رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بعد أيام يرحل عام، ويدق عام جديد أبوابنا، ليقول لنا أنا في ضيافتكم لاثني عشر شهرا فهل لكم من أمنية؟
وتتدافع الأماني، والأحلام المجروحة التى لا تكاد تقف من فرط النزف، فكم من آمال يا عامنا الجديد نرجوها والألم الذى يكوي القلب منا يكاد يحرمنا من مجرد تصور الحلم، وكل شيء أمام العين يحترق!.
ماذا عساك يا عامنا الجديد أن تبني والعالم المنهار فينا يزداد انهياره كل يوم بفعل فاعل، لا مجال لالتقاط الأنفاس، هل رأيت يا عامنا الجديد دموع (زويل )؟، تلك التى حركت نشيج الأمة كلها لتبكي كما لم تبك من قبل؟، الآن تتداعى الأحداث وأذكر رائحة الضمادات، والدواء، والخراطيم الموصلة بشرايين أمي الممددة على سرير فى غيبوبة كاملة بمستشفى النيل بدراوي، قبل الفجر بقليل فاضت روحها أمام عيني، في حضني، وعندما أكد الطبيب أنها فارقت الحياة احتضنتها أكثر، فكك الطبيب ذراعي بصعوبة وأنا أنظر لوجهها ذاهلة دون دمعة، استمر ذهولي والطبيب يطالبني بالبكاء، لم أتمكن، تحجر الدمع في المآقي، فما كان منه إلا أن صفعني، وبكيت خلو العالم من المخلوق الذى أحببته حبا أسطوريا، كنت وحدي وبحاجة إلى (امان) يربت على وجع قلبي الذي استشعر ضياع (الامان). في الصباح كانت فى زيارتي الحبيبة الفاضلة الشيخة روضة بنت سحيم التى احتواني حنانها، وسؤالها، والتى جاءت في الزيارة الأخيرة لتجد سرير أمي فارغا لتعرف أن غاليتي رحلت. هذه الذكرى يعود وجعها الآن فارعا، موجعا، مزلزلا ومصر أمى ممددة أمام عيني بالعناية المركزة يحوطها بشر كثير لكنهم عاجزون عن تقديم شيء ينقذها!، لا جدوى من احتضان مصر والبكاء، لا جدوى من التشبث بأقدامها والدعاء، فما يحيطها يعطل التواصل معها او حتى مواساتها، ما حولها لغط، وكلام، وضجة، وتنظير، وتحريض، وأنانية، واستشهاد، وضيعة، وتخوين، واستغلال، ودموع، وكلها تنقل الروح إلى طقس صعب يستحيل معه مجرد العزاء!.
عندما تدمع عيون الرجل فذاك يعنى أن شيئا جللا قد حدث، ولم يدر (زويل) أن شرفاء مصر كلهم بكت عيونهم وهم يتابعون دموعه وقد أتى الحديث عما أصاب مصر من خراب، وانهيار، وافقار، لقد فزعت، ودمعت، وأنا أتابع رأسا جميلا وقلبا فاضلا يتوجع وما أصعب أن يكون هذا الرأس رأس عالم مبدع، وان يكون هذا القلب قلب (زويل) الطير المسافر الذى يعشق مصر.
يا عامنا الجديد هل بإمكانك تحويل دموع (زويل) وكل عشاق مصر إلى ابتسامة يملؤها الفرح؟، هل بإمكانك ضخ الأمان الذى يهفو إليه قلب كل مصري يستشعر طعم وجع مر، مر، مر، هل بإمكانك؟
* طبقات فوق الهمس
* شيطان كبير يشوط الحكمة بعيدا ليشتعل حريق بعده حريق، هل مناسب أن نقول مطلوب من عقلاء الوطن تناسى اقتتالهم على الكراسي لينتبهوا إلى أن قلب مصر ينزف بدرجة تقترب من الاحتضار؟.
* انا مع دعوة دكتور زويل بتخلي الثوار عن التحرير مع احتفاظهم بطلباتهم المشروعة حتى يتم حصر البلطجية الذين يشعلون النار خاصة وأن شهداء موقعة مجلس الوزراء الأخيرة سقط فيها شهداء طلاب من كلية الهندسة، والطب، والإعلام، وتقدمهم عماد عفت أمين عام لجنة الفتوى، فأين البلطجية يا ناس؟.
