رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أتذكر أنني كتبت في السابق عن مساوئ مواقع الإنترنت الطائفية التي تنشر أكاذيب واتهامات وتلاسنات تسيء إلى الوحدة الوطنية والترويج للطائفية البغضاء في المجتمع وتمس الذات الملكية وتشعل الفتنة.. وحذرت وقتها من إساءات ومبالغات توجه عن بعد لواقعنا السياسي والاجتماعي والاقتصادي والإصلاحي والأهم الديني، ناهيك عن حملة التشكيك في كل ما حققناه من إنجازات.
وقتها تنفسنا الصعداء عندما قررت الحكومة مشكورة إغلاق تلك المواقع التي تكرس الطائفية والعنف في المجتمع، وقلنا إن الإسلام هو دين محبة وسلام ويحرم العدوان ويحارب الظلم ويحترم حرمة النفس الإنسانية وقدسيتها.. ولكن أن تطل علينا قنوات إخبارية أجنبية تقدم خدمة رديئة عديمة المضمون إعلاميا وخطر على المجتمع، فهذا يتطلب وقفة جادة. وأقصد هنا ما اعترف به مجلس أمناء قناة بي بي سي البريطانية بأن تغطية القناة لأحداث البحرين خلال الفترة من فبراير وحتى أبريل ٢٠١١ لم تكن محايدة وتضمنت تشويها وتحريفا للحقائق. ونحن ليس بحالة نشوة وامتنان لهذا الاعتراف بالخطأ المهني الذي وقعت فيه القناة العريقة في ممارسة العمل الإعلامي، وهذا مرجعه أن تقارير بي بي سي وقت الأزمة آتت أكلها وحققت الغرض غير السوي من بثها، فهي لم تكن محايدة بل عكست انحيازا لقلة ضالة كادت تحرق البلاد وتدمرها لمصلحة جهات أجنبية لا تريد خيرا بالبحرين.
وما يهمنا الآن هو مضمون تقرير مجلس أمناء البي بي سي للعالم الذي يؤكد للعالم براءة البحرين مما نسب إليها وقت الأحداث التخريبية وتعترف لكل مشاهديها على مستوى العالم أنها أساءت استخدام مفاهيم العمل الإعلامي وتحيزت لجماعة استخدمتها دولة أجنبية وحرضتها لتخريب البحرين من أجل مصلحة تلك الدولة وليس من أجل مصلحة هذه الجماعة التي تركت وطنها وأهلها وعشيرتها وراء ظهرها.
لقد بح صوتنا من انتقاد التقارير الوهمية التي اعتادت بعض الفضائيات على بثها عن تطورات البحرين وكأن المملكة تشهد انقلابا عسكريا، وكان ذلك بعيدا كل البعد عن الحياد والمصداقية. وتجاهلت بي بي سي تماما مبادرات القيادة الرشيدة لفتح الحوار مع كل الأطياف السياسية وكذلك ما تحلت به الأجهزة الأمنية من ضبط النفس.
ولعلي ونحن نتحدث عن خطورة الفضائيات والقنوات الإخبارية المسمومة، أشير إلى ما وقع في الشقيقة مصر بسبب هذه التقارير المغلوطة، فقد اعتادت الفضائيات المصرية قبل ثورة 25 يناير استضافة ممن يدعون أنفسهم نشطاء سياسيين، ولكن عندما تحرى المصريون عنهم عقب الثورة اكتشف كنيتهم اليهودية والصهيونية وارتباط كل هؤلاء بمراكز بحثية على صلة وثيقة بإسرائيل ومراكزها الإستراتيجية.
