رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تعتبر العلاقات الخليجية- الأمريكية علاقات استراتيجية طويلة الأمد، وتتمتع بالديناميكية والحركة السياسية الفاعلة، ولم تكن وليدة تطورات أو أحداث سياسية لحظية، بل استندت على مصالح مشتركة "عسكرية واقتصادية وأمنية وغيرها". ولو تتبعنا تاريخ هذه العلاقات سنجدها منذ زمن ليس بالقريب وعبرت الكثير من التجارب والتحديات والمواقف، تقاربا واختلافا وتعاونا وتمنعا، لكنها مع ذلك لم تصل إلى مرحلة القطيعة لأسباب موضوعية تحكم مسار هذه العلاقات المشتركة بين الطرفين.
وبالنظر الى طبيعة هذه العلاقات نجدها تتمحور في اتجاهين مكملين لبعضهما من خلال حاجة كل منهما للآخر، ولا يمكن النظر إلى الموقف السياسي لمنظومة دول مجلس التعاون باعتبارها تابعة للفلك السياسي الأمريكي، لأن المنظومة الخليجية تتمتع بالتقارب السياسي والتاريخ المشترك وتقارب المواقف والمصالح وفي ردود الأفعال تجاه القضايا الدولية وفي مقدمتها قضية العرب الاولى "القضية الفلسطينية" بالاضافة إلى التحديات الأخيرة المتمثلة في الإرهاب ومطالب التغيير كما هو الحال في ثورات الربيع العربي.
ولبحث الحالة الخليجية- الامريكية واستكشاف مقوماتها، نبدأ بالنظر إلى الحاجة الخليجية الملحة لهذه العلاقة وتطورها، حيث تكمن أساسياتها في المعاهدات العسكرية والدفاع المشترك، والذي يعتبر في طليعة هذه الحاجة ومن ثم التكنولوجيا وبيع الاسلحة المتطورة، بالاضافة الى العلاقات الدولية المعقدة، ودور أمريكا المؤثر في حل مشاكل المنطقة.
أما الحاجة الأمريكية لدول الخليج العربي فهي اقتصادية في المقام الأول، يضاف إليها بعض القضايا السياسية المتعلقة بأهمية منطقة الشرق الأوسط في السياسة الدولية، حيث يعتبر الخليج أكبر سوق عالمي يتمتع بقوة شرائية، بالإضافة إلى أن الخليج لديه 30 % من احتياطي الطاقة بالعالم.
ولأمريكا مصالح في تسوية النزاعات في المنطقة حيث لا تستطيع القيام بهذا الدور دون مساعدة دول الخليج وفقا لملفات مشتركة اتضحت من خلال بعض القضايا بالمنطقة، كالأزمة اليمنية والحرب في سوريا والوضع بالعراق، وما تم الاتفاق عليه بشأن مفاعلات إيران النووية، بالاضافة إلى مكافحة الارهاب وما نتج عنه من قيام ما يسمى بـ "الدولة الاسلامية".
كما أن السياسة الأمريكية بالمنطقة لها أهداف وأجندات نجدها تسير في مسارين متوازيين، حيث إنها الداعم الرئيسي للدولة الصهيونية/ اسرائيل/ وبقائها كقوة إقليمية لها وزنها بالمنطقة، بالاضافة الى المصالح التي تحكم العلاقات الامريكية- الايرانية وما نتج عن المحادثات الاخيرة بشأن برنامج إيران النووي ورفع العقوبات عنها.. في حين نجدها تسير في المسار الآخر بتوطيد العلاقات مع دول الخليج العربي.
ولعل القمة بين أوباما والزعماء الخليجيين الأخيرة في كامب ديفيد وضعت التصورات والأطر العريضة لمستقبل هذه العلاقات، في ظل ما يدور في المنطقة من مشاكل ومواقف تتطلب التفاهم والحزم في القرارات بشأنها.
