رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
شهدت الساحة الإعلامية في منطقة الخليج في اليومين الأخيرين نقاشا وجدالا كبيرين حول التعامل غير المهني وغير المسؤول وغير الموضوعي من قبل فضائيات عربية كشفت من دون ما تدري عن انعدام المهنية والحرفية لممارستها لمهنة نبيلة اسمها الصحافة. والغريب في الأمر ورغم تكذيب الخبر بطريقة رسمية من قبل مسؤولين قطريين إلا أن الفضائيات تجاهلت الموضوع نهائيا واستمرت في التعامل مع تصريح سمو أمير قطر وكأنه تصريح صحيح وسليم وأنه ليس من فبركة القراصنة الذين اخترقوا موقع وكالة الأنباء القطرية. وعندما تكون النية غير سليمة والهدف هو النيل من دولة أخرى فالموضوع لا يختلف حوله اثنان. في أبجديات أخلاقيات الصحافة، على الصحفي أن يتبين ويتأكد من الخبر قبل أن ينشره ومن أبجديات الصحافة كذلك ضرورة التريث والتعقل والاحتكام إلى المنطق قبل كتابة أي شيء خاصة إذا تعلق الأمر بأمير دولة وبسمعة وشرف وسيادة دولة بكاملها. لو تريث الصحفيون في قنوات الفتنة والعار قليلا وتساءلوا أيعقل أن يشرف سمو أمير دولة على حفل تخرج الدفعة الثامنة من خريجي الخدمة الوطنية في الفترة الصباحية ولا تنشر وكالة الأنباء الرسمية التصريح إلا في صبيحة اليوم الموالي؟! أين المنطق هنا وأين العقل؟ الأمر الثاني يتعلق بتفنيد الخبر جملة وتفصيلا من قبل الجهات الرسمية في دولة قطر، وهنا تشير أخلاقيات المهنة إلى أن القناة الفضائية التي نشرت الخبر يجب أن تعتذر لمشاهديها وجمهورها وتعلن أن الخبر مفبرك وصادر عن قراصنة اخترقوا موقع وكالة الأنباء القطرية، والغريب في الأمر أن عددا من الفضائيات العربية تعامل مع الخبر وكأنه خبر صحيح وصادر عن وكالة الأنباء القطرية واستمر في التعامل معه بل عالج الخبر في برامج حوارية باستضافة رؤساء تحرير وسياسيين وإعلاميين للتفنن في توجيه الانتقادات المختلفة لدولة قطر. فالأمر بكل بساطة هو استغلال الخبر المفبرك لـ "تأطيره" و"بروزته" ووضعه في قالب يخدم سياسة وأيديولوجية وأهداف القناة والذين يشرفون عليها سواء كأشخاص أو دول. ما شهدناه يشبه تماما ما تقوم به قناة "فوكس نيوز" وأمثالها عندما تقوم بتغطية الأعمال الإرهابية وتنسبها للعرب والمسلمين بطريقة آلية وأوتوماتيكية وفور حدوث العمل الإرهابي وحتى عندما يتبين لاحقا أن العرب والمسلمين لا علاقة لهم بالموضوع نلاحظ تجاهل هذه الفضائيات للموضوع ولا تقوم بالاعتذار وتصحيح التحيز والتضليل الذي تمارسه.
ما قامت به بعض الفضائيات العربية في تعاملها مع الخبر المفبرك لسمو أمير قطر هو عملية "تأطير" framing الخبر بهدف النيل من دولة القطر وكأن هذه الفضائيات كانت تنتظر هذه المناسبة لتفريغ جعبة الحقد والكراهية وإثارة الفتنة ضاربة عرض الحائط بالمبادئ الأساسية لأخلاقيات العمل الصحفي النزيه والمسؤول. تقوم نظرية تحديد الأجندة أساسا على عملية "التأطير" framing حيث إن التركيز على قضايا وإهمال قضايا أخرى يعني وضع هذه الأحداث وهذه القضايا في سياق معين وخلفية محددة وفق أطر يراها صانع الرسالة الإعلامية - الصحفي - والمؤسسة الإعلامية والبيئة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، ملائمة لفهم الحدث والقضية. فالتأطير هو انتقاء وتسليط الضوء على جوانب معينة من الأحداث والقضايا وإبراز الترابط بينها بهدف خلق وتطوير تفسير وتقييم وتقديم حل للقضايا المطروحة، فالأخبار ليست بريئة وليست سلعة مجردة وإنما هي منتج فكري ومعنوي تُقدم للجمهور من الزاوية التي يراها الصحفي صحيحة وملائمة وتفي بالغرض. وعلى حد قول الصحفي الأمريكي دون شابمان "الأخبار هي ما أقرر أنا أنها أخبار". فبالنسبة لغوفمان عملية التأطير هي عملية بناء محدد للتوقعات التي تراها المؤسسة الإعلامية ضرورية ليدرك الجمهور الحدث، فهي عملية مقصودة وجزء من عملية صناعة الخبر يقوم بها القائم بالاتصال من أجل تقديم الحدث وفق إدراكات وأحاسيس الناس وفهمهم لما يحيط بها محليا ودوليا. وعلى هذا الأساس تجاهلت بعض الفضائيات العربية تكذيب تصريح سمو أمير قطر وتفنيده من قبل مسؤولين قطريين كبار والذين أشاروا إلى عملية قرصنة وكالة الأنباء القطرية من قبل مجهولين فبركوا تصريح سمو الأمير. بعض الفضائيات استمرت في استغلال التصريح متجاهلة تماما تكذيب الخبر مما يعني أن هذه الفضائيات استغلت الخبر رغم أنه كاذب لتحقيق أجندتها والتي تتعارض جملة وتفصيلا مع أخلاقيات العمل الإعلامي.
