رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قصة الصحابي الكريم ربعي بن عامر التميمي مع قائد قوات جيش الفرس بالقادسية، قصة ملهمة تستحق كثير تأمل ودراسة. حيث تطوّع أن يقوم بمهمة التفاوض مع الفرس بنفسه، على عكس ما اقترحه سعد بن أبي وقاص – رضي الله عنه – ارسال وفد لرستم، فقد رأى التميمي أن ارسال وفد قد يوحي للفرس أن المسلمين في خشية وقلق منهم، لكن ارسال فرد واحد فقط من شأنه إحداث تأثير سلبي في نفوسهم، وزرع الوهن فيهم كنوع من حرب نفسية قبل التلاقي في أرض المعركة. وقد كان ما أراد ربعي، الذي كان أحد سادات قومه.
يذهب ربعي بن عامر ويدخل على خيمة رستم المزينة بالذهب والفرش والتيجان على عادة ملوك الفرس في إظهار هيبتهم وعظمتهم بتلك الماديات والمظهريات، والتي لم يلق ربعي لها بالاً، بل دخل بكامل سلاحه بعد أن أوقفه الحرس ومنعوه من الدخول بسلاحه، فقال لهم: أنتم دعوتموني، فإن تركتموني هكذا وإلا رجعت، وكان له ما أراد أيضاً.
دخل ربعي بثياب متواضعة وسيف وترس ووقف أمام رستم الذي قال له: ما جاء بكم؟ فقال بثقة المؤمن صاحب الرؤية الواضحة والمعتز بدينه وهويته: الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه، فمن قبل ذلك قبلنا منه ورجعنا عنه، ومن أبى قاتلناه أبداً حتى نفضي إلى موعود الله.
قال: وما موعود الله؟ قال: الجنة لمن مات على قتال من أبى، والظفر لمن بقي. فقال رستم: قد سمعت مقالتكم، فهل لكم أن تؤخروا هذا الأمر حتى ننظر فيه وتنظروا ؟ قال: نعم، كم أحب إليكم؟ أيوم أو يومان؟ قال: لا، بل حتى نكاتب أهل رأينا ورؤساء قومنا. فقال: ما سن لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نؤخر الأعداء عند اللقاء أكثر من ثلاث، فانظر في أمرك وأمرهم، واختر واحدة من ثلاث بعد الأجل.
فقال: أسيدهم أنت؟ قال: لا، ولكن المسلمين كالجسد الواحد، يجير أدناهم على أعلاهم – أي إذا أعطى أدناهم وعداً لأحد، فلابد أن يوفي بذلك أعلاهم. وانتهى اللقاء على ذلك. فاجتمع رستم برؤساء قومه، فقال: هل رأيتم قط أعز وأرجح من كلام هذا الرجل؟ فشعروا بميل رستم لكلام ربعي والخشية أن يدع ناره ويدخل الإسلام، فقالوا: أما ترى إلى ثيابه؟ فقال لهم رستم: ويلكم لا تنظروا إلى الثياب، وانظروا إلى الرأي والكلام والسيرة، إن العرب يستخفون بالثياب والمأكل، ويصونون الأحساب.
عزة المسلم
الشاهد من القصة أن ربعياً، وهو في حضرة قائد جيوش الفرس المهاب، دخل عليه بشخصية المسلم المعتز بدينه، وليس بصفته سيداً عربياً تميمياً، صاحب حسب ونسب، بل ودخل بثياب متواضعة وتحدث كما تعلم من رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أن يدعو غيره إلى الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة، وبنفسية ترقى للسماء، وعزة مستمدة من الخضوع لله لا لغيره من آلهة أو معبودات مادية أو حسية.
دخل ربعي معتزاً بهويته كمسلم. عزة اكتسبها من فهم دقيق وصحيح لدينه، مفاده أن لا أحد يستحق العبادة والخضوع له في هذه الحياة إلا الله الواحد الأحد. لا يخضع لصنم ولا نار ولا كاهن ولا جن ولا ملائكة ولا غيرها. بهذه النفسية العزيزة والهوية الواضحة الراقية، واجه رستم المزعزع داخلياً، الخاضع لنار لا تضر ولا تنفع، وبالتالي صار لا يستحق تقديراً أو ما يستدعي الخشية والرهبة منه.
إنه عبد لوثن أو هوى أو غير ذلك. لا هوية ولا عقيدة. وما قام به ربعي هو أقل ما يمكن التعامل به مع أمثال رستم وغيره من عبّاد الأوثان، نيراناً كانت أم أحجارا وأشجارا. وما انتهت تلك الأمم والحضارات إلا لأنها صنعت أوثاناً تعبدها وتتقرب إليها من دون الله، فاستحقت بذلك الذلة قبل الهزيمة والاندثار.
