رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تعتبر العلاقات الخليجية- الأمريكية علاقات استراتيجية طويلة الأمد، وتتمتع بالديناميكية والحركة السياسية الفاعلة، ولم تكن وليدة تطورات أو أحداث سياسية لحظية، بل استندت على مصالح مشتركة "عسكرية واقتصادية وأمنية وغيرها". ولو تتبعنا تاريخ هذه العلاقات سنجدها منذ زمن ليس بالقريب وعبرت الكثير من التجارب والتحديات والمواقف، تقاربا واختلافا وتعاونا وتمنعا، لكنها مع ذلك لم تصل إلى مرحلة القطيعة لأسباب موضوعية تحكم مسار هذه العلاقات المشتركة بين الطرفين.
وبالنظر الى طبيعة هذه العلاقات نجدها تتمحور في اتجاهين مكملين لبعضهما من خلال حاجة كل منهما للآخر، ولا يمكن النظر إلى الموقف السياسي لمنظومة دول مجلس التعاون باعتبارها تابعة للفلك السياسي الأمريكي، لأن المنظومة الخليجية تتمتع بالتقارب السياسي والتاريخ المشترك وتقارب المواقف والمصالح وفي ردود الأفعال تجاه القضايا الدولية وفي مقدمتها قضية العرب الاولى "القضية الفلسطينية" بالاضافة إلى التحديات الأخيرة المتمثلة في الإرهاب ومطالب التغيير كما هو الحال في ثورات الربيع العربي.
ولبحث الحالة الخليجية- الامريكية واستكشاف مقوماتها، نبدأ بالنظر إلى الحاجة الخليجية الملحة لهذه العلاقة وتطورها، حيث تكمن أساسياتها في المعاهدات العسكرية والدفاع المشترك، والذي يعتبر في طليعة هذه الحاجة ومن ثم التكنولوجيا وبيع الاسلحة المتطورة، بالاضافة الى العلاقات الدولية المعقدة، ودور أمريكا المؤثر في حل مشاكل المنطقة.
أما الحاجة الأمريكية لدول الخليج العربي فهي اقتصادية في المقام الأول، يضاف إليها بعض القضايا السياسية المتعلقة بأهمية منطقة الشرق الأوسط في السياسة الدولية، حيث يعتبر الخليج أكبر سوق عالمي يتمتع بقوة شرائية، بالإضافة إلى أن الخليج لديه 30 % من احتياطي الطاقة بالعالم.
ولأمريكا مصالح في تسوية النزاعات في المنطقة حيث لا تستطيع القيام بهذا الدور دون مساعدة دول الخليج وفقا لملفات مشتركة اتضحت من خلال بعض القضايا بالمنطقة، كالأزمة اليمنية والحرب في سوريا والوضع بالعراق، وما تم الاتفاق عليه بشأن مفاعلات إيران النووية، بالاضافة إلى مكافحة الارهاب وما نتج عنه من قيام ما يسمى بـ "الدولة الاسلامية".
كما أن السياسة الأمريكية بالمنطقة لها أهداف وأجندات نجدها تسير في مسارين متوازيين، حيث إنها الداعم الرئيسي للدولة الصهيونية/ اسرائيل/ وبقائها كقوة إقليمية لها وزنها بالمنطقة، بالاضافة الى المصالح التي تحكم العلاقات الامريكية- الايرانية وما نتج عن المحادثات الاخيرة بشأن برنامج إيران النووي ورفع العقوبات عنها.. في حين نجدها تسير في المسار الآخر بتوطيد العلاقات مع دول الخليج العربي.
ولعل القمة بين أوباما والزعماء الخليجيين الأخيرة في كامب ديفيد وضعت التصورات والأطر العريضة لمستقبل هذه العلاقات، في ظل ما يدور في المنطقة من مشاكل ومواقف تتطلب التفاهم والحزم في القرارات بشأنها.
