رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم تخسر أية فكرة خلال الصراعات التى شهدها الإقليم طوال الستين عاما الماضية ،كما خسرت فكرة العروبة (القومية العربية) ،حتى وصلت الخسارة والاستنزاف الذى تعرضت له حد القبول بمشروعية التساؤل ،عن ما إذا كان هناك ما تبقى منها ،كنمط من أنماط البناء المجتمعي وعلى صعيد علاقات الدول مع بعضها البعض (التنظيم العربيى الجامع -الجامعه العربية) فضلا عن الأبعاد النظرية للفكر ،كما أن الخسارة لم تعد ظاهرة في بعدها السلبي (التآكل ) بل فيما صار يبنى على أسس مختلفة عنها – ومضادا لها-من تحالفات جرت في الإقليم ،ويضاف إليها ما هو ملموس ومؤلم من حالة غياب حقيقية لقوة الموقف العربي ومن ضياع القيمة الفعلية والاعتبارية للجامعه العربية ،في أعين المواطنين العرب والقوى المجتمعية والسياسية ..الخ.
وإذ يحتار المراقب فى بحثه لتحديد متى كانت نقطة الانكسار .هل كانت هزيمة عام 67 ،أم يوم نهاية النظام الناصرى ،فهناك من يرى أن الانكسار كان واردا من داخل الفكرة والمنظومة ولم يأت مستجدا عليها.
وإذ يحتار فى جمع وتحديد الخسائر التى منيت بها الفكرة وتياراتها والممارسات العملية لها ،فالمؤكد الآن أن الأمر قد تخطى التاريخ وبات يحفل بزخم جارٍ مضاد للفكرة -وما تفرضه من علاقات وتحركات -بما يتطلب إعادة توصيف ما يجرى حاليا فى الجهة المقابلة او فى ظل سيادة مناخ مضادة لفكرة العروبة ،إلى درجة يمكن القول معها :ان المنطقة تعيش فعليا مرحلة ما بعد القومية !.
لقد غادرت كثير من الممارسات الشعبية فكرة العروبة-بل حتى الوطنية وحالة الولاء للدولة- حين التحقت مساحات واسعة من الجمهور العام بالفكرة الطائفية وصارت تخوض حربا تجرى بكل الوسائل لتثبيت تلك الفكرة كولاء وانتماء حتى بلغ الأمر ببعضها حد تخطى الانتماء العربي (العروبي –القومي) والعمل ضمن ارتباط وانتماء –ولنقل احتماء-بقوميات أخرى أهمها الفارسية. كما نشطت الأقليات غير العربية (فى الدول العربية) وعادت لتطرح فكرة قومية أو عرقية خاصة بها ،فى مواجهة القومية بل والوطنية وإلى درجة فك الارتباط بالدولة (القُطْرية) سياسيا وقانونيا .وقد انتهت الممارسات على الصعيد الرسمى بكل نظم الحكم التي رفعت شعارات القومية العربية (في الخمسينات والستينات) من ناصرية وبعثية إلى الانهيار،والأخطر إن لم تجر نهايتها أو سقوطها، لا لمصلحة بقاء وانتعاش الدولة القُطْرية ولا لمصلحة الفكرة والكيان العروبي الأوسع ،بل جاء التغيير على حساب الدولة القطرية والفكرة العروبية معا،بما جعل الفكرة والرؤية القومية متراجعة بخطوات أبعد مما ساد فى أية مرحلة سابقة.
وعند مراجعة تطور حركة الصراع ،يتضح أن تراجع الفكرة والحالة القومية العربية لم يجر كحالة عامة تشمل كل حالات الانتماء القومي في الإقليم ،بل إنها وصلت إلى حالة الانحدار تحت ضربات قومية أخرى هى القومية الفارسية ،التى ظهرت كقومية متصارعة أو معادية للقومية العربية ،ووصلت الآن حد احتلال ثلاث دول عربية ، بما يدفع للقول ان التراجع جرى للفكرة العروبية لا للفكرة القومية على إطلاقها فى الإقليم،وإننا نحن من نعيش مرحلة ما بعد القومية (العربية) فيما يعيش غيرنا مرحلة ازدهار وانتصار قوتهم ورؤيتهم القومية!
