رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ما السر في بقاء سلطة الزعماء على الملايين والاستمرار في السلطة لمدة نصف قرن؟ لماذا هذا التشبث بالكرسي والإصرار العجيب على القتل وإراقة الدماء! ضرورة تجاوز الانتقام والتشفي في مرحلة ما بعد إزالة النظام الديكتاتوري
نهاية القذافي وأبنائه ونظامه بمثابة درس العمر الذي بات من الضروري أن يستفيد منه القادة والزعماء العرب الذين انقطع تواصلهم مع شعوبهم وأصبحت علاقتهم من جانب واحد، علاقة السيد بالعبد، والخادم بالمخدوم، ولا عجب أن البعض منهم لا يزال يطالب شبيحته بإرغام الناس على الإيمان بالربوبية والألوهية له ولعائلته وطائفته ويطالب بأن تسبح بحمده ونعمته الخليقة والسموات السبع وهو الذي افسد الأرض واهلك العباد! إنها عبرة قد يتعلم منها اليوم الأسد في سوريا وصالح في اليمن وبقية الدول القابلة للانفجار في العالم العربي قبل فوات الأوان.
(1)
كنا نجلس في القاعة المقابلة نستمع لخطب الزعماء والقادة العرب في قمة الدوحة (2009) ولم نتمالك أنفسنا من الضحك عندما سمعنا كلمة العقيد الليبي وهو يعلن تنصيبه ملك ملوك أفريقيا والقائد الأممى وعميد حكام العرب وإمام المسلمين وهو آخر الألقاب المركبة التي أطلقها على نفسه ولم يتفضل بها احد عليه؟! كم كنا نتمنى ألا يقتل العقيد المهرج ولا يختفي عن المشهد بهذا الشكل وبهذه السرعة ويتم القبض عليه ومحاكمته ودراسة وتحليل وتفكيك شخصيته غير السوية من قبل العلماء والمختصين في الشرق والغرب لكي يتم الكشف عن الجوانب التي لا نستطيع أن نفهمها ونهضمها ونستوعبها في علاقة القادة والزعماء العرب مع شعوبهم، وما السر الذي استطاع فيه أمثال هؤلاء البشر غريبي الأطوار أن يبسطوا سلطتهم ونفوذهم على الملايين من البشر ويبقوا في السلطة لمدة تقارب نصف قرن متفوقين على اكبر القادة الديكتاتوريين في التاريخ أمثال ستالين وفرانكو وبوكاسا وعيدي امين؟! مهما طال الزمن كان لابد أن تأتي ساعة الخلاص الأبدية، وفي ليبيا بدأت تدق بعد ثورتي تونس ومصر واستمرت إلى ما يقارب ثمانية أشهر عصيبة مريرة وكان الخوف كله يتمثل في أن يتم إجهاض الثورة الجنينية وقتلها في مهدها من قبل التحالفات الخارجية ومساعدة زعماء بعض الدول العربية الذين كان يمدون النظام القاتل بالمرتزقة على الحدود (الجزائر) ويدعمونه إعلاميا ولوجستيا (دمشق) ومن قبل الحاشية والموالين والقبائل والرموز التي نمت وترعرعت وتكسبت مع النظام في ظل القهر والقمع والفساد، ومن صحف ووسائل إعلام عربية وأجنبية كانت ترسل لها الشيكات والمبالغ الشهرية منها صحف بعض المهاجرة في العاصمة البريطانية التي تتكسب على حساب الشعوب، بالإضافة إلى الفتوى الدينية من قبل رجال الدين وعلماء السلطة في دول الخليج والدول العربية وإيران وتركيا وهو السيناريو ذاته يتكرر مع الثورة في سوريا واليمن ولكن بشكل أكثر عنجهية ووقاحة وصلف ولا نعرف بالتحديد كم من الوقت سيأخذ لكي تسقط هذه المشاهد القبيحة ورموزها كما سقطت مع نظام عميد الطغاة العرب، وملك ملوك التهريج في أفريقيا والعالم الذي خلف وراءه الاف الضحايا والأرامل واليتامى. انتهى مصير القذافي بنهاية مريرة في اصطياده في حفرة أنبوب للصرف الصحي مشابها إلى حد كبير في حفرة الرئيس العراقي السابق صدام، بينما هرب الرئيس التونسي بن علي وفر بجلده، واستسلم الرئيس المصري وانتهى الأمر به في المحاكم والمحاكمة، فما هو يا ترى المصير الذي ينتظر البقية الباقية؟!
