رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أربعة وأربعون عاما وموسم الهجرة إلى الشمال لم ينقطع وربما قبل هذه الرواية الجميلة للسوداني الطيب صالح, فالمسير إلى هناك ظل متتابعا يزداد وينقص تبعا لحالة الجنوب وأجوائه برده وحره, أمنه وخوفه, شحه وغناه, أما لماذا أصر الطيب صالح على هذا العنوان لروايته التي صدرت قبل أربعة عقود ونيف فتلك حالة تضع الجنوب على المحك دائما بل وحتى الانفصال المبرمج منذ اتفاقية نيفاشا الكينية للسلام عام 2005م, ورغم أن طلائع السودانيين العائدين إلى الجنوب بسحنة الجوع والمرض لمجرد تكثيف التصويت ضد أو مع هذا الانفصال القادم هم الآخرون شدهم ذلك الشمال فشدوا الرحال إليه فغدا اليوم لا يجزي ولا يسمن العيش فيه أو الارتباط به, وليس إذا سوى الانفصال وتقرير المصير رغب الشمال أم أبى فاللعبة ماضية وصنوف التباكي الشمالي والعربي عموما جاهزة للتحدي الخاسر المنتظر وتلك هزيمة قادمة للأمة وأيديولوجيات قوميتها وشعاراتها التي استعصى عليها أبناء الجنوب بقبائله وإثنياته وميوله الشمالية الغربية البعيدة خارج حدود الخرطوم ومؤسساتها ومنذ عقود زمنية تحدث الجميع فيها لغة السلاح ومارسوا لعبته المخيفة, جون قرنق الزعيم الجنوبي الأسمر من مرقده سيكون حاضرا ليس في يوم الاستفتاء القادم لتقرير مصير الجنوب السوداني فحسب بل ستؤثر رؤيته وأدوات لعبته الانفصالية التاريخية في عقليات كل الأقليات في الوطن العربي وربما غيره مهما صيغ التاريخ بمداد القومية ومسلمات الحدود المعروفة وتفاصيل دولها , فالباعث والمحرك لقرنق وحركته كان البحث والتمحيص في فسيفساء الدولة وهل رصت المكونات كما ينبغي لتبرز جمال المكون الظاهر بروح المعنى وفقه الانتماء آم آن في لعبة الرص تلك خفايا من الجهل السياسي العتيق, تلك هي ورقة قرنق المتينة والمتتالية فحركته التحريرية تبحث عن دور غابت عنه شخوص الجنوب وهمشت بيادقهم عن لعبة الملوك فغابت الديمقراطية عن هناك مبكرا فحرك الجنوب سلاحه وآلياته للمواجهة فوق الكثير من الجثث وتحت غطاء الإعلام المتقن لتدور مفاوضات نيفاشا لاحقا للوصول إلى السلام كمحطة أولى ثم تقرير المصير الذي نعيشه واقعا اليوم بعد آن كان حلما لطرف ووعدا من الطرف الأخر يمكن الانتصار عليه ورتق شروخ ماضيه بمقتضيات الزمن منذ العام 2005م , مات قرنق تحت ركام مروحيته المتحطمة وبقي الوعد للجنوب قائما تحرك الظروف نحوه بقوة وأجندات مفصلة تكثف الهدف نحو الانفصال وظل البشير رئيسا رغم كل الهزات والملاحقات الدولية المدعمة بقضايا دارفور ربما ليوقع هو الأخر بقلمه القرار الأخير بشأن الجنوب ولتفرح الحركة الشعبية ببترول الجنوب الواعد وبدولة جديدة على خارطة القارة السمراء وليبقى للعرب فقط التاريخ وشرف الحكم السابق هناك تماما كما في الأندلس وبعض تخوم العالم, فقد كنا هناك وتلك منارات مساجدنا وصواري أعلامنا وبقايا مدارسنا أما الفكر فلم نستحوذ منه سوى على ما يعمق سوءاتنا الكبرى في استدراك علل الماضي ومعضلة الفهم لمعنى الحكم ومراس التوافق والاندماج مع الآخر, وهنا تسقط تجاربنا الديمقراطية وتسقط بعض أجزائنا تحت عذر استبداد الأقلية وغياب حسن تدبير الأمور معها وتقسيم درجات المواطنة بين أولى وثانية, مرة أخرى أعرج نحو القومية وأدعو إلى استعراض مضمونها الفكري وتحليل تجربة السودان وفق فهم معنى