رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يعكف قطاع التعليم القطري على تبني التحول الرقمي بينما تتكيف المدارس مع وضع طبيعي جديد في غمرة الجائحة العالمية.
وفقاً للبنك الدولي، تضرر أكثر من 1.7 مليار من التلاميذ في العالم بسبب أزمة كوفيد - 19. وعليه، فقد تحوّلت مؤسسات التعليم في قطر في السنة الدراسية الماضية إلى تكنولوجيا التعليم لتمكين الاستمرار في التعلم أثناء تفشي فيروس كورونا.
وسرعان ما أصبحت منطقة الخليج بشكل عام سوقاً سريعة النمو لشركات تكنولوجيا التعليم، حيث أشار مقدمو هذه الخدمات العالميون إلى زيادة سنوية نسبتها 500 في المائة في عدد مشتركي المنصات من الشرق الأوسط خلال عام 2020، وفقاً لتقرير "تكنولوجيا التعليم – مقبِّلات أم طبق رئيسي؟" الصادر عن مؤسسة رِدستير (RedSeer) الاستشارية.
وعلى الرغم من الجائحة العالمية، ظلّت جودة نظام التعليم في قطر عالية، وفقاً لمؤسسة ألبن كابيتال (Alpen Capital) للأبحاث. وفي عام 2020، رصدت قطر 10.5 في المائة من إجمالي ميزانيتها للتعليم – أي أعلى بشكل ملحوظ من نسبة 9.3 في المائة التي كانت مخصّصة في عام 2019.
ووفقاً لما جاء في التقرير، فإن المخصصات المالية تدعم هدف الدولة في تعزيز قطاع التعليم من خلال تحسين مناهج الدورات الدراسية، ورفع مستوى كفاءة التعليم، وصقل الأداء العام لمنظومة التعليم.
قفزة تكنولوجيا التعليم في قطر
تعمل المدارس والجامعات القطرية مع شركاء عالميين للمساعدة في التمهيد للارتقاء بالنظام التعليمي إلى العصر الرقمي. ومن بين هؤلاء الشركاء المتعاونين بريطانيا، وهي موطن لأكبر تجمّع لتكنولوجيا التعليم في أوروبا، والمعروفة تاريخياً بقطاعها التعليمي الراسخ.
يقول سيمون بيني، المفوض التجاري البريطاني لمنطقة الشرق الأوسط: "تولي قطر أهمية كبيرة للتعليم كجزء من استراتيجيتها الوطنية للتنويع. وكانت الشركات البريطانية أثناء الجائحة في الطليعة في مجال دعم المدارس المحلية خلال الجائحة لتقديم تعلّم هجين: عبر الإنترنت ووجها لوجه".
إنّ أكثر من نصف أفضل 20 شركة أوروبية في مجال تكنولوجيا التعليم هي شركات من المملكة المتحدة، وفيها أكثر من 1000 شركة من شركات تكنولوجيا التعليم التي لديها خبرة في البنية التحتية، وربط الشبكات، والأجهزة، والبرمجيات، والمحتوى. أما قطاع تكنولوجيا التعليم في لندن فهو بحدّ ذاته الأكبر في أوروبا، حيث تقدر قيمته بنحو 3.4 مليار دولار.
التعلم الهجين الذي يتمحور حول التكنولوجيا
لم يتكشف بعد التأثير الكامل لجائحة كوفيد-19 على التعليم المحلي، ولكن من شبه المؤكد أن ينصبّ تركيز نماذج التعلم بصورة أكبر على التكنولوجيا على المدى الطويل نظراً لسرعة ما لمسته المدارس من فوائد لتكنولوجيا التعليم.
وإذ من المرجح أن يظل التعلم وجها لوجه عنصراً تعليمياً أساسياً - نظراً لقدرته على توفير الدعم الفردي والعمل الجماعي ومزايا الرفاه – إلا أن الجائحة العالمية قد دفعت بالمدارس نحو اتباع نماذج هجينة تدمج التكنولوجيا الرقمية بشكل جذري بالتدريس المعتاد.
يقول سيمون هاي، الرئيس التنفيذي ومؤسس شركة فايرفلاي Firefly ومقرها المملكة المتحدة - وهي شركة تبتكر التكنولوجيا اللازمة لاستمرارية التعلم ومشاركة أولياء الأمور – بأن التعلم الهجين أخذ ينتشر بصورة أكبر في مدارس قطر التي يداوم طلابها داخل المدرسة جزءا من الأسبوع فقط للحفاظ على التباعد الاجتماعي، ولتقليل عدد طلاب الصف إلى الحدّ الأدنى.