* إذا كانت الجهات المسئولة تقول إنها تعرف البلطجية وأسماء مَن يحركهم فطبيعي أن نسألها لماذا لم يُقدموا حتى الآن لمحاكمة عاجلة، ماذا ننتظر؟.
* ليس في خاطري إلا صورة الجيش المصري الذي هدم خرافة خط برليف وأذل إسرائيل وحقق نصرا خرافيا يدرس حتى الآن، وليس في خاطري إلا الجيش وهو يحتضن ثوار 25 يناير والورود التى كانت تحوط صدورهم لذا دمع قلبي قبل عيني وأنا أسمع المذيع ينقل مقولة أحد الجنرالات الاسرائيليين وهو يهنئ الشعب الإسرائيلي ويقول: (الآن ولد أمن إسرائيل فلا خوف من جيش يضربه شعبه بالحجارة).. ياخسارة!.
* الست هيلاري كلينتون غاضبة وقلقة لما يحدث في مصر من أعمال عنف، ولها نقول (ملكيش دعوى بمصر) اغضبي، واحزني، واقلقي، لما يحدث من جرائم فى (جوانتنامو) تعرفى جوانتنامو يا عمة؟
* اتصور بدلا من لوم امريكا، والدول الأوروبية التي حنثت بوعودها في مساعدة اقتصاد مصر بعد الثورة أن يجتهد المسئولون لاستعادة مليارات الدولة المنهوبة والمهربة للخارج، واستنطاق الحرامية أين ذهبوا بمال مصر.
* أحلام مع عام جديد
* أحلام مع عام جديد بمسئولين يقولون ما يقوله الشعب، ويعملون لخدمة الشعب، ويتبادلون مواقعهم مع الشعب ليتبينوا أن للشعب مطالب، وآمالا، وأوجاعا لها حق الشفاء، وأحلاما لها حق التحقق، وأحلاما بواقع يكرس كل طاقاته للإصلاح الاجتماعي يبدأ من السبورة في الفصل، وأحلاما بإصلاح سياسي يبدأ بالنزاهة والشفافية امام صندوق الانتخابات، وأحلم بإصلاح أسري وبرجال يؤمنون بأن مكان المرأه العادل بجانبهم وليس تحت أقدامهم.
* أحلم بمسئولين يغلقون قنوات الاستيراد التي ضيعت الاقتصاد الوطني كما أحلم بشعب منتج ينافس سلع الصين التي غزت الدنيا لتساهم في ارتفاع البطالة، وإغلاق مئات المصانع، حتى مصانع فوانيس رمضان شرد عمالها بعد أن صدرت لنا الصين فانوسها الذي يغني ويرقص؟.
* أحلم بأن ينتبه مَن سيتولى حكم مصر إلى لعب إسرائيل في جنوب السودان، كينيا، اثيوبيا، الكنغو، وما يدور فى منابع النيل لتأمين مصادر مياه مصر لأن الحروب القادمة ستكون باختصار حربا على الماء.
* يا عامنا الجديد قل لرئيس مصر المرتقب ان الناس يريدون صورة مغايرة لما كان في حكم المخلوع، الناس يريدون دولة قانون أول دساتيره مَن يخطئ يحاسب، ومَن يخون يعدم.
* فى عام يهل بعد أيام يقول كل مصري شريف (مصر التي في خاطري وفي فمي، احبها من كل روحي ودمي).