إن العلاقات الخليجية- الأمريكية تعرضت للكثير من النقد والتحليل والتفسير والتقييم من كتاب عالميين ومراكز بحثية أمريكية وأوروبية وعربية، ووسط هذا الزخم استوقفني عدد من المقالات والتحليلات لعدد من السياسيين والكتاب والاعلاميين بشأن ما أسفرت عنه هذه القمة، حيث تضاربت آراؤهم بين من هو متفائل ومن هو متشائم، أو بمعنى أصح غير راض عن الموقف الأمريكي، ولكن تبقى تصريحات سمو الأمير تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى حفظه الله ورعاه والتي أزاحت شيئا من الغموض عن تلك المحاثات، عندما صرح سموه للصحفيين وبحضور الرئيس الأمريكي والزعماء الخليجيين بأن ما تمت مناقشته في القمة تعد قضايا مصيرية، حيث أكد أن دول الخليج لا تجامل على حساب أمنها الإقليمي وان لديها تخوفات تريد من الجانب الامريكي توضيحا بشأنها.. فملف إيران النووي يشكل أهمية بالغة بالنسبة لدول الخليج التي أكدت على لسان سموه ترحيبها بالاتفاق مع الدول الكبرى من أجل إخلاء منطقة الشرق الأوسط من الأسلحة النووية.
ولكن من جهة أخرى، ومن خلال اطلاعي ومتابعتي لبعض خطابات الرئيس الأمريكي ومقابلاته الصحفية خلال الفترة الماضية التي تناول فيها المنطقة بشكل عام والعلاقات الامريكية بدولها والمصالح المشتركة، وجدت أن بعضاً منها محبط، ولا يدعو الى التفاؤل ولا يمكن الوثوق به والركون إليه... حيث ذكر الرئيس الامريكي في مقابلة له مع موقع "بلومبيرغ" بتاريخ 27 فبرير من العام 2014 ردا على سؤال بشأن العرب والإيرانيين، أجاب اوباما "انه عندما تنظر الى السلوك الايراني ستجدهم استراتيجيين وليسوا متهورين ويملكون رؤية عالمية وينظرون الى مصالحهم ويستجيبون لعوامل الكلفة والفائدة وهذا لايعني أن إيران ليست دولة ثيوقراطية "دينية" وتتبنى كل الأفكار التي أعتبرها بشعة ولكنها ليست كوريا الشمالية.. إيران دولة كبيرة وقوية وترى نفسها لاعبا على المسرح الدولي. ولا أظن أنها دولة انتحارية، بل يمكنها الاستجابة للحوافز" وعند سؤاله عن انزعاجات دول عربية من إيران جاء رده: "اعتقد أن هناك تحولات تحدث في المنطقة وهي تحولات أخذت الكثيرين منهم على حين غرة، والتغيير يبعث دائما على الخوف. أي أن انزعاجهم ينم عن مفاجأتهم بما حدث وأنهم يخافون التغيير بدل الاستجابة والتأقلم مع متطلبات التغيير".
وقال في حديث آخر لصحيفة نيويورك تايمز خلال هذا العام "إن أكبر الاخطار التى قد تواجهها دول الخليج لن تأتي من غزو إيراني، بل من عدم رضا من داخل هذه البلدان". وهذا الحديث يشير فيه الرئيس الأمريكي الى أن مشكلة الخليجيين الرئيسية تكمن في عدم تقبلهم للتغيير من الداخل وليس من إيران.
ومن هنا أرى بأن هذه اللقاءات الصحفية للرئيس الأمريكي لا تدعو إلى الطمأنينة والوثوق بالموقف الأمريكي من دول الخليج العربي. فقد خذلتنا أمريكا في عدد من الملفات بغض النظر عن ملف إيران وما يشكله من أهمية، كذلك كان موقفها سلبيا ومترددا تجاه الحرب في سوريا وقيام النظام هناك بقتل ما لايقل عن 190 ألف سوري وتشريد ولجوء أكثر من ثلاثة ملايين، إلى جانب نزوح أكثر من ستة ملايين ونصف المليون، وذلك وفقا لتقرير الأمم المتحدة الذي نشر في جنيف.