فمثلا عندما تستضيف فضائية مصرية ناشطة من أقباط المهجر، فهي مصرية وتتحدث العربية ولكنها تلفظ سما ضد مصر وشعبها وتدعي أنها تتحدث من أجل مستقبل مصر ومصلحتها، ثم يتبين لاحقا أن هذه الناشطة القبطية عضو فاعل في أكثر من مركز بحثي أمريكي موالي لإسرائيل، والمشكلة أن الفضائيات كانت تقدم هؤلاء على أنهم باحثون وخبراء في مراكز بحثية محايدة دون ذكر اسم المركز حتى تضلل المشاهدين ولا يتنبهون إلى هويتهم الصهيونية، وبالبحث والتحري اكتشفت جهات مصرية أن ضيوف البرامج والمحللين والخبراء السياسيين ما هم سوى ذراع لمنظمة إيباك، أكبر منظمات اللوبي الإسرائيلي في أمريكا التي تعمد دائما على تشويه صورة مصر وتقويض فرص التواصل بين القاهرة وواشنطن.
وكان من ضيوف البرامج الدائمين دبلوماسي أمريكي يتم تقديمه على أنه خبير في العلاقات، ولكن اكتشف فيما بعد أنه عضو في مجموعة عمل ضد مصر تعمل من واشنطن بغرض بث روح الفوضى العارمة وترنح مصر إقليميا وعالميا ومحليا. وبالتحري أيضا اكتشف المصريون أن هذا الضيف الخبير في العلاقات الثنائية يهودي الديانة ليكودي الفكر.
ونحن لا نستبعد هنا أن تكون البي بي سي قد تعمدت استضافة مخربين تحت ادعاء مسمى الخبراء والمحللين ومنحتهم مساحات كبيرة من الوقت على حساب الوطنيين الشرفاء، وبالطبع هذا يتعارض مع ميثاق الشرف الإعلامي، ويعد تعمدا في تضليل الرأي العام. المشكلة أننا سكتنا كثيرا على تلك القناة حتى ظهر تقرير الأمناء ليفضحها، وليكون الشاهد من أهلهم وليس منا، وأعتقد أن المطلوب الآن محاسبة جادة مع كل قناة أو فضائية أغفلت أصول المهنة وخدمت فقط خلفيتها السياسية والدينية والفئوية والطائفية والأيدلويوجية المعادية للبحرين.
إن دور الإعلام خطير ولاسيَّما أن الكلمة سلاح ذو حدين فهي قد تبني المجتمعات وتعمل على تطورها وقد تهدم ما تم بناؤه عبر سنوات طوال في حياة الشعوب والمجتمعات. وهذا ما فعلته البي بي سي، فكثيرا من موضوعاتها تتسبب في أزمات سياسية وتترك آثارا سلبية على المجتمع، إضافة إلى تشويه صورة الدولة والإساءة إلى شخصيات ورموز وطنية شريفة.
وعلينا إذا كنا بصدد عدم تكرار التجارب السيئة لتلك القنوات، ضرورة التنبيه على المراسلين الأجانب أو المحليين الذين يعملون لدى قنوات أجنبية أن يتحروا مصداقية الخبر والتأكد من الأخبار والحقائق والابتعاد عن التشويه والتجريح وقلب الحقائق بهدف الإساءة ونشر الفتن، حتى لا يتعرض المجتمع للتدمير وتقويض بنيانه وأركانه.
فالإساءة والتشويه والتجريح وممارسة التحريض ضد الآخرين وتجاوز الخطوط الحمراء وحدود الدين والأخلاق والآداب والذوق العام، أمر مؤسف بحق، وللأسف فإن العصر الإعلامي الذي نعيشه شاهدنا فيه إعلاميين كثيرين وقد فقدوا صوابهم وقلبوا الحقائق وشوهوها ولعبوا دورا كبيرا في تضليل الرأي العام وخداعه بهدف تحقيق مصالح ومنافع لمصلحة فئة قليلة. وعلى هؤلاء أن يعلموا أن المصداقية هي معيار المشاهد، وإذا اكتشف هذا المشاهد أن تلك القناة تلعب به وتغشه وتبثه ضلالا وفتنة، سيتحول إلى أخرى بضغطة زر، وربما يستطيع إعلامي أو قناة غش المجتمع لفترة، ولكنها لن تضلله للأبد، فمستوى الوعي والثقافة ارتفع وأصبح بمقدور المواطن التمييز بين الغث والسمين في المواد الإعلامية التي تنشر هنا وهناك.
