رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أتناول التأثيرات المحتملة للحرب الروسية الأوكرانية على العالم العربي من محورين هما الأمن الغذائي والطاقة. فالدول العربية لا تنتج غذاءها وجميعها مستورد للغذاء، ولكن هناك مصدرين ومستوردين للطاقة، وهناك تأثيران متضادان للحرب على هاتين المجموعتين. ويمكن القول إن الدول المصدرة للطاقة ستستفيد من ارتفاع أسعارها، وهي في وضع نسبي أفضل من حيث مؤشرات أمنها الغذائي، وتنوع مصادر استيراد الغذاء ونظم تخزينه، بالإضافة إلى أوضاعها المالية الأفضل للإيفاء باحتياجات السكان، ما عدا العراق وليبيا اللتين تعانيان من عدم استقرار سياسي. أما المجموعة المستوردة للطاقة، فقد تصاب بصدمة مزدوجة، من حيث ارتفاع أسعارالغذاء والطاقة، وربما نقص الامدادات من الأول، وهي تعاني من قصور في أنظمة التخزين وأقل تصنيفاً على مؤشرات الأمن الغذائي، وبعضها يعاني أساسا من اضطرابات داخلية وعدم استقرار، مثل لبنان، وسوريا، وتونس، والسودان، واليمن، والصومال.
هل تشكل الحرب الروسية الأوكرانية تهديدا للأمن الغذائي العربي؟
هناك فجوة غذائية وعجز غذائي عربي متنام منذ فترة طويلة يتم سداده بالاستيراد من الخارج، وهناك تركز في الاستيراد من روسيا وأوكرانيا. فتشير الإحصاءات إلى أن قيمة الصادرات الغذائية الرئيسية العربية تبلغ نحو 16 مليار دولار، مقابل 61 مليارا واردت، بفارق 45 مليار دولار، وتستورد الدول العربية من الخارج ما نسبته % 63 من احتياجاتها من القمح، و% 75 من الذرة، و %65 من السكر، و %55 من كل من الأرز والزيوت النباتية، و %30 من اللحوم، وتستحوذ على ربع صادرات القمح العالمية ولا تنتج سوى %2.5 من الحبوب على مستوى العالم، ومصر هي المستورد الأول للقمح عالمياً بنسبة %11، إذ تستهلك 18 مليون طن سنويا، تستورد منها 13 مليون طن، بعد أن كانت سلة غذاء العالم العربي، ومصدراً رئيسيا للقمح، وروسيا هي المصدر الأول للقمح، وأوكرانيا الخامسة عالميا، والبلدان يشكلان نحو ربع وثلث الإنتاج والصادرات العالمية منه على التوالي، و%80 من صادرات الزيوت العالمية. وتستورد الدول العربية نحو %40، و %42 من القمح الاوكراني والروسي على التوالي، وهناك قصور في أنظمة التخزين لديها. وبالتالي هي عرضة للأزمات وتقطع سلاسل الإمداد وارتفاعات الأسعار، خصوصاً منها دول المغرب العربي ومصر والسودان، وسوريا ولبنان، والضفة الغربية، واليمن. أما دول الخليج، فتستورد نحو %90 من مواردها الغذائية، ولكن مصادر استيرادها أكثر تنوعا، ولديها نظم تخزين أفضل، وبالتالي هي في وضع نسبي أفضل من بقية الدول العربية، وتأتي قطر الأولى عربيا على مؤشر الأمن الغذائي العالمي، ولا شك أن قطر استفادت من تجربة الحصار، فنوعت مصادر الامداد، ووسعت الطاقات الاستيعابية لأغراض الامن الغذائي والامداد اللوجستي، ودعمت الإنتاج الحيواني والزراعي المحلي، فآتى ذلك أكلة الآن، فرب ضارة نافعة.