تمر عملية التأطير بعدة مراحل لتقديم المنتج الإعلامي النهائي للجمهور. فالخطوة الأولى تتمثل في حكم الصحفي وتقييمه للحدث حيث إنه يصدر أحكاما واعية أو غير واعية، إرادية أو غير إرادية انطلاقا من البناءات الإدراكية والمعرفية وإطاره المرجعي ومعتقداته وقناعاته التي تراكمت لديه من خلال عقود من الزمن من الممارسة الإعلامية ومن خلال تفاعله مع البيئة التي يعيش فيها. أما المرحلة الثانية فتتمثل في وضع الحدث وفق الأطر المهنية والقيم الخبرية والخط الافتتاحي للمؤسسة الإعلامية ونظمها الظاهرة والخفية. أما المرحلة الثالثة فهي قراءة في الأطر الخاصة بالجمهور حيث يأخذها القائم بالاتصال بعين الاعتبار في تأطير الحدث. أما المرحلة الأخيرة فهي حوصلة تشابك وتداخل السياسات والممارسات المهنية وخلفية القائم بالاتصال ونوعية الحدث وخلفياته الثقافية والسياسية والأيديولوجية وموقعه في اهتمامات الجمهور. فحسب إنتان تتكون عملية التأطير من القائم بالاتصال والنص والمتلقي والثقافة. هذا ما تجسد في تعامل بعض الفضائيات العربية مع خبر مفبرك صنعه قراصنة ونسبوه لوكالة الأنباء القطرية. وبكل بساطة ووضوح ظهرت النوايا الخبيثة وغير الصحية لأناس ادعوا أنهم إعلاميون وصحفيون ينقلون الحقائق والمعلومات للرأي العام حتى يعي ماذا يحدث من حوله وفي العالم، لكن الأمر مع الأسف الشديد غير ذلك تماما، فهؤلاء الصحفيون وهاته الفضائيات تفبرك الواقع ولا تقدمه كما هو للرأي العام. المؤسسات الإعلامية في عصرنا الحالي أصبحت مؤسسات تصنع الوعي الاجتماعي وفق آليات وطرق منهجية ومنظمة لخدمة النظام والقوى التي تحدد معالم هذا النظام وتسيره.
فصانع الرسالة الإعلامية عادة ما يقوم بـ"تأطير" المنتج الإعلامي - وضع الخبر في إطار - وهذا يعني أن ما هو خبر لمؤسسة إعلامية معينة قد لا يعتبر خبرا لوسيلة أخرى. فالتأطير هو تلك العملية التي من خلالها يتم توظيف النص الصحفي للربط بين مختلف المعاني في عقل القارئ اعتمادا على العناصر المختلفة لهذا النص وذلك باستثارة معانٍ ودلالات وأنساق وأبنية معينة ومخزنة في ذاكرته تشكل إدراكه واستجاباته للمحتوى الإعلامي. فالتأطير هو الطريقة التي يُقدم بها النص الإعلامي من طرف الصحفيين من خلفيات ثقافية وأيديولوجية وثقافية واجتماعية ويحدد طريقة فهم وإدراك المتلقي للنص الإعلامي انطلاقا مما يخزنه من مفاهيم ومعانٍ حول هذا الموضوع أو ذاك. الإعلامي يقدم النص بطريقة "مبروزة" انطلاقا من خلفياته الثقافية والسياسية والدينية والقيمية وبطريقة تجعل المتلقي يتقبلها كما يريد المرسل وليس حسب مرجعيات المتلقي؛ فالذي يحدد طريقة الفهم لدى المتلقي هو المرسل من خلال التأطير الذي يحدده ويختاره للنص الإعلامي. فالتأطير هو التركيز على عناصر معينة من الخبر وإهمال عناصر أخرى. فعملية التأطير هي وضع الحدث في إطار محدد يتماشى مع قناعات الصحفي وفق سياسة المؤسسة الإعلامية والتجارية والاقتصادية وعوامل أخرى اجتماعية سياسية ثقافية أيديولوجية دينية...إلخ، وكذلك الأخذ بعين الاعتبار ما يروق ويتوافق مع الذاكرة الجماعية والثقافة السائدة في المجتمع. فالإطار هنا لا يسمح بالخروج عن المتفق عليه في المجتمع. فهناك على سبيل المثال قضايا وحوادث تقصى وتلغى من أجندة المؤسسة الإعلامية لأنها لا تتناغم ولا تتناسق مع الإطار العام للمؤسسة. مع الأسف الشديد بعض الفضائيات العربية انحازت للتضليل والتشويه والتلاعب وتجاهلت تكذيبا رسميا للتصريح بهدف إثارة الفتنة والمساس بسمعة وكرامة دولة.
مغازل الغيب !
يقف السائر في دروب الحياة مأخوذاً ببريق الغايات، يسابق خطاه نحو أمنية رسمها في خياله، فإذا بالمسير ينتهي... اقرأ المزيد
129
| 19 مايو 2026
الحكومة الذكية.. تميز وابتكار وكفاءة وفاعلية
انطلاقا من الأولوية التي تضعها الدولة لبناء منظومة حكومية رقمية متميزة قادرة على تقديم أفضل الخدمات بكفاءة وفاعلية،... اقرأ المزيد
87
| 19 مايو 2026
المواطنة.. من مفهوم قانوني إلى وعي حضاري
في عالم تتسارع فيه التحولات الفكرية والاجتماعية والثقافية، لم تعد المواطنة مفهومًا يُختزل في حمل جنسية أو معرفة... اقرأ المزيد
201
| 18 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
5982
| 13 مايو 2026
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
5772
| 12 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1770
| 13 مايو 2026