رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لقد أوقع تسارع وتيرة هبوط أسعار النفط الخام المراقبين في حيرة، وجعل مهمة توقع مستويات أسعار النفط ربما تكون في حكم الاستحالة في ظل متغيرات متلاحقة.
لقد هبط سعر النفط الخام الكويتي من أعلى مستوى له عند 109 دولارات للبرميل في شهر يونيو 2014 ليصل إلى 20 دولارا للبرميل في بدية شهر يناير 2016.. هبوط مقداره 89 دولارا للبرميل، وهذا يؤثر في مستوى الإيرادات النفطية.
ولكن لابد من التنبيه إلى أنَّ الأسعار اليومية للنفط لا تعني شيئا عند قياس حجم الخسائر على الإيرادات، وإنما الأسعار السنوية هي التي تؤخذ في الاعتبار من أجل التحليل والتقييم، وفي هذا السياق فقد هبط سعر النفط الخام الكويتي من 104 دولارات للبرميل في عام 2013، إلى 95 دولارا للبرميل في عام 2014، ثم إلى 46 دولارا للبرميل خلال عام 2015.
لقد كان السبب الرئيسي لضعف أسعار النفط وتدنيه إلى مستويات لم يشهدها السوق منذ عام 2002 -وأصبح الحديث عن سيناريو متكرر عن عام 1986 شائعاً- هو الزيادة الكبيرة في إمدادات النفط في السوق في عام 2014، والتي كانت من خارج الأوبك، وفي عام 2015 جاءت مناصفة ما بين الأوبك وخارج الأوبك.
حسب توقعات سكرتارية منظمة الأوبك، فقد ارتفع الطلب العالمي على النفط بـ1.5 مليون برميل يومياً في عام 2015، مستفيدا من ضعف أسعار النفط والتي ساعدت على تحفيز الطلب العالمي في البلدان المستهلكة وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية مع انخفاض أسعار الجازولين بشكل كبير، بينما ارتفعت الإمدادات من خارج الأوبك بوتيرة أقل عند 1.4 مليون برميل يومياً نتيجة ضعف أسعار النفط، كما استمر إجمالي إنتاج الأوبك في الارتفاع من 30.1 مليون برميل يومياً في عام 2014 إلى 31.1 مليون برميل يومياً في عام 2015 أو بزيادة مقدارها مليون برميل يومياً، والفائض في السوق انتهى مرتفعاً عند 900 ألف برميل يومياً.
وعليه فيعني هذا ارتفاع المخزون للعام الثاني على التوالي بأعلى مستويات مقارنة بالسنوات الخمس الماضية بالنسبة إلى البلدان الصناعية بما يفوق 270 مليون برميل.
وخلال الربع الأخير من عام 2015 وفي شهر يناير 2016 ارتفعت وتيرة هبوط أسعار النفط، ويعود ذلك للأسباب الآتية وهي ذاتها التي ترسم مسار أسعار النفط خلال غالب عام 2016: (1) شتاء معتدل في أمريكا وأوروبا أسهم في ضعف الطلب العالمي على النفط، وهو مما أسهم في استمرار ارتفاع المخزون النفطي في العالم ليسجل أعلى من السنوات الخمس الماضية ويزيد الضغوط على الأسعار.
(2) لكن العامل الأهم هو تباطؤ معدل تنامي الاقتصاد الصيني وضعف العملة الصينية وتأثر البورصة الصينية ومعها البورصات العالمية، ومخاوف من أزمة اقتصادية عالمية شبيهة بما حدث في 2008 – 2009.
(3) تصدير النفط الإيراني للأسواق العالمية في 16 يناير 2016.
(4) السماح بتصدير النفط الأمريكي للأسواق المختلفة.
(5) هبوط في مراكز المضاربين في الأسواق الآجلة بالنسبة إلى حجم عقود النفط الخام.
لقد شجعت هذه الأجواء والمتغيرات المتسارعة في قرار الأوبك سواء 27 نوفمبر 2014 أو في 4 ديسمبر 2015 بالتخلي عن دور المنتج المرجح وترك ديناميكية السوق النفطية تسير باتجاه التوازن والذي سيحدث بلا شك كما صرح بذلك العديد من معالي الوزراء داخل الأوبك، وكذلك سكرتارية الأوبك في تقريرها الأخير الصادر في شهر يناير 2016، وإن كانت وتيرة التوازن ربما تستغرق بعض الوقت.