* أمنيات من القلب أن يهل عام جديد على عالمنا المتعب وقد عم السلام، والرخاء، والحب.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
عمل الغرب جاهدًا على أن يزرع في شعوب العالم أنه النموذج الأخلاقي والقيمي الأرقى، قوانين متقدمة، حقوق الإنسان، تحرير المرأة، عدالة اجتماعية، وإنسانية لا تعرف التمييز، هكذا طرح الغرب نفسه بتلك المنظومة القيمية التي حاول فرضها كمعايير عالمية، وجعل لنفسه حق التدخل في شؤون الدول التي لا تساير تلك المنظومة المُعلنة. بيد أن وثائق جيفري إبستين التي كشف عنها وأحدثت زلزالًا تتجاوز آثاره كونها حالة جنائية، إلى النظر إليها والتعامل معها على أنها جرائم سياسية وأخلاقية، تزاوجت في تنفيذها السلطة والمال والنفوذ. تلك الوثائق قد نسفت ادعاءات الغرب في تفوقه الأخلاقي، وأبرزت أن هذه القيم التي يترنم بها قيم نسبية مرهونة بالمصالح والنفوذ، ذلك لأنها ليست خطيئة فردية، بل هي جريمة منظمة ممنهجة ممتدة متشابكة. أظهرت الوثائق أن القيم تتبدد أمام إغراءات المال والسلطة، ولم يكن إبستين مجرد رجل يستغل النظام القضائي والإعلامي والسياسي من أجل تحقيق أطماعه في استعباد النساء والأطفال، بل هو صنيعة ونتاج منظومة الفساد الأخلاقي والقيمي. سيكون من السطحية والسخف أن تختزل هذه الفضيحة في شخص إبستين، فهو مجرد حلقة في سلسلة طويلة من الانتهاكات التي شهدها الغرب، ولذا جرى التهاون القضائي مع الرجل لأنه يعلم جيدًا أن من كان في مثل موضعه من السلطة والمال لن يُحاكم بنفس المعايير التي يحاكم بها غيره. لم يتجل السقوط الأخلاقي للغرب من خلال الفضيحة ذاتها وما ارتبطت به من أسماء ما يمكن أن نسميه «إدارة العالم» فحسب، بل من خلال تأخير الكشف عنها، فلم تكن هذه الحقائق مجهولة، بل كانت مؤجلة، فأصبحت هذه الحقيقة مجرد توثيق لحسابات النهاية، فالعدالة الحقيقية هي تلك التي تأتي في الوقت المناسب، فلماذا لم يتم الكشف عنها حينها؟ كأن الحقيقة قد سمح لها بالظهور فقط بعدما أصبحت فاقدة للقدرة على التغيير.ثم لنا أن نتساءل عن سر التهاون القضائي مع إبستين، وما تفسير حادث موته في السجن بكل ما يتعلق به من سلوكيات مريبة كتعطيل الكاميرات وغياب المراقبة لشخصية من المفترض أن تحظى بالرقابة الصارمة؟ الوثائق كشفت أن العدالة طبقية وانتقائية في النموذج الغربي، وليست سوى عمليات تفاوضية على الصياغة، وعلى ما يقال وما يترك، تجلى ذلك في الصفقات القانونية التي أبرمت، والتخفيف غير المبرر في الأحكام القضائية الصادرة، وتأجيل المحاسبة، بما يجعلنا نقول إن القانون يفسر وفقا لموقع المتهم لا حجم الجريمة، وهذا يؤكد انهيار ركيزة المساواة أمام القانون التي هي إحدى أهم ركائز أية منظومة قيمية. الوثائق كذلك عرّت الإعلام الغربي الذي يفاخر بالحرية والاستقلالية والشفافية والموضوعية وأظهرت ضلوعه في التواطؤ لخدمة السلطة والمال، وذلك بالتغطية على الجريمة، وأبرز طبيعته الاستهلاكية التي يقاس نجاحها بالمشاهدات وعوائد الإعلانات، كما أظهرت كذلك خضوع هذا الإعلام لنفوذ المال والسياسة وتمحوره حول حماية الأقوياء.. حتى في التناول الإعلامي للقضية، جرى التعامل الانتقائي الطبقي، حيث تم تهميش الضحايا وكأنهم مجرد أرقام تُذكر في السياق العام للجريمة، أو خلفية حزينة للأسماء اللامعة. من دواعي السخرية أن هذه الإدارة العالمية التي ضربت بحقوق الإنسان عرض الحائط، هي نفسها التي نصّبت نفسها مراقبًا على حقوق المرأة والطفل والحريات في عالمنا العربي والإسلامي، هي نفسها التي تتدخل في تربية أطفالنا وتسعى لتجريم تأديب الأبناء، وتؤجج الحركات النسوية لدفعها للتمرد على قيم وثقافات المجتمعات، وتبتز الحكومات بملفات الحرية وحقوق الإنسان، بما يؤكد أن الغرب يتعامل مع القيم باعتبارها سلاحًا سياسيًا. فصل الأخلاق عن السلطة، والفصل بين الخطاب السياسي والممارسة، يقوض الثقة الداخلية في الغرب ذاته، فأنّى لمجتمع يؤمن بتلك المنظومة وهو يراها تتهاوى أمام السلطة والمال، ويوقفه حائرًا أمام ذلك الثراء الذي يهب الحصانة. لعل هذا الحدث الجلل يجعل المُختطفين ببريق الغرب ويترنمون بتفوقه القيمي يراجعون أنفسهم، ويفصلون في الدعوة إلى السير على خطى الغرب بين ما يمكن أن نأخذه عنه من تقدم علمي وتكنولوجي ونحوهما، وما لسنا بحاجة إليه من قيم وأخلاقيات لنا السبق والسمو فيها، فالغرب إنما تقدم بسبب الأخذ بأسباب القوة والتقدم، لا من خلال منظومته القيمية والأخلاقية النسبية.