إن العلاقات الخليجية- الأمريكية تعرضت للكثير من النقد والتحليل والتفسير والتقييم من كتاب عالميين ومراكز بحثية أمريكية وأوروبية وعربية، ووسط هذا الزخم استوقفني عدد من المقالات والتحليلات لعدد من السياسيين والكتاب والاعلاميين بشأن ما أسفرت عنه هذه القمة، حيث تضاربت آراؤهم بين من هو متفائل ومن هو متشائم، أو بمعنى أصح غير راض عن الموقف الأمريكي، ولكن تبقى تصريحات سمو الأمير تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى حفظه الله ورعاه والتي أزاحت شيئا من الغموض عن تلك المحاثات، عندما صرح سموه للصحفيين وبحضور الرئيس الأمريكي والزعماء الخليجيين بأن ما تمت مناقشته في القمة تعد قضايا مصيرية، حيث أكد أن دول الخليج لا تجامل على حساب أمنها الإقليمي وان لديها تخوفات تريد من الجانب الامريكي توضيحا بشأنها.. فملف إيران النووي يشكل أهمية بالغة بالنسبة لدول الخليج التي أكدت على لسان سموه ترحيبها بالاتفاق مع الدول الكبرى من أجل إخلاء منطقة الشرق الأوسط من الأسلحة النووية.
ولكن من جهة أخرى، ومن خلال اطلاعي ومتابعتي لبعض خطابات الرئيس الأمريكي ومقابلاته الصحفية خلال الفترة الماضية التي تناول فيها المنطقة بشكل عام والعلاقات الامريكية بدولها والمصالح المشتركة، وجدت أن بعضاً منها محبط، ولا يدعو الى التفاؤل ولا يمكن الوثوق به والركون إليه... حيث ذكر الرئيس الامريكي في مقابلة له مع موقع "بلومبيرغ" بتاريخ 27 فبرير من العام 2014 ردا على سؤال بشأن العرب والإيرانيين، أجاب اوباما "انه عندما تنظر الى السلوك الايراني ستجدهم استراتيجيين وليسوا متهورين ويملكون رؤية عالمية وينظرون الى مصالحهم ويستجيبون لعوامل الكلفة والفائدة وهذا لايعني أن إيران ليست دولة ثيوقراطية "دينية" وتتبنى كل الأفكار التي أعتبرها بشعة ولكنها ليست كوريا الشمالية.. إيران دولة كبيرة وقوية وترى نفسها لاعبا على المسرح الدولي. ولا أظن أنها دولة انتحارية، بل يمكنها الاستجابة للحوافز" وعند سؤاله عن انزعاجات دول عربية من إيران جاء رده: "اعتقد أن هناك تحولات تحدث في المنطقة وهي تحولات أخذت الكثيرين منهم على حين غرة، والتغيير يبعث دائما على الخوف. أي أن انزعاجهم ينم عن مفاجأتهم بما حدث وأنهم يخافون التغيير بدل الاستجابة والتأقلم مع متطلبات التغيير".
وقال في حديث آخر لصحيفة نيويورك تايمز خلال هذا العام "إن أكبر الاخطار التى قد تواجهها دول الخليج لن تأتي من غزو إيراني، بل من عدم رضا من داخل هذه البلدان". وهذا الحديث يشير فيه الرئيس الأمريكي الى أن مشكلة الخليجيين الرئيسية تكمن في عدم تقبلهم للتغيير من الداخل وليس من إيران.
ومن هنا أرى بأن هذه اللقاءات الصحفية للرئيس الأمريكي لا تدعو إلى الطمأنينة والوثوق بالموقف الأمريكي من دول الخليج العربي. فقد خذلتنا أمريكا في عدد من الملفات بغض النظر عن ملف إيران وما يشكله من أهمية، كذلك كان موقفها سلبيا ومترددا تجاه الحرب في سوريا وقيام النظام هناك بقتل ما لايقل عن 190 ألف سوري وتشريد ولجوء أكثر من ثلاثة ملايين، إلى جانب نزوح أكثر من ستة ملايين ونصف المليون، وذلك وفقا لتقرير الأمم المتحدة الذي نشر في جنيف.
