رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في ثالثة الأثافي بعد ثلاثة أشهر من الاحتجاجات المشروعة المحقة كما ذكر الرئيس بشار في أول خطاب له نهاية مارس الماضي أخرج اليوم ما في جعبته مما خف حمله من كنوز الإصلاح السحرية هذه المرة التي أراد بها أن يطلع علينا بعد غياب محير فكشف المستور بعد أن بلغ السيل الزبى، ورفع عقيرته واقفا على مدرج جامعة دمشق التي لم يكن الطلاب فيه حضورا اللهم إلا من كان مؤيدا أو له عذر الإحراج في الحضور ثم الإزعاج بالتصفيق، إلى أن انتهى الخطاب على حصان طروادة وسمعنا من قال: لافض فوه وإن من البيان لسحرا ومن قال: يا جماعة لا تنسوا أننا في شهر رجب وحالة:
عش رجبا تر عجبا
إن البلاء موكل بالمنطق
تسمع بالمعيدي خير من أن
تراه وبين هؤلاء وهؤلاء
قرأت ما يقال أن الرئيس شنَّف أسماع الأمة بما أصاب كبد الحقيقة في الحديث عن الوضع السوري الراهن وطرح الإصلاحات المطلوبة فقلت: لقد أطنب القائد في كلامه ليعرف كل من في شوارع الشام أنه أوجس خيفة منهم ولكنه حريص عليهم ولذلك طبخ للجميع اليوم طبخة شهية في اعتباره وأراد منهم أن يأكلوا منها حتى لو لم تعجبهم ولم يستشر أحدا منهم في نوعها وطعمها، فهي من الرئيس الأوحد ولابد أن تكون لذيذة طيبة نافعة وفي عهد الفكر الشمولي للأب والابن فلابد للقطيع أن يستسلموا فالآخر لا مكان له إلا في نفسيهما حتى لو لم تكونا على حق وفضيلة.
فماذا قال صاحبنا في بعض هذا الخطاب وأتى به من جديد، طبعا إن الأسطوانة التي تعود عليها شعبنا منذ أكثر من أربعة عقود هي الاتهام بالمؤامرة فما يقوم الأحرار به من احتجاجات سلمية فعلا ضده، إنما هي جارية في هذا السياق، إنها مؤامرة خارجية من سلسلة المؤامرات الكثيرة التي تعرضت لها سورية في تاريخها الطويل بسبب مواقفها السياسية، أي المشرفة، أي ليست المظاهرات عفوية انطلق بها الشارع نتيجة الاحتقانات والمظالم التي مر عليها قرابة نصف قرن وليست متأثرة باحتجاجات تونس ومصر وليبيا، ثم دعا إلى تقوية المناعة الداخلية والبحث عن نقاط الضعف وترميمها.
أجل: أما المؤامرة فهو ومن لف لفه يدركون أن هذا ليس صحيحا البتة وأن الشعب المهضوم لم يطالب في بداية هبته إلا بالإصلاح والحرية والكرامة والتخلص من حياة القهر والذل والاستعباد والاستبداد وممن يا ترى: من فئة قليلة في أسرة وحيدة ومن يلوذ بها ممن سخروا أي تطوير أو تحديث في البلد لمصلحتهم لا لمصلحته ولا يوجد دليل واحد على أنها مؤامرة خارجية إذ ولدت هذه الثورة في بلادنا ولادة قيصرية ورغم أنها في طريق مخاض عسير فقد ولدت لأن طبيعة السنن الكونية والتاريخية أرادت لها أن تظهر إلى حيز الوجود بعد هذا الكمون الهائل من ضيق الخناق، أما العلاج بتقوية المناعة الداخلية لحل المشكلات فهو ووالده قبله هما اللذان أضعفا هذه المناعة حتى هزل الجسم القوي وتسببا في إلحاق الذل بكل سوري حر أصبح يخجل في عهدهما أن يقول إنه سوري لما لسورية من تاريخ عريق عظيم ومن أعلام بارزين بمواقفهم في جميع جوانب الحياة ولكن:
لقد هزلت حتى بدا من هزالها
كلاها وحتى سامها كل مفلس