وعليه فإن التعاون المشترك بين دول الخليج فيما بينها يعد صمام الأمان لهذه الدول من كل الأخطار المحدقة بها وخير دليل قرار "عاصفة الحزم" الذي اتخذ بشكل مفاجئ وسريع أذهل الخبراء والسياسيين وجعلهم في صدمة من جرأة القرار ودخول دول المنطقة في دعم عسكري مباشر للمحافظة على اليمن الشقيق والقيادة الشرعية فيه وانقاذه من سيطرة الحوثيين وماتقدمه لهم ايران من دعم يشكل تهديدا مباشرا لدول الخليج العربي.
أما مستقبل التعاون الخليجي الأمريكي فانه يجب أن يرتبط بالنوايا الامريكية بشأن المنطقة ويراعي أمنها ومصالحها الاستراتيجية ويتضمن ذلك أن تدعم واشنطن نجاح عاصفة الحزم وعملية الامل في اعادة التوازنات السياسية والحسابات القائمة، والتوصل الى حل للازمة السورية بما يلبي تطلعات الشعب السوري الشقيق في اقامة دولة القانون والتعددية السياسية.. وأخيرا على القوى الدولية أن تعي ضرورة التأكيد على أن أمن دول الخليج من الثوابت ولا يمكن المساومة عليه مع إيران.
معركة صنعاء القادمة... نهاية مرتقبة للأطماع الإيرانية في اليمن
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); أدى النزاع الدامي في اليمن إلى كوارث سياسية واقتصادية وأمنية كبيرة، وهذا ما... اقرأ المزيد
932
| 16 سبتمبر 2015
الاتفاق التركي الأمريكي.. خطوة استراتيجية في الحرب على الإرهاب والتضييق على داعش
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); التحرك التركي- الأمريكي الجديد على الحدود السورية العراقية التركية، يمثل تحولاً مهماً وذو... اقرأ المزيد
797
| 05 أغسطس 2015
مستقبل العلاقات بين دول المنطقة وإيران في ظل الاتفاق النووي
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); تمكنت مجموعة دول الست وطهران من الاتفاق على ملف إيران النووي الذي ظل... اقرأ المزيد
585
| 29 يوليو 2015
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين تبنّى الأمير الوالد المغفور له بإذن الله صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فكرة إنشاء قناة الجزيرة عام 1996، لم يكن يؤسس مجرد قناة إخبارية تضاف إلى قائمة أرقام الفضائيات، بل كان يضع حجر الأساس لمشروع إنساني ووطني وعروبي وإسلامي، يتجاوز حدود الجغرافيا، ويعيد للعربي حقه في أن يرى العالم بعينيه، ويسمع أخبار أمته بلغته، دون أن يبقى أسيرًا للرواية الغربية، يستجدي منها الحقيقة، أو ينتظر منها إنصافًا قد يأتي وغالبًا لا يأتي. ليس لأني قطري أقول إن الجزيرة أعادت للعقل العربي ثقته، وللمشاهد احترامه، وللإنسان البسيط مكانه المُغتصب. فلم تعد القضايا العربية مجرد أحداث ترويها عواصم العالم وفق مصالحها، بل أصبح للعرب منبر يحمل روايتهم إلى العالم، ويسائل الأقوياء، ويواجه الروايات المتناقضة، ويمنح المظلوم حق الصوت بعدما اعتاد الآخرون الحديث نيابة عنه. ولأن الحقيقة ليست دائمًا موضع ترحيب، فقد دفعت قطر ثمن احتضان هذا المشروع. تعرضت لضغوط سياسية وإعلامية كبيرة ووصل الأمر إلى المطالبة بإغلاق الجزيرة بل والتدخل في