ولن أدعي جورا إذا دعونا إلى إعادة تشديد الرقابة مرة أخرى على القنوات الوافدة حتى نتجنب كوارث الإعلام والتقارير السامة على المجتمع فهي وسيلة من وسائل الهدم وليس البناء. فالإعلام له دوره الكبير في بناء المجتمعات وتَرسيخ مفاهيم حرية الرأي والتَعبير والديمقراطية السليمة، وليس التخريب والوقوف مع مجموعة ضالة ضد أخرى على حق.
نحن لا ندعو هنا إلى وضع القيود على العمل الإعلامي، ولكن نطالب بوضع ضوابط مشددة وتشكيل لجنة علمية تراقب ميثاق الشرف الإعلامي، على أن تكون حرية الإعلام مكفولة وفقا لتلك الضوابط ومنح الإعلام الحق التنافس وتحقيق السبق، بشرط عدم إثارة التعصب والنعرات الطائفية والقومية، وفي حدود ضوابط مهنية وأخلاقية. على أن تكون مهام تلك اللجنة مراقبة التزام الفضائيات والقنوات الإخبارية بنشر الحقائق والأصول المهنية وعرض كافة وجهات النظر حول القضية المطروحة. وتوجيه تحذير للفضائيات في حال تعمدت تضليل الرأي العام والتلاعب بمشاعره، أو تعمدت بث تقارير تدعو للتعصب واعتمدت على صور مغلوطة ومشوهة للآخر، أو خرجت عن الآداب العامة.
أهمية تنمية وإدارة الموارد البشرية
تُعد الموارد البشرية الركيزة الأساسية لنجاح المؤسسات وتحقيق أهدافها، إذ إن العنصر البشري هو المحرك الرئيس للإنتاج والتطوير... اقرأ المزيد
120
| 05 يونيو 2026
رمز QR.. مسح سريع وخسارة كبيرة
أصبح رمز الاستجابة السريعة (QR) جزءًا من تفاصيل يومنا؛ نمسحه لقراءة قائمة طعام، أو لدفع رسوم موقف سيارة،... اقرأ المزيد
126
| 05 يونيو 2026
كيف نردع المتنمرين ؟
إن التنمر ينتشر غالبا بين الأطفال والمراهقين، سواء في المدرسة أو بين أبناء الأقارب أو غيرهم، وذلك يرجع... اقرأ المزيد
96
| 05 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها بثقة الرجال الكبار، برز اسم عبدالله بن حمد العطية كأحد أهم العقول الوطنية التي لعبت دوراً محورياً في صناعة نهضة الدولة الحديثة، وتحويل قطاع الطاقة إلى قصة نجاحٍ عالمية تُروى باحترام وإعجاب. لم يكن الراحل مجرد وزير أو مسؤول تنفيذي في قطاع النفط والغاز، بل كان رجل دولة من الطراز الرفيع، جمع بين الرؤية الإستراتيجية والحنكة السياسية والقدرة الفائقة على إدارة الملفات المعقدة في واحدة من أكثر الصناعات حساسية وتأثيراً في العالم. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً من متابعتي الصحفية لقطاع الطاقة في جريدة الشرق، عرفت عبدالله بن حمد العطية عن قرب، فوجدت فيه نموذجاً فريداً للمسؤول الذي يعمل بصمت، ويتحدث بلغة الإنجاز لا الشعارات. كان يؤمن بأن بناء قوة قطر الحقيقية يبدأ من حسن استثمار مواردها، ولذلك كرَّس جهده وعلاقاته وخبراته لترسيخ مكانة الدولة في الأسواق العالمية للطاقة. في عهده، شهدت قطر التحول الأكبر في صناعة الغاز الطبيعي المسال، حتى أصبحت واحدة من أهم الدول المصدّرة للطاقة في العالم، وصار اسمها حاضراً بقوة في القرارات الاقتصادية الدولية. كما لعب دوراً بارزاً في تعزيز حضور قطر داخل منظمة أوبك والمحافل العالمية، حيث كان يحظى باحترام واسع بين كبار المسؤولين وصناع القرار في قطاع