رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أستكمل اليوم مقالي عن «البؤساء» في غزة الذين لم يكتب روايتهم «فيكتور هوجو».
وبعيدا عن سيرة ومسيرة أبطال المقاومة الفلسطينية، وفي مقدمتهم الشهيد القائد المجاهد أحمد ياسين مؤسس حركة حماس الذي اغتالته يد الإرهاب الإسرائيلي في هجوم صاروخي شنته مروحيات من طراز أباتشي بعد قيامه بأداء صلاة الفجر في مسجد المجمع الإسلامي القريب من منزله في حي صبرا في غزة يوم الإثنين 22 مارس 2004.
وفي سياق حديثي عن المواقف الترامبية، الزئبقية، خرج علينا «ستيفن ويتكوف»، المبعوث الأمريكي للشرق الأوسط بتصريح يخلو من المنطق قائلاً:
لا يمكننا أن نسمح بأن تحكم غزة منظمة إرهابية وإلا سيكون هناك (7 أكتوبر) كل بضع سنوات.
وينسى أن حماس وصلت إلى حكم القطاع بالانتخابات.
وبعيداً عن منطوقه الخالي من المنطق، أطرح عليه سؤالي المنطقي، وأساله:
لماذا لا تطبقون موقفكم، المناهض للحركات والمنظمات والجماعات والجمعيات والتجمعات التي تصنفونها أنها «إرهابية» على الأحزاب الصهيونية التي تمارس إرهابها على المدنيين الفلسطينيين؟
ولماذا تسمحون لأحزاب التطرف اليهودي، أن تحكم إسرائيل، وتتحكم في مسارات القرار الحكومي الإسرائيلي؟
ومنها على سبيل المثال، حزب «الصهيونية الدينية» الراديكالي المتشدد، والمتشنج، بزعامة الإرهابي «بتسلئيل سموتريتش»، الذي يشغل حالياً منصب وزير المالية في الحكومة الإتلافية؟
وله سجل حافل، في تشجيع الإرهاب الاستيطاني، وتحريض المستوطنين، على قتل الفلسطينيين.
وهو ينكر وجود الشعب الفلسطيني، ويعتبر أنه مجرد اختراع عربي، عمره أقل من مائة عام.
وله سابقة إرهابية، إجرامية، يعاقب عليها القانون الجنائي، تتمثل في دعوته، في شهر مارس 2023 لإحراق ومحو بلدة «حوارة» التابعة لمحافظة نابلس الواقعة شمال الضفة الغربية المحتلة.
وتضمنت تصريحاته، تحريضاً رسمياً خطيراً لارتكاب جريمة حرب، مكتملة الأركان، في إطار خطاب الكراهية، والعداء والعنف والإرهاب، الذي يروجه ضد الفلسطينيين.
وبسبب تصريحاته العدائية، التي طالب فيها الحكومة القيام بذلك الفعل الإرهابي، شهدت البلدة المستهدفة، هجمات غير مسبوقة من المستوطنين، أسفرت عن استشهاد فلسطيني، وإصابة عشرات آخرين، وإحراق عشرات المنازل، وتدمير العديد من السيارات.
وبعيداً عن قضية حوارة وفي سياق الحقارة، التي تنبعث من شخصيته، المليئة بالأحقاد والكراهية، يواصل انتهاكاته المتكررة لحقوق الفلسطينيين، ولا يخفى دعمه للاستيطان غير المشروع في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وهو مستعد للتحالف مع الشيطان، لتحقيق أهدافه الإرهابية، ولهذا تتجسد في تصرفاته وتصريحاته، ومواقفه، شخصية الإرهابي الصهيوني المحترف، واليهودي المنحرف!
ونفس الحال، ينطبق حرفياً على الإرهابي الآخر «ايتمار بن غفير» وزير ما يسمى الأمن القومي، الذي يتولى زعامة حزب «العظمة اليهودية».
وله سوابق، ومن المؤكد ستكون له لواحق، في الإجرام المنظم، والإرهاب الموجه ضد الفلسطينيين.
وما دامت واشنطن، تحارب ما تسميه «الإرهاب الفلسطيني» ولا تعتبره نضالاً مشروعاً ضد الاحتلال، وحقاً أصيلاً لنيل الاستقلال..
ينبغي تطبيق موقفها، على «الإرهاب الإسرائيلي»، ولا تسمح لقياداته، المشاركة في تشكيل الحكومة، لتثبت أن «الإرهاب» في مفهومها له تعريف واحد، وله وجه واحد، وله تصنيف واحد.