وعن توقعات السوق خلال عام 2016، فإن الطلب العالمي على النفط يستمر بالتعافي بمقدار 1.25 مليون برميل يوميا، بينما تنخفض الإمدادات من خارج الأوبك لأول مرة منذ سنوات بـ480 ألف برميل يومياً، وفي مقابل ذلك يرتفع الطلب على نفط الأوبك بمقدار 770 ألف برميل يومياً، وهو ما يكفي لاستيعاب عودة النفط الإيراني للسوق النفطية وارتفاع متوقع في إنتاج النفط العراقي. ولكن هذا يعني توازن ميزان الطلب والعرض في السوق من اختلالات أو فائض، لكن لا يعني سحب المستويات العالية في المخزون النفطي التي تفوق السنوات الخمس الماضية والتي يمكن أن يبدأ السحب منها في نهاية 2016، أو بشكل واضح في عام 2017 والذي يتم التعويل عليه كثيرا في تحقيق التوازن والتعافي في أسعار النفط.
تعتقد وكالة الطاقة الدولية في تقريرها لشهر يناير 2016 باختلال ميزان الطلب والعرض للعام الثالث على التوالي، وأن مقدار الاختلال نحو مليون برميل يومياً، رغم هبوط الإمدادات النفطية من خارج الأوبك بـ600 ألف برميل يوميا لأول مرة منذ سنوات، كما أن مؤشر الإصلاحات التي يسعى لها المنتجون من خلال رفع المدعومات ستؤثر في مستويات الطلب وستفضي إلى ضعف نسبي في معدل تعافي الطلب العالمي على النفط خلال عام 2016.
من العوامل الإيجابية التي يمكن أن يكون لها تأثير ملحوظ في أسواق النفط هي انخفاض الإنفاق الاستثماري في قطاع الاستكشاف والتنقيب لسنتين على التوالي، وهو ما يعني أنه سيؤثر في توفير نفط جديد يحتاجه السوق النفطي في المستقبل، لكن هل سنشهد هذا التأثير في عام 2017 أم 2018؟ هذا ما سيراقبه السوق النفطي للتعرف على مسار السوق والأسعار.
وعلى العموم فإن أسعار النفط ستشهد ضعفاً خلال أغلب عام 2016 قبل أن تتعافى بشكل طفيف وتدريجي في الربع الرابع من عام 2016 ثم عام 2017، ويبقي نطاق تحرك أسعار النفط بالنسبة إلى نفط الإشارة برنت واسعا ما بين 30 دولارا للبرميل و60 دولارا للبرميل، ويحكم ذلك أساسيات السوق وتحفيز نشاط الحفر في إنتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة الأمريكية عند تعافي الأسعار، وهو ما قد يفرض سقفاً على مستوى تعافي الأسعار.
وفي الختام فإنه لا بد من التنبيه بأن تصريف النفط الخام يتم على أساس عقود سنوية طويلة الأجل تضمن منافذ آمنة وتقلل من إمكانية خسارة الأسواق، ولكنها لا تضمن التنافس وتؤكد قضية الشراكة الاستراتيجية كورقة مهمة في المحافظة على الأسواق، ومن ثم فإن أي نفوط إضافية ستواجه صعوبة في تصريفها مع ارتفاع المخزون إلى مستويات قياسية وعدم تنامي الطلب بشكل كافٍ. وعموماً فإن البيت الاستشاري "فاكتس إنرجي جلوبل" يتوقع هبوط أسعار نفط الإشارة برنت إلى 25 دولارا للبرميل مع ارتفاع إنتاج ومبيعات النفط الإيراني، وممكن أن تهبط إلى 20 دولارا للبرميل إذا ما استمر اعتدال درجات الشتاء وضعف الطلب الموسمي على النفط، وهو يعادل 15 دولارا للبرميل للنفط الكويتي بافتراض الفروق عند 5 دولارات للبرميل مقابل نفط خام الإشارة برنت.