وعليه فإن التعاون المشترك بين دول الخليج فيما بينها يعد صمام الأمان لهذه الدول من كل الأخطار المحدقة بها وخير دليل قرار "عاصفة الحزم" الذي اتخذ بشكل مفاجئ وسريع أذهل الخبراء والسياسيين وجعلهم في صدمة من جرأة القرار ودخول دول المنطقة في دعم عسكري مباشر للمحافظة على اليمن الشقيق والقيادة الشرعية فيه وانقاذه من سيطرة الحوثيين وماتقدمه لهم ايران من دعم يشكل تهديدا مباشرا لدول الخليج العربي.
أما مستقبل التعاون الخليجي الأمريكي فانه يجب أن يرتبط بالنوايا الامريكية بشأن المنطقة ويراعي أمنها ومصالحها الاستراتيجية ويتضمن ذلك أن تدعم واشنطن نجاح عاصفة الحزم وعملية الامل في اعادة التوازنات السياسية والحسابات القائمة، والتوصل الى حل للازمة السورية بما يلبي تطلعات الشعب السوري الشقيق في اقامة دولة القانون والتعددية السياسية.. وأخيرا على القوى الدولية أن تعي ضرورة التأكيد على أن أمن دول الخليج من الثوابت ولا يمكن المساومة عليه مع إيران.
حين تُفتح أبواب السماء عشرة أيام
ليست كلُّ الأيام سواء، فبعضُ الأزمنة يفتح الله فيها أبوابًا من الرحمة والقبول لا تتكرر في غيرها، ومن... اقرأ المزيد
93
| 22 مايو 2026
معرض الدوحة للكتاب وترسيخ الوعي بالهوية
تعكس زيارة حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، أمس، إلى معرض الدوحة... اقرأ المزيد
87
| 22 مايو 2026
بالتعليم المبكر نصنعُ الغد
معلمة الطفولة لا تُخرّج طلابًا فحسب، بل تُسهم في صناعة مستقبل الأمة؛ فهي تبذر البذور الأولى للأخلاق، والهوية،... اقرأ المزيد
39
| 22 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في كل مرة يُطرح فيها موضوع دعم ربات البيوت القطريات، ينقسم النقاش سريعًا بين من يراه "عودة إلى الوراء"، ومن يراه " تصحيحًا لمسار اختل منذ عقود"، لكن السؤال الحقيقي الذي نتجنّب مواجهته هو: لماذا لا نعتبر الأمومة عملاً يستحق الأجر أصلًا؟ لاسيما وأنه يعزز الرعاية الوالدية والتماسك الأسري. نعيش اليوم مفارقة واضحة؛ نحتفي بالإنتاجية في المكاتب، ونقيس القيمة بعدد الساعات خلف شاشات الحاسوب، بينما نتجاهل عملاً يوميًا شاقًا يحدث داخل المنازل، بلا إجازات ولا تقاعد ولا تأمين، عملٌ بإتمامه ونجاحه تنجح الأسرة ويتقدم المجتمع وهو (تربية الأبناء)، وهي ليست مهمة هامشية، بل هي أهم استثمار في أي مجتمع، لأنها تصنع الإنسان نفسه. الواقع يقول إن كثيرًا من النساء لا يؤجلن الإنجاب لعدم الرغبة، بل بسبب معادلة قاسية إما الوظيفة أو الأسرة، فساعات العمل الطويلة، وضغط الأداء، وصعوبة التوفيق بين الحمل ومتطلبات الوظيفة، تجعل خيار الأمومة مكلفًا جدًا، والنتيجة انخفاض في معدلات الخصوبة، وارتفاع في مستويات التفكك الأسري، واعتماد متزايد على العمالة المنزلية في تربية الأطفال. هنا يأتي المقترح الذي يثير الجدل: لماذا لا تُمنح ربة المنزل القطرية التي تختار البقاء في المنزل دعمًا ماليًا لا يقل عن راتب نظيرتها الموظفة؟ قد يبدو الطرح صادمًا للبعض، لكنه في جوهره بسيط؛ إذا كنا ندفع مقابل أي عمل ذي قيمة، فلماذا نستثني العمل الأكثر تأثيرًا على مستقبل المجتمع؟ ربة المنزل لا "تجلس بلا عمل"، بل تقوم بدور متعدد المهام: مربية، ومشرفة، ومديرة منزل، وداعم نفسي، وصانعة بيئة آمنة للأبناء. لا شك بأن الاعتراضات معروفة؛ سيُقال إن ذلك سيُعيد المرأة إلى البيت فقط، أو أنه سيُضعف مشاركتها في سوق العمل، لكن هذا الطرح يفترض أن الخيار الوحيد للتمكين هو الوظيفة، ويتجاهل أن التمكين الحقيقي هو حرية الاختيار، فدعم ربة المنزل لا يعني إجبار المرأة على ترك العمل، بل يعني إزالة الضغط الاقتصادي عن قرارها. الأكثر حساسية في هذا النقاش هو الجانب الاقتصادي ؛ من خلال التساؤل الذي يقول: هل يمكن للدولة تحمّل هذا النوع من الدعم؟ الإجابة تعتمد على زاوية النظر، فإذا اعتبرنا الأمر تكلفة مباشرة، فقد يبدو عبئًا، لكن إذا نظرنا إليه كاستثمار طويل الأمد في الاستقرار الأسري، وتقليل المشكلات الاجتماعية، وتحسين جودة التنشئة، فقد تتغير المعادلة تمامًا. هناك أيضًا جانب كان لا يُنظر إليه ولا يُعار له اهتماماً حتى انتبه المجتمع والدولة له ودقوا ناقوس الخطر بسببه؛ عندما تكون كثير من المشكلات السلوكية والنفسية لدى الأطفال ترتبط بغياب الوقت الكافي مع الوالدين، لا سيما في السنوات الأولى، ومع تزايد الاعتماد على الخدم، تتحول التربية تدريجيًا إلى "خدمة مُستأجرة"، بدل أن تكون مسؤولية أسرية مباشرة. السؤال الذي يجب أن نطرحه بوضوح: أيهما أخطر على المجتمع أن ندفع للأم مقابل تربية أبنائها؟ أم أن نواصل تجاهل هذا الدور حتى ندفع لاحقًا ثمن التفكك الأسري والمشكلات الاجتماعية؟ ربما حان الوقت لإعادة تعريف "العمل"، فليس كل عمل يُقاس براتب شهري من شركة، وليس كل إنتاج يُقاس بأرقام في تقارير، هناك عمل يُقاس بأثره في الإنسان، في استقراره، في قيِمه، وفي مستقبله. دعم ربات البيوت ليس تراجعًا، بل قد يكون خطوة جريئة نحو الاعتراف بأن بناء الأسرة هو أهم وأسمى وأعظم من أي عمل مؤسسي، فهو مشروع بناء إنسان متمسك بدينه وقيمه وأخلاقه وعاداته وتقاليده، وهي غاية أي دولة وكيان يرغب في الاستثمار الحقيقي في بناء المواطن الذي هو طريق مستقبلها وآمالها. لكن هذا الطرح، رغم وجاهته، لا يمكن أن يُمرّر دون نقاش صريح حول مخاطره المحتملة. فالدعم المالي غير المدروس قد يتحول من أداة تمكين إلى أداة تقييد، إذا أصبح ضغطًا اجتماعيًا يدفع المرأة قسرًا للبقاء في المنزل بدل أن يكون خيارًا حرًا. هنا تكمن الحساسية: كيف نضمن أن هذا الدعم لا يُستخدم لإقصاء المرأة من سوق العمل، بل لمنحها مساحة اختيار حقيقية؟ الحل لا يكون في الفكرة نفسها، بل في طريقة تطبيقها، فبالإمكان تصميم برامج دعم مرنة، تتيح للمرأة الانتقال بين العمل والتفرغ الأسري دون خسائر كبيرة، وتربط الدعم بمراحل عمرية محددة للأطفال، خاصة في السنوات الأولى الأكثر تأثيرًا في تكوينهم، كما يمكن أن يكون الدعم تدريجيًا أو جزئيًا، بدل أن يكون نموذجًا جامدًا "إما عمل أو منزل”. من جهة أخرى، لا بد من الاعتراف بأن سوق العمل نفسه يحتاج إلى مراجعة، فلماذا لا تكون هناك وظائف أكثر مرونة للأمهات؟ لماذا لا يُعاد تصميم بيئات العمل لتكون صديقة للأسرة بدل أن تكون في صراع معها؟ دعم ربة المنزل لا يجب أن يكون الحل الوحيد، بل جزءًا من منظومة أوسع تعيد التوازن بين الحياة المهنية والعائلية. الأهم من ذلك، أن النقاش يجب أن يخرج من ثنائية "مع أو ضد"، فالقضية ليست صراعًا بين نموذجين للحياة، بل محاولة لإيجاد مساحة عادلة تعترف بقيمة كل دور، هناك نساء يجدن ذواتهن في العمل، وأخريات يجدنها في تربية الأبناء، وكلا الخيارين يستحق الاحترام والدعم. وهناك امثلة من دول متقدمة كألمانيا مثلاً التي تقدم برامج مثل بدل الوالدين (Elterngeld) والتي تمنح دخلًا شهريًا للأم أو الأب عند التفرغ لرعاية الطفل، وقد يصل إلى نسبة كبيرة من الراتب السابق، ويهدف إلى تشجيع الإنجاب وعدم إجبار الوالدين على العودة السريعة للعمل، وأيضاً دولة مثل النرويج تقدم ما يسمى بدل رعاية الطفل (Cash-for-care)، أما فنلندا فتقوم بتوفير بدل رعاية منزلية للأم التي تعتني بأطفالها في البيت وتدعم خيار التربية المنزلية. خلاصة القول، لعل ما نحتاجه فعليًا هو تغيير في الثقافة قبل السياسات، بأن نتوقف عن التقليل من قيمة العمل المنزلي، وأن نكف عن ربط قيمة الإنسان بوظيفته فقط، حينها فقط يمكن لمثل هذا المقترح أن يُفهم في سياقه الصحيح، لا كخطوة إلى الخلف، بل كتصحيح لنظرة مختلة. فاصلة أخيرة قد لا يكون مهماً بأن تكون صيغة ومغزى السؤال المراد أن نسأله بـ "هل ندفع راتبًا للأم ربة البيت" ؟ بل بالسؤال الحقيقي الذي يجب أن نسأله أنفسنا وهو: هل نستمر في تجاهل أهم وظيفة في المجتمع فقط لأنه خيار استراتيجي وحل لمعظم المشكلات الحالية مثل قلة معدل الخصوبة وتعزيز التماسك الأسري؟!!