ترتبط شركة Firefly بشراكات مع أكثر من 850 مدرسة في مختلف أنحاء العالم، بما في ذلك شراكاتها مع قطر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. وقد دعمت هذه الشركة مؤخرا كلية الدوحة Doha College في سعيها لتعزيز التواصل مع أولياء أمور التلاميذ.
وقد تولّت نيكولا ميكل، نائبة مدير التدريس والتعلم في كلية الدوحة، تطبيق برنامج جديد استبدل التواصل بالرسائل الورقية والبريد الإلكتروني بنظام أحادي فردي خاص بمعلومات حول ولي الأمر والتلميذ والمعلم. وهي تقول: "بدون هذا البرنامج، ما كان باستطاعتنا أن نستجيب بنفس الطريقة لاحتياجات طلابنا وأولياء أمورهم ومعلميهم خلال هذه الجائحة".
هذا النظام - القائم على منصة Firefly – يوفر لأولياء الأمور رؤية واضحة للحياة المدرسية، وما يحققه التلاميذ من تقدم في الدراسة. ولقد كان مفيداً بشكل خاص بالنسبة لطلاب المرحلة الثانوية، كما تقول السيدة مايكلي، وتضيف بأنه قد يصبح من الصعب على الآباء متابعة سيْر وتقدم أبنائهم الطلاب عندما ينتقلون إلى المرحلة الثانوية، حيث تقول: "إن وجود هذه المنصة يساعد أولياء الأمور على تتبع مسيرة أبنائهم، وبذلك يشعرون بأنهم يشاركون بصورة أكبر".
وقد استقطبت كلية الدوحة شبكة من المعلمين من أوائل من تبنّوا هذا النظام، ومنسقي التعلم الإلكتروني لتشجيع الانتقال التدريجي إلى النظام الجديد من خلال التوجيه والتطوير المهني ومساعدة أولياء الأمور.
وقالت السيدة ميكلي إن هذا النظام لعب "دوراً حيوياً" في دعم التعلم ومشاركة أولياء الأمور أثناء الجائحة.
التعلم السريع
شركة HME البريطانية، المعنية بالتصميم والتكنولوجيا والمعدات العلمية، تعمل بكامل طاقتها لإنشاء مختبراتها للذكاء الاصطناعي والطيران وعلم الروبوتات المصممة خصيصا للمدارس والجامعات في الشرق الأوسط، كما أنها تجري محادثات مع مؤسسات تعليمية في قطر بشأن مشاريع مستقبلية وشيكة.
يقول سايمون وينسلي، مدير مبيعات التصدير وتطوير المنتجات في HME: "تشجع شركتنا تكامل أساليب التعلم المتطورة سريعا لاستخدامها في التعليم في المملكة المتحدة وفي منطقة الخليج. وعلى مدى سنوات عديدة، تكيفت الجامعات البريطانية مع استخدام منصة تعليمية مرنة للتعلم عبر الإنترنت وفي قاعات الدراسة. ونحن نعتقد أن التعليم الهجين الذي يشهد تطورا سريعا هو الطريق مستقبلا، وقد أظهر لنا أن علينا أن نكون مبتكرين ومرنين في كيفية تقديم تعليم التصميم والتكنولوجيا".
وبدعم من الحكومة ورواد الأعمال، بالتنسيق مع شركات تكنولوجيا التعليم، تعتقد شركة HME أن الاستثمار في تطوير محتوى تعليمي هجين، جنباً إلى جنب مع التفاعل الأساسي للطلاب داخل المدرسة، يمكن أن يدعم بلورة نموذج تعليمي قابل للتطبيق في العديد من المواد الدراسية.
ووفقاً لما يقوله سايمون بيني، أثبتت مؤسسات التعليم في قطر أنها "مبتكرة فيما تتبناه" من الحلول الرقمية في سباقها لتحصين نفسها ضد الصدمات الطارئة في خضم الجائحة العالمية.
وقال: "هناك مجال واسع للتعاون مع الشركات البريطانية بينما تواصل قطر الاستثمار في تحسين وصقل نظامها التعليمي كجزء من أهدافها الطموحة في التنويع الاقتصادي".
مديرة مكتب وزارة التجارة الدولية البريطانية في قطر
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4617
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3312
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1278
| 28 سبتمبر 2026