كما تظهر التطورات الجارية أن لا أفقا مستقبليا لنهوض الفكرة القومية فى الأمد القريب أو المتوسط ، إذ بعض من رموزها وتياراتها بات في موقع المساندة للنظم الديكتاتورية المنبعثة حاليا بممارسات دموية كانت السبب الحقيقي والفاعل في ما أصاب الفكرة القومية أو العروبية وتجربتها إلى ما انتهت إليه –وكان البعض انتهى إلى دعم القُطْرية على حساب القومية-وهو ما يعني تكرار ذات المواقف والاستمرار في نفس الممارسات ،ونتيجته المؤكدة هي ضياع كل أمل في استعادة الحالة القومية .
صرنا نعيش حالة ومرحلة ما بعد القومية ،لكن الخطر على الأمة صار أبعد ،حيث البديل الإسلامى الذي ظهر متصارعا مع الفكرة القومية عند بداية القرن الماضي ،تحت عنوان الجامعة الإسلامية في مواجهة الجامعة العربية ،والذى كان مفترضا أن يكون البديل والراية الآن ،صار ملاحَقا ويواجه حربا ضارية ،إذ أصبح متهما بالإرهاب من جهة –وهو اتهام توسع تعميمه حتى بات يشمل جميع فصائله –ومتهما بالطائفية ،والمساهمة فى التفكيك هو الآخر !
فهل من فكرة أو رؤية مهندَسة وراثيا تستطيع تلافي كل أعمال التشويه لتصبح رؤية جامعة وراية واسعة تحشد الطاقات مجددا ؟.وكيف لها أن تستعيد ما فقدناه في العراق وسوريا واليمن -الجارية فيه معركة ضارية- لصالح الفكرة والرؤية القومية الفارسية؟!
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
2976
| 06 مايو 2026
في لحظة إقليمية دقيقة تتشابك فيها اعتبارات الأمن مع تحولات الاقتصاد العالمي، برزت القمة الخليجية التشاورية في جدة كحدث يتجاوز طابعه البروتوكولي، ليعكس نضجاً سياسياً واستراتيجياً في أداء دول مجلس التعاون، وقدرتها على الانتقال من إدارة الأزمات إلى استباقها وصياغة مسارات أكثر توازناً للاستقرار الإقليمي والدولي، وقد ترأس صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، أعمال هذه القمة، لتؤكد هذه المحطة أن الخليج بات لاعباً محورياً في إعادة تشكيل المشهدين السياسي والاقتصادي على حد سواء، ومنطلقاً لرؤية موحدة تتعامل مع التحديات الكبرى بمنطق الشراكة والمسؤولية الجماعية. ولم تعد هذه القمة مجرد لقاء تشاوري تقليدي، بل تمثل محطة مفصلية في انتقال الخليج من موقع “التفاعل” مع الأزمات إلى موقع “صناعة التوازن”، حيث جاءت مخرجاتها لترسم خريطة طريق عملية تهدف إلى احتواء الأزمات قبل تفاقمها، في ظل بيئة دولية تتسم بتذبذب أسواق الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، هذا التحول الاستراتيجي يعكس إدراكاً عميقاً بأن استقرار المنطقة ليس شأناً محلياً فحسب، بل هو ركيزة أساسية للأمن والسلم الدوليين، مما يتطلب تنسيقاً عالياً يتجاوز التعاون التقليدي إلى التكامل الفعلي في المواقف والسياسات تجاه القوى الدولية الفاعلة. وفي صلب هذا التحول، جاء التركيز الواضح على أمن الملاحة الدولية كإحدى أبرز أولويات القمة، إذ لم تعد الممرات الحيوية في البحر الأحمر والخليج العربي ومضيق هرمز مجرد مسارات إقليمية، بل شرايين استراتيجية يمر عبرها نحو خُمس تجارة العالم، ومن هنا، بعثت القمة برسالة حازمة للمجتمع الدولي مفادها أن حماية هذه الممرات هي مسؤولية مشتركة، وأن دول الخليج لن تتوانى عن القيام بدورها القيادي لضمان تدفق التجارة والطاقة، ومواجهة أي تهديدات قد تمس سلامة الملاحة أو تعيق حركة الاقتصاد العالمي، مما يعزز من مكانة دول المجلس كصمام أمان حقيقي في قلب العالم. وقد تجلى في أروقة القمة إصرار خليجي على تعميق العمل المشترك من خلال مشاريع تكاملية ملموسة، تمتد من الربط الكهربائي والسككي وصولاً إلى التنسيق الأمني والعسكري المتقدم، وهو ما يعطي للعمل الخليجي بعداً مؤسسياً قوياً وقادراً على مواجهة التقلبات الجيوسياسية، إن قمة جدة، بما حملته من مضامين، تؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها الخليج هو "البوصلة" التي توجه مسارات الاستقرار في المنطقة، متمسكاً بسيادته ومصالحه الوطنية، وفي الوقت ذاته منفتحاً على صياغة تحالفات دولية قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة لضمان مستقبل أكثر أماناً وازدهاراً.