1419
| 18 مايو 2026
في كل عام، حين تقترب العشر الأُوَل من ذي الحجة، تمتلئ المنابر بالكلام عن فضل الصيام، وكثرة الذكر، وثواب العمل الصالح. لكن ثمة زاوية أقل ضجيجًا، وأكثر عمقًا: لماذا تبدو هذه الأيام وكأنها إعادة ترتيب داخلية للإنسان نفسه، لا مجرد موسم عبادات؟ العجيب أن العشر من ذي الحجة تأتي في زمن لا يشبه رمضان. رمضان يشبه مدينة مضاءة بالكامل؛ الجميع صائم، المساجد ممتلئة، والإيقاع العام يساعدك على الطاعة. أما العشر من ذي الحجة فتشبه مصباحًا صغيرًا في غرفة واسعة، لا يراك فيه أحد. هنا تظهر حقيقة العلاقة بين الإنسان وربه: هل يعبد الله لأن الجو العام ديني، أم لأنه يبحث فعلًا عن معنى أعمق لحياته؟ هذه الأيام لا تغيّر جدول الأعمال فقط، بل تغيّر ترتيب القلب. الإنسان المعاصر يعيش غالبًا تحت ضغط السرعة: إنجازات، رسائل، أخبار، سباق لا ينتهي. حتى روحه أصبحت تتعامل مع الحياة بمنطق “التحديثات السريعة”. لكن العشر من ذي الحجة تأتي كأنها توقّف هذا الضجيج، وتقول للإنسان: “لست آلة إنتاج… أنت روح أيضًا”. ولعل أجمل ما في هذه الأيام أنها تجمع بين حركتين تبدوان متناقضتين: الصعود والتجرد. الحاج يصعد إلى عرفات، لكنه يتجرد من الزينة واللقب والمكانة. الجميع في الإحرام متشابهون، كأن العالم يُعاد ضبطه على الحقيقة الأولى: البشر متساوون حين يقفون أمام الله. حتى الأضحية، التي يراها البعض مجرد شعيرة موسمية، تحمل رسالة نفسية هائلة. القصة ليست في الذبح نفسه، بل في فكرة “التخلّي”. إبراهيم عليه السلام لم يُختبر لأنه يملك ولدًا فقط، بل لأنه كان مستعدًا أن يقدّم أغلى ما يحب إذا تعارض الحب مع أمر الله. هنا يصبح السؤال الشخصي لكل إنسان: ما الشيء الذي يسيطر على قلبي أكثر مما ينبغي؟ المال؟ المكانة؟ الخوف؟ العادة؟ العشر من ذي الحجة ليست فقط أيامًا نضيف فيها أعمالًا صالحة، بل أيام نحاول فيها إزالة ما تراكم فوق أرواحنا. واللافت أيضًا أن هذه الأيام تربط الأرض بالسماء بطريقة مدهشة. ملايين الحجاج يتحركون في مكان واحد، في توقيت واحد، بملابس واحدة، يرددون كلمات واحدة منذ قرون طويلة. المشهد يبدو وكأنه نبض بشري ضخم يذكّر العالم بأن الإنسان، مهما انشغل بالتكنولوجيا والسياسة والاقتصاد، ما زال يحمل داخله حنينًا قديمًا إلى المعنى. لهذا يشعر كثير من الناس في هذه الأيام بشيء لا يستطيعون تفسيره تمامًا. ليست مجرد مشاعر دينية عابرة، بل إحساس بأن الروح تستيقظ بعد تعب طويل. كأن القلب كان مغلقًا بسبب غبار الحياة، فجاءت هذه الأيام لتفتح النوافذ. العشر من ذي الحجة ليست موسمًا إضافيًا في التقويم الإسلامي، بل فرصة نادرة لاستعادة الإنسان من نفسه. أن يتذكر أن عمره ليس قائمة مهام، وأن النجاح لا يُقاس فقط بما جمعه، بل بما أصلحه داخله. وربما لهذا السبب أقسم الله بها في القرآن؛ لأن بعض الأزمنة لا تكون عظيمة بسبب عدد أيامها، بل بسبب قدرتها على إعادة تشكيل الإنسان من الداخل، بهدوء يشبه نزول المطر على أرض عطشى منذ زمن طويل.
