رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هذه ليست بفتوى أفتاها عدد من كبار العلماء ولا هيئة علماء المسلمين ولا بقرار اتخذته رابطة العالم الإسلامي ولا منظمة المؤتمر الإسلامي أو غيرها من المؤسسات والاتحادات الإسلامية العالمية ولا هو بقرار سياسي اتخذته مجموعة أو منظومة أو إحدى دول العالم العربي والإسلامي رغم رغبتي الشخصية في تحقيق ذلك كله في أسرع وقت ممكن وإنما هو طرح لفكرة هامّة وموضوع ضروري يجب أن يُطرح بجديّة وأن تتم مناقشته بشكل سريع وفعّال.
فكرة "مقاطعة إيران" مقاطعة اقتصادية جماعيّة من جميع دول الخليج العربية تحديداً ومن جميع دول العالم الإسلامي بشكل عام هي فكرة لا تخرج عن فكرة الحصار الاقتصادي الذي فرضته الدول الكبرى على إيران نتيجة مضيِّها بسريّة تامة في برنامجها النووي المقلق للعالم بأسره والذي – أي الحصار – يأتي ويروح حسب حاجة الدول الكبرى منه للضغط على إيران كورقة ضغط عليها كي تقدّم تنازلات أو تغييرات ترضى بها الدول الكبرى ويطمئن لها المجتمع الدولي، وهو في الغالب كذلك – أي الحصار – ما يكون ناقصاً غير مكتمل وغير جماعي من كل الدول الكبرى حيث في الغالب ما تعترض عليه روسيا والصين في مقابل الولايات المتحدة الأمريكية التي تقود الجبهة الغربية في هذه المسألة فتستمر في حصارها الاقتصادي رغم اعتراض تلك الدول الكبرى المؤيدة والحليفة لإيران في كثير من المواقف السياسية كقضية سوريا الآن، ولقد أجدى فعلاً هذا الحصار الاقتصادي – من وجهة نظر الأمريكان – حيث قام بإرضاخ إيران لمجموعة من التنازلات في مسألة البرنامج النووي بينما ترى إيران عكس ذلك فهي تجده غير مجدٍ وغير مؤثرٍ فيها لأنها تزداد معه اعتماداً على نفسها اقتصادياً ويساهم في تطور الصناعات الإيرانية في كل المجالات بدءاً بالصناعات الثقيلة وانتهاءً بالخفيفة خاصة مع وجود حلفاء يُعتمد عليهم كروسيا والصين اللتين تساندان وتدعمان إيران في شتى مجالات التعاون الاقتصادي، لذا فهذا الحصار الاقتصادي السابق أو الحالي "المقترح" من الدول الغربية لوقف البرنامج النووي إنما هو بمثابة "حقنة التطعيم" لإيران والتي تزيدها مناعة في مواجهة ما تشاء ومن تريد.
أعود لفكرة مقاطعة إيران والتي يجب أن تُطرح بجديّة سواء من قِبَل الدول الخليجية أو من دول العالم الإسلامي أو حتى على المستوى الشعبي من خلال فتاوى جريئة لمجموعة أو أحد كبار العلماء في العالم الإسلامي لا من أجل البرنامج النووي وإنما من أجل "إخواننا في سوريا" أفلا يستحقون منا هذه النصرة لقضيتهم وهذا التأييد لمأساتهم التي عانوا منها لأكثر من عام كامل وهم يُقتّلون ويُذبّحون بكل وحشية من قبل النظام السوري المجرم والذي أيدته ونصرته إيران بكل ما أوتيت من قوة ودعمته بكل ما تملكه من أسلحة وأموال وجنود لا يمكن أن تنكره إيران ولا أن تتبرأ منه فالشواهد كثيرة والأدلة عديدة يستطيع كل مشاهد أن يراها في غضون دقائق بسيطة يقضيها أمام مواقع الإنترنت أو أمام القنوات الفضائية.