وفي الأجل القصير، يمكن تحويل خطوط الإمداد إلى مصادر بديلة، ولكن الأسعار سترتفع (وقد ارتفعت أسعار القمح بنسبة %50، وقس على غيره من الحبوب، والأسمدة بنسبة %300 حتى الآن)، فهناك توقف في الإنتاج وعقبات لوجستية بسبب الحرب، إضافة إلى اتخاذ دول أخرى منتجة تدابير بخفض صادراتها لمواجهة ارتفاع الأسعار) وسيخلق ذلك ضغوطات كبيرة على موازنات وموارد هذه الدول، بالإضافة إلى ضغوطات ارتفاع أسعار الطاقة على الدول المستورده لها، وسترتفع فواتير الاستيراد والدعوم عليها، ولو طال أمد الحرب، وحدث تقطع أو نقص في الإمدادات، أو ارتفاعات كبيرة في الأسعار فقد يخل ذلك بالتزامات هذه الدول بتوفير المواد الأساسية والأمن الغذاء لشعوبها، وقد يؤدي ذلك إلى زعزعة الاستقرار الاجتماعي والسياسي فيها.
الفشل والفساد
إنه لأمر معيب حقا ويدل على فشل ذريع في السياسات في هذه الدول، فإشكالية الأمن الغذائي العربي مزمنة، ويبدو أن الأنظمة لا تتعلم من تجارب الماضي، والأزمات السابقة، لا المتأخر منها، كالأزمة المالية العالمية عام 2008، وأزمة كورونا، وثورات الربيع العربي، ولا ثورات الخبز قبلها. فلا يوجد نقص لدى هذه الدول في مقومات الإنتاج الزراعي، وتحقيق الاكتفاء الذاتي، لا من حيث الأراضي الزراعية، ولا الأيدي العاملة، ولا رؤوس الأموال، ولكنها تعاني من سوء التخطيط والإدارة، والفساد، التي تبقيها عرضة في قوتها لتقلبات الأسواق العالمية، والابتزاز والأوضاع الجيوسياسية والحروب، وإن لم يكن لها فيها لا ناقة ولا جمل. إن أمة لا تزرع غذاءها، وهي تستطيع، هي أمة مفرطة، وعليها تحمل تكلفة ذلك باهظاً عاجلاً أو آجلاً، وإن أنظمة لا تؤمن غذاء ودواء شعوبها وهي تستطيع، هي أنظمة فاشلة فاسدة، لا تستحق البقاء على الكرسي ولا ليوم واحد. وتشير الإحصاءات إلى أن المساحة الصالحة للزراعة في الوطن تساوي مليوني كم مربع، أي نحو %15 من مساحة الوطن العربي البالغة 13.5 مليون كم مربع، وهي مساحات شاسعة، في السودان، وسوريا، والعراق، ومصر، والمغرب، والجزائر، وتقارب مساحة المملكة العربية السعودية، ولكن المستغل منها نحو الثلث فقط، ولا تساهم إلا بما نسبته %2.5 من انتاج الحبوب، و%4 من الإنتاج الزراعي العالمي.
أين الخلل وما هو الحل؟
سيقال إنه: التصحر، والنمو السكاني، والزحف العمراني، وسوء التخطيط والتخزين، وانخفاض الدعوم، وارتفاع الضرائب والرسوم، وضعف البنى التحتية، والتعاون العربي، واستخدام التكنولوجيا... إلخ. وسأختصر كل ذلك في كلمتين: إنه الفساد والفشل. فساد الأنظمة وفشل السياسات. فهناك سوء تخطيط وسوء إدارة، وفساد. وإلا فما هو دور الحكومات؟ أليس التنبؤ، ووضع الخطط والحلول؟ مع أن الأشكالات التي نتحدث عنها حقائق وواقع يعاش، وليس بحاجة لتنبؤات! فمطلوب أولا مكافحة الفساد، وإصلاح الأراضي وتفكيك نظام الإقطاع المتنامي، والاحتكار، وتنمية البنى التحتية – من مواصلات، وكهرباء، ومياه، والاستغلال الأمثل للأراضي الزراعية والموارد المائية، وتوظيف التكنولوجيا، وتبني سياسات سليمة محفزة للإنتاج الزراعي، من تمويل، ودعم، وحماية، وشراء وتسويق، وليس سياسات ضريبية ورسوم طاردة ترهق كاهل المنتجين.
