رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إعلان فوز محمد مرسي بمنصب رئيس الجمهورية كان الحلقة الأخيرة في مسلسل أداء الإخوان المعادي للثورة والمناقض لمنطق الثورة في تتابع المهام حال إسقاط رأس النظام والذي بدأ مع لجنة البشري، وانتهى باحتفالية الإخوان أنهم فازوا بمنصب الرئيس. وليس من الإنصاف وصف انتخاب مرسي أنه خطوة على طريق الثورة، ويمكن أن يكون سقوط أحمد شفيق هو رفض للنظام السابق، ولكن لا أستطيع تسكين مرسي ضمن حركة الثورة، وإلا وجب وضع استفتاء مارس وقانون انتخابات مجلس الشعب وأداء الإخوان طوال الفترة الماضية وخلال كافة المواجهات التي سقط فيها الشباب قتلا وسحلا وصمتهم على ذلك كله وأداؤهم في شأن الدستور والجمعية التأسيسية لوضعه، وأخيرا موقفهم من قرار المحكمة الدستورية بشأن عدم دستورية قانون انتخابات مجلس الشعب، وجب أن نضع كل ذلك لصالح الثورة!
مراجعة أعداد الأصوات بين المرحلتين الأولى والثانية، يجلب أمامنا حقيقة أن قرابة السبعة ملايين صوت أضيفت إلى كلا المرشحين، وهذه الملايين السبعة على كلا الجانبين كانت ترفض إعادة النظام من ناحية وترفض الإخوان من ناحية أخرى، وهي أصوات ليست لأي من المرشحين بقدر كونها أصواتا لا تملك سوى الرفض لما يعبر عنه أي منهما.
يجوز للإخوان أن تقيم الأفراح لفوز مرسي، ولكن هل هذا معناه أن أداء الإخوان خلال السبعة عشر شهرا الماضية نال الرضا، وانتقل من خندق مضاد للثورة وغلَّب مصلحة الجماعة على أهداف الثورة ومهامها الواجبة، ووضع الجميع في متاهة الانفلات القانوني والدستوري، لتستعذب الجماعة في نهاية الفترة الماضية أن تطرح نفسها تعبيرا عن الثورة!؟ وهو أمر لا وجود له في يوميات الفترة الماضية.
والأكثر افتقارا للمنطق موقف الجماعة ومريديها، ومن اصطفوا إلى جانبها، من حكم المحكمة الدستورية بشأن حل مجلس الشعب، ومرد الرفض، أكثر تشوها وتناقضا في التعامل مع العقول، فقال قائل منهم "كيف تحكم المحكمة الدستورية في شأن مجلس الشعب، وهناك قانون بشأن المحكمة الدستورية داخل اللجنة التشريعية بالمجلس؟" وهو أمر يثير الريبة عن ماهية القصد من وراء مشروع القانون ذلك، وهل عرض قانون إخواني بشأن المحكمة الدستورية يعني إيقاف عملها؟ ويخرج متحدث آخر يتباكى على تكلفة عملية الانتخابات وتكلفة المرشحين في أعمال الدعاية، وكأن الأموال المنصرفة تجيز إهدار حكم عدم دستورية قانون الانتخابات! ويصل الرأي لدى بعض آخر بالتعامل مع القانون بنظام التجزئة، ويقولون إن الحكم ينصرف على ثلث الأعضاء وليس كلهم!؟ ما هو المنطق الذي يضع هذه الآراء والمواقف في إطار الثورة؟، وتجب لها الحشود الجماهيرية بالتحرير، بل ويجتمع عليها بعض ممن يحسبون على الثورة وعيا، منادين وجوب التعلم من الخروج من التحرير يوم 11 فبراير، وهو ما يعني عدم الخروج من التحرير إلا بإلغاء الحكم!!، قولة حق ولكنها ليست للثورة أو لدعم إرادة التغيير الشعبية، ولكنها انسياق وراء رغبة الجماعة في امتلاك اليد العليا لما تقرر وما ترفض.
