رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إذا أردت أن تعرف حضارة شعب.. فعليك أن تطلع على ثقافته، فهي المقياس الحقيقي لما وصل إليه ذلك الشعب من تقدم، وما أسهم به من جهد في التراكم الحضاري على مر التاريخ، وما أكثر الحضارات التي سادت ثم بادت، وما أكثر الحضارات التي لم يحمل لنا التاريخ من عبق أمجادها إلا ما أبدعه أدباؤها وفنانوها وفلاسفتها وأهازيج رعاتها وصناعاتها وحرفها اليدوية وآثارها الخالدة، مما أظهرته الحفريات، وما تناقلته الأجيال عبر تاريخ البشرية الطويل، من ألوان ثقافية اختلفت ألوانها وأشكالها باختلاف المناطق والبيئات التي تنتمي إليها، ولولا هذا التراث الإنساني الضخم، المتمثل في الآثار التي تزخر بها المتاحف الكبرى في العالم، والمخطوطات الضخمة التي نقلت من لغات لم تعد حية، وترجمت لتحتفظ بها المكتبات العامة في المدن الكبرى، ولولا ما حفظته ذاكرة المخيال الشعبي لدى مختلف الأمم، لولا ذلك كله.. لما كان لتلك الحضارات أي أثر يذكر، فالثقافة ليست وعاء الحضارة فقط، بل هي إلى جانب ذلك سجلها الخالد، والناطق باسمها عبر الحقب والعصور، فلا عجب أن تكون الثقافة هي الوجه المشرق للحضارة، وبسبب أساطين الفكر وعباقرة التاريخ.. عرفنا الحضارة اليونانية والرومانية والبابلية والفرعونية، وغيرها من الحضارات، فقد ترك لنا فلاسفة ومؤرخو وفنانو تلك الأمم، آثارا تدل على حضارات البلدان التي ينتمون إليها، وما وصلت إليه تلك الحضارات من ازدهار، في عصور التاريخ المبكرة، وعن أمتنا العربية نقل الشعراء والمؤرخون ملامح من حياة وتاريخ ووقائع ومواقع لم نكن لنعرفها لولا أولئك الشعراء والمؤرخون.
هذه الإشارات تقودنا إلى طرح إشكاليات الثقافة في الوطن العربي، وهي إشكاليات تقل وتزيد حدتها تبعا لوعي المسئولين عن التنمية الثقافية، وإدراكهم لأهمية الثقافة ودورها الريادي في حركة التنمية الشاملة والإصلاح العام، فهي مرآة لكل تقدم، ورائدة لكل إصلاح ومستشرفة لكل ما قد يحمله المستقبل للأجيال القادمة، ويمكن اعتبارها أيضا ذات إسهام مباشر في معالجة أمراض المجتمع وعيوبه، من خلال ما تطرحه من أفكار بناءة ونقد هادف لتلك الأمراض والعيوب، ولعل إدارك الأهمية الكبرى للثقافة يشكل خطوة صحيحة في طريق الإصلاح، فالمثقف رائد في مجتمعه، وهذه الريادة من شروطها الإحساس العالي بدور الإصلاح في الاستقرار الأمني والسياسي للمجتمع والوطن، وترجمة هذا الأحساس بالأفكار البناءة، والآراء السديدة، ومن حق المثقف وتقديرا لدوره، يفترض ان تتيح له الدولة فضاء واسعا من حرية الرأي، وضمانا واثقا من كرامة العيش، وثقة كبيرة بينه وبين المسئول، وحوافز متعددة لمواصلة العطاء الثقافي، فكرا مستنيرا وإبداعا رائعا، وفق استحقاق وطني يضمن للجميع حقوقهم بقدر ما عليهم من الواجبات.
والتقتير على النشاط الثقافي العام، وهو تقتير على الحضارة في مجملها، وشرخ في جدار النهضة لا يمكن تلافيه، ومن يحرصون على نقل صورة مشرفة لنهضة بلادهم، لن يجدوا ما هو أكثر فاعلية وبقاء.. من الثقافة لنقل تلك الصورة المشرفة، فلا الإعلام الموجه، ولا الشعارات البراقة، ولا الأيديولوجيات المسيسة، ولا الدعايات المفضوحة، ولا الإعلانات المزيفة، يمكن أن تقنع الآخر البعيد عن معرفة شواهد النهضة، وربما زالت هذه الشواهد قبل أن يعرفها ذلك الآخر البعيد، لكن الثقافة بما تملكه من مقومات البقاء، هي القادرة على أن تكون شاهدة عصرها، وأن يبلغ صوتها بعيدا في عمق الأزمنة والأمكنة، لذلك يمكن القول وبثقة تامة، إن الثقافة هي الوجه الحقيقي والمشرق لحضارات الأمم والشعوب. khlilf@hotmail.com
جرائم لا تسقط بالتقادم!