ومع ذلك فإن طبيبنا الذي انتقل من العيادة إلى القيادة أي من نطاسي إلى سياسي يبدو أنه نسي حقيقة التشخيص في العيادة العينية وأصبح جراحا بل جزارا يجيد الذبح والجرح والركل والعفس بل واغتصاب الفريسة الذي قام بها شبيحته دون غيره ومازالوا وبالرغم من هذا وبعد فساد أحد عشر عاما يحدثك عن الحل الداخلي وإصلاح الأحياء والأموات لتقوية المناعة إذ بهذا وحده أي الحل الأمني الأنجع تحل الأمراض وتنتعش الجسوم والنفوس من جديد، أما في باب السياسة التي هي حسن التدبير فأي تدبير أحسن من مخالفة المنطق وسحق أبجديات هذه السياسة من أجل السلطة والمغنم، وقد صدق الرافعي الأديب إذ يقول: إذا كانت المشكلة بين الذئب والحمل فلن يكون حلها إلا من أحد اثنين إما لحم الخروف أو عصا الراعي، وإذا كانت المصلحة في السياسة هي المبدأ فمعنى ذلك أن عدم المبدأ هو في ذاته مصلحة السياسة. وإن همّ مثل أولئك الساسة أن يقدموا دائما الكلمة الملائمة للوقت. أي تمويها وخداعا أقول: ولكن نسي الرئيس ومن معه أن الوعي بالحرية أصبح أمنع سد أمامهم وأكد القائد الذكي أن الحل الأمني أثبت فشله بإنزال الجيش والأمن لقمع الاحتجاجات بالنار مهما كان كلفة ذلك من ثمن ولكن بعد ماذا، بعد الصرخات والويلات والانتهاكات وقتل النفس التي طالت الجميع بما فيهم الشيوخ والنساء والأطفال والشباب الذين هم بأعمار الزهور، فهل قال هذا الملهم: حسبنا ما أجرمنا به، كلا إنه برر ضرورة إبقاء الجيش والأمن في المدن والأحياء لأن طبيعة المشكلة الآن تقتضي ذلك اعترافاً منه أن حكمه كما كان حكم أبيه لا يمكن أن يدوم بغير الدبابات والقمع وأن على الشعب أن يحاور جلاده مجبرا في هذا المناخ وإلا.. ونحن نعرف أن الجيش والأمن منذ عهد أبيه كانا الجهازين اللذين أشرفا على كل التحولات في الحياة وأرادا لها أن تأتي على صورتيهما وقد تحولت وزارة الدفاع وكذلك الداخلية إلى مركز تقرير للحياة العامة أي أصبحتا القوة الحاكمة وليستا من أدوات الحكم فحسب، وما الحزب الذي تسمى بحزب البعث العربي الاشتراكي، إلا تابع لهما وممنوع من القرارات المهمة وإن كل سوري نظيف شريف يعرف هذا كما يعرف الإنسان نفسه وأباه وأمه. وقال الأسد: إن العفو الذي أصدره مؤخرا لم يكن مرضيا للكثيرين على الرغم أنه جاء أشمل من غيره، إن جلدك وشعر رأسك يقشعر عندما تسمع هذا الكلام وتتساءل بحق: من يحاسب من ومن يعفو عن من؟ أبعد كل هذه الجرائم والفظاعات السابقة واللاحقة الحاضرة يتجرأ على مثل هذا المن والأذى، لقد اقترف الأسد بحق الضحايا ما يصلح حقيقة أن يعتبر جرائم ضد الإنسانية واليوم يريد أن يتصدق بالعفو على الأحرار أو يعفو المجرم عن غيره، أفبعد هذا المنطق منطق! نعم إننا نقول هذا بمعنى أنه هو المسؤول الأول والأخير عما جرى ويجري من المآسي وإن اشترك معه أخوه ماهر وأركانه وشبيحته الأوغاد.. وقال الأسد: إنه سوف يعرض قوانين للإصلاح السياسي ويكلف لجنة وهيئة للإعداد لحوار وطني يشترك فيه الجميع وسوف يستشير وزارة العدل في ذلك.. ما شاء الله!! متى كان الديكتاتور يأخذ برأي غيره ويحترم رأي القضاة، بل إن هؤلاء القضاة ليعرفون ذلك لأنهم ما داموا أصحاب دين وذكاء وضمير حي فإنهم يعرفون أنهم محكوم عليهم قبل أن يحكموا على الناس، والجدير بالذكر أن حرف "سوف" تكرر في خطاب الأسد كثيرا حتى سماه بعضهم: مستر سوف، أي لأنه لا يمكن أن يكون مصلحا كما يريد الحق وأهله وإنما يعمل ذلك لكسب الوقت أو عمل ديكورات وزخارف لا تنفع حين يهوي البناء.
