول العربية. وعلاوة على ذلك، فإن العراق الذي اعتاد على الامتناع عن التصويت بشأن كل التوصيات السابقة الخاصة بالأزمة السورية، قد غيّر من موقفه وسياسته القديمة ووافق كذلك على مبادرة الجامعة العربية. ومع ذلك، فإن الوضع في سوريا يختلف اختلافا شاسعا عن ذلك الذي باليمن.
فمن جانب، فقد رفض الرئيس السوري الخطة بينما وافق عليها الرئيس اليمني، أحد أسباب ذلك هو أن الرئيس علي عبدالله صالح لم يكن يتمتع بدعم دولي قوي في حين أن سوريا تحظى بدعم كل من إيران وروسيا، كما أن الرئيس اليمني كان قد خسر دعم حميد الأحمر، الشخصية ذات النفوذ السياسي المؤثر، وذلك مع بداية انتفاضة الربيع العربي في البلاد.
أضف إلى ذلك الضغط المستمر من جانب المملكة العربية السعودية والمجتمع الدولي، بجانب محاولة الاغتيال التي تعرض لها والتي أصيب على إثرها بجروح خطيرة في انفجار القنبلة التي زرعت في المسجد الرئاسي، تعتبر من الأسباب التي جعلت علي عبدالله صالح يضطر لقبول شروط المبادرة الخليجية، فهو لم يكن لديه خيار آخر خاصة بعد محاولة اغتياله تلك والتي كانت قاب قوسين أو أدنى من النجاح.
أما ما يحدث في سوريا فهو مختلف، فحتى هذه اللحظة، ما زال القمع العنيف ضد المتظاهرين هناك مستمر، رغم وجود مراقبي الجامعة العربية.
وقال وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل خلال اجتماع وزراء الخارجية العرب بشأن سوريا هذا الأسبوع، أن المملكة قد قامت بسحب مراقبيها من بعثة المراقبين العرب "لعدم تنفيذ الحكومة السورية لأي من عناصر خطة الحل العربي التي تهدف أساساً لحقن الدماء الغالية علينا جميعاً".
ورغم الاحتجاجات في سوريا، إلا أن الرئيس الأسد ما زال يتمتع بدعم شعبي وسند داخلي، كما أن شقيقه ماهر الأسد ما زال يحظى بسيطرته ونفوذه على الجيش السوري.
وقد ذكرنا في مقالاتنا السابقة بأن الوضع في سوريا ذاهب إلى مفترق طريق، وحتى اللحظة لا أحد يعلم في أي اتجاه ستمضي الأوضاع، فالاحتمال الأول هو أن يتنحى الرئيس الأسد ويقوم بالتالي بتسليم السلطة إلى حكومة وحدة وطنية، أو أن يعاند ويبقى في السلطة فتشتعل حرباً أهلية بين مختلف المجموعات.
أوضح معالي الشيخ حمد بن جاسم أن الاقتراح السابق من قِبل صاحب السمو أمير البلاد المفدى لإرسال قوات حفظ سلام، إنما هو نتيجة لأعمال العنف التي تشهدها سوريا بسبب الاستخدام المفرط والطويل الأمد للقوة من قبل قوات النظام السوري، والذي أجبر جزءا من الشعب على حمل السلاح والمواجهة من أجل الدفاع عن أنفسهم.
وأضاف معالي رئيس الوزراء: "أنا أعلم أن هذه فكرة متقدمة لأنها ستكون هي المرة الأولى التي تقوم فيها الجامعة العربية بإرسال قوة لحفظ السلام إلى بلد عربي". وأشار أيضا إلى نموذج قوات الردع العربية التي تم إرسالها إلى لبنان خلال الحرب الأهلية.
فإذا اتخذ النظام السوري قراره بالذهاب إلى حرب أهلية، فإن الحكومة السورية سوف تضعف وسيكون وضعها مماثلا لما حدث في لبنان عام 1976، عندما قامت الدول العربية بإنشاء قوات تدخل سريع سُميَّت بقوات الردع العربية، التي تألفت آنذاك من قوات من سوريا والسعودية والسودان والإمارات وليبيا، بناء على طلب من الرئيس اللبناني الأسبق سليمان فرنجية، بسبب تصاعد الحرب الأهلية في البلاد وقتها، ولكن المعادلة مختلفة في سوريا.