لا خلاف بأن الكثير من العوامل الأُسرية والوراثية والنفسية والمجتمعية والحياتية والدراسية تُؤثر في تكوين شخصية الإنسان، الذي... اقرأ المزيد
108
| 30 أبريل 2026
معركة صناعة السرديات
لم يعد الحدث في ذاته هو ما يشكّل الوعي العام، بل الطريقة التي يُعاد بها تقديمه وتداوله. ففي... اقرأ المزيد
72
| 30 أبريل 2026
لماذا نمنح الغرباء مفاتيح بيوتنا؟
تعد ظاهرة "الاستعراض" على منصات التواصل الاجتماعي اليوم علامة واضحة للصراع المحتدم بين الموروث القيمي للمجتمع والتحولات التكنولوجية... اقرأ المزيد
54
| 30 أبريل 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
حين نتحدث عن جيل يفتقر إلى الوعي والمسؤولية، سرعان ما يتجه الاتهام نحو الأسرة، وهذا في محله، وقد تناولنا هذا الجانب في العدد السابق هنا. لكن الأسرة لا تعيش في فراغ. هي جزء من منظومة أكبر تُشكّل الفرد وتصنع قناعاته وتحدد له ما يراه “طبيعيًا”. وهذه المنظومة اسمها المجتمع بكل مكوناته: الإعلام، والمحيط، والمؤسسات، والثقافة السائدة، وحتى الشارع الذي يمشي فيه الشاب كل يوم. لذلك لا يكفي أن نحاسب الآباء وحدهم، بينما نتجاهل البيئة التي شاركت في صناعة النتيجة. الشاب الذي لا يعرف ماهي الرؤية الوطنية لبلاده، ولا تاريخ بلاده، ولا حتى أبسط ما يتعلق بهويته… لايعرف حتى حدود الدول هذه من وضعها ولماذا وكيف … هذا الشاب لم يأتِ من فراغ. هذا الشاب صُنع ونشأ في بيئة تُكافئ السطحية وتمنحها الانتشار وتدفع بها إلى الواجهة، بينما تُقصي كل ما يتطلب جهدًا أو فكرًا. نشأ في مجتمع جعل الشهرة السريعة معيارًا والظهور غاية، والقراءة عبئًا والتفكير النقدي ترفًا لا ضرورة له. هذه ليست مصادفة هذه اختيارات مجتمع. لم يعد الإعلام اليوم مجرد ناقل للمعلومة، بل أصبح صانعًا للوعي… أو أداةً لتفريغه. وحين تمتلئ المساحة بمحتوى فارغ، ويُدفع به إلى الناس ليل نهار، فالمشكلة ليست في وجوده فقط، بل في الإقبال عليه. المجتمع لا يستهلك هذا المحتوى فقط، بل يرفعه، يشاركه، ويمنحه قيمته. وما يتصدر المشهد ليس الأفضل، بل الأكثر قبولًا. وهذه مسؤولية لا يمكن التهرب منها. وما يتعلمه الشاب في بيته، قد يُبنى أو يُهدم خارجه. فالمحيط الاجتماعي ليس عنصرًا هامشيًا، بل شريك أساسي في التشكيل. الأصدقاء، الأحياء، المجالس، كلها تصنع معايير غير مكتوبة. وحين يرى الشاب أن المجتمع يقدّر المظاهر أكثر من المضامين، ويرفع من لا قيمة له، ويسخر ممن يسعى للمعرفة، فإنه لا يحتاج إلى توجيه مباشر. الرسالة وصلته. وهو سيتكيّف معها. المجتمع الذي يشتكي من سطحية أبنائه، بينما يحتفي يوميًا بصناعة هذه السطحية، هو مجتمع يناقض نفسه. والذي يسخر من الجادين، ثم يتساءل عن غيابهم، هو من دفعهم إلى الانسحاب هو أبعدهم عن دائرة التأثير بعدما كانوا نماذج يحتذى بها. هنا لا نتحدث عن خلل عابر، بل عن ثقافة تتشكل وتُعاد إنتاجها كل يوم. ومن أخطر صور هذا الخلل: صمت القادرين على التأثير. المثقفون الذين اختاروا الابتعاد، والأكاديميون الذين حصروا أنفسهم داخل مؤسساتهم، والناجحون الذين قرروا ألا يكون لهم حضور عام. حين تنسحب هذه الأصوات، فهي لا تكتفي بالغياب، بل تترك فراغًا يُملأ بما لا يستحق. الصمت هنا ليس حيادًا… بل مشاركة غير مباشرة في النتيجة. الإصلاح لا يبدأ فقط من داخل الأسرة، بل من مواجهة المجتمع لنفسه. ماذا يُكافئ؟ ماذا يُروّج؟ ماذا يتسامح معه؟ وماذا يقصي؟ هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل أساس أي تغيير حقيقي. لأن الجيل الجديد ليس مشكلة مستقلة، بل نتيجة منطقية لبيئة صُنعت أمامه. المجتمع لا يشتكي من هذا الجيل… بل هو من صنعه. “لا تُحاسب الأبناء على ما تركته أنت فارغًا لغيرك أن يملأه.”
3720
| 29 أبريل 2026
من خلال متابعتنا للمستجدات الصادرة في الثامن من أبريل ٢٠٢٦، حول تحديث قواعد الضريبة الانتقائية بموجب القانون رقم ٢ لسنة ٢٠٢٦، بداية فإن موضوع الضريبة الانتقائية بشكل خاص لا يتعلق بمفهوم الزيادة في الأسعار ولا السعر الجبري الذي تفرضه الدولة بالمعنى الشائع؛ بل هو آلية تنظيمية تلقائية للأسعار تعني ببعض السلع الانتقائية والذي يحفز الفرد على الاستغناء عنها أو تقليلها تدريجياً وهي خطوة ذكية لتعزيز المناعة المجتمعية. هذا التعديل الذي أصدره سمو الأمير يأتي في وقت تضغط فيه الأزمات العالمية على موازنات الدول، مما يجعل صحة الناس والبيئة المحيطة بمثابة الحصن الحقيقي، خصوصاً في زمن الحروب والظروف الجيوسياسية المتقلبة. فالدولة التي يمتلك أفرادها صحة جيدة، وميزانية لا تهدر في فواتير علاج الأمراض المزمنة، هي الأقدر على الصمود في وجه أي تحديات عالمية. وحسب ما هو مفهوم من هذه الأداة الاقتصادية والتحديث المقصود، نجد أن الضريبة الانتقائية هي ضريبة تُفرض على سلع محددة تضر الصحة أو البيئة عموماً. والهدف ليس تحصيل العوائد فحسب، بل تشجيع الناس على تغيير عاداتهم واستبدال المشروبات المليئة بالمحليات المضافة، سواء كانت سكراً طبيعياً أو بدائل صناعية، ببدائل طبيعية ومفيدة أكثر. كما أن هذا التوجه يتماشى مع سياسات دول مجلس التعاون الخليجي، التي بدأت تتحرك ككتلة واحدة لحماية أسواقها، والضغط على الشركات العالمية لتقديم منتجات أكثر جودة وصحة لمنطقتنا. إن جوهر هذا القانون والذي سيبدأ تطبيقه في يوليو ٢٠٢٦، لا يهدف لتقييد خيارات الناس، بل لإعادة هيكلة هذه الخيارات داخل المنظومة الاقتصادية. فالسوق لا يزال مفتوحاً للجميع وعادات الاستهلاك غير مقيدة لكن القواعد تغيرت؛ حيث صار المشروب المحلى يتحمل تكلفته الصحية مسبقاً عبر الضريبة الانتقائية. والجديد هنا هو الاعتماد على النموذج الحجمي، أي أن الضريبة تُحسب بناءً على كمية السكر أو المحليات في كل ١٠٠ ملل من محتوى المنتج. وللتوضيح، المشروب الذي تشتريه الآن بـ ٤ ريالات قد يصل سعره إلى ٥ أو ٥.