وتثبت للعالم المتحضر، أن من يشجع على قتل الأبرياء الفلسطينيين، هو «إرهابي» صهيوني، لا يستحق أن يكون وزيراً في الحكومة الإسرائيلية، ولا شريكاً في الائتلاف الحكومي.
وهذا موقفي، بشأن المسألة الإرهابية، سواء كان المتورط فيها عربياً، أو إسرائيلياً، أو أمريكياً.
وفي سياق ذلك، فإن من يسعى لضم كندا، رغماً عن إرادة شعبها لتصبح الولاية الحادية والخمسين في الولايات المتحدة، ينبغي تصنيفه بأنه إرهابي.
ومن يهدد ويتوعد، بانتزاع قناة «بنما» بالقوة من أصحابها، هو فعلاً يقوم بفعل إرهابي.
ومن يخطط للاستحواذ على «جرين لاند»، والسيطرة على مقدراتها، وفك ارتباطها عن الدنمارك، غصباً عن خشم «كوبنهاجن»، لا يمكن أن يصنع السلام في العالم..
.. ولا يمكن أن يحقق السلام في الشرق الأوسط.
ولا يمكن أن يكون داعية سلام، وتصالح وتصافح وتسامح، بين اليهود والفلسطينيين.
والملاحظ أن الرئيس الأمريكي، يسعى لتقويض النظام العالمي، وتأسيس نظام فوضوي، يقوم على اللانظام، واللاقانون مع غياب العدالة السياسية، وتعزيز النزعة الاستبدادية، وتهشيم القرارات الدولية، وتهميش المنظمة الأممية، لتبقى إسرائيل بلا حساب، وبلا عقاب.
وهو بذلك يريد أن يفرض واقعاً جديداً، في الشرق الأوسط، يحكمه الكيان الصهيوني، ويتحكم في تفاصيله ومفاصله.
وليس هذا فحسب، بل هو يريد تقديم الضفة الغربية المحتلة، على طبق من ذهب، لحكومة التطرف الإسرائيلي، وفي صميمها القدس، وفي داخلها المسجد الأقصى، وكل المقدسات المحيطة بها.
مع ضرورة قيام الأنظمة العربية جميعها، بالتصفيق له، وتقديم فروض الولاء والطاعة لإدارته، والزحف نحوه، من أجل استكمال مشروعه لتطبيع العلاقات مع إسرائيل.
وأقول لصاحب هذا المشروع وهو صاحب مقولة «أمريكا أولاً»، إن مقولتنا الراسخة في عقولنا، النابضة في قلوبنا، الثابتة في ضمائرنا «فلسطين العربية أولاً»، «فلسطين الحرة» دائماً.
وسيبقى التحدي الأكبر وسط المواقف الترامبية المنحازة والمؤيدة لإسرائيل، أن نعمل جميعاً لضمان حقوق الفلسطينيين، في إقامة دولتهم المستقلة.
لكن أخشى ما أخشاه، وسط الأوضاع المأساوية المتفاقمة، والظروف غير الإنسانية المتراكمة، على أهالي غزة، أن يكون العدوان الصهيوني، هو البداية الفعلية والعملية والميدانية، لتنفيذ مخطط، تهجير الفلسطينيين، خارج ديارهم!
وتحديداً إلى الإقليم الانفصالي المسمى «أرض الصومال»، الذي يسمونه «صومالي لاند»، مقابل الاعتراف الأمريكي به، كدولة مستقلة.
وعندما أقول ذلك، لا أنشر الخزعبلات، ولا أروج الشائعات، ولكن أستند على حزمة من المعلومات، والكثير من المؤشرات، التي تشير وفقاً للعديد من القراءات والمتابعات، أنه يتم حالياً الإعداد والتحضير، لتنفيذ هذا المخطط الخطير.
والمعروف أن «صومالي لاند»، أعلنت انفصالها من جانب واحد، عن جمهورية الصومال في 18 مايو 1991، بعد الإطاحة، بنظام الدكتاتور محمد سياد بري، ومنذ ذلك التاريخ، غير معترف بها دولياً، لكنها تواصل فرض حكمها الذاتي الانفصالي في تحدٍ صريح لحكومة مقديشو، المعترف بها دولياً.