2862
| 30 أبريل 2026
تمر قطر بمرحلة استثنائية تتشابك فيها التوترات الإقليمية مع ضغوط على أسواق الطاقة والنقل الجوي وحركة التبادل التجاري. غير أن التحليل الاقتصادي المتأني يكشف صورة أكثر توازناً مما توحي به حالة القلق السائدة: فالموارد السيادية وافرة، والإطار المالي راسخ، والقيادة أثبتت مراراً قدرتها على اجتياز محطات أشد وطأة والخروج منها باقتصاد أعمق تنوعاً وأكثر متانة. يمكن قراءة المشهد عبر ثلاثة ضغوط متمايزة: ضغط في جانب العرض لسوق الغاز الطبيعي المسال وتأثيره على الإيرادات السيادية، وتزايد المنافسة في تلبية الطلب الخارجي، وضغط الاستجابة المالية أي خيارات الحكومة في ضبط إنفاقها في ظل تراجع الإيرادات المالية في الربع الأول والثاني من 2026. الضغطان الأول والثاني خارجيان لا سبيل إلى درئهما، أما الثالث فخيار سياسي داخلي قابل للمراجعة، وفيه يكمن هامش المناورة الذي تنفرد فيه السياسة المالية القطرية بفعل حقيقي. وتشير التقديرات في ضوء ثلاثة سيناريوهات لمدة الأزمة إلى أن الفارق بين أكثر الخيارات تشدداً وأكثرها توسعاً قد يبلغ قرابة 2.5 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي1، أي نحو 5.8 مليار دولار. وأمام صانع القرار ثلاثة مسارات: التوسع في الإنفاق مع تدخل معاكس للدورة الاقتصادية، وترشيد الإنفاق على نحو ما أوصت به مشاورات المادة الرابعة لصندوق النقد الدولي في فبراير 2026، ومسار توفيقي يجمع توسعاً معتدلاً في 2026 يعقبه ترشيد مالي موثوق بين 2027 و2029. والتجربة الخليجية تُرجح أن المسارات التوفيقية هي الأنجح. وتقوم قطر على هامش مناورة مالية واسعة تراكم عبر عقود من الإدارة الرشيدة: احتياطيات مصرف قطر المركزي نحو 71 مليار دولار تغطي أكثر من ثمانية أشهر من الواردات، وأصول جهاز قطر للاستثمار نحو 557 مليار دولار. وما قد تحتاج إليه قطر لا يتجاوز قرابة 1% من أصول الجهاز في أعلى التقديرات، ونصف ذلك في المسار التوفيقي- نسبة تقل عن العائد السنوي المعتاد لمحفظة بهذا الحجم، فلن يتأثر الجهاز في قدرته على خدمة الأجيال القادمة. وتدل السوابق الإقليمية على نمط متكرر: الكويت بعد 1990–1991، والسعودية بعد 2014، وعُمان بين 2020 و2024- ضغط حاد، فاستجابة متوازنة، فتعافٍ أمتن. وقطر تدخل المرحلة من موضع أمتن. والمنظومة المؤسسية - وزارة المالية ومصرف قطر المركزي وجهاز قطر للاستثمار- أثبتت كفاءتها خلال حصار 2017 وجائحة 2020 دون أن تحيد عن مسار التنمية. فالموارد متاحة، وهامش المناورة واسع، وصنع القرار في أيدٍ راسخة. قطر ستخرج من هذه المرحلة أقوى وأكثر تنوعاً وأعمق استعداداً لما يأتي بعدها، لأن القيادة تملك من الوعي والبصيرة ما يكفيها، وسجل الإنجاز القطري شاهد على ذلك أكثر من مرة.
2637
| 04 مايو 2026