عندما قررت الدول العربية مجتمعة سحب سفرائها في سوريا والبدء في مقاطعة النظام السوري اقتصادياً في بداية الثورة السورية المباركة والتي كانت كورقة ضغط اتخذتها بعض – وليس بإجماع - الدول العربية ضد النظام السوري لمنعه من الاستمرار في قمع شعبه وقتلهم بوحشية لم يشهد لها التاريخ البشري مثيلاً، هذه المقاطعة التي لم تكن جديّة لدى البعض ولا بذات فائدة لدى البعض الآخر من المُحَبّطين أو البائسين اليائسين من الدول العربية الهزيلة في مواقفها السياسية تجاه قضية سوريا.
وقد يقول قائل "كيف نقاطع دولة إسلامية" أو عضو في منظمة المؤتمر الإسلامي أو غيرها من المبررات الواهية فنقول له بكل عقلانية: أليست سوريا دولة إسلامية كذلك وطالبت الدول العربية بمقاطعتها اقتصادياً؟ إذن فالمقاطعة ليست بإعلان "حالة الحرب" على هذه الدولة أو تلك، وإنما هو موقف سياسي يتخذ من الموقف الاقتصادي "وسيلة" للوصول إلى غاية أعظم وأكبر، وإلّا فمصر وتونس وليبيا واليمن جميعها دولٌ إسلامية ولكن أنظمتها هي التي كانت تمارس الإجرام تجاه شعوبها الأمر الذي جعلها بعيدة عن الإسلام في تلك الأفعال التي يتبرأ منها ديننا الإسلامي العظيم ويتبناها الطغاة في كل وقت وحين سواءً كانوا في دولة إسلامية أو غير إسلامية.
أعود لأكرر وأقول، ألسنا بحاجة قصوى للضغط على إيران الداعمة للنظام السوري المجرم كورقة ضغط عليها لمشاركتها في قتل وذبح الشعب السوري قبل أن يكون بسبب احتلالها جزراً أو أراض خليجية، فقتل امرئ مسلم أعظم عند الله من "هدم الكعبة"، إذن فمطالبتنا بذلك ليست نصرة لقضية أراض محتلة – رغم أهميتها – وإنما نصرة لإخوة لنا مسلمين في سوريا.
ثم إن مسألة مقاطعة إيران اقتصادياً قد تفتح لنا ملفاً آخر وهو ضرورة دعم الدول المشابهة لنا في مواقفها العادلة كموقف تركيا الرائع في كل الثورات العربية السابقة وفي سوريا تحديداً حيث أظهرت تركيا البلد الإسلامي العظيم موقفاً رائعاً إلى جانب بعض الدول العربية في نصرة إخوانهم من الشعب السوري المسلم، أفلا تستحق تركيا بعد تلك المواقف البطولية النبيلة أن ندعمها اقتصادياً أكثر من ذي قبل وأن نغرق أسواقنا بالمنتجات والصناعات التركية كخطوة "شكر وامتنان" كي تصب أموالنا في مصلحة اقتصاد دولة مسلمة عظيمة كتركيا التي نحبها جميعاً.
إن "دماء وأرواح" إخواننا في سوريا "لا تهون" علينا لهذه الدرجة وليست برخيصة كذلك كي نتهاون في شأنها وإنما "غالية" عندنا و "أغلى" من بضاعة أو تجارة مع نظام مؤيّد للنظام السوري المجرم والطاغية "قاتل الأطفال" بشّار الجزّار، ولو كان في مقابل ذلك إغلاق نصف أو كل محلات "سوق واقف" عندنا أو لأسواق خليجية أخرى مثلاً، فأرواح إخواننا أغلى بكثير ولنتخذ من تلك المقاطعة "وسيلة" للضغط في قضايا أخرى تهمّنا كقضية "عرب الأحواز" أو "الجزر الإماراتية" وغيرها، و"ربّ ضارة نافعة" فنجتهد كثيراً في تطوير صناعاتنا ومنتجاتنا الخليجية ففي التحدي يكون الإنجاز لا في الاعتماد على الآخرين.. إذن دعونا جميعاً " نقاطع إيران " نصرة لدماء وأرواح إخواننا في سوريا قبل كل شيء آخر.. فهل من مؤيّد؟
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4614
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3312
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1278
| 28 سبتمبر 2026