على الحكومات تبني الإنتاج لأغراض الأمن الغذائي من ألفه إلى يائه حتى يقف على قدميه، هذا على المستوى الوطني، ولكن لابد أيضا من التعاون والتكامل على المستوى العربي. فالدول العربية متفرقة لديها اختصاصات متنوعة، فهناك المتخصص في الطاقة ولديه رؤوس الأموال، وهناك من لديه الأيدي العاملة والأراضي الزراعية الخصبة، والأسواق، وهكذا، ولكنها عندما تجتمع وتتعاون، يكمل بعضها بعضا بما لدى كل طرف من ميزات نسبية لا تتوفر لدى الآخر، ويتم استغلال أفضل للموارد. ويبدو أن هذا هو قدرها الذي لا مفر منه، وهي وحتميته الجغرافيا والتاريخ، ولكن الدول العربية لا يوجد لديها نظرة إستراتيجية، ولا هدف وحدوي تجتمع عليه ويحقق لها مكاسب إستراتيجية، أو يدفع عنها مخاطر مشتركة قد تزعزع استقرارها وتهدد أمنها الجماعي والفردي، وعوضا عن ذلك هي متنافسة، متناحرة، يطمع بعضها في الآخر، والثقة بينها ضعيفة أو مفقودة.
ونحن هنا لا نطلب وحدة سياسية تلغي الأنظمة، ولا نطمع في ذلك، ولكن تنحية السياسة، بخلافاتها، جانبا، والتعاون على درء ما فيه تهديد مشترك للأمن الجماعي العربي، ومنها المجال الزراعي الأمن الغذائي والمائي، ويمكن تدعيم ذلك بعقود وضمانات قانونية دولية ملزمة. وهناك مثال في هذا السياق، وهو استمرار تمويل الغاز القطري للإمارات إبان ذروة الخلاف بينهما أثناء الأزمة الخليجية. وهناك مثال آخر، فقد خطت المملكة العربية السعودية خطوات واسعة في مجال الأمن الغذائي وحققت اكتفاء ذاتيا في إنتاج القمح في مرحلة من المراحل، وأصبحت المملكة الصحراوية تصدر لمصر النيل الزراعية، ثم أتى من أتى وقال إن ذلك غير مجد لأنه يمكن استيراد القمح بأسعار أرخص من خارج المملكة، فألغي المشروع، وهل شراء الحكومة الأمريكية للحبوب من المزارعين ورميها في البحر مجد اقتصادياً؟ إن هذه سلعة إستراتيجية، وهناك بعد أمني إستراتيجي يجب أخذه في الحسبان. ويذكر د. عبدالله النفسي أن وزير الخارجية الأمريكي الأسبق كسنجر، حاول إقناع الملك فيصل بالاستغناء عن زراعة القمح، ولكنه أخفق في ذلك.
إدارة الطفرة واستثمار الفوائض
وإذا كانت الدول المستوردة للطاقة قد تتعرض لضغوطات هائلة لاحتمال تقطع إمدادات الغذاء وارتفاع فواتير استيراد ودعم الغذاء والطاقة، فإن الدول المصدرة للطاقة ستكون في وضع أفضل. فلو استمر ارتفاع الأسعار لفترة كافية، ستتحول موازينها الداخلية والخارجية إلى فوائض، وسيمكنها ذلك من زيادة الإنفاق ودعم النشاط والنمو في اقتصاداتها الآخذة في التعافي من أزمة كورونا. ولكن هل تستغل الفوائض بالشكل الأمثل؟ هل تراكم وتستثمر العوائد للتحوط لانهيارات أسعار النفط المستقبلية، وإدارة الدورة الاقتصادية بسلاسة أكبر أثناء دورات الانكماش، وتجنب السياسات التقشفية الحادة، والضريبة غير الشعبية، والاقتراض الذي يزاحم القطاع الخاص، وجميعها يعمق ويطيل أمد الانكماش أثناء فترات انهيار أسعار النفط. هل تستثمر بنجاح في بناء رأس المال البشري، والتنمية الصناعية والتكنولوجية، وتنويع الاقتصادات، ورفاهية المواطن؟ أم تهدر هنا وهناك، وتنفق على شراء أسلحة لا طائل منها، وفساد، وتمويل ثورات مضادة وتثبيت أنظمة دكتاتورية فاسدة؟ وإذا كانت الأنظمة المصدرة للنفط، بقيادة الخليجية منها خصوصا، ترى في ثورات الربيع العربي تهديداً لاستقرارها، باحتمال انتقال العدوى إليها، مما دفعها إلى توظيف مواردها النفطية لتمويل ثورات مضادة لقمع ثورات التحرر العربي من أنظمة دكتاتورية فشلت عبر عقود في تحقيق الاستقرار الاقتصادي والعيش الكريم لشعوبها، أليس الأحرى بها أن تسهم في تحقيق الاستقرار في أخواتها الدكتاتوريات الأخريات، من خلال الاستثمار في تعزيز أمنها الغذائي؟ وهي بذلك تحقق هدفين: تعزيز الاستقرار في أخواتها الدكتاتوريات (وبطريقة مشروعة) من خلال تعزيز أمنها الغذائي، وبالتالي تقليص احتمالات اندلاع ثورات خبز أو غلاء معيشة في تلك الدول، وانتقال العدوى إليها أو التأثر بها سلباً، ثم إنها تسهم في تحقيق أمنها الغذائي هي من خلال استثماراتها في محيطها الزراعي العربي، والتكامل معها في مجال الإنتاج الزراعي. فلم لا يكون للأمن الغذائي العربي نصيب من استثمارات العرب الخارجية؟ ولكن لو نظرنا إلى تجارب الماضي، نرى بعد كل طفرة نفطية كبرى تراكم فيها هذه الدول الاحتياطيات، أنها تستنزف على أزمات وحروب كثير منها مفتعل. حدث ذلك بعد صدمة النفط الأولى في بداية السبعينيات باندلاع الحرب العراقية الإيرانية التي أحرقت الأخضر واليابس، ثم بعدها حروب الخليج، وإنفاق المليارات على تسليح العراق، ثم على نزع أسلحته، ثم أتت ثورات الربيع العربي، والثورات المضادة، وصفقات الأسلحة الكبرى بعد طفرة النفط العقد الماضي. وهكذا، كأن الغرب يريد استرداد أموال النفط بطريقة أو بأخرى.
* متخصص في السياسة النقدية وعلم الاقتصاد السياسي
مركز الاقتصاد الكلي ومعهد الفكر الاقتصادي المستجد بجامعة كامبردج البريطانية
حين تُفتح أبواب السماء عشرة أيام
ليست كلُّ الأيام سواء، فبعضُ الأزمنة يفتح الله فيها أبوابًا من الرحمة والقبول لا تتكرر في غيرها، ومن... اقرأ المزيد
93
| 22 مايو 2026
معرض الدوحة للكتاب وترسيخ الوعي بالهوية
تعكس زيارة حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، أمس، إلى معرض الدوحة... اقرأ المزيد
87
| 22 مايو 2026