وخلال مؤتمر صحفي مشترك لمعالي الشيخ حمد بن جاسم، والدكتور نبيل العربي، قام مراسل لمحطة تليفزيون "سوريا الغد" بتوجيه سؤال لمعالي الشيخ حمد بن جاسم قائلاً: "إن الشعب السوري قالها بوضوح إنه يريد إعدام الرئيس ويريد إسقاط النظام..".
فقام الأمين العام للجامعة العربية نبيل العربي بمقاطعته ساخراً: "حسنا، اذهب واعدمه" في حين أن معالي رئيس الوزراء قاطعه قائلاً: "ومن الذي يمنعكم من إسقاط النظام؟".
كل هذه التعليقات تشير فيما يبدو إلى أن الوضع في سوريا على حافة حرب أهلية، وأن العنف سوف يستمر، وأن مختلف الفصائل السورية ستتقاتل للتنافس على السلطة في البلاد.
ومن أجل منع حدوث ذلك، ينبغي للبلدان التي تدعم سوريا، مثل إيران وروسيا، أن تمارس مزيداً من الضغط على الرئيس الأسد للتنحي لتجنب حرب أهلية دامية.
وبخصوص موقف كل من إيران وروسيا بخصوص الأزمة في سوريا، دعا معالي رئيس مجلس وزراء قطر، روسيا لتبني الحل العربي للأزمة السورية، وقال مشيراً إلى أن موسكو كانت قد طلبت في وقت سابق حلاً عربياً للأزمة: "أن قرارات روسيا محترمة وهي تعلم أنها طلبت تدخلا عربيا"، وتمنى كذلك أن تتماشى رغبات روسيا مع رغبات العالم العربي. كما دعا إيران إلى اتخاذ القرار الصحيح بشأن سوريا قائلاً: "يربطنا بإيران تاريخ وعلاقات"، وتمنى أن يكون تدخلها لمصلحة الشعب السوري.
فلذلك ينبغي على الأسد التفكير في مبادرة الجامعة العربية والنظر إليها بعين الاعتبار، فهذه المبادرة ربما تكون طريقه الوحيد للخروج من هذا الوضع المزري والمتدهور، ليس فقط بالنسبة له هو أو لأسرته - التي ستفقد الكثير إذا ما ذهب الاتجاه في سوريا نحو حرب أهلية - ولكن من أجل المواطنين السوريين الذين سيعانون كثيراً، ولا شك أن قيام حرب أهلية سيتسبب في انتكاسة كبيرة بالنسبة لاقتصاد البلاد الذي ربما يستغرق وقتا طويلا لكي يتعافى.
نأمل ألا يأتي ذلك اليوم الذي تعقد فيه جامعة الدول العربية اجتماعا آخر لإرسال قوات الردع العربية إلى سوريا بسبب الحرب الأهلية، يجب على الأسد أن يقبل بمبادرة الجامعة العربية وأن يتنحّى لمصلحة بلده وشعبه.
رئيس تحرير جريدة البننسولا khalid@pen.com.qa
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في عالم الأعمال والإدارة، كثيرًا ما تُعزى نجاحات المؤسسات إلى استراتيجياتها الطموحة، أو مواردها المالية، أو قدرتها على مواكبة التطورات التقنية. غير أن التجارب الإدارية المتراكمة تؤكد أن العامل الأكثر تأثيرًا في نجاح المؤسسات أو تعثرها لا يكمن في الأنظمة والإجراءات وحدها، بل في نوعية القيادة التي توجهها. فالقادة لا يديرون الموارد فقط، بل يصنعون الثقافة التنظيمية، ويحددون طبيعة العلاقات داخل المؤسسة، ويرسمون الحدود بين بيئة عمل تُطلق الطاقات البشرية وأخرى تُقيدها. ومن هنا تبرز أهمية الحديث عن ظاهرة باتت تحظى باهتمام متزايد في الأدبيات الإدارية الحديثة، وهي ظاهرة “المدير السام”. فهذه الظاهرة لا تقتصر آثارها على الأداء المؤسسي فحسب، بل تمتد إلى ثقافة المنظمة، وصحة العاملين النفسية، وقدرتها على الاحتفاظ بأفضل الكفاءات. عندما تصبح الكفاءة مصدر قلق المدير السام ليس بالضرورة شخصًا