الوثنية وهي تنتشر
الوثنية ليست في أدغال الأمازون أو جبال التبت وغابات أفريقيا فحسب، بل الوثنية قد تكون في أرقى القصور وأفخم المكاتب وأغنى الدول وبين أكثر البشر علماً ودراية.. قد نجد الوثنية في نفوس أتباع اليهودية والمسيحية والبوذية وغيرهم من الملل والنحل، بل قد نجدها في المسلمين أيضاً، حيث لا يمنع مانع من ذلك، بل وجدنا ما هو أكثر من ذلك من حيث ندري أو لا ندري!
انظر حولك الآن وتأمل قليلاً واسترجع بالذاكرة أو حتى ملاحظة حاضرك.. ستجد كماً من الأوثان حولك، بل ربما في أعماقك أو اللاوعي الخاص بك وأنت لا تدري، في الوقت الذي قد تعتبر نفسك تقياً نقياً مؤمناً ! نحن اليوم صنعنا أوثاناً من حولنا نقدسها، وإن لم نكن نعبدها.. أوثانٌ على شكل أفكار أو مذاهب أو رجال أو كتب أو جمادات أو مفاهيم أو شعارات أو غيرها من مفردات وتركيبات الحياة..
قبل الإسلام، الأوثان كانت كثيرة.. هذا خضع لصنم، وآخر لشجر، وثالث لكوكب، ورابع لملك، وهكذا حتى جاء الإسلام وحرر البشر، فرأيت ربعياً في حضرة أقوى رجالات ذلك الزمان، لا يأبه به ولا يعطيه أدنى اهتمام. لماذا؟ لأنه اعتز بدينه، أو هويته المسلمة، فدخل عزيزاً مرهوب الجانب.
إنها الهوية التي لعب الاستعمار أو الاستدمار الخبيث، دوراً في محوها من حياة المسلمين وحياة هذه الأمة شيئاً فشيئا. فبدأ بالضرب في الخلافة، رغم ضعفها الشديد قبل قرن من الزمان، لكنها كانت نقطة تلاقي أبناء هذه الأمة، فخرجت من قاموس المسلمين. ثم تم الترويج لوثن الهوية القومية حتى اعتز العرب بقوميتهم ومثلهم الترك والفرس والهند والزنج وغيرهم من المسلمين، ليتعمق تمزيق المسلمين من بعد تشرذمهم وانفلات أمرهم بإلغاء الخلافة، وتقوقعهم في قومياتهم، ليظهر بعد قليل وثن الهوية الوطنية، ليعتز كل قوم بحدودهم الجغرافية المصطنعة، فهذا باكستاني، وذاك تركي، وذلكم جزائري وآخر سعودي، وخامس ماليزي وعاشر سنغالي ! ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل استمر الحال أكثر فأكثر في التردي، ليتعمق التقسيم في الجغرافية الواحدة لترى قبيلة تتفاخر على قبيلة، وفخيذة على أخرى، كما لو أننا رجعنا القهقرى إلى ما قبل البعثة النبوية الكريمة !
غزة العزة
أترى بعد كل هذا الغرق في الوثنيات، يظهر من يحترم المسلم اليوم؟
لقد كنا قاب قوسين أو أدنى من الاستقرار في أدنى ركب الأمم، حيث لا يأبه بحالك أحد، لولا الله ثم ما جرى ولا يزال يجري في غزة. نعم، غزة العزة، هي من أوقفت هذا الهبوط وهذا الغرق، وأجبر العالم كله لا لينظر إلى حالنا، بل إلى ما يجري في هذا العالم الفوضوي، ويرى مصدر الفوضى والإجرام، ويتساءل في الوقت نفسه عن سر صمود وشجاعة أهل غزة، مقاتلين وحواضن شعبية، وسر هبوطنا المذل، وقد خرج فينا من ذي قبل، شخص مثل ربعي بن عامر، يفتخر بهويته الإسلامية، ويجبر أبرز رجالات الأمم في ذلك الزمان على قبول إملاءاته، ثم لينهزم بعدها بأيام وتنهار مملكته إلى غير رجعة.
رأى العالم أن العلة فينا كشعوب وأفراد مسلوبة الإرادة وليس ديننا. نحن من صنعنا وخلقنا أوثاناً من دون الله نخضع لها ونتبعها ونسجد لها ونهواها، فكان جزاؤنا هو حالنا قبل طوفان الأقصى، الذي سيكون نقطة انطلاق أو نهوض جديد بإذن الله، ما لم تتوحش الوثنيات فينا هنا وهناك أكثر فأكثر، وبمعية ما بقي لدى الغرب المتوحش المنهار في أساسه، من قوى ومؤثرات.
إنها خواطر صيفية سريعة جالت بنفسي أثناء مطالعة وتأمل مشهد ربعي مع رستم، فتحولت إلى كلمات هي التي تقرأها الآن، راجياً من الله في الوقت ذاته، أن يبدأ كل أحد منا بالتخلص من أوثانه أولاً، قبل أوثان غيره وعشرات الأوثان المجتمعية والوطنية والقومية والأممية وغيرها، فإن تحطيم تلك الأوثان، خطوة أولى نحو نهوض جديد بإذن الله، وما ذلك على الله بعزيز.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4266
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
1512
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1140
| 28 سبتمبر 2026