رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مرة أخرى بل مرات لابد لنا أن نعيد التذكرة والذكرى إلى المعارضة السورية الشريفة عسى أن يكون في الإعادة إفادة ولا ريب أن الذكرى تنفع المؤمنين، ومن البداية يجب أن نتفهم أنه كما للمعارضة الميدانية المساندة للثورة أهميتها المتميزة في الداخل، فإن للمعارضة في الخارج دوراً كبيراً سيما أنها كثيرة الحجم متعددة التنوع رغم أنها مازالت بطيئة التحرك والتحرق في مواكبة أحداث الانتفاضة على الأرض من جهة وكذلك فإن الوعي الناضج المختمر المطلوب لهذه المواكبة مازال بحاجة إلى تفعيل فهو عند البعض مازال خطيرا وفجا في التعاطي مع مشهد الثورة مع أن الموازين في سوريا قد قلبت عما كانت عليه قبل ستة شهور فقد تجاوز الشعب جدران الخوف وأصبحت الهبة التائقة إلى الحرية بكل جرأة وصراحة مكشوفة للعالم أجمع وتقدم في سبيلها كل أنواع التضحيات الأسطورية والبطولات الفريدة التي تسجل هذا التاريخ بالدم والصبر والتحدي بالإرادة الحديدية النابعة من حب الله والوطن والبارزة في جميع الاحتجاجات والهتافات ضمن مئات البؤر في هذا الوطن ضد نظام بربري وحشي بعصابة عائلية لا يهمها أن تسحق الملايين في سبيل البقاء والتشبث بالسلطة لقهر العباد والاستفراد بثروات البلاد. ومن هنا يأتي نداؤنا ورجاؤنا ببكاء القلوب قبل العيون للمعارضة أن تعمل على توحيد صفوفها فما كان شعار جمعة الثوار الماضية يدعو إلى وحدتها إلا لأهميته وأولويته داخليا وخارجيا حتى رأينا العديد من اللافتات ترفع شعار الآية الكريمة (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا)، "آل عمران: 103"، (ولاتنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا)، "الأنفال: 46"، ونحن نعرف حكمة السري الرفاء:
إذا العبء الثقيل توزعته
أكف القوم خف على الرقاب
وقول معن بن زائدة:
تأبى العصي إذا اجتمعن تكسرا
وإذا افترقن تكسرت آحادا
وإذا النمل اجتمع انتصر على السبع كما قال سعدي الشيرازي وكما في المثل الكيني: إذا اتحد أفراد القطيع نام الأسد جائعا. أقول فيا أيتها المعارضة هل نصل قريبا قريبا حتى نرى الأسد ينام جائعا أو يلقى جزاءه خاضعا خانعا؟ إن التوحد هو الذي يهزم الشرذمة والتبعثر في الرؤى شذر مذر وهو الذي يجعل البعيد قريبا والبغيض حبيبا وهو بذلك أولى مواصفات أي معارضة مخلصة صادقة شريفة لأنه الدواء والشفاء ولا يليق بكم أن يقال لكم: كاد المريض أن يموت والأطباء مختلفون! ان الوطنية الحقيقية التي يجب أن تتمثلوها واقعا على الأرض هي الحياة الحقيقية لكم أنى كنتم، فالأوطان ليس لها مكان، وهذه الوطنية إنما تعمل ولا تتكلم كما قال قاسم أمين وهل يكون موضع لوطني يبحث عن المصالح قبل المبادئ مثلا وعن المغانم دون المغارم لا يهمه إلا أن يحجز مقعدا في الطائرة القادمة دون التفكير بجموع المسافرين، ويحضرني في هذا قول أمير البيان شكيب أرسلان: الفكر الوطني بالأجيال القادمة أما السياسي فيفكر في الانتخابات القادمة فمع من أنتم؟
اصدقوا ربكم وضمائركم تكن لكم قدم صدق عند ربكم ويكن لكم القبول عند الجماهير كما قال أمين الريحاني: ازرع الصدق والرصانة تحصد الثقة والأمانة، وذلك لأن الصدق منجاة والكذب مهواة ويكفينا في هذا نصيحة مالك بن دينار: لو وضع الصدق على جرح لبرأ ويا أحبابنا في المعارضة ثقوا بالله وبأنفسكم وتبادلوا هذه الثقة في تعاملاتكم مع اخوانكم في أي معارضة، بل حتى مع غير المسلمين إن كانوا عون صدق على نصرة الثورة وإن قلوا وما ذلك إلا لأنكم بهذه الثقة تنتصرون على أنفسكم فتكونون أقوياء وكذلك ستلهمون الآخرين الثقة كما قال غوته وبذلك تسودون كما قال شوقي:
كم واثق بالنفس نهاض بها
ساد البرية فيه وهو عصام
ثم عليكم بالعدل في كل ما تقولون وتعملون وحذار أن تغلب الشهوة والطرفية والعنصرية في مجالس معارضتكم فتسيئوا التوزيع عدديا أو تضربوا من يكون تحت السيطرة وتبعدون الأكفاء إذ عندها لن يكون فرق كبير بينكم وبين الذين نعاني من ظلمهم في هذا المجال.