محدود الخبرة أو ضعيف الكفاءة. بل قد يكون ناجحًا في إدارة الملفات التشغيلية، ومتمكنًا من عرض الإنجازات أمام الإدارة العليا، وقادرًا على بناء صورة إيجابية لنفسه في المحافل الرسمية والإعلامية. إلا أن مشكلته الحقيقية تكمن في نظرته إلى الآخرين. فبينما يرى القائد الواثق في الموظف المتميز فرصة لتعزيز قوة المؤسسة، قد يرى المدير السام في الشخص الموهوب أو واسع الحضور المهني منافسًا محتملًا لمكانته. وقد كانت Jean Lipman-Blumen من أوائل الباحثين الذين تناولوا مفهوم القيادة السامة بصورة منهجية، موضحة أن بعض القادة ينجحون في الوصول إلى مواقع السلطة رغم السلوكيات المدمرة التي يمارسونها، مستفيدين من قدرتهم على التأثير وصناعة صورة إيجابية لأنفسهم، بينما تبقى الآثار الحقيقية لممارساتهم خفية داخل أروقة المؤسسة. وحين يشعر المدير السام بأن أحد العاملين تحت إدارته يمتلك خبرة أعمق، أو قدرة تحليلية أعلى، أو تأثيرًا اجتماعيًا ومهنيًا أوسع، يبدأ التوجس بالتسلل إلى قراراته. وهنا تتحول الكفاءة من قيمة مضافة إلى مصدر تهديد. ثمن الغيرة المهنية في بعض الحالات لا يتوقف الأمر عند حدود التهميش أو التجاهل، بل يمتد إلى التأثير في المسار الوظيفي للكفاءات المتميزة. فتُحجب فرص الترقية، وتُستبعد بعض الكفاءات من المشاريع المهمة، وقد تصل الأمور أحيانًا إلى إنهاء خدمات أفراد لم يكن ذنبهم سوى أنهم كانوا أكثر نجاحًا أو تأثيرًا أو قدرة على الإنجاز. والمفارقة المؤلمة أن المؤسسة تخسر في هذه الحالات أفضل عقولها، لا بسبب ضعف الأداء، بل بسبب قوة الأداء. وقد أشار الباحثان Robert Hogan وRobert B. Kaiser إلى أن بعض السمات الشخصية مثل النرجسية المفرطة، والحاجة المستمرة إلى السيطرة، والحساسية تجاه المنافسة، قد تساعد بعض الأفراد على الوصول إلى المناصب العليا، لكنها تصبح لاحقًا سببًا في تعثرهم القيادي وإضعاف المؤسسات التي يقودونها. ثقافة الخوف من أبرز سمات المدير السام أيضًا اعتماده على الشك بدل الثقة. فهو يفسر الرأي المختلف باعتباره تحديًا لسلطته، والنقد المهني باعتباره استهدافًا شخصيًا، والاستقلالية الفكرية باعتبارها تمردًا على السلطة. ومع مرور الوقت يسود الصمت داخل المؤسسة. لا يعود الموظفون يسألون: ما القرار الصحيح؟ بل يسألون: ما القرار الذي لن يزعج المدير؟ وهنا تبدأ المؤسسة بفقدان أهم مصادر قوتها: الأفكار الجديدة. وقد وصف المفكر الإداري Warren Bennis القيادة بأنها القدرة على تحويل الرؤية إلى واقع من خلال كسب ثقة الآخرين لا من خلال فرض السيطرة عليهم. فالثقة هي العملة الأساسية للقيادة الفعالة، وعندما يفقد العاملون ثقتهم بقائدهم يبدأ التراجع التنظيمي حتى وإن ظلت المؤشرات التشغيلية تبدو مستقرة لبعض الوقت. ولا يقتصر أثر هذا المناخ على تراجع الروح المعنوية فحسب، بل يمتد إلى جودة القرارات نفسها. فكلما ازداد الخوف داخل المؤسسة، تراجعت احتمالات ظهور الأفكار الجديدة أو الاعتراضات المهنية التي قد تمنع وقوع الأخطاء. ولهذا تؤكد أبحاث Amy Edmondson أن المؤسسات الأكثر نجاحًا ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي يشعر فيها العاملون بالأمان