وأضاف الأسد: لا مبرر لأعمال القتل والتخريب في الاحتجاجات، وهذا كمن يقولون ضربني وبكى وسبقني واشتكى، أهكذا تورد الإبل يا سعد نعم إن الحرب خدعة ولكن مع العدو الإسرائيلي وسواه لا مع الشعب الذي لو كذبت في سبيله فلا مانع أما أن تكذب عليه وتقلب له ظهر المجن فهذا من صفات النعامة وإن كنت أسدا حقا وما من وسيلة إعلامية وشهود عياد وضحايا سقطوا وجرحى ومسجونين وفارين إلا ويشهدون أن الاحتجاجات "سلمية" وقد زورت أنت وحزبك وعصابتك الحقائق بجماعات مسلحة مزعومة لتبرر قمعك ولكن الشمس لن تغطى بالغربال وقد تمت الفضيحة للباطل على رؤوس الأشهاد عالميا.
وقال المؤيدون: ألم يقدم الرئيس التعازي للضحايا واعتبرهم شهداء لأهيلهم وللوطن وحزن عليهم؟!! قلت إذا لماذا اعتبرهم مخربين وهو الذي ناقض نفسه لما قال بداية إن مطالبهم مشروعة هذا من جهة ومن جانب آخر، إنما يقول ذلك كي ينجو مستقبلا من قصاص المحاكم الدولية، حيث إنه منع إطلاق الرصاص ولكن لم يستطع فأخذ يترحم على الشهداء ليكون إثباتا له أيضا أنه لا يرضى بقتلهم!
وقال الأسد: إنه تعجب لما فوجئ بعدد المطلوبين للعدالة في سوريا إذ بلغ 64 ألفا أي ما يعادل خمس فرق عسكرية،قلنا وهل هذا تم في غير عهدك المفسد وإن الله لا يصلح عمل المفسدين ولو فرضنا أن هؤلاء لم يكونوا كذلك ووجهناهم إلى جبهة الجولان اما يحررونها ولكن ماذا تقول للمكابر الفوقي المغرور المتعجرف المتجبر الذي لا ينظر بعين البصيرة، أما ما ذكره عن جوازات السفر وأنه أمر هو والمعلم بفتح اللام وزير الخارجية بمنح الوثائق للممنوعين فهذا حقهم لا منة لهما فيه ومع ذلك لم تنفذ الأوامر!
مشكلتنا العويصة معك ومع نظامك أيها الرئيس الوريث أنكم قوالون غير فعالين بكل ما ذكرتم من أمور أخرى وردت في الخطاب، أما شأن النازحين إلى تركيا ولبنان والأردن فعليكم من الله ما تستحقون في إجرامكم الشامل وعودا على بدء فكما قال مصطفى الرافعي: إن النصر أخيرا لمن يحتمل الضربات لا لمن يضربها!