فبالعدل قامت السماوات والأرض، وإننا أمام صناعة حياة وطنية حرة ديمقراطية ودولة مواطنة تعددية فلا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى. نقولها للعلمانيين والليبراليين واليساريين والإسلاميين جميعا تجاه بعضهم بعضا، فالعدل سائس عام والجور عارض خاص، كما قال علي رضي الله عنه والعدل كالغيث يحيي تربتكم وهو السيف الذي لا غمد له كما قال محمد عبده وإن أي مجلس أو هيئة أو لجنة تقوم من قبلكم لا عدل فيها فهي النهر دون ماء فما الفائدة، فالعدل أساس الملك وهو مع القوة والأمانة ضمان لصاحبه بينما القوة دون عدالة كما في بلادنا سابقا واليوم فهي طاغية تفرق ونحرق.
أين الغيورون الذين يقدمون مصلحة الأمة على ذواتهم ولا ينامون الليل من أجل أن يستريح الأحرار لو قليلا، يرون الدماء تنزف فيبكون من قلوبهم ويواسون ويعينون بكل ما يستطيعون، فالغيرة بناءة والغفلة هدامة وأي وجدان وضمير لمن يبقى صامتا حياديا أمام ما يجري من مآسي تنهد لهولها الجبال الراسيات.
ولذا وبهذه المناسبة فإننا نرى أن أي معارضة لا يكون هدفها إسقاط النظام ومحاكمة المجرمين هي معارضة دونية لا ترتقي إلى مستوى مطالب الداخل من جهة أنها ستحاور النظام وستكون خائنة لدماء الشهداء وستكون قاصرة النظر في التعاطي مع أناس لا ينفع معهم الحوار أبدا لأن فاقد الشيء لا يعطيه ومتى صح الحوار مع أعداء الشعب إلا إذا صح حوار الذئب مع القطيع. ولذا ما قد يسمى معارضة في الداخل لبعض الجهات والتنسيقيات التي تقوم مؤتمراتها بإذن النظام ويسمح للحضور الإعلامي أن يغطيها لن يأتي من ورائها خير لسوريا وإنما ستكون حال حدوث انضمامها إلى حكومة معارضة برئاسة بشار كالجبهة الوطنية التقدمية التي دعيت إلى طبخة الحكومة فأكلت منها ولم تشارك بأي رأي حولها فكانت جزءاً لا يتجزأ من كل ظلم وقع على الشعب الصابر المسكين، والذي يدل على ذلك أن المعارضة التي هبت في الداخل قبل شهرين باسم مؤتمر الإنقاذ هو جمت مقراتها في الغابون واستشهد ستة عشر شهيدا كيلا يسمح بقيامه فاستعاض الأحرار أن قاموا به في تركيا، وهكذا وبعد هذه الدماء الغزيرة في طول سورية وعرضها يجب ألا نقنع إلا بمعارضة قائمة على معايير الحق والعدل وإسناد الثورة بكل حق وصدق وشفافية وأن يكون أول شعاراتها التي تسعى إليها إسقاط النظام بكامل أركانه والحفاظ على السلمية ما أمكن والبعد عن الطائفية وما شابهها، وعلى المعارضة الشريفة ألا تكترث بالشماعة التي ينصبها الغرب والشرق وقاصرو النظر في الوطن ان البديل عن النظام الحالي الإسلاميون، فهذه خدعة وشعبنا السوري قالها في جميع المظاهرات انها دولة مدنية ديمقراطية وأن الثورة تعادي الطائفية ولا تفكر في الثأر وإن كانت تصر على محاسبة الجناة وطنيا بل دوليا، إن على جميع كتل المعارضة أن تلتئم تحت سقف واحد يتنازل فيه الوطنيون لبعضهم في سبيل المصلحة العليا للشعب الصابر المصابر والشباب الأخيار الذين ينتظرون وحدة المعارضة بفارغ الصبر لتكون خير سند لهم بعد الله تنصرهم وتخدمهم في المحافل الإقليمية والدولية ضد هذه الطغمة المجرمة، فلا فائدة في معارضة لا تتحرك ولا تتحرق لصون أهلها في الداخل، ولعله من العيب علينا أن نرى الغرب مثلا يضغط على النظام الغاشم بالعقوبات وما عليها وإن إيران وحزب الله وروسيا والصين تقف معه ونحن مازلنا بعداء عن التوحد الحقيقي أمام هذا الخطر، لقد قالت العرب: إن المحن تذهب بالأحن، فهل تبقى الرواسب وبعض تصفيات الحسابات بين أي كتلة أو شخصية مانعة من التوحد لإنقاذ العباد والبلاد أو أن الغليان الوطني الذي حقه أن يزداد ثورة وخاصة بعد اختطاف الفتيات في حمص وتعذيب الشهيدة زينب الحصني وإعادتها إلى أهلها بعد أيام مقطعة أربع قطع مشوية الرأس سيجعل المعارضة ذات إحساس مرهف استجابة للدين والغيرة والشرف ألا وثبة عمرية وهبة وليدية وحكمة عربية إسلامية تنقذ الموقف فإن الله سائلنا جميعا يوم القيامة وقد خاب من حمل ظلما.
Khaled-hindawi@hotmail.com
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8907
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4830
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
3555
| 23 سبتمبر 2026