الدولة أو المجتمع وقوميته جنبا إلى جنب مع معنى الدولة وفق النموذج العالمي الحديث بل حتى المعنى الإسلامي للدولة وسلطات المجتمع كما فسره ابن خلدون في مقدمته عند الحديث عن فرض القوة على عموم المجتمع دون اعتبار للقيم الاجتماعية السائدة مما يفضي إلى النزاع والاضطرابات داخل الكيان والعاصم من ذلك كله حسب رأي ابن خلدون هو تأسيس الدولة في ضوء منظومة القيم السائدة التي تواضع عليها المجتمع كافة, أعتقد هنا أن حالة تضخيم الذات والطيران دون أجنحة أو توازنات فوق بالون القومية والأحادية يعجل بالسقوط دائما أو حتى الانفصال كما في الحالة السودانية المشاهدة وما من علاج سوى تعميم فكر الجماعة وديمقراطيتها وحرياتها المكفولة وتسخير الموارد لإطعام الجياع وتطبيب المرضى وتعليم الناس بدلا من حربهم حتى لا نسمع قريبا عن أجزاء عربية أخرى تقرر الانفصال وتجد من المبررات ما يكفي, أعود إلى الطيب صالح وبطل روايته مصطفى سعيد اللذين رسما بأحداث الرواية جسوم خطر العودة إلى الجنوب بفكر صلد لم يلن إمام القيم المتجددة لتكون النهاية المؤلمة.
Farhan_alaqeel@yahoo.com
"تطوع".. أثر يمتد
في المجتمعات الحية، لا يُقاس التطور فقط بما يُبنى من مؤسسات أو بما يتحقق من مؤشرات اقتصادية، بل... اقرأ المزيد
57
| 10 مايو 2026
القيم الإسلامية والتنمية المستدامة
أصبحت الحروب والأزمات والكوارث الطبيعية، إلى جانب التهديد المتزايد للاحتباس الحراري، عوامل تُهدد مستقبل البشرية وتجعل العالم أقل... اقرأ المزيد
48
| 10 مايو 2026
هل يخلق اقتصاد المعرفة وظائف أم إنسانًا جديدًا؟
في العقود الماضية، كان النجاح الاقتصادي يُقاس بحجم الموارد، وعدد المصانع، واتساع الأسواق. أما اليوم، فقد أصبحت المعرفة... اقرأ المزيد
60
| 10 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
4479
| 06 مايو 2026
تمر قطر بمرحلة استثنائية تتشابك فيها التوترات الإقليمية مع ضغوط على أسواق الطاقة والنقل الجوي وحركة التبادل التجاري. غير أن التحليل الاقتصادي المتأني يكشف صورة أكثر توازناً مما توحي به حالة القلق السائدة: فالموارد السيادية وافرة، والإطار المالي راسخ، والقيادة أثبتت مراراً قدرتها على اجتياز محطات أشد وطأة والخروج منها باقتصاد أعمق تنوعاً وأكثر متانة. يمكن قراءة المشهد عبر ثلاثة ضغوط متمايزة: ضغط في جانب العرض لسوق الغاز الطبيعي المسال وتأثيره على الإيرادات السيادية، وتزايد المنافسة في تلبية الطلب الخارجي، وضغط الاستجابة المالية أي خيارات الحكومة في ضبط إنفاقها في ظل تراجع الإيرادات المالية في الربع الأول والثاني من 2026. الضغطان الأول والثاني خارجيان لا سبيل إلى درئهما، أما الثالث فخيار سياسي داخلي قابل للمراجعة، وفيه يكمن هامش المناورة الذي تنفرد فيه السياسة المالية القطرية بفعل حقيقي. وتشير التقديرات في ضوء ثلاثة سيناريوهات لمدة الأزمة إلى أن الفارق بين أكثر الخيارات تشدداً وأكثرها توسعاً قد يبلغ قرابة 2.5 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي1، أي نحو 5.8 مليار دولار. وأمام صانع القرار ثلاثة مسارات: التوسع في الإنفاق مع تدخل معاكس للدورة الاقتصادية، وترشيد الإنفاق على نحو ما أوصت به مشاورات المادة الرابعة لصندوق النقد الدولي في فبراير 2026، ومسار توفيقي يجمع توسعاً معتدلاً في 2026 يعقبه