الطاقة الدولي. تميَّز رحمه الله بشخصية قيادية تجمع بين الحزم والهدوء، وبين الدبلوماسية والقدرة على اتخاذ القرار في الأوقات الصعبة. وكان قريباً من الجميع، يقدّر الكفاءات، ويحترم العمل المهني، ويؤمن بأن نجاح الوطن مسؤولية مشتركة. لقد كان عبدالله بن حمد العطية واحداً من رجالات مرحلة التأسيس الكبرى، والذين ساهموا بإخلاص في نقل قطر من دولةٍ ناشئة في قطاع الطاقة إلى قوة اقتصادية عالمية ذات تأثير وثقل دولي. واليوم، وبرحيله، تفقد قطر اسماً كبيراً من أسماء جيل البناء، لكن سيرته ستبقى حاضرة في ذاكرة الوطن، وفي كل إنجاز تحقق على أرض هذه البلاد. رحم الله عبدالله بن حمد العطية رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء.
6693
| 30 مايو 2026
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
2793
| 31 مايو 2026
قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير من الأسر، وكان الاحتفاظ بجزء من الدخل للمستقبل أمرًا بديهيًا. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف أن نسمع عن أحدث سيارة، أو أغلى ساعة، أو وجهة السفر القادمة، بينما يتراجع الحديث عن الادخار والاستثمار والتخطيط المالي طويل الأجل. وفي الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات الدخل وتحسنت فيه مستويات المعيشة، برزت ظاهرة تستحق التأمل؛ فالكثير من الناس أصبحوا ينفقون أكثر مما كانوا يفعلون في السابق، ليس فقط على احتياجاتهم الأساسية، بل على المظاهر وأنماط الحياة التي يشاهدونها من حولهم يوميًا. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا أصبحنا ندخر أقل وننفق أكثر على المظاهر؟ وهل المشكلة في حجم الدخل أم في طريقة إدارة المال وتحديد الأولويات؟ لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا من السلوكيات المالية. فلم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن حوله فقط، بل أصبح يقارن نفسه يوميًا بآلاف الأشخاص الذين يشاهد تفاصيل حياتهم وسفرهم وسياراتهم ومقتنياتهم الفاخرة على مدار الساعة. ومع صعود المؤثرين وصناع المحتوى، أصبح التركيز على المظاهر والعلامات التجارية والسفر والمقتنيات باهظة الثمن أكثر حضورًا من أي وقت مضى. ولا تكمن المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعي أو في نجاح المؤثرين، بل في غياب الوعي لدى بعض المتابعين بأن ما يُعرض على الشاشات هو جزء محدود ومنتقى من الواقع. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت المقارنة أسهل من أي وقت مضى، لكنها لم تجعل بناء الثروة أسهل. ومن المهم هنا التفريق بين الثروة والاستهلاك. فهناك من يمتلك ثروات كبيرة أو استثمارات ناجحة أو أصولًا متراكمة عبر سنوات طويلة من العمل والاجتهاد، ومن الطبيعي أن ينفق على ما يرغب فيه من ساعات فاخرة أو سيارات مميزة أو مقتنيات ثمينة دون أن يشكل ذلك عبئًا على أوضاعه المالية. فهذه الفئة بنت ثروتها أولًا ثم استمتعت بثمارها لاحقًا. أما القضية التي تستحق النقاش فهي سعي بعض أصحاب الدخول المتوسطة أو المحدودة إلى تقليد أنماط إنفاق لا تتناسب مع أوضاعهم