13263
| 08 فبراير 2026
يطرح اليوم الرياضي إشكالية المفهوم قبل إشكالية الممارسة، إذ إن تحديد موقعه الوظيفي داخل البنية المجتمعية يسبق بالضرورة أي حديث عن أشكاله التنظيمية أو مظاهره الظاهرة. فإدراجه ضمن منطق الفعالية الزمنية المحدودة يُفرغه من قيمته، بينما يقتضي الفهم الرشيد التعامل معه كأداة توجيهية لإعادة بناء الثقافة الرياضية على أسس واعية ومستدامة. على مستوى الفرد، لا يمكن اختزال دور اليوم الرياضي في المشاركة الشكلية أو الامتثال المؤقت. بل يفترض أن يشكّل لحظة وعي نقدي تُعيد تعريف العلاقة بين الجسد والمسؤولية الذاتية. فالنشاط البدني، في هذا الإطار، لا يُنظر إليه كخيار ترفيهي، بل كواجب مرتبط بالصحة العامة، والانضباط الشخصي، والقدرة على الإنتاج والاستمرار. ومن ثم، فإن القيمة الحقيقية لليوم الرياضي تتجلى في قدرة الفرد على تحويله من تجربة عابرة إلى التزام سلوكي طويل الأمد، وإلا تحوّل إلى ممارسة رمزية فاقدة للأثر. أما الأندية الرياضية، فيقع على عاتقها دور بنيوي يتجاوز التنظيم اللوجستي إلى الدور التنويري. فهي مطالبة بأن تكون وسيطًا معرفيًا يربط بين الممارسة الرياضية وبناء الشخصية، وبين التدريب والوعي، لا أن تكتفي بتوفير النشاط دون تنظيم فكري. كما ينبغي أن تتحمل الأندية مسؤولية استيعاب المجتمع خارج دائرة النخبة، عبر برامج مستمرة تستهدف الفئات غير النشطة، وتحوّل اليوم الرياضي إلى بوابة انخراط لا إلى ذروة موسمية. كلمة أخيرة: إن اليوم الرياضي يستمد قيمته من كونه لحظة تأسيس وعي لا لحظة استهلاك نشاط، ومن قدرته على إعادة توجيه الأدوار الفردية والمؤسسية نحو ممارسة رياضية واعية، مستمرة، ومتصلة بأهداف المجتمع الكبرى، لا من مظاهره الآنية أو زخمه المؤقت.