Khaled-hindawi@hotmail.com
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في حياتنا اليومية نمرّ بمواقف كثيرة تجعلنا نقف بين صوتين داخلنا؛ صوت القلب وصوت العقل. أحيانًا يميل الإنسان إلى مشاعره فيتخذ قرارات سريعة بدافع الحب أو الغضب أو الحزن، ثم يكتشف بعد فترة أنه أخطأ التقدير. لذلك قيل دائمًا: “فكّروا بعقولكم وليس فقط بقلوبكم”، لأن العقل هو النور الذي يرشد الإنسان عندما تتشابك المشاعر وتختلط الحقائق. القلب جميل، وبدونه تصبح الحياة جافة وخالية من الإحساس، فهو مصدر الرحمة والحنان والمحبة. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح القلب وحده هو القائد لكل قراراتنا. فكم من إنسان سامح كثيرًا حتى كُسر، وكم من شخص وثق بمن لا يستحق فقط لأنه استمع لعاطفته، وكم من قرار اتُّخذ في لحظة انفعال فترك أثرًا طويلًا من الندم. المشاعر وحدها لا تكفي لنعيش بأمان، لأن العاطفة قد تعمينا أحيانًا عن رؤية الحقيقة. أما العقل فهو القادر على الموازنة، وعلى رؤية الأمور من جميع الزوايا. العقل لا يعني القسوة كما يعتقد البعض، بل يعني الحكمة والوعي والتفكير قبل اتخاذ أي خطوة. الإنسان العاقل لا يندفع خلف كل كلمة يسمعها، ولا يصدق كل مشاعر يعيشها، بل يتوقف قليلًا، يفكر، يحلل، ثم يقرر. وهذا ما يجعل قراراته أكثر استقرارًا وأقل ألمًا. وكثيرًا ما تظهر أهمية العقل في الأوقات الصعبة، خاصة عند مرض شخص قريب وعزيز على قلوبنا. ففي لحظات الخوف والقلق قد نتخذ قرارات بدافع المشاعر فقط، دون تفكير هادئ أو استشارة صحيحة، ثم نندم لاحقًا عندما تظهر نتائج تلك القرارات. أحيانًا يحكمنا الخوف فنرفض علاجًا، أو نوافق على أمر دون دراسة، أو ننهار نفسيًا فنفقد القدرة على التفكير السليم. لذلك في أوقات الألم نحن بحاجة لأن نتمسك بالعقل أكثر، لا لأننا بلا مشاعر، بل لأن الموقف يحتاج حكمة حتى لا تكون نتائج القرار وخيمة علينا وعلى من نحب. كثير من المشاكل الأسرية أو الاجتماعية بدأت بسبب لحظة غضب لم يتحكم فيها العقل. كلمة قيلت دون تفكير قد تهدم علاقة سنوات، وقرار متسرع قد يغيّر حياة كاملة. لذلك نحن بحاجة لأن نعطي لعقولنا فرصة قبل أن نتصرف. ليس ضعفًا أن نتأنى، وليس برودًا أن نفكر، بل هو نضج يحمي الإنسان من أخطاء كثيرة. وفي المقابل، لا يعني استخدام العقل أن نتخلى عن مشاعرنا أو نصبح بلا قلب. الإنسان المتوازن هو من يجعل العقل قائدًا، والقلب داعمًا. فالعقل يحدد الطريق الصحيح، والقلب يمنح هذا الطريق إنسانية ورحمة. عندما يتعاون الاثنان، يعيش الإنسان بسلام داخلي ويصبح أكثر قدرة على مواجهة الحياة بثبات. في النهاية، القلب قد يقودنا للحب، لكن العقل يحمينا من الألم. والقلب قد يدفعنا للتسامح، لكن العقل يعلّمنا متى نتوقف. لذلك اجعلوا مشاعركم جميلة، لكن لا تسمحوا لها أن تعميكم عن الحقيقة. فالحياة تحتاج قلبًا يشعر… وعقلًا يفكر.