ترشيد مالي موثوق بين 2027 و2029. والتجربة الخليجية تُرجح أن المسارات التوفيقية هي الأنجح. وتقوم قطر على هامش مناورة مالية واسعة تراكم عبر عقود من الإدارة الرشيدة: احتياطيات مصرف قطر المركزي نحو 71 مليار دولار تغطي أكثر من ثمانية أشهر من الواردات، وأصول جهاز قطر للاستثمار نحو 557 مليار دولار. وما قد تحتاج إليه قطر لا يتجاوز قرابة 1% من أصول الجهاز في أعلى التقديرات، ونصف ذلك في المسار التوفيقي- نسبة تقل عن العائد السنوي المعتاد لمحفظة بهذا الحجم، فلن يتأثر الجهاز في قدرته على خدمة الأجيال القادمة. وتدل السوابق الإقليمية على نمط متكرر: الكويت بعد 1990–1991، والسعودية بعد 2014، وعُمان بين 2020 و2024- ضغط حاد، فاستجابة متوازنة، فتعافٍ أمتن. وقطر تدخل المرحلة من موضع أمتن. والمنظومة المؤسسية - وزارة المالية ومصرف قطر المركزي وجهاز قطر للاستثمار- أثبتت كفاءتها خلال حصار 2017 وجائحة 2020 دون أن تحيد عن مسار التنمية. فالموارد متاحة، وهامش المناورة واسع، وصنع القرار في أيدٍ راسخة. قطر ستخرج من هذه المرحلة أقوى وأكثر تنوعاً وأعمق استعداداً لما يأتي بعدها، لأن القيادة تملك من الوعي والبصيرة ما يكفيها، وسجل الإنجاز القطري شاهد على ذلك أكثر من مرة.
4200
| 04 مايو 2026
في يوم حرية الصحافة العالمي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من مجرد احتفاء رمزي بمهنة يُفترض أنها تنقل الحقيقة، فالمعيار اليوم لم يعد في حجم ما يُنشر، بل في مساحة الأمان التي تُمنح للصحفي كي يكتب وينشر دون تهديد أو تضييق أو تبعات تطال حياته وحريته. الصحافة لم تعد مجرد مهنة لنقل الخبر، بل أصبحت في كثير من البيئات اختباراً يومياً لحدود القدرة على الاستمرار، فبين ضغط الواقع السياسي والأمني، وتعقيدات البيئة القانونية والإعلامية، تتقلص المسافة بين الكلمة وتكلفتها. في مناطق النزاع، تتجلى هذه الإشكالية بأقسى صورها. وفي فلسطين، وتحديداً في قطاع غزة، تشير تقارير "مراسلون بلا حدود" إلى سقوط عدد كبير من الصحفيين خلال التغطيات الميدانية في سياق العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة على القطاع، في واحدة من أكثر البيئات خطورة على العمل الصحفي عالمياً، حيث يصبح نقل الصورة جزءاً من معادلة البقاء. وفي إيران، تعكس المؤشرات الدولية استمرار التحديات التي تواجه حرية الصحافة، مع تراجع ترتيبها العالمي في ظل قيود قانونية وإعلامية دفعت عدداً من الصحفيين إلى مغادرة البلاد أو تقليص نشاطهم، أو العمل تحت سقف من الحذر الشديد. هذه الوقائع لا تعكس أرقاماً مجردة، بل تشير إلى اتساع الفجوة بين الحق في المعرفة والقدرة على الوصول إليها، وتضع المجتمع الدولي أمام سؤال جوهري: كيف يمكن حماية الحقيقة إذا كان من ينقلها يعيش تحت تهديد دائم؟ إن جوهر القضية لا يتعلق فقط بحرية الصحافة كقيمة مهنية، بل بكونها حقاً إنسانياً أساسياً يرتبط بقدرة المجتمعات على الفهم والمساءلة واتخاذ القرار، وعندما يُستهدف الصحفي أو يُقيَّد، فإن المتضرر الأول هو حق الجمهور في المعرفة. في يوم حرية الصحافة العالمي، تبقى الحاجة ملحّة لتأكيد أن حماية الصحفيين ليست خياراً، بل ضرورة لضمان استمرار الحقيقة، وألا يُترك العالم في فراغ المعلومات أو في ظل رواية واحدة غائبة عنها التعددية والإنصاف.
2124
| 07 مايو 2026