رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. أحمد موفق زيدان

@ahmadmuaffaq

مساحة إعلانية

مقالات

717

د. أحمد موفق زيدان

لماذا فشلت ثورة 1857 ضد البريطانيين في شبه القارة الهندية؟ 5/6

27 مايو 2025 , 02:00ص

في ليلة العشرين من سبتمبر، وصل الجنرال بخت خان إلى قبر همايون، وعرض على الملك ظفر الهائم على وجهه، مرافقته إلى لكنو لمواصلة المقاومة. مرة أخرى يتدخل العميل المستشار إحسان الله، فيحذر الملك من إقدامه على هذا الفعل، وبالفعل نجح ثانية بثنيه عن الهروب مع بخت، كما نجح من قبل في ثنيه عن قيادة المعركة. فشل بخت في إقناع الملك بإنقاذه من مصير لا يليق بسليل إمبراطورية مغولية عظيمة، ليظهر بعدها أن ضريبة العز أرخص وأقل ثمناً من ضريبة الذل، حيث ظهرت بالنهايتين لكل من ظفر وبخت. وصلت كل هذه التفاصيل، إلى القائد البريطاني هودسون، فتحرك للقبض على الملك، وتوجه مع بعض قواته إلى ضريح همايون، وبدأت مفاوضات شكلية مع الملك، الذي حسم أمره بالاستسلام، بعد أن فقد كل أوراقه، حاسماً الاستسلام، لضمان حياته، ومعه زوجته وابنه جوان. عاد الجميع إلى دلهي، وأنزل هودسون الملك في بيت زوجته زينت التي كانت تتواصل معهم، ووضع عليه حارساً عدوانياً يدعى كيندال كوجيل، الذي كان يهينه ويذله علناً فيصرخ عليه بالخنزير ويشتمه الشتائم المماثلة حسب ما كتب، ويضيف كنت على استعداد أن أطلق عليه النار فوراً إذا فكر في النظر لأعلى.

لم يكتف هودسون بالقبض على الملك، وإنما سعى إلى القبض على الأمراء الثلاثة الذين قادوا الانتفاضة، والذين تحصنوا بدورهم في ضريح همايون. اتجه برفقه ستة من قواته، على أمل كسب صيد جديد، ليحسم معركة إلى الأبد بنظره، ليواجهوا ثلاثة آلاف متمرد متحصنين في داخل الضريح، وبعد مفاوضات شكلية طويلة، قبل الأمراء الثلاثة الاستسلام دون قيد أو شرط، وحال استسلامهم، بدأ يخلّ باتفاقاته، فجردهم في الطريق من أسلحتهم وثيابهم، وأطلق هودسون النار عليهم، أما الملك الذي كان حبيس السجن والإهانة والذل فقد ازداد حزناً وكمداً بعد ورود هذه الأنباء إليه، ودخل في نوبات اكتئاب، ووصف حالته أحد حراسه الإنجليز (وحش في قفص) أما زوجته زينت فقد فرحت المسكينة المخدوعة في البداية بموت الأمراء الثلاثة ظناً منها أن منافسي ابنها جوان على العرش، قد تم التخلص منهم. الأعجب أنه حتى هذه اللحظة وفي ظل هذه الظروف المهينة على المستوى الشخصي العائلي للمغول، وعلى مستوى الإمبراطورية المنهارة، لا تزال تحلم بالعرش لابنها.

كانت الكارثة الأكبر التي حلّت بها يوم رأت الوريث الشرعي التي كانت تحلم به وهو ابنها جوان، يخونها أمام أسياده البريطانيين، ليكشف كذبها لسجانها، وكشف لهم عن كنزها من المجوهرات، وعن دور والده بالثورة، ليصفه سجانه أمامها وأمام والده، بأنه ولد نذل جبان، ليس لديه أي مودة لإخوته وأمه وأبيه. كانت المشانق المنصوبة في ساحات دلهي التي غدت كئيبة حزينة، إذ لم يسبق عليها أيام حزن وكمد وخوف وقتل كهذه، شبهها من كتب عن هذه المشانق بأنها قريبة من حالة نصب المشانق أيام الثورة الفرنسية. وهو ما عكسه خوف بعض المسؤولين البريطانيين، خوف على الإنجليز وليس على الضحايا، فعبر اللورد كانينج في كلكتا عن خشيته وخوفه وقلقه من حجم العنف والغضب الذي تختزنه الشخصية البريطانية ضد الهنود فكتب للملكة في لندن يقول لها: (هناك انتقام مسعور وعشوائي يحدث، حتى من جانب كثيرين ممن يجب عليهم أن يكونوا قدوة أفضل لمن حولهم، فلم يظهر أي منهم أن شنق وإطلاق النار على 40 أو 50 ألفاً من المتمردين يمكن أن يكون تصرفاً خاطئاً! كما لم يُشنق كل السجناء في دلهي بل أُعدم كثير منهم رمياً بالرصاص). النائب البريطاني السابق هنري لايارد عن بلدة آيلسبري كتب بعد زيارته الملك السجين منتقداً: (رأيت ذلك الشيخ المحطم... ليس في غرفة، وإنما في جُبّ حقير في قصره مستلق على فراش قذر، بلا شيء يغطيه سوى غطاء يائس ممزق. بينما أنا أنظر إليه، يبدو أنه تذكر عظمة مكانته السابقة.. نهض بصعوبة من على فراشه، أظهر لي ذراعيه التي نهشها المرض والذباب، كما نهشها نقص المياه، وقال بصوت آسف إنه ليس لديه ما يكفي ليأكل).

