رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

عادل الحامدي

مساحة إعلانية

مقالات

222

عادل الحامدي

من بغداد إلى طهران.. تفاوضٌ على حافة الغزو

22 فبراير 2026 , 03:51ص

تتسارع الخطى الأمريكية على نحو لافت تجاه ما يبدو أنه لحظة حسم مع إيران، حربًا أو سلمًا، في ملفين لا يقبلان المراوحة طويلاً: السلاح النووي والصواريخ الباليستية. تعددت عواصم التفاوض، من الدوحة إلى أبوظبي، فأنقرة فمسقط، وتبدلت الوجوه والوسطاء، لكن الهدف بقي واحدًا: لا ينبغي لإيران أن تدخل نادي الدول الواقفة على “براميل النووي” الجالب للهيبة والردع معًا.

واشنطن لا تخفي أن ما يقلقها ليس القنبلة بوصفها أداة تدمير فحسب، بل بوصفها أداة مكانة ونفوذ. أن تصبح طهران دولة عتبة نووية، قادرة في أي لحظة على القفز نحو التسلح الكامل، يعني في الحسابات الأمريكية انقلابًا في ميزان القوة الإقليمي، وتثبيتًا لواقع جديد يصعب التراجع عنه. أما الصواريخ الباليستية، فهي الذراع التي تمنح هذا “البرميل النووي” إن وُجد، معنى عمليًا. من دون وسيلة إيصال فعالة، يبقى الردع ناقصًا؛ ومعها يصبح التهديد عابرًا للحدود.

المفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران، بكل تعقيداتها وتفاصيلها التقنية والسياسية، تذكّر على نحو مؤلم بمفاوضات بغداد في تسعينيات القرن الماضي. يومها، دخل العراق في مسار طويل من التفتيش والضغوط والقرارات الدولية، انتهى في آخر أطواره إلى غزو لم يغيّر ملامح العراق وحده، بل أعاد تشكيل المنطقة برمتها. سقط نظام، وتفككت دولة، واندلعت حرائق لم تنطفئ حتى اليوم.

وبسخرية الأقدار، لعبت إيران دورًا رئيسيًا في تلك المحطة المفصلية. كانت من أبرز المستفيدين من إسقاط خصمها التاريخي في بغداد، ووجدت في الفوضى التي أعقبت الغزو فرصة لمد نفوذها غربًا. اليوم، تبدو طهران على الضفة المقابلة من المشهد ذاته: هي موضوع الضغوط، وهدف العقوبات، ومحلّ التهديد الضمني بأن البدائل العسكرية ليست مستبعدة إذا فشلت الدبلوماسية.

اللافت أن الأدوات تكاد تكون ذاتها: تقارير عن تخصيب ونسب نقاء، حديث عن أجهزة طرد مركزي، لجان تفتيش، عقوبات متدرجة، وحشد إقليمي ودولي. المبررات أيضًا متشابهة: منع الانتشار النووي، حماية الاستقرار، وصون أمن الحلفاء. غير أن العنوان الأوضح في هذه الجولة هو إسرائيل، الكنز الاستراتيجي للغرب في منطقتنا. كل حساب أمريكي في هذا الملف يمرّ عبر سؤال واحد: هل يتيح هذا المسار لإيران امتلاك قدرة مباشرة أو غير مباشرة على تهديد إسرائيل؟

صواريخ العراق التي وصلت أيام صدام حسين إلى فلسطين المحتلة، وأدخلت الإسرائيليين إلى الملاجئ، لا تزال حاضرة في الذاكرة الاستراتيجية الأمريكية. وكذلك صواريخ إيران، التي دفعت ملايين الإسرائيليين مؤخرًا إلى الاحتماء تحت الأرض، سواء أطلقت مباشرة أو عبر حلفاء إقليميين. تلك اللحظات التي تُغلق فيها المدارس، وتتوقف المطارات، ويهرع المدنيون إلى الملاجئ، هي ما يحرك آلة التعاطي الأمريكي مع طهران أكثر من أي خطاب أيديولوجي.

في هذا السياق، لا يبدو أن واشنطن تسعى فقط إلى اتفاق تقني يحدّ من نسب التخصيب أو أعداد الصواريخ، بل إلى إعادة رسم حدود النفوذ الإيراني في المنطقة، وإنهاء أي قدرة عسكرية قد تُستخدم لاستهداف إسرائيل. إنه مسار يتجاوز الملف النووي إلى سؤال أوسع: من يملك اليد العليا في شرق أوسط ما بعد الحروب الكبرى؟

غير أن دروس بغداد ينبغي أن تبقى ماثلة. فالمفاوضات التي تتحول إلى استعراض قوة، والعقوبات التي تتحول إلى حصار شامل، والضغوط التي تُغلق كل أبواب التراجع، قد تفضي في لحظة ما إلى انفجار لا يريده أحد علنًا، لكنه يصبح نتيجة منطقية لمسار مغلق. وحين تندلع الحرب، لا تبقى محصورة في خرائط العسكريين، بل تتسرب إلى بيوت الناس وأسواقهم وأحلام أطفالهم.

ليس في الحروب منطق تشفٍّ مقنع، ولا انتصار صافٍ بلا كلفة إنسانية فادحة. قد تتبدل الأنظمة، وتتغير موازين القوى، لكن الأمهات اللواتي ينتظرن أبناءهن، والأطفال الذين يكبرون تحت صفارات الإنذار، هم الثابت الوحيد في كل المعادلات.

قال الشاعر الجاهلي زهير بن أبي سلمى:

“وما الحربُ إلا ما علمتم وذقتمُ

وما هو عنها بالحديثِ المُرَجَّمِ”

هي الحرب، حين تُستدعى، لا تأتي بشعارات الهيبة وحدها، بل بمرارتها الكاملة. وبين براميل النووي وملاجئ الصواريخ، يبقى السؤال: هل يتعلم صانعو القرار من ذاكرة المنطقة، أم يكتبون فصلًا جديدًا من الألم بالمداد ذاته.

اقرأ المزيد

alsharq معالم من بدر

إنها معركة بدر، إنها معركة الفرقان، إنها فاتحة معارك النصر والعزة في الإسلام، قائدها رسول الله صلى الله... اقرأ المزيد

165

| 05 مارس 2026

alsharq الدبلوماسية الخليجية خط الدفاع الأول في زمن الحرب

تشهد منطقة الخليج تصاعدًا ملحوظًا في حدة المواجهة بين إيران والولايات المتحدة؛ فلم يعد المشهد مجرد توتر سياسي... اقرأ المزيد

144

| 05 مارس 2026

alsharq الكلمة دائما لـ «صحاب الأرض»

منذ أسابيع أصابتني قفلة من القراءة. تركت نفسي للأفلام والمسلسلات. سأقف عند مسلسل واحد هو «صحاب الأرض». حقق... اقرأ المزيد

171

| 05 مارس 2026

مساحة إعلانية