النفسي الكافي للتعبير عن آرائهم ومناقشة الأخطاء والتعلم منها دون خشية العقاب أو الإقصاء. كما يشير Patrick Lencioni إلى أن غياب الثقة يمثل الخلل الأول الذي يقود إلى سلسلة من المشكلات التنظيمية تبدأ بالخوف من إبداء الرأي، ثم ضعف الالتزام، وانخفاض المساءلة، وانتهاءً بتراجع النتائج. عندما يصبح المظهر أهم من الحقيقة ومن السمات المتكررة لدى بعض المديرين السامين اهتمامهم المبالغ فيه بالمظهر على حساب الجوهر. فالجوائز، والألقاب، والتغطيات الإعلامية، والعروض التقديمية اللامعة قد تصبح أولوية تتقدم على معالجة المشكلات الحقيقية أو تطوير الكفاءات البشرية أو بناء ثقافة مؤسسية صحية. ويصبح السؤال الذي يحكم كثيرًا من قراراته: كيف نبدو أمام الآخرين؟ بدلاً من كيف نصبح أفضل فعليًا؟ ونتيجة لذلك تتسع الفجوة بين الصورة الخارجية للمؤسسة وواقعها الداخلي، فتبدو ناجحة في التقارير والعروض الرسمية بينما يعاني العاملون فيها من مشكلات لم تجد من يتعامل معها بجدية وشفافية. وتشير العديد من الدراسات والمقالات المنشورة في Harvard Business Review إلى أن أحد أخطر مؤشرات ضعف القيادة هو اتساع الفجوة بين الصورة التي تعرضها المؤسسة للعالم الخارجي والواقع الذي يعيشه موظفوها في الداخل. فالمؤسسات القوية تبني سمعتها من خلال ثقافتها وأدائها، لا من خلال حملات العلاقات العامة وحدها. الضغوط النفسية تبدأ من هنا كثير من الضغوط النفسية التي يعاني منها العاملون لا تنشأ من طبيعة العمل نفسها، بل من طبيعة العلاقة مع المدير المباشر. فالموظف يستطيع تحمل ساعات عمل طويلة عندما يشعر بالاحترام والإنصاف والتقدير. لكنه يجد صعوبة كبيرة في العمل داخل بيئة يسودها الخوف أو التحيز أو التشكيك المستمر. ويؤكد Daniel Goleman أن الذكاء العاطفي يمثل أحد أهم عناصر القيادة الفعالة. فالقائد الذي يتمتع بالوعي الذاتي والقدرة على إدارة مشاعره والتعامل باحترام مع الآخرين يخلق بيئة أكثر استقرارًا وإنتاجية. أما عندما تغيب هذه المهارات، فإن السلطة الإدارية قد تتحول إلى مصدر دائم للتوتر والصراعات والاستنزاف النفسي. وقد أظهرت أبحاث Gallup أن المدير المباشر يمثل أحد أهم العوامل المؤثرة في اندماج الموظفين وإنتاجيتهم واستمرارهم في العمل. ومن هنا جاءت العبارة الشهيرة في أدبيات الإدارة: الناس لا يتركون المؤسسات، بل يتركون المديرين. ما الذي تحتاجه المؤسسات؟ المؤسسات الحديثة لا تحتاج إلى مزيد من السيطرة، بل إلى مزيد من القيادة. تحتاج إلى قادة يمتلكون الثقة بالنفس الكافية للاحتفاء بالكفاءات لا محاربتها، ويعتبرون نجاح الآخرين نجاحًا لهم لا تهديدًا لمكانتهم. فالقائد الحقيقي لا يقاس بعدد الأشخاص الذين يخضعون لسلطته، بل بعدد الأشخاص الذين ساعدهم على النجاح. وقد أشار Jim Collins في دراسته الشهيرة Good to Great إلى أن المؤسسات العظيمة يقودها أشخاص يجمعون بين التواضع الشخصي والإرادة المهنية الصلبة. فهم لا يجعلون المؤسسة امتدادًا لذواتهم، ولا يرون في نجاح الآخرين تهديدًا لمكانتهم، بل يعتبرون بناء القيادات والكفاءات جزءًا من مسؤوليتهم الأساسية. كما يؤكد Peter Drucker أن المهمة الجوهرية للقيادة