آفة ما نعانيه في مصر الآن هو النسيان، وفقدان الذاكرة القريبة، وتغيير المواقف على الأهواء، فلأن شعار "لا لحكم العسكر" يجد رنينه عند الكثيرين، يسقطون من الحساب تحليل القوى التي وقفت في مواجهة الثورة، ولا تنتمي لها أداء ومنهجا وسياسات وموقفا من أمريكا وإسرائيل أو حتى وعيا بالهوية المصرية، فهل صكوك الغفران لأعداء الثورة انتقائية أيضا؟
هل يملك أحد إجابة تحدد من حصل على كرسي الرئاسة؟ مرسي أم جماعة الإخوان؟
هل يقبل أحد بأن مرسي خرج من عباءة الجماعة؟
هل يستطيع أحد أن يجري توصيفا للخطاب السياسي لمرسي؟ أعتقد أن ذخيرة الرجل السياسية واللغوية أيضا، تعجز عن التعبير عن الثورة المصرية وحاجاتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية؟
هل يملك أحد القدرة على الفصل بين الجماعة وحزب الحرية والعدالة؟ وهل هذا أمر متسق مع قانون الأحزاب؟ هل يملك المستشار الجليل رئيس لجنة الأحزاب تفسيرا لهذا؟
هل يملك أحد مبررا قانونيا لاستمرار وجود الجماعة خارج القانون؟
هل يستطيع أحد أن يكشف أغوار خطة الجماعة تجاه الصحافة المصرية؟ والإعلام المملوك حتى اللحظة للدولة؟
هل يملك أحد تصورا لخطة الجماعة تجاه الأزهر؟
هل يستطيع أحد أن يفسر العلاقة بين أمريكا وإسرائيل، عبر ممثليهم بالقاهرة، دبلوماسيين أو تجاريين، أو في واشنطن، وبين الجماعة؟
هل يملك أحد تفسيرا للحدود الحاكمة لعلاقات الجماعة الخارجية، وبالتالي علاقات مرسي؟
هل يملك أحد معنى اللقاء الاستراتيجي بين الجماعة وحركة حماس، وبالتالي علاقة مرسي بذلك؟
وهل هناك من يملك تفسيرا لموقف الجماعة من الجمعية التأسيسية للدستور وضربها عرض الحائط بكل محاولات التوفيق والتلفيق لتمرير تشكيل متوازن للجمعية؟ أليست هذه واحدة من القنابل الموقوتة التي وضعها البشري؟ ثم هل تملك الجماعة مشروعا كاملا للدستور وتريد تمريره؟
ثم هل هناك من يملك تفسيرا لأحاديث الخلافة والقدس والعنف والدم ومرشح الله، التي دارت خلال فترة انتخابات الرئاسة، كما دارت أحاديث التكفير في استفتاء مارس 2011؟
منذ البشري وحتى مرسي، تتبع الجماعة سياسة نعم ولكن؟ في حوارها مع عمر سليمان وخروجها من الميدان وسياسة الفرقة بين الشباب حتى تلك اللقاءات الأخيرة مع عناصر صار لأسمائها لمعان وبريق بسبب الثورة، وجل عطائها أنها أسماء.
وفي التعامل مع الرأي العام تتبع سياسة "المعزة العياطة لا يأكلها الذئب"، وهذا النوع من الماعز العياط يثير انتباه الراعي، فيهب إليه خشية أن يأكله الذئب، والأمر لا يعدو جذب الانتباه وتوفير الرعاية لحين تحقيق الغاية.
القول بأن اللقاء واجب الآن مع الجماعة هو إهدار لدروس المرحلة الماضية والوعي بالمواقف السلبية والمعادية خلالها، من حق الجماعة أن تقرر أمرها وفق ما ترى، ولكن ليس من حقها احتساب أدائها على الثورة، وليس هناك من يملك صكوك الغفران ولا من يملك الحديث باسم الثورة، فالثورة عمل، وليست مجرد رحلة أقوال لا تتعدى أفواه قائليها، بينما أفعالهم مناوئة للثورة.
إن المواقف التي انطلقت خلال الأيام الماضية في مواجهة الجماعة تبدو كغثاء السيل، فهي في منتهاها لا تعدو آحاد الأفراد، ولا تعبر عن عمق مجتمعي. حتى إن البعض منهم يبحث عن السيد الذي يناديه كي ينقذه، وصارت تلك الجماعات عبئا على الثورة وليست قوة مضافة إليها.
إن فوز مرسي لا يعني محطة وصول للثورة تنطلق بعدها إلى مهام جديدة، ولكنه مجرد خطوة على طريق خريطة الأداء التي قررها البشري ولجنته وجماعة الإخوان، وربما لا يطول زمن رئاسته لعام واحد إن لم يتضمن الدستور القادم حكما انتقاليا يستكمل بمقتضاه مدة الرئاسة كاملة.
إن الحديث عن انقلاب ناعم قام به المجلس الأعلى أتمه بأحكام الدستورية والإعلان التكميلي وقرار الضبطية القضائية وتشكيل مجلس الدفاع، ممكن، ولكم أن ترفضوا ما تشاءون أو تقبلون، ولكن ألم يكن استفتاء مارس انقلابا على الثورة؟ ألم يكن قانون انتخابات مجلس الشعب انقلابا آخر؟ ألم تكن كل محاولات تغيير الهوية المصرية انقلابا ثالثا؟ أليس تشكيل الجمعية الدستورية انقلابا مستمرا حتى الآن؟
هذه الانقلابات في مجموعها تصدر من خندق ضد الثورة، ولكن الانقلاب العسكري الناعم الأخير يكاد يكون محاولة لإعادة تصحيح المسار جاءت متأخرة سبعة عشر شهرا.