والملاحظ أنها تحتفظ بعلاقات إستراتيجية وطيدة مع أثيوبيا، وقوية مع الإمارات، التي تعتبر أكبر وأكثر دولة مستثمرة في أرض الصومال.
وفي الشهر الماضي شارك رئيسها «صاحب السعادة» كما يسمونه، عبدالرحمن محمد عبدالله «سيرو»، ويعرف أيضاً باسم «عرو»، في القمة العالمية للحكومات، التي عقدت في دبي بالإمارات، خلال الفترة من (11) إلى (13) فبراير الماضي.
وهناك أعلن أنه يتوقع التشاور مع واشنطن، بشأن استقبال اللاجئين الفلسطينيين في بلاده، لاتخاذ موقف نهائي بشأن هذه القضية.
علماً بأنه لم ينف بشكل قاطع، الأنباء التي تسربت حول مخطط تهجير الفلسطينيين إلى «صومالي لاند»، ولم يؤكد أيضاً صحتها، بل حرص في تصريحه، على إضفاء الغموض حول هذه المسألة، معلناً حرصه على اتخاذ قرارات إستراتيجية، تصب في مصلحة الجميع.
لكن عبدالرحمن ظاهر وزير خارجيته، أكد أن بلاده، لا تستبعد استيعاب أهالي غزة، مشترطاً الحصول على الاعتراف الدولي لإقليم «أرض الصومال» الانفصالي، والتعامل معه كدولة مستقلة.
وهذا الموقف، يظهر محاولة استغلال، أو استثمار الوضع المتفجر في غزة، لتحقيق مكاسب سياسية، طال انتظارها لأكثر من 33 عاماً، مع الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل.
ولعل ما يضفي الكثير من الأهمية على منطقة «أرض الصومال» أن إدارة ترامب، ترغب في إقامة قاعدة عسكرية في تلك المنطقة المهمة، الممتدة على نحو 20 % من مساحة الصومال الإجمالية، مما سيمنح واشنطن نفوذاً أكبر، على ساحل شديد الأهمية، يستلقي على خليج عدن، ويطل على القرن الإفريقي، الذي يناطح أمواج المحيط الهندي.
والمؤكد أن الاعتراف السياسي، بهذا الإقليم، سيسمح للولايات المتحدة، واستخباراتها بإقامة آليات دعم العمليات طويلة الأمد.
ومراقبة حركة الملاحة في باب المندب، ومتابعة أنشطة الصين المتنامية في المنطقة، وإجهاض أنشطة الحوثي في البحر الأحمر الداعمة للحقوق الفلسطينية.
ولو نجح المخطط الأمريكي ـ الصهيوني لا سمح الله، لتهجير الفلسطينيين إلى «صومالي لاند»، لن نستغرب، أن نجد جيلاً فلسطينياً، بعد تهجير أهاليهم إلى «هرجيسا» عاصمة «أرض الصومال» وغيرها من مدن الإقليم، يتحدثون اللهجة الصومالية، وينادون بعضهم البعض يا «وريا»، وتعني يا رجل، بدلاً من يا «زلمة»!
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في العلاقات بين الدول يظل مبدأ حسن الجوار خط الدفاع الأول للاستقرار، فجوهر هذا المبدأ واضح ومباشر، الخلاف السياسي لا يبرر تهديد أمن الدولة المجاورة، ولا تحويل التوترات إلى مواجهات عسكرية، وعندما تُستبدل لغة الحوار بالصواريخ والطائرات المسيّرة، فإن المشهد يتغير من خلاف دبلوماسي إلى خطر إقليمي مفتوح. حسن الجوار ليس بالضرورة التطابق في المواقف، بل يعني احترام الحدود والسيادة والامتناع عن أي تصرف يعرّض المدن أو المنشآت الحيوية للخطر. فلكل دولة الحق في أن تشعر بالأمان داخل أراضيها، وأن تحمي بنيتها التحتية وسكانها من أي استهداف مباشر أو غير مباشر. هذه قاعدة بديهية في العلاقات الدولية، لأنها تمس حياة المدنيين قبل أن تمس الحسابات السياسية. ما فعلته إيران من قصف منشآت داخل قطر، واستخدام صواريخ وطائرات، لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد رسالة سياسية. استهداف البنية التحتية أو المرافق الحيوية يمثل تصعيدًا عسكريًا يضع المنطقة أمام احتمالات حرب خطيرة، فحين تُطلق الصواريخ وتنطلق الطائرات، لا تُصيب هدفًا ماديًا فحسب، بل تُصيب معها الثقة والاستقرار والأمن الإقليمي. الأخطر من ذلك أن مثل هذه الانتهاكات تجر دول الجوار إلى دائرة حرب المواجهة المباشرة وقد تتوسع سريعًا لنطاقات لا حد لها. فالهجمات بالصواريخ أو الطائرات لا تبقى ضمن إطار ثنائي، بل تفرض على الدول المجاورة اتخاذ إجراءات مقابلة، وهكذا تتحول حادثة واحدة إلى سلسلة ردود أفعال متلاحقة، قد تدفع المنطقة بأسرها إلى حافة مواجهة دامية. المنطقة الخليجية شديدة الترابط سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا، أي تصعيد عسكري فيها يكون شرارة تحرق الأخضر واليابس. المنشآت المستهدفة ليست مجرد مبانٍ، بل مراكز طاقة واتصالات ومطارات وخدمات تمس حياة الملايين. وعندما تُستهدف، تتأثر سلاسل الإمداد، وتضطرب الأسواق، وتتراجع الثقة في استقرار الإقليم. وهذا ما يجعل أي عمل عسكري يتجاوز الخلاف السياسي ليصبح تهديدًا عالمياً مباشراً. من حق أي دولة أن تختلف مع جارتها في الرؤية أو التحالفات أو المواقف الإقليمية، لكن ليس من حقها البتة أن تنقل هذا الخلاف إلى مستوى استخدام القوة وحرب مفتوحة. فالصواريخ لا تحل النزاعات، والطائرات لا تبني جسور تفاهم. بل على العكس، هي أدوات ترفع منسوب القلق، وتزيد احتمالات سوء التقدير، وتفتح الباب أمام سيناريوهات يصعب احتواؤها. إن استمرار مثل هذه التصرفات يضع قطر ودول الجوار أمام معادلة صعبة إما القبول بواقع أمني مضطرب، أو الدخول في سباق تصعيد لا يخدم استقرار المنطقة. وفي الحالتين يكون الثمن باهظًا على الجميع. لذلك فإن التمسك بمبدأ حسن الجوار لم يعد خيارًا أخلاقيًا، بل ضرورة إستراتيجية لتجنب الانزلاق إلى حرب لا يريدها أحد. وختامًا استهداف المدن والمنشآت بالصواريخ والطائرات لا يمكن تبريره تحت أي خلاف سياسي وتحت أي ذريعة مهما كانت. بل إنه يمثل خطوة تدفع المنطقة نحو حافة مواجهة أوسع. الحفاظ على الأمن الإقليمي يبدأ باحترام سيادة الدول وحدودها، وبتغليب لغة التهدئة على منطق القوة. دون ذلك، يصبح الجوار ساحة صراع بدل أن يكون إطارًا للتعايش والاستقرار.
2451
| 04 مارس 2026
تعيش منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية، حيث تتقاطع المصالح الدولية والإقليمية في مشهد معقد يجعل أي توتر قابلاً للتحول إلى مواجهة أوسع. ومع تصاعد التوتر بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تجد دول الخليج نفسها في قلب معادلة أمنية دقيقة. فهذه المنطقة ليست مجرد مساحة جغرافية في خريطة الصراعات، بل مركز اقتصادي واستراتيجي يعتمد عليه العالم في الطاقة والتجارة والاستقرار الإقليمي. في مثل هذه الظروف، يبرز دور المؤسسات الوطنية التي تتحمل مسؤولية حماية الأمن والاستقرار. فوجود مؤسسات دفاعية قوية ومهنية يشكل أحد أهم عناصر حماية الدولة من التهديدات الخارجية، كما يعزز الثقة داخل المجتمع بأن أمن البلاد في أيدٍ قادرة على صونه. إن الجاهزية العسكرية والانضباط المهني لا يمثلان فقط قوة ردع، بل رسالة واضحة بأن أمن الدول الخليجية ليس أمراً يمكن العبث به أو استخدامه كورقة ضغط في صراعات الآخرين. غير أن الخطر الأكبر في أي تصعيد عسكري يتمثل في استهداف البنية التحتية المدنية. فالمرافق الحيوية مثل الطاقة والكهرباء والمياه والمطارات ليست أهدافاً عسكرية بالمعنى التقليدي، بل هي شرايين الحياة اليومية للمجتمعات. وعندما