أهمية تنمية وإدارة الموارد البشرية
تُعد الموارد البشرية الركيزة الأساسية لنجاح المؤسسات وتحقيق أهدافها، إذ إن العنصر البشري هو المحرك الرئيس للإنتاج والتطوير... اقرأ المزيد
99
| 05 يونيو 2026
رمز QR.. مسح سريع وخسارة كبيرة
أصبح رمز الاستجابة السريعة (QR) جزءًا من تفاصيل يومنا؛ نمسحه لقراءة قائمة طعام، أو لدفع رسوم موقف سيارة،... اقرأ المزيد
108
| 05 يونيو 2026
كيف نردع المتنمرين ؟
إن التنمر ينتشر غالبا بين الأطفال والمراهقين، سواء في المدرسة أو بين أبناء الأقارب أو غيرهم، وذلك يرجع... اقرأ المزيد
81
| 05 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها بثقة الرجال الكبار، برز اسم عبدالله بن حمد العطية كأحد أهم العقول الوطنية التي لعبت دوراً محورياً في صناعة نهضة الدولة الحديثة، وتحويل قطاع الطاقة إلى قصة نجاحٍ عالمية تُروى باحترام وإعجاب. لم يكن الراحل مجرد وزير أو مسؤول تنفيذي في قطاع النفط والغاز، بل كان رجل دولة من الطراز الرفيع، جمع بين الرؤية الإستراتيجية والحنكة السياسية والقدرة الفائقة على إدارة الملفات المعقدة في واحدة من أكثر الصناعات حساسية وتأثيراً في العالم. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً من متابعتي الصحفية لقطاع الطاقة في جريدة الشرق، عرفت عبدالله بن حمد العطية عن قرب، فوجدت فيه نموذجاً فريداً للمسؤول الذي يعمل بصمت، ويتحدث بلغة الإنجاز لا الشعارات. كان يؤمن بأن بناء قوة قطر الحقيقية يبدأ من حسن استثمار مواردها، ولذلك كرَّس جهده وعلاقاته وخبراته لترسيخ مكانة الدولة في الأسواق العالمية للطاقة. في عهده، شهدت قطر التحول الأكبر في صناعة الغاز الطبيعي المسال، حتى أصبحت واحدة من أهم الدول المصدّرة للطاقة في العالم، وصار اسمها حاضراً بقوة في القرارات الاقتصادية الدولية. كما لعب دوراً بارزاً في تعزيز حضور قطر داخل منظمة أوبك والمحافل العالمية، حيث كان يحظى باحترام واسع بين كبار المسؤولين وصناع القرار في قطاع الطاقة الدولي. تميَّز رحمه الله بشخصية قيادية تجمع بين الحزم والهدوء، وبين الدبلوماسية والقدرة على اتخاذ القرار في الأوقات الصعبة. وكان قريباً من الجميع، يقدّر الكفاءات، ويحترم العمل المهني، ويؤمن بأن نجاح الوطن مسؤولية مشتركة. لقد كان عبدالله بن حمد العطية واحداً من رجالات مرحلة التأسيس الكبرى، والذين ساهموا بإخلاص في نقل قطر من دولةٍ ناشئة في قطاع الطاقة إلى قوة اقتصادية عالمية ذات تأثير وثقل دولي. واليوم، وبرحيله، تفقد قطر اسماً كبيراً من أسماء جيل البناء، لكن سيرته ستبقى حاضرة في ذاكرة الوطن، وفي كل إنجاز تحقق على أرض هذه البلاد. رحم الله عبدالله بن حمد العطية رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء.
6396
| 30 مايو 2026
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
2778
| 31 مايو 2026
قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير من الأسر، وكان الاحتفاظ بجزء من الدخل للمستقبل أمرًا بديهيًا. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف أن نسمع عن أحدث سيارة، أو أغلى ساعة، أو وجهة السفر القادمة، بينما يتراجع الحديث عن الادخار والاستثمار والتخطيط المالي طويل الأجل. وفي الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات الدخل وتحسنت فيه مستويات المعيشة، برزت ظاهرة تستحق التأمل؛ فالكثير من الناس أصبحوا ينفقون أكثر مما كانوا يفعلون في السابق، ليس فقط على احتياجاتهم الأساسية، بل على المظاهر وأنماط الحياة التي يشاهدونها من حولهم يوميًا. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا أصبحنا ندخر أقل وننفق أكثر على المظاهر؟ وهل المشكلة في حجم الدخل أم في طريقة إدارة المال وتحديد الأولويات؟ لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا من السلوكيات المالية. فلم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن حوله فقط، بل أصبح يقارن نفسه يوميًا بآلاف الأشخاص الذين يشاهد تفاصيل حياتهم وسفرهم وسياراتهم ومقتنياتهم الفاخرة على مدار الساعة. ومع صعود المؤثرين وصناع المحتوى، أصبح التركيز على المظاهر والعلامات التجارية والسفر والمقتنيات باهظة الثمن أكثر حضورًا من أي وقت مضى. ولا تكمن المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعي أو في نجاح المؤثرين، بل في غياب الوعي لدى بعض المتابعين بأن ما يُعرض على الشاشات هو جزء محدود ومنتقى من الواقع. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت المقارنة أسهل من أي وقت مضى، لكنها لم تجعل بناء الثروة أسهل. ومن المهم هنا التفريق بين الثروة والاستهلاك. فهناك من يمتلك ثروات كبيرة أو استثمارات ناجحة أو أصولًا متراكمة عبر سنوات طويلة من العمل والاجتهاد، ومن الطبيعي أن ينفق على ما يرغب فيه من ساعات فاخرة أو سيارات مميزة أو مقتنيات ثمينة دون أن يشكل ذلك عبئًا على أوضاعه المالية. فهذه الفئة بنت ثروتها أولًا ثم استمتعت بثمارها لاحقًا. أما القضية التي تستحق النقاش فهي سعي بعض أصحاب الدخول المتوسطة أو المحدودة إلى تقليد أنماط إنفاق لا تتناسب مع أوضاعهم المالية الحقيقية. فقد ينفق البعض جزءًا كبيرًا من دخله أو مدخراته على ساعة فاخرة أو سيارة أو حقيبة من علامة تجارية عالمية أو رحلات متكررة، بينما كان بالإمكان توجيه جزء من تلك الأموال إلى الادخار أو الاستثمار أو بناء أصل يدر دخلًا مستقبليًا. إن المشكلة ليست في اقتناء السلع الكمالية بحد ذاتها، بل في أن تتحول إلى معيار للنجاح أو المكانة الاجتماعية. ولعل من أبرز مظاهر هذا التغير ما نشاهده من سباق نحو اقتناء العلامات التجارية العالمية، سواء في الساعات أو الحقائب الفاخرة أو السيارات أو غيرها من السلع الكمالية. فبعض الأشخاص يقضون سنوات طويلة في ملاحقة المظاهر الاستهلاكية، بينما يقضي آخرون السنوات نفسها في بناء محافظ استثمارية أو أصول عقارية أو مشاريع منتجة. وبعد عشر أو عشرين سنة تظهر النتائج بوضوح؛ فالأول قد يمتلك ذكريات مشتريات كثيرة، بينما يمتلك الثاني أصولًا تدر عليه دخلًا وأمانًا ماليًا واستقلالًا اقتصاديًا. وفي عالم ترتفع فيه تكاليف المعيشة وتتآكل فيه قيمة الأموال بفعل التضخم، لم يعد الادخار وحده كافيًا. ولهذا أصبحت الثقافة المالية الحديثة تقوم على ركيزتين أساسيتين: الادخار والاستثمار. فالادخار هو الخطوة الأولى نحو بناء الثروة، أما الاستثمار فهو الجسر الذي ينقل المدخرات إلى أصول منتجة. ومن الوسائل الفعالة لتعزيز ثقافة الادخار والاستثمار أن يضع الإنسان لنفسه أهدافًا مالية واضحة ومحددة، مثل شراء منزل، أو تأمين تعليم الأبناء، أو تكوين محفظة استثمارية، أو تحقيق الاستقلال المالي في مرحلة لاحقة من العمر. فوجود هدف واضح يجعل الإنسان أكثر قدرة على مقاومة الإنفاق غير الضروري، ويمنح الادخار معنى وغاية. ولا يقل أهمية عن ذلك تنمية الثقافة الاستثمارية وفهم الأدوات المالية المتاحة. وليس المقصود أن يتحول كل شخص إلى خبير في الأسواق، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تساعده على اتخاذ قرارات مالية أكثر وعيًا. ففي عصر تتوفر فيه المعرفة بضغطة زر، لم يعد التعلم المالي رفاهية، بل أصبح ضرورة. ليس المهم كم تكسب، بل ماذا تفعل بما تكسبه. ومن الأخطاء الشائعة أيضًا تمويل الرفاهية بالديون؛ فبعض الأشخاص يلجؤون إلى الاقتراض لشراء كماليات أو لمجاراة أنماط حياة تفوق قدراتهم المالية، فيتحول ما يبدو رفاهًا مؤقتًا إلى عبء مالي طويل الأمد. إن ترسيخ ثقافة الادخار والاستثمار يمثل أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الاستقلالية المالية والاستقرار الاقتصادي، كما يسهم في بناء أجيال أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق أهدافها بثقة ووعي. فالرفاه الحقيقي لا يقاس بما نظهره للناس، بل بما نملكه من أمان واستقرار وقدرة على مواجهة المستقبل بثقة واطمئنان. وليس الخطأ أن نشتري ساعة فاخرة أو سيارة مميزة أو أن نستمتع بثمار نجاحنا، وإنما الخطأ أن نجعل المظاهر أولوية قبل بناء الأساس المالي الذي يضمن لنا ولأبنائنا مستقبلًا أكثر استقرارًا وأمانًا. فالثروة لا تُبنى بالراتب وحده، بل بالانضباط المالي، والادخار المنتظم، والاستثمار الواعي والصبر.
2490
| 02 يونيو 2026