بالتعليم المبكر نصنعُ الغد
معلمة الطفولة لا تُخرّج طلابًا فحسب، بل تُسهم في صناعة مستقبل الأمة؛ فهي تبذر البذور الأولى للأخلاق، والهوية،... اقرأ المزيد
39
| 22 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في كل مرة يُطرح فيها موضوع دعم ربات البيوت القطريات، ينقسم النقاش سريعًا بين من يراه "عودة إلى الوراء"، ومن يراه " تصحيحًا لمسار اختل منذ عقود"، لكن السؤال الحقيقي الذي نتجنّب مواجهته هو: لماذا لا نعتبر الأمومة عملاً يستحق الأجر أصلًا؟ لاسيما وأنه يعزز الرعاية الوالدية والتماسك الأسري. نعيش اليوم مفارقة واضحة؛ نحتفي بالإنتاجية في المكاتب، ونقيس القيمة بعدد الساعات خلف شاشات الحاسوب، بينما نتجاهل عملاً يوميًا شاقًا يحدث داخل المنازل، بلا إجازات ولا تقاعد ولا تأمين، عملٌ بإتمامه ونجاحه تنجح الأسرة ويتقدم المجتمع وهو (تربية الأبناء)، وهي ليست مهمة هامشية، بل هي أهم استثمار في أي مجتمع، لأنها تصنع الإنسان نفسه. الواقع يقول إن كثيرًا من النساء لا يؤجلن الإنجاب لعدم الرغبة، بل بسبب معادلة قاسية إما الوظيفة أو الأسرة، فساعات العمل الطويلة، وضغط الأداء، وصعوبة التوفيق بين الحمل ومتطلبات الوظيفة، تجعل خيار الأمومة مكلفًا جدًا، والنتيجة انخفاض في معدلات الخصوبة، وارتفاع في مستويات التفكك الأسري، واعتماد متزايد على العمالة المنزلية في تربية الأطفال. هنا يأتي المقترح الذي يثير الجدل: لماذا لا تُمنح ربة المنزل القطرية التي تختار البقاء في المنزل دعمًا ماليًا لا يقل عن راتب نظيرتها الموظفة؟ قد يبدو الطرح صادمًا للبعض، لكنه في جوهره بسيط؛ إذا كنا ندفع مقابل أي عمل ذي قيمة، فلماذا نستثني العمل الأكثر تأثيرًا على مستقبل المجتمع؟ ربة المنزل لا "تجلس بلا عمل"، بل تقوم بدور متعدد المهام: مربية، ومشرفة، ومديرة منزل، وداعم نفسي، وصانعة بيئة آمنة للأبناء. لا شك بأن الاعتراضات معروفة؛ سيُقال إن ذلك سيُعيد المرأة إلى البيت فقط، أو أنه سيُضعف مشاركتها في سوق العمل، لكن هذا الطرح يفترض أن الخيار الوحيد للتمكين هو الوظيفة، ويتجاهل أن التمكين الحقيقي هو حرية الاختيار، فدعم ربة المنزل لا يعني إجبار المرأة على ترك العمل، بل يعني إزالة الضغط الاقتصادي عن قرارها. الأكثر حساسية في هذا النقاش هو الجانب الاقتصادي ؛ من خلال التساؤل الذي يقول: هل يمكن للدولة تحمّل هذا النوع من الدعم؟ الإجابة تعتمد على زاوية النظر، فإذا اعتبرنا الأمر تكلفة مباشرة، فقد يبدو عبئًا، لكن إذا نظرنا إليه كاستثمار طويل الأمد في الاستقرار الأسري، وتقليل المشكلات الاجتماعية، وتحسين جودة التنشئة، فقد تتغير المعادلة تمامًا. هناك أيضًا جانب كان لا يُنظر إليه ولا يُعار له اهتماماً حتى انتبه المجتمع والدولة له ودقوا ناقوس الخطر بسببه؛ عندما تكون كثير من المشكلات السلوكية والنفسية لدى الأطفال ترتبط بغياب الوقت الكافي مع الوالدين، لا سيما في السنوات الأولى، ومع تزايد الاعتماد على الخدم، تتحول التربية تدريجيًا إلى "خدمة مُستأجرة"، بدل أن تكون مسؤولية أسرية مباشرة. السؤال الذي يجب أن نطرحه بوضوح: أيهما أخطر على المجتمع أن ندفع للأم مقابل تربية أبنائها؟ أم أن نواصل تجاهل هذا الدور حتى ندفع لاحقًا ثمن التفكك الأسري والمشكلات الاجتماعية؟ ربما حان الوقت لإعادة تعريف "العمل"، فليس كل عمل يُقاس براتب شهري من شركة، وليس كل إنتاج يُقاس بأرقام في تقارير، هناك عمل يُقاس بأثره في الإنسان، في استقراره، في قيِمه، وفي مستقبله. دعم ربات البيوت ليس تراجعًا، بل قد يكون خطوة جريئة نحو الاعتراف بأن بناء الأسرة هو أهم وأسمى وأعظم من أي عمل مؤسسي، فهو مشروع بناء إنسان متمسك بدينه وقيمه وأخلاقه وعاداته وتقاليده، وهي غاية أي دولة وكيان يرغب في الاستثمار الحقيقي في بناء المواطن الذي هو طريق مستقبلها وآمالها. لكن هذا الطرح، رغم وجاهته، لا يمكن أن يُمرّر دون نقاش صريح حول مخاطره المحتملة. فالدعم المالي غير المدروس قد يتحول من أداة تمكين إلى أداة تقييد، إذا أصبح ضغطًا اجتماعيًا يدفع المرأة قسرًا للبقاء في المنزل بدل أن يكون خيارًا حرًا. هنا تكمن الحساسية: كيف نضمن أن هذا الدعم لا يُستخدم لإقصاء المرأة من سوق العمل، بل لمنحها مساحة اختيار حقيقية؟ الحل لا يكون في الفكرة نفسها، بل في طريقة تطبيقها، فبالإمكان تصميم برامج دعم مرنة، تتيح للمرأة الانتقال بين العمل والتفرغ الأسري دون خسائر كبيرة، وتربط الدعم بمراحل عمرية محددة للأطفال، خاصة في السنوات الأولى الأكثر تأثيرًا في تكوينهم، كما يمكن أن يكون الدعم تدريجيًا أو جزئيًا، بدل أن يكون نموذجًا جامدًا "إما عمل أو منزل”. من جهة أخرى، لا بد من الاعتراف بأن سوق العمل نفسه يحتاج إلى مراجعة، فلماذا لا تكون هناك وظائف أكثر مرونة للأمهات؟ لماذا لا يُعاد تصميم بيئات العمل لتكون صديقة للأسرة بدل أن تكون في صراع معها؟ دعم ربة المنزل لا يجب أن يكون الحل الوحيد، بل جزءًا من منظومة أوسع تعيد التوازن بين الحياة المهنية والعائلية. الأهم من ذلك، أن النقاش يجب أن يخرج من ثنائية "مع أو ضد"، فالقضية ليست صراعًا بين نموذجين للحياة، بل محاولة لإيجاد مساحة عادلة تعترف بقيمة كل دور، هناك نساء يجدن ذواتهن في العمل، وأخريات يجدنها في تربية الأبناء، وكلا الخيارين يستحق الاحترام والدعم. وهناك امثلة من دول متقدمة كألمانيا مثلاً التي تقدم برامج مثل بدل الوالدين (Elterngeld) والتي تمنح دخلًا شهريًا للأم أو الأب عند التفرغ لرعاية الطفل، وقد يصل إلى نسبة كبيرة من الراتب السابق، ويهدف إلى تشجيع الإنجاب وعدم إجبار الوالدين على العودة السريعة للعمل، وأيضاً دولة مثل النرويج تقدم ما يسمى بدل رعاية الطفل (Cash-for-care)، أما فنلندا فتقوم بتوفير بدل رعاية منزلية للأم التي تعتني بأطفالها في البيت وتدعم خيار التربية المنزلية. خلاصة القول، لعل ما نحتاجه فعليًا هو تغيير في الثقافة قبل السياسات، بأن نتوقف عن التقليل من قيمة العمل المنزلي، وأن نكف عن ربط قيمة الإنسان بوظيفته فقط، حينها فقط يمكن لمثل هذا المقترح أن يُفهم في سياقه الصحيح، لا كخطوة إلى الخلف، بل كتصحيح لنظرة مختلة. فاصلة أخيرة قد لا يكون مهماً بأن تكون صيغة ومغزى السؤال المراد أن نسأله بـ "هل ندفع راتبًا للأم ربة البيت" ؟ بل بالسؤال الحقيقي الذي يجب أن نسأله أنفسنا وهو: هل نستمر في تجاهل أهم وظيفة في المجتمع فقط لأنه خيار استراتيجي وحل لمعظم المشكلات الحالية مثل قلة معدل الخصوبة وتعزيز التماسك الأسري؟!!