٥٠ ريال إذا كان محتفظاً بنسبة سكر مرتفعة، بينما ستحافظ المشروبات قليلة التحلية على أسعارها الحالية أو قد تفرض عليها النسبة الدنيا من الضريبة، نظراً لانخفاض كثافة المحليات مقارنةً بنظيراتها المشبعة بالسكر، مما يدفع الشركات لتغيير مكوناتها لتبقى منافسة في السعر. هذا التغيير يفتح باباً للمنافسة العادلة، فالنموذج الحجمي يلغي الأفضلية السعرية التي كانت تُنسب عادةً للمشروبات الرخيصة المليئة بالسكر على حساب البدائل الصحية المبتكرة. اليوم المنافسة صارت على الجودة والابتكار، وهذا يحفز مصانعنا الوطنية لتقديم منتجات صحية منافسة محلياً وعالمياً. أما عن المردود المادي فالدولة في هذا السياق تنهض مرتين؛ الأولى عبر تنويع الدخل لدعم الخدمات العامة والبنية التحتية، والثانية عبر توفير المليارات التي كانت تُصرف على علاج السكري والسمنة والأمراض الأخرى المرتبطة باستهلاك السكاكر بشكل مفرط. ولضمان الشفافية خصص القانون نسبة ١٪ من هذه الضريبة لميزانية وزارة الصحة لتمويل برامج التوعية المختلفة، بينما تذهب بقية العوائد لدعم المشاريع الوطنية، مما يجعل المنتج الضار وسيلة لتمويل البناء والنهوض بالمجتمع. وباعتبار هذه الرؤية هي الركيزة لتعزيز الأمن القومي الغذائي والصحي؛ أضحت الوقاية التي ندركها من روح وجوهر هذا القانون خط الدفاع الأول ضد الأزمات، والمجتمع القوي صحياً هو المحرك الحقيقي لاقتصاد صامد في ظل أي ظرف، يحمي سيادة الوطن وصحة مكوناته الوطنية وأجياله القادمة.
1128
| 24 أبريل 2026
ليس الحديث عن اليمن ترفًا سياسيًا، بل هو حديث عن عمق إستراتيجي لا يمكن تجاهله في معادلة مجلس التعاون. فاليمن بحكم موقعه وتاريخه ليس جارًا عابرًا، بل امتداد طبيعي للجزيرة العربية، وحاضنة بشرية يمكن أن تشكّل رافدًا مهمًا لدول الخليج. وقد أشار إلى هذه الحقيقة عدد من كتّاب الخليج، ولعل من أبرز ما قيل في ذلك ما عبَّر عنه الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله، حين قال إن اليمن قدره أن يكون في هذه البقعة من الجزيرة العربية، ولا يمكن إغفال هذا الواقع. وفي خضم التحديات والنزاعات التي تواجه دول الخليج، يصبح من الضروري إعادة النظر في بعض التصورات التي تختزل اليمن في كونه عبئًا اقتصاديًا أو مصدر إنفاق. هذه النظرة قصيرة المدى، تتجاهل المكاسب الإستراتيجية بعيدة الأثر. ولنا في تجربة إعادة توحيد ألمانيا مثال واضح؛ إذ لم تتردد ألمانيا الغربية في ضم الشرقية بعد سقوط جدار برلين، رغم الكلفة الاقتصادية الكبيرة، لأنها نظرت إلى المآلات الإستراتيجية لا إلى الخسائر الآنية. إن اليمن اليوم يمثل: خزانًا بشريًا يمكن أن يرفد دول الخليج بالعمالة العربية الماهرة فرصة لبناء منظومة تعليمية متخصصة تُخرّج كوادر تخدم المنطقة امتدادًا صناعيًا محتملًا، خصوصًا في مجالات قد يصعب توطينها داخل الخليج كالصناعات الحربية. كما أن الاستثمار في اليمن يساهم في إعادة التوازن الديموغرافي، وتقليل الاعتماد المفرط على العمالة غير العربية، بما يحفظ الهوية الثقافية والاجتماعية لدول الخليج. الخلاصة أن اليمن ليس عبئًا، بل فرصة مؤجلة… وفرصة كهذه، إن لم تُدرك في وقتها، قد تتحول إلى تحدٍّ يصعب تداركه.
756
| 27 أبريل 2026