4980
| 02 يونيو 2026
قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير من الأسر، وكان الاحتفاظ بجزء من الدخل للمستقبل أمرًا بديهيًا. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف أن نسمع عن أحدث سيارة، أو أغلى ساعة، أو وجهة السفر القادمة، بينما يتراجع الحديث عن الادخار والاستثمار والتخطيط المالي طويل الأجل. وفي الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات الدخل وتحسنت فيه مستويات المعيشة، برزت ظاهرة تستحق التأمل؛ فالكثير من الناس أصبحوا ينفقون أكثر مما كانوا يفعلون في السابق، ليس فقط على احتياجاتهم الأساسية، بل على المظاهر وأنماط الحياة التي يشاهدونها من حولهم يوميًا. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا أصبحنا ندخر أقل وننفق أكثر على المظاهر؟ وهل المشكلة في حجم الدخل أم في طريقة إدارة المال وتحديد الأولويات؟ لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا من السلوكيات المالية. فلم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن حوله فقط، بل أصبح يقارن نفسه يوميًا بآلاف الأشخاص الذين يشاهد تفاصيل حياتهم وسفرهم وسياراتهم ومقتنياتهم الفاخرة على مدار الساعة. ومع صعود المؤثرين وصناع المحتوى، أصبح التركيز على المظاهر والعلامات التجارية والسفر والمقتنيات باهظة الثمن أكثر حضورًا من أي وقت مضى. ولا تكمن المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعي أو في نجاح المؤثرين، بل في غياب الوعي لدى بعض المتابعين بأن ما يُعرض على الشاشات هو جزء محدود ومنتقى من الواقع. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت المقارنة أسهل من أي وقت مضى، لكنها لم تجعل بناء الثروة أسهل. ومن المهم هنا التفريق بين الثروة والاستهلاك. فهناك من يمتلك ثروات كبيرة أو استثمارات ناجحة أو أصولًا متراكمة عبر سنوات طويلة من العمل والاجتهاد، ومن الطبيعي أن ينفق على ما يرغب فيه من ساعات فاخرة أو سيارات مميزة أو مقتنيات ثمينة دون أن يشكل ذلك عبئًا على أوضاعه المالية. فهذه الفئة بنت ثروتها أولًا ثم استمتعت بثمارها لاحقًا. أما القضية التي تستحق النقاش فهي سعي بعض أصحاب الدخول المتوسطة أو المحدودة إلى تقليد أنماط إنفاق لا تتناسب مع أوضاعهم المالية الحقيقية. فقد ينفق البعض جزءًا كبيرًا من دخله أو مدخراته على ساعة فاخرة أو سيارة أو حقيبة من علامة تجارية عالمية أو رحلات متكررة، بينما كان بالإمكان توجيه جزء من تلك الأموال إلى الادخار أو الاستثمار أو بناء أصل يدر دخلًا مستقبليًا. إن المشكلة ليست في اقتناء السلع الكمالية بحد ذاتها، بل في أن تتحول إلى معيار للنجاح أو المكانة الاجتماعية. ولعل من أبرز مظاهر هذا التغير ما نشاهده من سباق نحو اقتناء العلامات التجارية العالمية، سواء في الساعات أو الحقائب الفاخرة أو السيارات أو غيرها من السلع الكمالية. فبعض الأشخاص يقضون سنوات طويلة في ملاحقة المظاهر الاستهلاكية، بينما يقضي آخرون السنوات نفسها في بناء محافظ استثمارية أو أصول عقارية أو مشاريع منتجة. وبعد عشر أو