1218
| 19 مايو 2026
تابعت عبر تطبيق (تابع QMC) التابع للمؤسسة القطرية للإعلام عشر حلقات جميلة للفنان القطري القدير والمبدع السيد غانم السليطي. حيث طرح فيها بعض المشاكل الأسرية والاجتماعية بطريقة جميلة أوصل من خلالها رسائل إلى المشاهدين عن بعض المشاكل التي تصيب بعض الأسر وكيف يتم حلها أو تداركها من البداية قبل أن تشتعل شرارتها وتكبر فتحرق استقرار أسرة مطمئنة. وكان الفنان غانم السليطي قد تطرق لكثير من القضايا الاجتماعية والأسرية والإدارية والسياسية وغيرها في مسلسله الشهير فايز التوش والذي كان يعرض في رمضان بدايةً من 1984 م ولعدة أجزاء لعدة سنوات وقد نال المسلسل نجاحاً باهراً لجرأته في طرح القضايا المتنوعة بطابع كوميدي. وأعتقد أن الكثير من القضايا التي تطرق لها في ذلك الوقت قد تم حلها أو تم حل الكثير منها، منها على سبيل المثال حفريات الطرق التي كانت منتشرة وبصورة كبيرة في شوارع الدولة دون تدخل سريع لإصلاحها بسبب البيروقراطية الإدارية أو لعدم اهتمام المسؤولين بها وربما رمي كل جهة المسؤولية على جهة أخرى، ولكن تبقى الكثير من المواضيع شبه متكررة من ذاك الوقت إلى وقتنا الحالي مع التطور الكبير في استخدام التكنولوجيا ودخول الحاسوب في كل الجهات الرسمية، على سبيل المثال تأخر مواعيد مقابلة الأطباء في المستشفيات الحكومية، العلاج بالخارج وازدواجية المعايير بمن يتم الموافقة عليهم ومن لا يستحقون (والواسطة في هذا الشأن)!!، تأخر بعض المعاملات وطلب بعض الشهادات المعينة في بعض الجهات لعدة أيام مع العلم بأنها سهلة ويسيرة ولكن تبقى الإجراءات عائقاً لها والروتين الحكومي البائس هو المسيطر، كذلك تطرق في مسلسله لسلطة بعض المسؤولين الذين يعتبرون الوظيفة والمنصب الذي يشغلونه كأنه ملكية خاصة ويتعاملون مع الموظفين والمراجعين باستعلاء ولا يطورون طريقة العمل اليومي، وتحدث عن من يتاجرون بوظيفتهم ويستغلونها لمصالحهم الشخصية دون خوف ومراعاة لضميرهم وللقانون أو حتى الخوف من الله سبحانه وتعالى، وغيرها الكثير من القضايا التي كانت تشغل الرأي العام. فكم نحن بحاجة إلى قوانين تردع بعض المسؤولين وتسقطهم من كراسيهم التي يعتبرونها عروشاً للسلطة. وكم نحن بحاجة لإعادة تقييم أداء الإدارات والمديرين في كل الوزارات والهيئات حيث إن من المسؤولين من يجب أن يترقى لمناصب عليا بسبب جهدهم في خدمة المجتمع من خلال وظائفهم وبعضهم الآخر يجب أن يُزال من مكانه ويُطرد لأنه غير كُفْء لهذه الوظيفة. نقطة أخيرة: أبدعت يا بو فيصل في طرحك لتلك القضايا ومحاولة البحث عن حلول فلك كل التحية والتقدير على حسك الوطني وحبك لدولتك، فإن تم إصلاح بعض الأمور فهذا من فضل الله ومن ثم سعيك للتغيير للأفضل. وإن بقيت بعض الأمور على حالها فليس العيب منك ولكن ينطبق قول الشاعر (قد أسمعت لو ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادي) ولكن يبقى الأمل وتحدونا الأماني والتغيير للأفضل. ختاماً: رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب.
972
| 16 مايو 2026