(2)
لماذا هذا التشبث بالكرسي والإصرار العجيب على القتل وإراقة الدماء إلى آخر نفس عند القادة الزعماء العرب الفرصة كانت سانحة في الانفتاح على الداخل وقيادة التغيير والالتحام والتناغم مع مطالب الشعب الثائر، وكانت في سوء الأحوال المعقدة هو التنازل والرحيل وعدم الدخول في الصراعات والمواجهات والحروب الدموية وهو المشهد الذي نراه باستمرار في دول الشرق والغرب التي تبنت الخيار الديمقراطي والتداول على السلطة والإيمان بصناديق الاقتراع إلا في الدول العربية التي تعتقد انها استثناء في التاريخ وهو المبدأ الذي احترق مع اشتعال عربة البوعزيزي. حكاية العقيد تختلف عن كل الذين سبقوه وعن الذين سيأتون بعده، أكثر من أربعة عقود شغل فيها هذا العسكري الطائش المشهد العربي والعالمي ووصل إلى الحكم على ظهر دبابة عسكرية في انقلاب عسكري على الملكية الدستورية ليمارس كل عقده ومغامراته وفهلوته التي انتهكت كل الأعراف والقواعد والقيم ليحاول تغيير التاريخ وتبديل الجغرافيا ووضع نفسه فوق البشر واستبدل التقويم وتاريخ الدين فقرّر أن وفاة الرسول هي نقطة البداية لا هجرته ووضع أسس تعاليمه الدينية الجديدة بكتابه الأخضر البشع الذي تفوق على حكمة الأنبياء والعظماء وتجاوز أسرار الجن والإنس الذين لا يستطيعون أن يأتوا بشبيه له ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا؟! حرق الدستور واستبدل العلم وقضى على الدولة وفكك مفاصلها ومؤسساتها وحولها إلى لجان شعبية تحكمها عقلية صحراوية قبلية تسبح بحمده بكرة وعشية ونصب نفسه قائدا عليها لا يملك أي منصب وفي الوقت نفسه يشغل جميع المناصب فهو الملهم والمفتي والمفكر والطبيب والمهندس والكاتب والأديب والروائي والصحفي والمذيع والمخرج وهو الذي يحيي ويميت يرفع من قيمة الحثالة والمرتزقة والماسحين للجوخ والمؤمنين بجمهوريته ويقتل ويلاحق ويعتقل المخالفين والمعارضين من الفئران والجرذان والكلاب الضالة "بيت بيت، دار دار، زنقة زنقة". سيطر على الثروة الاقتصادية الوطنية في أغنى بلد في العالم وحولها إلى مزرعة له ولعائلته، استخدم سلاح النفط في شراء الولاءات وحياكة المؤامرات والتخطيط لتصفيات وزرع القنابل والمتفجرات في المطارات أشهرها حادثة لوكيربي، ودعم المعارضات المسلحة من عالم العربان مرورا إلى أوروبا وأمريكا اللاتينية من أبونضال الى كارلوس والألوية الحمراء الإيطالية والجيش الأحمر الياباني والجيش الجمهوري الأيرلندي وجماعة الدرب المضيء في بيرو، ودفع مليارات التعويضات ليعود مرة أخرى إلى الحظيرة الدولية ويمارس مغامراته الصبيانية.
(3)
في الجانب الآخر المضاد لثورات الشعوب كان هناك من يمنى النفس أن يطول الصراع ويتمكن القذافي من الصمود مع المرتزقة وبعض القبائل الموالية وينشر الفوضى والتخريب ويشعل الحرب الأهلية ويحول البلد إلى محرقة وجهنم صغرى ويحرق آبار النفط عن بكرة أبيها لكي يكون مثالا حيا يستشهد به لتأديب الشعوب التي تصر وتطالب بالخلاص والحرية ولكن خاب مسعاهم وتبددت أمانيهم. الأهم من كل ذلك هو ضرورة تجاوز الانتقام والتشفي في مرحلة ما بعد إزالة النظام الديكتاتوري الذي أورث الخراب والدمار والفرقة والتناحر بين أبناء الشعب والتركيز على طي صفحة المضي والقيام ببناء الدولة والتعمير وإرساء العملية السياسية ووضع الدستور وقوانين الانتخاب والأحزاب والإعلام وصولاً إلى إجراء الانتخابات التشريعية، والتعاون وقبول الجميع تحت راية الوطن الواحد بلا عزل وتهميش وإقصاء وان يتعلموا من أخطاء وعثرات المرحلة الانتقالية في كل من مصر وتونس. نهنئ اخواننا الأحرار في ليبيا بنصرهم الكبير وبنجاح ثورتهم الخالدة، ونتمنى أن يقطف الشعب الليبي الحر ثمار ثورته التاريخية من خلال بناء وطن قائم على الحرية والديمقراطية الحقيقية وعقبال العرب الآخرين
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8907
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4830
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
3555
| 23 سبتمبر 2026