1419
| 18 مايو 2026
في كل عام، حين تقترب العشر الأُوَل من ذي الحجة، تمتلئ المنابر بالكلام عن فضل الصيام، وكثرة الذكر، وثواب العمل الصالح. لكن ثمة زاوية أقل ضجيجًا، وأكثر عمقًا: لماذا تبدو هذه الأيام وكأنها إعادة ترتيب داخلية للإنسان نفسه، لا مجرد موسم عبادات؟ العجيب أن العشر من ذي الحجة تأتي في زمن لا يشبه رمضان. رمضان يشبه مدينة مضاءة بالكامل؛ الجميع صائم، المساجد ممتلئة، والإيقاع العام يساعدك على الطاعة. أما العشر من ذي الحجة فتشبه مصباحًا صغيرًا في غرفة واسعة، لا يراك فيه أحد. هنا تظهر حقيقة العلاقة بين الإنسان وربه: هل يعبد الله لأن الجو العام ديني، أم لأنه يبحث فعلًا عن معنى أعمق لحياته؟ هذه الأيام لا تغيّر جدول الأعمال فقط، بل تغيّر ترتيب القلب. الإنسان المعاصر يعيش غالبًا تحت ضغط السرعة: إنجازات، رسائل، أخبار، سباق لا ينتهي. حتى روحه أصبحت تتعامل مع الحياة بمنطق “التحديثات السريعة”. لكن العشر من ذي الحجة تأتي كأنها توقّف هذا الضجيج، وتقول للإنسان: “لست آلة إنتاج… أنت روح أيضًا”. ولعل أجمل ما في هذه الأيام أنها تجمع بين حركتين تبدوان متناقضتين: الصعود والتجرد. الحاج يصعد إلى عرفات، لكنه يتجرد من الزينة واللقب والمكانة. الجميع في الإحرام متشابهون، كأن العالم يُعاد ضبطه على الحقيقة الأولى: البشر متساوون حين يقفون أمام الله. حتى الأضحية، التي يراها البعض مجرد شعيرة موسمية، تحمل رسالة نفسية هائلة. القصة ليست في الذبح نفسه، بل في فكرة “التخلّي”. إبراهيم عليه السلام لم يُختبر لأنه يملك ولدًا فقط، بل لأنه كان مستعدًا أن يقدّم أغلى ما يحب إذا تعارض الحب مع أمر الله. هنا يصبح السؤال الشخصي لكل إنسان: ما الشيء الذي يسيطر على قلبي أكثر مما ينبغي؟ المال؟ المكانة؟ الخوف؟ العادة؟ العشر من ذي الحجة ليست فقط أيامًا نضيف فيها أعمالًا صالحة، بل أيام نحاول فيها إزالة ما تراكم فوق أرواحنا. واللافت أيضًا أن هذه الأيام تربط الأرض بالسماء بطريقة مدهشة. ملايين الحجاج يتحركون في مكان واحد، في توقيت واحد، بملابس واحدة، يرددون كلمات واحدة منذ قرون طويلة. المشهد يبدو وكأنه نبض بشري ضخم يذكّر العالم بأن الإنسان، مهما انشغل بالتكنولوجيا والسياسة والاقتصاد، ما زال يحمل داخله حنينًا قديمًا إلى المعنى. لهذا يشعر كثير من الناس في هذه الأيام بشيء لا يستطيعون تفسيره تمامًا. ليست مجرد مشاعر دينية عابرة، بل إحساس بأن الروح تستيقظ بعد تعب طويل. كأن القلب كان مغلقًا بسبب غبار الحياة، فجاءت هذه الأيام لتفتح النوافذ. العشر من ذي الحجة ليست موسمًا إضافيًا في التقويم الإسلامي، بل فرصة نادرة لاستعادة الإنسان من نفسه. أن يتذكر أن عمره ليس قائمة مهام، وأن النجاح لا يُقاس فقط بما جمعه، بل بما أصلحه داخله. وربما لهذا السبب أقسم الله بها في القرآن؛ لأن بعض الأزمنة لا تكون عظيمة بسبب عدد أيامها، بل بسبب قدرتها على إعادة تشكيل الإنسان من الداخل، بهدوء يشبه نزول المطر على أرض عطشى منذ زمن طويل.