خطها التحريري. لكن صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، أدرك أن استقلالية الجزيرة ليست تفصيلًا إداريًا يمكن التفاوض عليه، بل هي جوهر المشروع وروحه وسبب احترامه. ولعل أعظم ما في هذا المشروع أن استقلاليته لم تكن شعارًا يُرفع، بل مبدأ خُلق ليصمد أمام الضغوط والأزمات. وهنا تتجلى قيمة القيادة التي تدرك أن النفوذ الحقيقي لا يتحقق بإسكات الأصوات، وإنما بإتاحة المجال لها. ثم جاءت السنوات الأخيرة بما حملته من حروب وتحولات وتحالفات واضطرابات، لتضع الجزيرة أمام اختبار أكثر صعوبة. فالوصول إلى القمة إنجاز نعم، لكن البقاء عليها مسؤولية أشد وأثقل، فكيف حين تكون في مواجهة قوى تسعى إلى التحكم بالرواية، أو حجب ما لا تريد للعالم أن يراه؟ وهنا تبرز مسؤولية الاستمرار التي حملها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى حفظه الله في صون الإرث الذي أسسه الأمير الوالد رحمه الله، والمحافظة على استقلالية هذا الصرح، رغم تعاظم التحديات وتبدل موازين القوى. فالإنجاز ليس أن تحمي المشروع حتى ينجح فحسب، بل أن تحمي مبادئه بعد أن يصبح مؤثرًا إلى الحد الذي يثير قلق القوى الكبرى. لقد أثبتت الجزيرة أن القوة الناعمة قد تبلغ من التأثير ما لا تبلغه أدوات القوة التقليدية. فالكاميرا التي تنقل مأساة طفل، والميكروفون الذي يحمل صرخة مظلوم، والصورة التي تفضح انتهاكًا، قد تغيّر وعي الملايين، وتفرض على أصحاب القرار مواجهة أسئلة كانوا يبقونها في الظلام. غير أن هذه المسيرة لم تُكتب بالحبر وحده، بل امتزجت بدماء صحفيين ومصورين ومراسلين قضوا وهم يؤدون رسالتهم، نحسبهم شهداء عند الله. وآخرين ما زالوا يواجهون الخطر، ويواصلون العمل بإيمان مهني بأن الحقيقة تستحق التضحية. ولكل من عمل خلف الشاشة وأمامها نصيب أصيل من هذا الإنجاز وهذا ما أكده الشيخ ناصر بن فيصل آل ثاني مدير شبكة الجزيرة في كلمته أمام حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى الأحد الماضي 1-11-2026. أما نحن القطريين وبعد ثلاثين عامًا يحق لنا أن نفخر بأن من أرضنا انطلقت تجربة إعلامية غيّرت وجه الإعلام العربي، وأصبح لها حضور وتأثير يتجاوز حدود الوطن. وهو فخر يشترك معنا فيه كل عربي وجد صوته، وكل إنسان وجد في الجزيرة نافذة لقضيته. إن الجزيرة ليست مجرد قناة تبث من قطر، بل مسؤولية تاريخية حملتها قطر، وأمانة مهنية دفع ثمنها رجال ونساء من أعمارهم ودمائهم. وفي ذكراها الثلاثين، لا نحتفي بثلاثة عقود من البث، بل بثلاثة عقود من الدفاع عن الإنسان والحق في أن يعرف، وأن يسمع، بل وأن يُسمَع. رحم الله مؤسس هذا المشروع العظيم، وحفظ الله من صان استمراره، ورحم من رحلوا وهم يحملون الحقيقة إلى العالم. فالجزيرة لم تكن يومًا مجرد شاشة، بل كانت، وما زالت، شاهدًا على عصر، وصوتًا للإنسان، ورسالةً أكبر من الحدود.
5316
| 03 نوفمبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
3837
| 30 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
3153
| 30 أكتوبر 2026