لا يرغب عاقل أن يهدر الوقت كما أهدرتموه، ولا أن يثير الفوضى القانونية والدستورية كما تفعلون، ويجب على أي عاقل يعي أهداف الثورة أن يعيد تقييم الأداء لكافة الأطراف.
وسوف تظل عالقة بثوب الهتافات نقطة سوداء لم يتحدث في شأنها أحد بشجاعة، ماذا تعنون بهتاف "يسقط حكم العسكر"؟ ويجري الحديث أن حكم العسكر كان منذ عام 1952، ولكم هذا، ولكن ماذا تملكون أنتم لوطنكم حتى اللحظة غير هتاف بلا رؤية ولا مضمون وبدون قيادة ودفعتم بشباب الثورة إلى الاستشهاد والإصابة والأمراض النفسية، وهربوا من ادعاءاتكم إلى السكون، يقاومون الإحباط، لأنهم لم يجدوا مثلا أعلى بينكم، ووجدوا بديل ذلك تكالبا على منافع خاصة لا حد لها، ووجدوكم تضعون أيديكم في أيدي من قتلوا رفاقهم، ووجدوكم تجعلون من الشهداء مجرد مصدر للتعويضات ونسيتم قضيتهم التي استشهدوا من أجلها.
إن للثورة شهداءها، نعم، وقد انتصروا وهم عند خالقهم في كسر حاجز الخوف، وكشفوا الجميع ومدى قدرتهم ولا أستثني أحدا، وتلبست أرواحهم وعي الشعب، وصار وهو الصامت والمنشغل بلقمة العيش، مصدر القرار، وسيبقى، فهل تستوعبون موقف الشعب أم أن الانشغال بأوهام غير مطروحة على الثورة هو سبيل الهروب من مسؤولياتكم.
لعلي لا أملك غير أن أقول الكلمة، كتابة أو حوارا مع الشباب، ولا تقبل النفس جلوسا مع غيرهم، ولكني لن أقبل أن أترك انحرافا بالمسار أو استبدالا للخصومة دون أن أكشفه، قبلتم أو رفضتم.
أمران يجب اليقظة تجاههما، الشباب والجمعية التأسيسية.
إن استمرار الثورة لن يتحقق بغير استرداد الشباب للمبادأة، نعم .. الطريق طويل، ولكن ما استطاعوا إنجازه في 18 يوما، يمكنهم بتلك القدرات، وما ترتب على إنجازهم من نتائج، أن يعيدوا الإمساك بالثورة وأهدافها، وليس لهم من نبع للقوة غير الالتحام بقوى المجتمع المهملة من الجميع، وهم يرون في الشباب أمل الغد، واستجابوا لهم يومي 25 و28 يناير 2012 لأنهم أدركوا صدقهم، عودة الشباب إلى الشعب، هي طريق انتصار الثورة، العودة إلى الشعب ستفتح باب الوعي بمعنى الوحدة، والوعي بمعنى الدستور، فالشعب قد تجاوز الجميع، والشباب ليس أمامه غير الوفاء للشعب بوجودهم منظمين وساعين إلى تحقيق أهدافه.
وتبقى الجمعية التأسيسية للدستور هي قضية الثورة في اللحظة الراهنة، ولا تقبلوا بالانقلاب الذي حاول الاستيلاء عليها من أي تيار كان، فالجمعية التأسيسية ليست تكوينا يعبر عن التكوينات السياسية وحسب، ولكن الجمعية تعبر عن كافة المكونات الاجتماعية للمجتمع، وليست جمعية لتقرير الأمور بأغلبية عددية، ولكنها جمعية لإتمام التوافق حول دستور الثورة.
إن الدستور إرادة الشعب، والعلاقة بين الدستور والشعب ليست مجرد الاستفتاء، ولكن العلاقة جدلية فهو تعبير عن الإرادة الشعبية، وهو وعي الإرادة الشعبية بما يتضمنه، حتى يمكن استفتاء الشعب عليه.
إن المحاولات الجارية لترويض الثورة ...ع أنيابها، لن تجدي، لأن الثورة موجودة فيمن لا تصل إليه أيديكم ولا عصاكم، إنهم دائما في حالة يقظة، لأن حاجاتهم لم تتحقق بعد، ومن يتعلم أسلوبا ينجز به حاجاته، لا ينساه ولا يتنكر له.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8730
| 27 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
2832
| 30 أكتوبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
2631
| 30 أكتوبر 2026