1218
| 19 مايو 2026
تابعت عبر تطبيق (تابع QMC) التابع للمؤسسة القطرية للإعلام عشر حلقات جميلة للفنان القطري القدير والمبدع السيد غانم السليطي. حيث طرح فيها بعض المشاكل الأسرية والاجتماعية بطريقة جميلة أوصل من خلالها رسائل إلى المشاهدين عن بعض المشاكل التي تصيب بعض الأسر وكيف يتم حلها أو تداركها من البداية قبل أن تشتعل شرارتها وتكبر فتحرق استقرار أسرة مطمئنة. وكان الفنان غانم السليطي قد تطرق لكثير من القضايا الاجتماعية والأسرية والإدارية والسياسية وغيرها في مسلسله الشهير فايز التوش والذي كان يعرض في رمضان بدايةً من 1984 م ولعدة أجزاء لعدة سنوات وقد نال المسلسل نجاحاً باهراً لجرأته في طرح القضايا المتنوعة بطابع كوميدي. وأعتقد أن الكثير من القضايا التي تطرق لها في ذلك الوقت قد تم حلها أو تم حل الكثير منها، منها على سبيل المثال حفريات الطرق التي كانت منتشرة وبصورة كبيرة في شوارع الدولة دون تدخل سريع لإصلاحها بسبب البيروقراطية الإدارية أو لعدم اهتمام المسؤولين بها وربما رمي كل جهة المسؤولية على جهة أخرى، ولكن تبقى الكثير من المواضيع شبه متكررة من ذاك الوقت إلى وقتنا الحالي مع التطور الكبير في استخدام التكنولوجيا ودخول الحاسوب في كل الجهات الرسمية، على سبيل المثال تأخر مواعيد مقابلة الأطباء في المستشفيات الحكومية، العلاج بالخارج وازدواجية المعايير بمن يتم الموافقة عليهم ومن لا يستحقون (والواسطة في هذا الشأن)!!، تأخر بعض المعاملات وطلب بعض الشهادات المعينة في بعض الجهات لعدة أيام مع العلم بأنها سهلة ويسيرة ولكن تبقى الإجراءات عائقاً لها والروتين الحكومي البائس هو المسيطر، كذلك تطرق في مسلسله لسلطة بعض المسؤولين الذين يعتبرون الوظيفة والمنصب الذي يشغلونه كأنه ملكية خاصة ويتعاملون مع الموظفين والمراجعين باستعلاء ولا يطورون طريقة العمل اليومي، وتحدث عن من يتاجرون بوظيفتهم ويستغلونها لمصالحهم الشخصية دون خوف ومراعاة لضميرهم وللقانون أو حتى الخوف من الله سبحانه وتعالى، وغيرها الكثير من القضايا التي كانت تشغل الرأي العام. فكم نحن بحاجة إلى قوانين تردع بعض المسؤولين وتسقطهم من كراسيهم التي يعتبرونها عروشاً للسلطة. وكم نحن بحاجة لإعادة تقييم أداء الإدارات والمديرين في كل الوزارات والهيئات حيث إن من المسؤولين من يجب أن يترقى لمناصب عليا بسبب جهدهم في خدمة المجتمع من خلال وظائفهم وبعضهم الآخر يجب أن يُزال من مكانه ويُطرد لأنه غير كُفْء لهذه الوظيفة. نقطة أخيرة: أبدعت يا بو فيصل في طرحك لتلك القضايا ومحاولة البحث عن حلول فلك كل التحية والتقدير على حسك الوطني وحبك لدولتك، فإن تم إصلاح بعض الأمور فهذا من فضل الله ومن ثم سعيك للتغيير للأفضل. وإن بقيت بعض الأمور على حالها فليس العيب منك ولكن ينطبق قول الشاعر (قد أسمعت لو ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادي) ولكن يبقى الأمل وتحدونا الأماني والتغيير للأفضل. ختاماً: رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب.
972
| 16 مايو 2026