رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حينما يقدم لك أحد خدمة ما فإنك بطبيعة الحال تشكره على ذلك وإن كانت من صميم عمله، وضمن نطاق مسؤولياته، وإذا عمل الإنسان معروفاً فإنه بلا ريب يتوقع أن يجد الشكر والتقدير على ذلك، الشكر والتقدير في هذه الحالة ينمي المعروف ويشجع أهله على بذل المزيد منه وهي ترجمة صادقة لمشاعر فياضة مفعمة بالحس الإنساني الراقي، مغلفة بنبل الأخلاق، في تجسيد يعمق التآلف مفضياً إلى تأطير وتأصيل العلاقات الاجتماعية من خلال ضخ معان جميلة تتسم ببعد النظر، ويقين مطلق بأن الخير وعمله لا يذهب سدى، بل إنها موازين كلما ثقلت يوم تجزى كل نفس بما كسبت كلما خففت من وطأة الهموم التي تحيط بالقلب المترع بمسؤوليات الحياة وشؤونها والسعي في هذه الأرض لتحقيق مكاسب لم تكن بحال من الأحوال خاضعة لمقاييس وقتية زائلة، ويقترن رد الجميل بالبُعد الأخلاقي فمن خصائص النفس الكريمة إسداء المعروف ومن خصائصها كذلك رد المعروف بصيغة أجمل وأقرب إلى تحقيق الإنصاف المعنوي لكل طرف بمعزل عن الصد والنكران أو التجاهل والنسيان، فعندما يقابل المعروف بهذه المعايير غير المنصفة، فإنه حينئذ يكون للانحسار أقرب منه إلى الانتشار وبذلك يضيق الخناق عليه وتتضاءل فرص عمل الخير وفقاً للانصياع الإرادي لخلجات النفس والتي بدورها تحيل ما نتج عن هذا الأمر إلى المشاعر والأحاسيس ليشكل الانطباع السيئ صورة قاتمة تؤدي إلى التقوقع في دائرة ضيقة تكتنفها الظنون السيئة عطفاً على نوعية الاستجابة تلك، وكلما قوبل العمل الطيب بالتقدير كلما أتاح المجال رحباً واسعاً لاحتضانه والاحتفاء به وامتداده والعكس كذلك، وقد يكون للحساسية المفرطة حضور كثيف في هذا الجانب تبعاً لتفسيرات خاطئة أحياناً، أو أن يرافقها نوع من المّن على المتلقي، وهذا أقسى تمرير للألم والتجريح عبر هذا النفق المؤذي، فإذا كان من سينفق سيتبع ما أنفق منّا فخير له الاحتفاظ بجميله لكيلا يزداد قبحاً عندما يرى النور، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإن إشعار المرء بجميل معروف أسدي إليه وتكرار ذلك لا ينحصر تأثيره على الجانب النفسي فحسب بل إنه لا يلبث أن يفرز شكوكاً تنخر في صلب العلاقة وتنبئ عن وجود خلل ما، ففي حالة نكران الجميل وعدم رده بالشكل اللائق والمقبول إقصاء وإبعاد للمعروف والتوجس من فعله، وكذلك ما يرافق المعروف من منّ أيضاً يجهز على ما تبقى منه، وهكذا تتسع الهوة، فلم يبق الأول بعدم شكره وتقديره سبباً لامتداده، ولم يكن الثاني أوفر حظاً في تجسير الهوة، وهكذا تتم محاصرة المعروف وأهله في سياق لا يتسق بحال من الأحوال مع الأخلاق الفاضلة، وتنم بشكل واضح في قصور في استيعاب التقدير كمفهوم جليل جميل من كلا الطرفين، وهذا بدوره يحيلنا إلى إشكالية توحي بانعدام التوازن من خلال التعامل مع التقدير فكل بالغ في الإساءة إليه سواء من ناحية تهميش دوره أو إلحاقه بالأذى متعمداً كان أم خلاف ذلك، وفي واقع الأمر فإن هذه الخيوط المحيطة بكيفية التعاطي مع هذا المفهوم الرائع والذي يزيده تألقاً ولمعاناً حضوره المكثف، يطرزها وبدقة متناهية عبق الذوق الأخلاقي، حينما ترادف الابتسامة الجميلة كلمة الشكر والتقدير، وبقدر ما يفرض التباين أنماطاً مختلفة من حيث المستوى في التعامل مع التقدير، بقدر ما ينتزع الإعجاب ويثير الانتباه من حين لآخر، فعلى سبيل المثال تجد من يتعامل مع كلمة (شكراً) عشرات المرات في اليوم والليلة بيد أن نصيبها عند البعض لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة في الشهر، مع العلم بأن ادخارها لا يحقق أي عوائد، بل إنه ضمور في الأريحية مقرون بنبرة التعالي التي ليس لها ما يبررها وما تجلبه من جفاف يصيب الينابيع التي تأبى إلا أن تتدفق وتضخ ما يتاح لها، حتى وأن كانت مالحة فإنها حتماً ستعبر محطات تحلية الأحاسيس والمشاعر لتحليها رقراقة عذبة، وغالباً ما يتم تداول تقدير المخاطر كمصطلح اقتصادي مرتبط باستشعار النتائج عبر التحليل والاستقراء الدقيق، ووفقاً لدراسة متقنة في هذا الجانب والحيلولة دون التعرض إلى هزات أو خسائر أو على أقل تقدير تحقيق الحد الأدنى منها، وسؤالي الذي أرغب في طرحه هو: لماذا لا يرادف مفهوم تقدير المخاطر تقدير الأمان أو بالأحرى المكاسب؟ وأعني بذلك إنصاف التقدير من جهة كأن يوضع في الخطة ما يرافق المكاسب من بذل وعطاء لقنوات الخير، فإذا كان التقدير للأسوأ يحتم تخصيص جزء من الأرباح لتجاوزه فإن التقدير للأحسن مقروناً بالنية الصادقة في تخصيص جزء لأعمال الخير ستصبح باذن الله فأل خير وامتداداً لشكر المولى عز وجل على دوام نعمه، بل إن البركة ستحل بإذن الله مزيحة هواجس الخسائر وآثارها السلبية وقال نبينا الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم: "تفاءلوا بالخير تجدوه
قال الشاعر: من يفعل الخير لا يعدم جوازيه
لا يذهب العرف بين الله والناس
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
غدًا، لن نخوض مجرد مباراة في دور الـ16 من كأس أمم أفريقيا، بل سنقف على حافة حلم لا يحتمل السقوط. منتخب مصر على موعد مع اختبار قاسٍ، تسعين دقيقة قد تُعيد الروح أو تُعمّق الجرح، حين يواجه بنين في مواجهة مصيرية لا تحتمل أي خطأ. غدًا، ستكون القمصان الحمراء مثقلة بآمال شعب كامل، والقلوب معلّقة بكل تمريرة وكل التحام. مباراة خروج مغلوب، لا مجال فيها للحسابات ولا للأعذار، ولا مكان للتردد أو التهاون. بنين خصم عنيد، يعرف كيف يغلق المساحات وينتظر الخطأ، لكن مصر لا تُهزم عندما تلعب بقلبها قبل قدمها. نريد أن تكون الشراسة والقتالية حاضرة على أرضية الملعب حتى الرمق الأخير من عمر المباراة، نريد روح القتال التي تُعرف بها الكرة المصرية. الأنظار كلها على محمد صلاح، القائد الذي يعرف طريق المواعيد الكبرى، حيث سيشكل محورًا أساسيًا في صناعة اللعب وتهديد المرمى بقيادته الهجومية، إلى جانب الحيوية والسرعة التي سيضيفها عمر مرموش في التحركات الأمامية، مانحًا الفريق خيارات متعددة وخطورة مستمرة نحو مرمى الخصم. وهنا يأتي دور حسام حسن، الرجل الذي يعرف جيدًا ماذا يعني اسم مصر. غدًا، نطالب حسام حسن بأن يكون المدرب القارئ للمباراة، القادر على استثمار طاقات لاعبيه، وتوظيفهم توظيفًا سليمًا على أرضية الملعب. نريده أن يقود الفريق بعقل هادئ وقلب مشتعل، وأن يتحكم في مجريات المباراة منذ البداية وحتى صافرة النهاية. أما على صعيد اللاعبين، فالرسالة واضحة: نريد منكم تركيزًا كاملًا وحضورًا ذهنيًا لا يغيب طوال التسعين دقيقة. لا نريد لحظة استهتار، ولا ثانية غفلة. كل كرة معركة، وكل قرار قد يصنع الفارق بين الفرح والحسرة. كلمة أخيرة: غدًا، نريد منتخبًا يقاتل حتى آخر لحظة، منتخبًا يحمل روحنا وعشقنا القديم للكرة المصرية بكل قوة وإصرار. نريد فوزًا يملأ المدرجات فخرًا ويُعيد الثقة لكل من يحمل القميص الأحمر ويؤمن بالكرة المصرية، ويُثبت لكل العالم أن مصر حين تخوض المواعيد الكبرى لا تعرف إلا الانتصار.