عشرين سنة تظهر النتائج بوضوح؛ فالأول قد يمتلك ذكريات مشتريات كثيرة، بينما يمتلك الثاني أصولًا تدر عليه دخلًا وأمانًا ماليًا واستقلالًا اقتصاديًا. وفي عالم ترتفع فيه تكاليف المعيشة وتتآكل فيه قيمة الأموال بفعل التضخم، لم يعد الادخار وحده كافيًا. ولهذا أصبحت الثقافة المالية الحديثة تقوم على ركيزتين أساسيتين: الادخار والاستثمار. فالادخار هو الخطوة الأولى نحو بناء الثروة، أما الاستثمار فهو الجسر الذي ينقل المدخرات إلى أصول منتجة. ومن الوسائل الفعالة لتعزيز ثقافة الادخار والاستثمار أن يضع الإنسان لنفسه أهدافًا مالية واضحة ومحددة، مثل شراء منزل، أو تأمين تعليم الأبناء، أو تكوين محفظة استثمارية، أو تحقيق الاستقلال المالي في مرحلة لاحقة من العمر. فوجود هدف واضح يجعل الإنسان أكثر قدرة على مقاومة الإنفاق غير الضروري، ويمنح الادخار معنى وغاية. ولا يقل أهمية عن ذلك تنمية الثقافة الاستثمارية وفهم الأدوات المالية المتاحة. وليس المقصود أن يتحول كل شخص إلى خبير في الأسواق، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تساعده على اتخاذ قرارات مالية أكثر وعيًا. ففي عصر تتوفر فيه المعرفة بضغطة زر، لم يعد التعلم المالي رفاهية، بل أصبح ضرورة. ليس المهم كم تكسب، بل ماذا تفعل بما تكسبه. ومن الأخطاء الشائعة أيضًا تمويل الرفاهية بالديون؛ فبعض الأشخاص يلجؤون إلى الاقتراض لشراء كماليات أو لمجاراة أنماط حياة تفوق قدراتهم المالية، فيتحول ما يبدو رفاهًا مؤقتًا إلى عبء مالي طويل الأمد. إن ترسيخ ثقافة الادخار والاستثمار يمثل أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الاستقلالية المالية والاستقرار الاقتصادي، كما يسهم في بناء أجيال أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق أهدافها بثقة ووعي. فالرفاه الحقيقي لا يقاس بما نظهره للناس، بل بما نملكه من أمان واستقرار وقدرة على مواجهة المستقبل بثقة واطمئنان. وليس الخطأ أن نشتري ساعة فاخرة أو سيارة مميزة أو أن نستمتع بثمار نجاحنا، وإنما الخطأ أن نجعل المظاهر أولوية قبل بناء الأساس المالي الذي يضمن لنا ولأبنائنا مستقبلًا أكثر استقرارًا وأمانًا. فالثروة لا تُبنى بالراتب وحده، بل بالانضباط المالي، والادخار المنتظم، والاستثمار الواعي والصبر.
2697
| 02 يونيو 2026
لماذا نشعر بالقرب من الله أكثر في العشر من ذي الحجة والحج؟ ولماذا تتغيَّر مشاعرنا وسلوكنا في أيام رمضان؟ ولماذا نستطيع في تلك الأيام أن نترك عادات سيئة، ونلتزم بالصلاة، ونقرأ القرآن براحة وطمأنينة… ثم بعد انتهاء الموسم نعود أحيانًا كما كنَّا؟ هذه المواسم ليست عبثًا، بل جعلها الله محطات متكررة لإعادة ترتيب حياتنا من الداخل. رمضان كان ثلاثين يومًا من التدريب الحقيقي على الصبر والانضباط وتزكية النفس، ثم جاءت العشر المباركة والحج بعده بفترة قصيرة لتعيد شحن القلب من جديد وكأن الله يمنحنا فرصة أخرى حتى لا تبهت أرواحنا وسط زحمة الحياة. لكن السؤال الأهم: كيف نستفيد فعلًا مما مضى؟ وكيف نجعل أثر رمضان والحج يستمر معنا؟ وكيف نحافظ على أنفسنا من العودة للعادات والسلوكيات السيئة التي حاولنا تركها؟ رمضان لم يكن مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل كان تدريبًا عمليًا على التحكم بالنفس. خلال ثلاثين يومًا تعلّمنا أن الإنسان قادر على تغيير عاداته إذا امتلك الإرادة. استطعنا أن نبتعد عن أشياء اعتدناها سنوات، وأن نقترب من القرآن والصلاة والدعاء والهدوء الداخلي. ثم جاءت أيام الحج والعشر المباركة لتذكّرنا بمعنى الطهارة الحقيقية، والتجرد لله، والشعور بأن الدنيا أصغر من أن تستحق كل هذا التعلق والانشغال، لبسنا الإحرام ومشينا ورمينا واستعدنا ذكريات جدنا إبراهيم الخليل صلوات ربي وسلامه عليه وعلى نبينا محمد. هذه المواسم ليست لحظات مؤقتة فقط، الدين يهتم بالسلوك بالعادات والتعامل بعلاقتك مع الآخر، الدين ليس ركوعا وسجودا فقط، الدين معاملة ونهج حياة. ولذلك فإن أهم محطة يجب أن نتوقف عندها بعد رمضان والحج هي "المراجعة". ماذا تغيّر فينا؟ ما العادة التي استطعنا كسرها؟ ما العبادة التي قرَّبتنا من الله؟ ما الشيء الذي شعرنا معه براحة وطمأنينة حقيقية؟ كثير من الناس يظنون أن التغيير يعني أن يصبح الإنسان كاملًا، بينما الحقيقة أن الاستمرار أهم من الكمال. فالله يحب العمل الدائم وإن كان قليلًا. ليس المطلوب أن تعيش بنفس قوة رمضان طوال السنة، لكن المطلوب ألا تنقطع تمامًا بعده هذا شي مهم جداً. ولكي نحافظ على الأثر الجميل لهذه المواسم، نحتاج إلى بناء عادات صغيرة وثابتة، فمثلاً صفحة قرآن يوميًا، ركعتا قيام ولو لدقائق، أذكار الصباح والمساء، صدقة بسيطة، أو حتى المحافظة على الصلاة في وقتها. هذه الأعمال الصغيرة تشبه القطرات التي تحافظ على حياة القلب مهما كانت الحياة مزدحمة. ومن الأمور المهمة أيضًا أن ننتبه للبيئة التي حولنا. فالإنسان يتأثر بمن يجلس معهم وبما يراه ويسمعه يوميًا. لذلك فإن الصحبة الصالحة، والمجالس الطيبة، والابتعاد عن كل ما يعيدنا للعادات السيئة… كلها أسباب تساعد على الثبات والاستمرار. كما يجب أن نفهم أن العودة لبعض الأخطاء لا تعني الفشل. كل إنسان يضعف ويتعثر، لكن الفرق الحقيقي بين الناس هو سرعة العودة إلى الله وعدم الاستسلام. الطريق إلى الله ليس طريقًا بلا أخطاء، بل طريق مليء بالمحاولات والرجوع والتوبة والاستمرار. لقد خلق الله لنا رمضان كفلتر ينظف القلب خلال ثلاثين يومًا، ثم أتبع ذلك بالعشر المباركة والحج بعد شهرين تقريبًا حتى تبقى الروح متصلة بالله وحتى لا نغرق طويلًا في انشغالات الدنيا. وكأن هذه المواسم محطات صيانة للقلب يعود فيها الإنسان إلى نفسه، ويعيد ترتيب أولوياته ويتذكر لماذا خُلق وإلى أين يسير. فالسعيد حقًّا ليس من تأثر في رمضان فقط، أو بكى في عرفات فقط، بل من حمل أثر تلك الأيام معه بعد انتهائها. من أصبحت عبادته سلوكًا وأخلاقه نهج حياة وقلبه أهدأ وعلاقته بالله أقرب وأصدق. نسأل الله أن يجعل أثر رمضان والحج باقيًا في قلوبنا وأن يرزقنا الثبات بعد الطاعة والاستمرار بعد المواسم لأن الفرص لها عدد فلا تضيعها لكنك لن تجد ما تقوله لربك إذا وقفت بين يديه.
2298
| 02 يونيو 2026