رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. جاسم الجزاع

* باحث وأكاديمي كويتي
Jassimaljezza@hotmail.com

مساحة إعلانية

مقالات

924

د. جاسم الجزاع

السلوك الأخضر.. ترف أم ضرورة؟

26 فبراير 2025 , 02:00ص

الصباح هادئ جدا، والهواء نقي، لكن هناك شيء مختلف هذا اليوم، فالضوء الذي يتسلل عبر النوافذ يبدو أكثر نقاءً، والطرقات أقل ازدحامًا، والمباني من حولي تعكس الشمس دون أن تستهلكها. هنا مبنى حكومي حديث، واجهته الزجاجية تمتص الطاقة الشمسية لتضيء مكاتبه الداخلية، وتزيد موظفيه إشراقا في نفوسهم وأرواحهم أثناء عملهم، وعند المدخل الرئيسي، عبارة منقوشة تقول: "بسلوكنا الأخضر.. نحن نرعى بيئتنا كما نرعى خدماتكم".

السلوك الأخضر ليس مجرد إجراء، بل حالة وعي، إنه تلك اللحظة التي يدرك فيها الإنسان أن الأشياء الصغيرة التي يقوم بها يوميًا لها تأثير حقيقي، وأن لكل فعل صدى أبعد مما يتخيل. فكيف يمكن لمؤسسة حكومية أن تكون أكثر خضرة؟ ربما ببيئة عمل تقلل من استخدام الورق، أو بإضاءة ذكية تتكيف مع حركة الناس، أو حتى بمبانٍ تحتضن الأشجار بدلاً من أن تقتلعها.

السلوك الأخضر ليس مجرد نزعة حديثة أو اتجاهًا بيئيًا عابرًا، بل هو مفهوم علمي إداري عميق وقائم على دراسات في الإدارة والاستدامة، يربط بين تصرفات الأفراد والمنظمات وتأثيرها على البيئة. فعلا إنه الترجمة العملية لفكرة أن القرارات الصغيرة، سواء في المؤسسات الحكومية أو في الحياة اليومية، يمكن أن تصنع فارقًا حقيقيًا في الحفاظ على الموارد وتقليل الأثر البيئي.

في المباني الحكومية الحديثة، لم تعد الاستدامة رفاهية، بل ضرورة متكاملة مع أساليب العمل. فالزجاج العاكس للحرارة يقلل الحاجة إلى التكييف، والإضاءة الذكية تعمل فقط عند الحاجة، بينما تقلص المعاملات الرقمية استهلاك الورق بشكل جذري. وهذه التغييرات ليست مجرد إجراءات تنظيمية، بل ناتج دراسات علمية تؤكد أن الإدارة البيئية الفعالة تساهم في تحسين الأداء المؤسسي وتقليل التكاليف على المدى الطويل.

السلوك الأخضر يتجاوز كونه ممارسة مؤسسية ليصبح نمط حياة وظيفي، وعندما يصبح تقليل الهدر عادة وتقليدا، وعندما يتحول الحفاظ على الطاقة إلى وعي داخلي، فإن الاستدامة تتحقق ليس فقط في القوانين، بل حتى في السلوكيات اليومية. والأبحاث العلمية تشير إلى أن الأفراد الذين يعملون في بيئات تتبنى الاستدامة يصبحون أكثر ميلًا لتطبيق هذه العادات في منازلهم أيضًا وحياتهم الشخصية، مما يخلق تأثيرًا متسلسلًا يجعل المجتمع بأكمله أكثر وعيًا بيئيًا.

لذلك نجد أن الحديث عن السلوك الأخضر ليس ترفًا فكريًا، بل استجابة علمية لاحتياجات العصر. فالعالم يواجه تحديات بيئية غير مسبوقة، والتغير المناخي ليس مجرد خبر في نشرات الأخبار، بل واقع يتطلب حلولًا عملية تبدأ من أصغر التفاصيل، ونستطيع أن نقول بأن السلوك الأخضر ليس مجرد خيار، بل هو مسؤولية ووعي بأن كل قرار، مهما بدا بسيطًا، يترك أثرًا، وعندما يصبح هذا الإدراك جزءًا من ثقافة المؤسسات والأفراد، فإن العالم حتمًا سيصبح مكانًا أنقى، وأجمل، وأكثر قدرة على الاستمرار.

مساحة إعلانية