1689
| 04 يناير 2026
في نسخة استثنائية من كأس الأمم الإفريقية، أثبتت الكرة العربية حضورها بقوة بعدما بلغ كل من المغرب، ومصر، والجزائر الدور ربع النهائي، في مشهد يعكس تطور الأداء والانضباط التكتيكي للمنتخبات العربية وقدرتها على المنافسة على أعلى مستوى. هذا النجاح لم يأتِ بالصدفة، بل كان نتيجة تخطيط واضح، وعقلية محترفة، وروح تنافسية جعلت الفرق العربية قوة لا يمكن تجاهلها في البطولة. الروح التي تتحلى بها هذه المنتخبات تتجاوز مجرد الأداء البدني أو التكتيكي، فهي روح الانتماء والفخر بالعلم والهوية. يظهر ذلك في كل مباراة، حيث يتحد اللاعبون من أجل هدف واحد، ويقدمون أقصى ما لديهم، حتى في أصعب اللحظات. هذه الروح الجماعية تمنح المغرب، ومصر، والجزائر القدرة على الصمود أمام المنافسين الأقوياء، وتحويل التحديات إلى فرص لإظهار الإبداع والقوة على أرض الملعب. أما الشراسة، فهي السمة الأبرز لهذه الفرق. على أرض الملعب، يقاتل اللاعبون على كل كرة، بعزيمة وإصرار لا يلين، كأن كل لحظة من عُمْر المباراة هي الفرصة الأخيرة. هذه الشراسة ليست مجرد قوة، بل تعبير عن الانضباط والالتزام بالاستراتيجية، وحرصهم على الدفاع عن سمعة الكرة العربية. مع كل تدخل، وكل هجمة مرتدة، يظهر أن هذه الفرق لا تعرف الاستسلام، وقادرة على قلب الموازين مهما كانت صعوبة المنافس. أما الطموح فهو المحرك الحقيقي لهذه الفرق. الطموح لا يقتصر على الوصول إلى ربع النهائي، بل يمتد إلى حلم أكبر، وهو رفع الكأس وإثبات أن الكرة العربية قادرة على منافسة عمالقة القارة. ويظهر في التحضير الشامل، والاستراتيجية المحكمة، وجهود كل لاعب لإتقان مهاراته والمساهمة بانسجام مع الفريق. ويتجسد هذا الطموح أيضًا في حضور نجوم صنعوا الفارق داخل المستطيل الأخضر؛ حيث قاد إبراهيم دياز المنتخب المغربي بلمسته الحاسمة وتألقه اللافت كهداف للبطولة، بينما جسّد محمد صلاح مع منتخب مصر روح القيادة والخبرة والحسم في اللحظات المفصلية، وفي الجزائر يظهر عادل بولبينة كعنصر هجومي فعّال، يمنح الفريق سرعة وجرأة في التقدّم، ويترجم حضوره بأهداف استثنائية على أعلى مستوى، وهو ما يؤكّد أن النجومية الحقيقية لا تكتمل إلا داخل منظومة جماعية متماسكة. كلمة أخيرة: النجاح العربي في البطولة ليس مجرد نتيجة مباريات، بل انعكاس للروح، للشراسة، وللطموح المستمر نحو القمة. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن المغرب، ومصر، والجزائر لم تعد مجرد فرق مشاركة، بل قوة لا يمكن تجاهلها، تحمل رسالة واضحة لكل منافس: نحن هنا لننافس، لنلهم، ولننتصر.