حملات الإذلال التي رافقت سجن الملك، لا تُوصف، هذه الحالة التي استباحت الملك انسحبت على استباحة المدينة كلها، فدعت الصحف البريطانية في شبه القارة إلى تسوية دلهي بالأرض، كتب هيو تشتشيستر من القوات البريطانية إلى والده يقول له: (هناك عدة مساجد جميلة في المدينة، وهي ممتعة وجميلة المنظر، لكنني أفضل أن أراها كلها مدمرة! فلقد دنس أولئك المتوحشون الأوغاد كنائسنا ومقابرنا ولا أعتقد أننا بحاجة أن نولي أي اعتبار لدينهم). ودعا آخرون من أمثال تشتشيستر إلى (تحويل المسجد الجامع في البلدة إلى كنيسة وتسمية كل حجر فيه باسم شهيد مسيحي).

امتدّ هذا الحقد على دلهي وعقيدتها، إلى الكبار من الموظفين البريطانيين، فكتب اللورد بالمرستون يقول: (يجب حذف دلهي من على الخريطة، ويجب أن تتم تسوية كل مبنى مدني مرتبط بالتقاليد الإسلامية بالأرض، بغض النظر عن قيمته الأثرية والفنية). مشاهد دلهي التي تعرض لها أهلها، لم يتوقعها أشد المتشائمين بهكذا مصير لمدينة، كانت حتى لفترة قريبة وجهة وقبلة الكثيرين من حيث العمارة والسطوة والملك والرخاء والثراء والبذخ. صورة أخرى من الصور التي تعرض لها دلهي، كان استهداف المتعاملين مع الجيش البريطاني وجواسيسه، ومنهم نسيب الملك نفسه ميرزا إله بخش، ومعه حفيد الملك ميرزا أبو بكر، حيث تم نهب بيوتهما وسلبها، ولم يسلم عالم الرياضيات الهندوسي رامشاندر من الإهانة وهو المتحول أصلاً للمسيحية، بل والمتعاون مع القوات البريطانية، إذ هاجمت الأخيرة بيته وسلبته. كتب الشاعر غالب الذي ذاع صيته يومها وبعدها، وهو المتعاون مع البريطانيين وأحد الناجين القلائل من مذبحة دلهي: (بوسع كل جندي بريطاني... فعل ما يشاء... يتجول داخل المنازل والأسواق... يُرعب القلوب ويزلزل الأرواح... يُحوّل الأسواق لمذبحة.. والبيوت لسجون.. حتى كل حبة غبار في دلهي... صارت متعطشة للدماء.. حتى إن لم أكن الناجي الوحيد... فليس بوسعي أنا ومن نجى معي.. سوى البكاء لأننا عشنا.. لقد انطفأت شرارة الحياة من الهند... تعرّت الأرض فجأة... مات الآلاف ومن نجى ارتمى في السجن). الكاتبة البريطانية هارييت تايتلر كتبت في مذكراتها تقول: (لقد صارت دلهي الآن حقاً مدينة الموتى، يلفها صمت القبور من كل جهة، لا ترى فيها إلا المنازل الفارغة، ولا تسمع إلا السكون المطلق، مشهد حزين لدرجة لا توصف، بدا كما لو أننا فقدنا شيئاً ما بين ليلة وضحاها.. شيئاً سنفتقده).

اقرأ المزيد

تحرير دمشق والنظريات التآمرية التي لا تنتهي تحرير دمشق والنظريات التآمرية التي لا تنتهي

أتفهم حالات التشكيك بأي انتصار للأمة المستضعفة، فقد عاشت الأمة منذ وقت طويل حياة الانكسارات والهزائم والخيبات، حتى... اقرأ المزيد

1026

| 01 يوليو 2025

تفجير كنيسة مار إلياس.. لا عودة إلى الوراء تفجير كنيسة مار إلياس.. لا عودة إلى الوراء

التفجير الإرهابي الإجرامي الذي استهدف يوم «الأحد الأسود» كنيسة مار إلياس في منطقة الدويلعة بالعاصمة دمشق، والذي راح... اقرأ المزيد

900

| 24 يونيو 2025

سوريا.. الجمهورية الثانية سوريا.. الجمهورية الثانية

في الثامن من ديسمبر/ كانون أول من العام الماضي، كانت سوريا والعالم العربي والإنساني على موعد جديد في... اقرأ المزيد

1551

| 17 يونيو 2025

مساحة إعلانية