تتحول هذه المنشآت إلى أهداف في النزاعات، فإن النتائج لا تصيب الحكومات وحدها، بل تمس حياة الناس بشكل مباشر. فتعطّل هذه المرافق يعني اضطراب الاقتصاد، وتعطّل الخدمات، وتهديد الاستقرار الاجتماعي. لقد بنت دول الخليج خلال عقود طويلة بنية تحتية متطورة واقتصادات حديثة تعتمد على الاستقرار والانفتاح. ولم يكن هذا التقدم نتيجة الصدفة، بل جاء نتيجة سياسات تنموية واستثمارات كبيرة هدفت إلى تحسين مستوى الحياة للمواطنين وبناء مستقبل أكثر ازدهاراً. ولذلك فإن تحويل هذه الإنجازات إلى أهداف في صراعات إقليمية يمثل تهديداً حقيقياً لمصالح الشعوب التي تعتمد على هذه الموارد في حياتها اليومية. ومن المهم في هذا السياق فهم طبيعة العلاقات الإقليمية بواقعية. فالعلاقة بين إيران ودول الخليج ليست علاقة خالية من التوتر، لكنها أيضاً ليست علاقة صراع دائم لا يمكن تجاوزه. فقد شهدت هذه العلاقة عبر السنوات مراحل مختلفة من التوتر والتهدئة، وهو أمر طبيعي في العلاقات الدولية بين الدول المتجاورة. لكن تحويل الخلافات السياسية إلى صراع عسكري مفتوح قد يؤدي إلى نتائج لا يمكن السيطرة عليها. كما أن المشهد الإقليمي لا يخلو من محاولات بعض الأطراف استثمار التوترات القائمة لتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية. ومن بين هذه الأطراف الحكومة الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو، التي ترى في تصاعد المواجهة مع إيران فرصة لإعادة ترتيب التحالفات الإقليمية بما يخدم رؤيتها الأمنية والسياسية. غير أن دول الخليج تدرك أن الانجرار إلى صراعات واسعة قد يحمل مخاطر كبيرة على استقرارها الداخلي ومسارها التنموي. فهذه الدول استطاعت خلال فترة زمنية قصيرة بناء نماذج اقتصادية ناجحة ومجتمعات مستقرة نسبياً في منطقة تعاني من كثرة الأزمات. ولهذا فإن الحفاظ على هذا الاستقرار يتطلب سياسات متوازنة تقوم على الحكمة وتجنب التصعيد غير الضروري. إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في اختيار طرف ضد آخر، بل في حماية مصالح الشعوب والحفاظ على استقرار المنطقة. فدول الخليج ليست بحاجة إلى أن تتحول إلى ساحة مواجهة بين القوى الإقليمية والدولية، بل إلى أن تواصل مسارها التنموي وأن تحافظ على أمنها واستقرارها بعيداً عن حسابات الصراعات الكبرى. كلمة أخيرة: الخليج ليس ساحة حرب، بل منطقة تسعى شعوبها إلى الأمن والتنمية والاستقرار. وحماية هذا الهدف تتطلب تغليب صوت العقل والحكمة على منطق التصعيد والمواجهة. فحين تكون مصلحة الشعوب هي البوصلة، يصبح الطريق واضحاً نحو مستقبل أكثر أمناً وازدهاراً للمنطقة بأسرها. ib_1983@hotmail.com
1443
| 09 مارس 2026
سوبر مان، بات مان، سبايدر مان، وكل ما أضيف إلى "مان" من أفلام الخيال العلمي التي أنتجتها هوليود، كلها من مخرجات الحداثة، التي تغالي في قيمة الفرد، وتسرّب إلى الجماهير مفهوم الفرد المخلّص الذي ينقذ المجموع بعيدا عن الحل الجماعي. الركون إلى فكرة انتظار الفرد المخلص وأن شخصًا ما أو عدة أشخاص بيدهم الحل لكل أزماتهم ومشكلاتهم، هي آفة يكاد لا يخلو منها مجتمع من المجتمعات، وكلما تفاقمت أزمات مجتمع منها كلما ازداد تعلقا بفكرة الفرد المخلص، سواء كان هذا الانتظار والترقب ناتجا عن انتظار تقلبات المناخ السياسي التي يمكن أن تسفر عن ظهور شخصية تقود المجتمع إلى بر الأمان، أو كان هذا الانتظار والترقب متعلقًا بالنبوءات الدينية. لكن أين عمل المجموع؟ أين الحلول الجماعية؟ هنا يكون الخرق والتصدع الفكري. نعم لا نستطيع أن ننكر المسؤولية الفردية، ولا قيمة الجهد الفردي، فرب فكرة فردية عاشت الأمم والبشرية في ظل ثمارها، والمخترعات والاكتشافات تمت معظمها عن طريق أفراد، لكن هذه الجهود الفردية لم تكن لتؤتي ثمارها لو لم تجد حاضنة اجتماعية أو علميةوجهودا جماعية تقوم بها وتعمل عليها. حتى أنبياء الله ورسله، لم يأت أحدهم ليمسح على رؤوس الناس فيتغير وجه الحياة، بل بذلوا جهودهم من أجل إيجاد الثلة المؤمنة التي تقوم بأعباء تبليغ الرسالة بعمل جماعي يرتكز على منهج رصين. وفي سورة الكهف، نقرأ في خواتيمها قصة ذي القرنين، ذلك الملك الصالح الذي جاب مشارق الأرض ومغاربها، هذه القصة التي حكاها القرآن الكريم تحمل توجيهات إدارية قوية في معالجة الأزمات، أبرزها التوازن بين الحل الفردي والحل الجماعي، وعدم الركون إلى فكرة الشخص المخلص. يأتي ذو القرنين قومًا تمثلت أزمتهم في الهجمات والغارات الهمجية لقوم يأجوج ومأجوج، الذين يتدفقون من بين الجبلين فيعيثون في الأرض فسادًا. عندما عاينوا قوة وبأس ذلك الملك رأوا فيه الشخص المخلّص الذي يمكن أن يرفع عنهم ما هم فيه من معاناة، ومن أجل ذلك طلبوا منه حمايتهم على أن يجعلوا له جُعلًا من المال. الشاهد من القصة، أن ذا القرنين ترفّع عن أخذ المقابل، لكنه أشركهم معه في العمل، وجعلهم جزءًا من الحل لا الاكتفاء بوضعية المتفرج، فحدّد لهم خطة عملية يعملون عليها بأيديهم تحت مراقبته وإدارته ورعايته. أمرهم بجمع قطع الحديد ووضعها بعضها فوق بعض بين السدين، إلى أن يحاذي الحديد رؤوس الجبلين طولا وعرضا، ثم أمرهم بأن يضرموا فيه النار، حتى إذا اشتعل كله أمرهم بصب النحاس المذاب عليه حتى يزداد صلابة، فلا يستطيع المعتدون المرور من بين السدين أو تسلق هذا المرتفع الشاهق. كانت الفكرة فردية من قِبل ذي القرنين، لكن التنفيذ كان بأيديهم، ليخرج العمل في النهاية جماعيًا بامتياز، لا يقوم به فرد وحده مهما بلغت قوته، وتلك هي كلمة السر في عمليات النهوض أو مواجهة الأزمات. لقد استوقفنتني حكاية جاءت بها كتب الطبقات والتراجم عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال لأصحابه يومًا: تمنوا، فقال رجل: أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة ذهبًا أنفقه في سبيل الله -عز وجل- فقال: تمنوا، فقال رجل: أتمنى لو أنها مملوءة لؤلؤًا وزبرجدًا وجوهرًا أنفقه في سبيل الله -عز وجل- وأتصدق به، ثم قال: تمنوا، قالوا: ما ندري ما نقول يا أمير المؤمنين؟ قال عمر: لكني أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة رجالا مثل أبي عبيدة بن الجراح. لقد أدرك عمر قيمة الرجال والعمل الجماعي، فلم يتمن شخصًا مثل أبي عبيدة، ولكنه تمنى أشخاصًا وجمعًا مثل أبي عبيدة، فهكذا الأوطان تنبى بجهود جماعية، حتى وإن قادها الفرد وأرشدها وأنار لها الطريق. ومع كل حدث ساخن في المنطقة يعمد فئام من أمتنا إلى إسقاط نبوءات الساعة الواردة في النصوص النبوية وتنزيلها على الواقع بلا روية، وخاصة المتعلقة بظهور المهدي المنتظر، يستبشرون وهم قعود لا يبذلون ولا يعملون، كل بضاعتهم انتظار المخلص، لكنهم لا يعلمون أن المهدي لن يقود أمة من الكسالى الضائعين، بل يأتي ليحكم أمة عرفت الطريق، تحتاج فقط إلى من يكون رأسًا فيها.
1182
| 08 مارس 2026