ليست إدارة الأشخاص بقدر ما هي تمكينهم من تحقيق أفضل ما لديهم. فالمؤسسة القوية لا تُقاس بعدد التعليمات التي تصدرها الإدارة، بل بقدرتها على تحويل المعرفة والخبرة والموهبة إلى نتائج مستدامة. بعد الرحيل من المفارقات التي تتكرر في كثير من المؤسسات أن الأثر الحقيقي للمدير السام يظهر بعد مغادرته المنصب أكثر مما يظهر أثناء وجوده فيه. فبمجرد رحيله تبدأ الاجتماعات باستعادة روح الحوار، وتتحسن العلاقات بين الإدارات، وتظهر مبادرات كانت مؤجلة، ويزداد استعداد الموظفين للمشاركة والتعبير عن آرائهم. وقد لا تُذكر هذه الحقيقة في التقارير الرسمية، إلا أن حالة الارتياح التي تسود المؤسسة بعد رحيل بعض القيادات تمثل أحيانًا أصدق مؤشر على حجم العبء الذي كانت تشكله تلك القيادة. الخلاصة المؤسسات العظيمة لا تُبنى بالخوف، ولا تنمو بالشك، ولا تزدهر بإقصاء الكفاءات أو محاربة أصحاب المواهب. إنها تُبنى بالثقة، والعدالة، واحترام الإنسان، وإطلاق الطاقات الكامنة في الأفراد. فالقائد الحقيقي لا يخشى أن يكون من حوله أكثر معرفة أو خبرة في بعض المجالات، لأنه يدرك أن نجاحهم هو نجاح المؤسسة بأكملها. أما المدير السام فيرى في كل موهبة تهديدًا، وفي كل رأي مستقل تحديًا، وفي كل نجاح لغيره انتقاصًا من مكانته. الخوف قد يفرض الطاعة مؤقتًا، لكنه لا يصنع ولاءً، ولا يطلق إبداعًا، ولا يبني مؤسسة عظيمة.
1560
| 23 مايو 2026
في كل عام، حين تقترب العشر الأُوَل من ذي الحجة، تمتلئ المنابر بالكلام عن فضل الصيام، وكثرة الذكر، وثواب العمل الصالح. لكن ثمة زاوية أقل ضجيجًا، وأكثر عمقًا: لماذا تبدو هذه الأيام وكأنها إعادة ترتيب داخلية للإنسان نفسه، لا مجرد موسم عبادات؟ العجيب أن العشر من ذي الحجة تأتي في زمن لا يشبه رمضان. رمضان يشبه مدينة مضاءة بالكامل؛ الجميع صائم، المساجد ممتلئة، والإيقاع العام يساعدك على الطاعة. أما العشر من ذي الحجة فتشبه مصباحًا صغيرًا في غرفة واسعة، لا يراك فيه أحد. هنا تظهر حقيقة العلاقة بين الإنسان وربه: هل يعبد الله لأن الجو العام ديني، أم لأنه يبحث فعلًا عن معنى أعمق لحياته؟ هذه الأيام لا تغيّر جدول الأعمال فقط، بل تغيّر ترتيب القلب. الإنسان المعاصر يعيش غالبًا تحت ضغط السرعة: إنجازات، رسائل، أخبار، سباق لا ينتهي. حتى روحه أصبحت تتعامل مع الحياة بمنطق “التحديثات السريعة”. لكن العشر من ذي الحجة تأتي كأنها توقّف هذا الضجيج، وتقول للإنسان: “لست آلة إنتاج… أنت روح أيضًا”. ولعل أجمل ما في هذه الأيام أنها تجمع بين حركتين تبدوان متناقضتين: الصعود والتجرد. الحاج يصعد إلى عرفات، لكنه يتجرد من الزينة واللقب والمكانة. الجميع في الإحرام متشابهون، كأن العالم يُعاد ضبطه على الحقيقة الأولى: البشر متساوون حين يقفون أمام الله. حتى الأضحية، التي يراها البعض مجرد شعيرة موسمية، تحمل رسالة نفسية هائلة. القصة ليست في الذبح نفسه، بل في فكرة “التخلّي”. إبراهيم عليه السلام لم يُختبر لأنه يملك ولدًا فقط، بل لأنه كان مستعدًا أن يقدّم أغلى ما يحب إذا تعارض الحب مع أمر الله. هنا يصبح السؤال الشخصي لكل إنسان: ما الشيء الذي يسيطر على قلبي أكثر مما ينبغي؟ المال؟ المكانة؟ الخوف؟ العادة؟ العشر من ذي الحجة ليست فقط أيامًا نضيف فيها أعمالًا صالحة، بل أيام نحاول فيها إزالة ما تراكم فوق أرواحنا. واللافت أيضًا أن هذه الأيام تربط الأرض بالسماء بطريقة مدهشة. ملايين الحجاج يتحركون في مكان واحد، في توقيت واحد، بملابس واحدة، يرددون كلمات واحدة منذ قرون طويلة. المشهد يبدو وكأنه نبض بشري ضخم يذكّر العالم بأن الإنسان، مهما انشغل بالتكنولوجيا والسياسة والاقتصاد، ما زال يحمل داخله حنينًا قديمًا إلى المعنى. لهذا يشعر كثير من الناس في هذه الأيام بشيء لا يستطيعون تفسيره تمامًا. ليست مجرد مشاعر دينية عابرة، بل إحساس بأن الروح تستيقظ بعد تعب طويل. كأن القلب كان مغلقًا بسبب غبار الحياة، فجاءت هذه الأيام لتفتح النوافذ. العشر من ذي الحجة ليست موسمًا إضافيًا في التقويم الإسلامي، بل فرصة نادرة لاستعادة الإنسان من نفسه. أن يتذكر أن عمره ليس قائمة مهام، وأن النجاح لا يُقاس فقط بما جمعه، بل بما أصلحه داخله. وربما لهذا السبب أقسم الله بها في القرآن؛ لأن بعض الأزمنة لا تكون عظيمة بسبب عدد أيامها، بل بسبب قدرتها على إعادة تشكيل الإنسان من الداخل، بهدوء يشبه نزول المطر على أرض عطشى منذ زمن طويل.
1320
| 19 مايو 2026
لا يُعدّ معرض الدوحة الدولي للكتاب مجرد حدثٍ ثقافي موسمي يتكرر في أجندة الفعاليات القطرية كل عام، بل هو مساحة حيوية تلتقي فيها الأفكار ويتحرر فيها الخيال، ليصبح تظاهرة حضارية تتقاطع عندها كافة أطياف المعرفة وثقافات الشعوب. لقد تجدد المشهد في هذه النسخة بثوبٍ أنيق يتسم بالاحترافية، في معرض الدوحة للكتاب تزاحمت دور النشر بالإصدارات المتنوعة، وهو ما يحمل في طياته رسائل عميقة؛ فالتنظيم المتقن والأنشطة المتعددة ليست سوى انعكاس لأهداف سامية تستهدف بناء الإنسان، كباراً وصغاراً، وتغرس في نفوسهم شغف القراءة كنهج حياة. إننا حينما نطالع الكتب، لا نكتفي برؤية العالم من خلالها فحسب، بل إننا نرى أنفسنا أيضاً؛ نرى ذاتنا وأحلامنا وتاريخنا في تلك الحروف التي يخطها كتابنا ومثقفونا وشعراؤنا. فالكتاب بصفة عامة هو حيزٌ إنساني رحب، يخاطب الإنسان حيثما كان وبأي لغةٍ نطق، وعندما يخطو الكتاب نحو العالمية، فإنه يُقرأ بعيون مختلفة وثقافات متباينة، مما يعزز قيم التواصل الإنساني. ولا ننسى في هذا المقام أن نشير الى إن العرب كانوا من أوائل صنّاع خريطة العلوم والأدب العالمي، ولنا في تراثنا أمثلةٌ شاخصة؛ منها مؤلفات ابن حيان التي وضعت لبنات العلوم، وصولاً إلى الحكايات العربية التي عبرت الحدود، كقصة "الفارس الملثم" مثلاً التي انتقلت من الأدب العربي لتترجم وتُصاغ عالمياً في شخصيات مثل "روبن هود" و"زورو"، في دلالة واضحة على تأثير الإبداع العربي الممتد عبر العصور. ختاماً، تبقى الثقافة خط الدفاع الأول في وجه مسببات الفرقة والفتنة والشرور؛ فهي الملاذ الآمن لفهم الإنسان، وكما قيل: "إذا أردت أن تفهم إنساناً، فاقرأ أدبه". ومعرض الدوحة للكتاب يظلُّ، في كل عام، منارةً تؤكد أنَّ درب الثقافة هو الطريق الأمثل لمد جسور المحبة بين البشر، وبناء إنسانٍ واعٍ قادر على التغيير والارتقاء بوطنه وأمته.
1116
| 21 مايو 2026