1296
| 10 فبراير 2026
لم يكن الطوفان حدثًا عابرًا يمكن تجاوزه مع مرور الوقت، ولا مجرد فصل جديد في صراع اعتدنا على تكراره. ما جرى كان لحظة فاصلة، كشفت الكثير مما كنا نفضّل تجاهله، ووضعت الجميع أمام واقع لم يعد من السهل الهروب منه. بعد الطوفان، لم تعد اللغة القديمة صالحة للاستخدام. لم يعد من الممكن ترديد العبارات نفسها، أو التظاهر بأن الصورة غير مكتملة. الصورة كانت واضحة، وربما كانت هذه أوضح لحظة شهدها هذا الجيل. أول ما سقط بعد الطوفان هو وهم الجهل. لم يعد أحد يستطيع الادعاء بأنه لا يعرف، أو أن الأمور بها لبس. كما سقطت فكرة النظام الدولي العادل. القانون الذي يعمل بانتقائية، وحقوق الإنسان التي تُفعّل حين تخدم المصالح وتُعطَّل حين تكون ضدها. والأهم انتهت اخطر كذبة كنا نكررها "ما باليد حيلة". وسقط أيضًا خطاب العجز الذي اعتدنا ترديده. ذلك الخطاب الذي يبرّر الصمت بحجة غياب القدرة، ويتعامل مع المأساة وكأنها قدر لا يمكن الاقتراب منه. ان تكون عاجزاً بعد الطوفان فهذا ليس بسبب الاوضاع بل بسبب اختيارك ان تكون عاجزاً. الطوفان لم يخلق قسوة العالم، لكنه كشفها بوضوح. كشف ازدواجية المعايير، وصمت المؤسسات، وبرود الخطاب السياسي أمام مشاهد لا تحتمل البرود. لكنه في الوقت نفسه كشفنا نحن، بطريقة ربما كانت مؤلمة أكثر. كشف سرعة انفعالنا، وسرعة تراجعنا. كشف كيف نغضب، ثم نتعب ثم نعتاد. كيف تتحول المأساة إلى صور، ثم إلى مقاطع، ثم إلى ذكرى بعيدة. كشف عدم قدرتنا على تحمل المناظر المؤلمة التي نراها في غزة عبر الفيديوات.. بينما اهل غزة يعيشون هذه المناظر فعلياً كل يوم ترك الطوفان أثرًا نفسيًا ثقيلًا. تعب عام، شعور بالعجز، وتقلّب مستمر بين الأمل واليأس. هذا التعب لا يُقاس بالأرقام، لكنه ينعكس في طريقة التفكير، وفي قبول الظلم باعتباره جزءًا من المشهد المعتاد. الخطر هنا ليس في الغضب، بل في الاعتياد. أن نصبح أقل دهشة، أقل صدمة. وضوح العدو لا يُعفي من مراجعة الذات. فالطوفان كشف ضعفنا في البناء الطويل، واعتمادنا المفرط على ردود الفعل. الغضب حاضر، لكن تحويله إلى مشروع مستمر، ما زال محدودًا. كما كشف تردّد النخب في تحمّل كلفة المواقف، وارتباك الجمهور بين الرغبة في الحقيقة والخوف من تبعاتها. النخب التي قال عنهم ابوعبيدة رحمه الله: انتم خصومنا امام الله. ما بعد الطوفان ليس مرحلة شعارات ولا خطابات حماسية. هو مرحلة أسئلة ثقيلة: كيف نفهم القوة؟ كيف نبني وعيًا ينهض بنا؟ إما أن يكون الطوفان نقطة تحوّل حقيقية، أو مجرد محطة أخرى في سلسلة صدمات اعتدنا أن نمرّ بها دون أن نتعلّم منها ما يكفي. ما بعد الطوفان يفرض مسؤولية أبعد من الغضب وأثقل من التعاطف. يفرض انتقالًا من حالة المشاهدة إلى موقع الفاعلية، ومن رد الفعل إلى الفعل الواعي طويل النفس. لم يعد السؤال: ماذا نشعر؟ بل ماذا سنفعل بهذا الشعور؟ لأن المشاعر التي لا تتحول إلى وعي، والوعي الذي لا يتحول إلى سلوك، ينتهي بهما الأمر وقودًا لجولة إحباط جديدة. أخطر ما قد يحدث بعد الطوفان ليس أن نُقهر، بل أن نقتنع أن أقصى دورنا هو أن نتألم ثم نعود إلى حياتنا كما كانت، وكأن الدم الذي رأيناه لم يكن اختبارًا أخلاقيًا مباشرًا لنا نحن، قبل أن يكون إدانة للعالم. بعد أن وقف اطلاق النار "الوهمي" حيث ان القصف لازال موجودا والقتل لازال موجودا ولكن الفرق هو ابتعاد الكاميرات عن غزة، بقيت الأسئلة بلا إجابات سهلة، يظل السؤال الأهم قائمًا: هل تغيّر العالم فعلًا، أم أنه كشف فقط حدود قدرتنا على التغيير؟ والأهم من ذلك.. هل تغيّرنا نحن بما يكفي؟ أم أننا ننتظر طوفانًا ودماء اكثر كي نتحرك فعلياً؟
798
| 10 فبراير 2026