المالية الحقيقية. فقد ينفق البعض جزءًا كبيرًا من دخله أو مدخراته على ساعة فاخرة أو سيارة أو حقيبة من علامة تجارية عالمية أو رحلات متكررة، بينما كان بالإمكان توجيه جزء من تلك الأموال إلى الادخار أو الاستثمار أو بناء أصل يدر دخلًا مستقبليًا. إن المشكلة ليست في اقتناء السلع الكمالية بحد ذاتها، بل في أن تتحول إلى معيار للنجاح أو المكانة الاجتماعية. ولعل من أبرز مظاهر هذا التغير ما نشاهده من سباق نحو اقتناء العلامات التجارية العالمية، سواء في الساعات أو الحقائب الفاخرة أو السيارات أو غيرها من السلع الكمالية. فبعض الأشخاص يقضون سنوات طويلة في ملاحقة المظاهر الاستهلاكية، بينما يقضي آخرون السنوات نفسها في بناء محافظ استثمارية أو أصول عقارية أو مشاريع منتجة. وبعد عشر أو عشرين سنة تظهر النتائج بوضوح؛ فالأول قد يمتلك ذكريات مشتريات كثيرة، بينما يمتلك الثاني أصولًا تدر عليه دخلًا وأمانًا ماليًا واستقلالًا اقتصاديًا. وفي عالم ترتفع فيه تكاليف المعيشة وتتآكل فيه قيمة الأموال بفعل التضخم، لم يعد الادخار وحده كافيًا. ولهذا أصبحت الثقافة المالية الحديثة تقوم على ركيزتين أساسيتين: الادخار والاستثمار. فالادخار هو الخطوة الأولى نحو بناء الثروة، أما الاستثمار فهو الجسر الذي ينقل المدخرات إلى أصول منتجة. ومن الوسائل الفعالة لتعزيز ثقافة الادخار والاستثمار أن يضع الإنسان لنفسه أهدافًا مالية واضحة ومحددة، مثل شراء منزل، أو تأمين تعليم الأبناء، أو تكوين محفظة استثمارية، أو تحقيق الاستقلال المالي في مرحلة لاحقة من العمر. فوجود هدف واضح يجعل الإنسان أكثر قدرة على مقاومة الإنفاق غير الضروري، ويمنح الادخار معنى وغاية. ولا يقل أهمية عن ذلك تنمية الثقافة الاستثمارية وفهم الأدوات المالية المتاحة. وليس المقصود أن يتحول كل شخص إلى خبير في الأسواق، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تساعده على اتخاذ قرارات مالية أكثر وعيًا. ففي عصر تتوفر فيه المعرفة بضغطة زر، لم يعد التعلم المالي رفاهية، بل أصبح ضرورة. ليس المهم كم تكسب، بل ماذا تفعل بما تكسبه. ومن الأخطاء الشائعة أيضًا تمويل الرفاهية بالديون؛ فبعض الأشخاص يلجؤون إلى الاقتراض لشراء كماليات أو لمجاراة أنماط حياة تفوق قدراتهم المالية، فيتحول ما يبدو رفاهًا مؤقتًا إلى عبء مالي طويل الأمد. إن ترسيخ ثقافة الادخار والاستثمار يمثل أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الاستقلالية المالية والاستقرار الاقتصادي، كما يسهم في بناء أجيال أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق أهدافها بثقة ووعي. فالرفاه الحقيقي لا يقاس بما نظهره للناس، بل بما نملكه من أمان واستقرار وقدرة على مواجهة المستقبل بثقة واطمئنان. وليس الخطأ أن نشتري ساعة فاخرة أو سيارة مميزة أو أن نستمتع بثمار نجاحنا، وإنما الخطأ أن نجعل المظاهر أولوية قبل بناء الأساس المالي الذي يضمن لنا ولأبنائنا مستقبلًا أكثر استقرارًا وأمانًا. فالثروة لا تُبنى بالراتب وحده، بل بالانضباط المالي، والادخار المنتظم، والاستثمار الواعي والصبر.
2520
| 02 يونيو 2026