1248
| 08 يناير 2026
امشِ في الرواق الفاخر لأي مجمع تجاري حديث في مدننا، ستلاحظ شيئاً غريباً، الهدوء هنا مختلف، والرائحة مختلفة، وحتى طريقة المشي تتغير، أنت لست في سوق تشتري منه حاجاتك، بل أنت في «معبد» جديد تغذيه ثقافة الاستعراض، طقوسه الماركات، وقرابينه البطاقات الائتمانية. في الماضي القريب، كنا نشتري السيارة لتوصلنا، والساعة لتعرفنا الوقت، والثوب ليسترنا ويجملنا، كانت الأشياء تخدمنا. كنا أسياداً، وهي مجرد أدوات، لكن شيئاً ما تغير في نظام تشغيل حياتنا اليومية. لقد تحولنا، بوعي أو بدونه، من مستهلكين للحاجات، إلى ممثلين على خشبة مسرح مفتوح اسمه وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحنا لا نشتري الشيء لنستمتع به، بل لنصوره. أصبح السؤال الأول قبل أن نطلب القهوة أو نشتري الحقيبة: «هل شكلها حلو في التصوير؟». هذه «الثقافة الاستعراضية» قلبت المعادلة، لم تعد الأشياء تخدمنا، بل أصبحنا نحن موظفين عند هذه الماركات، ندفع دم قلوبنا ونستدين من البنوك، لنقوم نحن بالدعاية المجانية لشعار شركة عالمية، فقط لنقول للناس: «أنا موجود.. أنا ناجح.. أنا أنتمي لهذه الطبقة». لقد أصبحنا نعيش «حياة الفاترينات». المشكلة ليست في الرفاهية، باقتصاد، فالله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، المشكلة هي حين تتحول الرفاهية من متعة إلى قيد، حين تشعر بضيق في صدرك لأنك لا تملك «الترند» الجديد. حين يضغط الشاب على والده المتقاعد، أو تستدين الفتاة، لشراء كماليات هي في الحقيقة أغلال ذهبية. لقد تم صناعة رغباتنا بذكاء، حتى نسينا تعريف الوجاهة الحقيقي. في مجالسنا القديمة، كانت قيمتك بعلومك الغانمة، بأخلاقك، بوقفتك مع الصديق، ورجاحة عقلك. لم يكن أحد يسأل عن ماركة نعالك أو سعر ساعتك ليعرف «من أنت». أما اليوم، فتحاول الإعلانات والمؤثرون إقناعنا بأن قيمتك تساوي ما تلبس وما تركب. وأن الخروج من ثقافة الاستعراض يعني أنك متأخر عن الركب. نحن بحاجة لوقفة صادقة مع النفس، نحتاج أن نتحرر من هذا السباق الذي لا خط نهاية له. السباق الذي يجعلك تلهث خلف كل جديد، ولا تصل أبداً للرضا. القيمة الحقيقية للإنسان تنبع من الداخل، لا من الخارج، «الرزة» الحقيقية هي عزة النفس، والثقة، والقناعة. جرب أن تعيش يوماً لنفسك، لا لعدسة الكاميرا، اشرب قهوتك وهي ساخنة قبل أن تبرد وأنت تبحث عن زاوية التصوير، البس ما يريحك لا ما يبهرهم. كن أنت سيد أشيائك، ولا تجعل الأشياء سيدة عليك، ففي النهاية، كل هذه الماركات ستبلى وتتغير، ولن يبقى إلا أنت ومعدنك الأصيل.
984
| 07 يناير 2026