رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ثمة مقولتان تفيدان في فهم العقلية السياسية الأمريكية يجب أخذهما بعين الاعتبار على الدوام.
تُنسبُ الأولى لـ(أوتو فون بسمارك)، رجل الدولة والسياسي البروسي / الألماني الذي شغل منصب رئيس وزراء مملكة بروسيا قرابة ثلاثة عقود وأشرف على توحيد الولايات الألمانية وتأسيس الإمبراطورية الألمانية، ويقول فيها مخاطباً رجل السياسة بشكلٍ عام: «كن مهذباً، واكتب بشكلٍ دبلوماسي. حتى في حالة إعلانك للحرب ينبغي للمرء أن يأخذ بعين الاعتبار أصول اللباقة والتهذيب»!.
قد يُجادل البعض قائلاً إن السياسة الأمريكية كثيراً ما تكون أقرب إلى الوقاحة الفجة، وليس لها بالتهذيب علاقة من قريبٍ أو بعيد. لكن شيئاً من التحليل يُظهر حقيقة ما نتحدث عنه. فرغم الوقاحة المذكورة الجلية في السياسات نفسِها، يَحرص ساسة أمريكا، خاصة مع من يُفترض أن يكونوا حُلفاءهم، على استخدام الكلام المعسول، والتأكيد على ادعاءات الصداقة الإستراتيجية وتقديم الوعود الفارغة في كل مناسبة.
المفارقةُ أن هذا يحصلُ أكثرَ ما يحصل في أعقاب ظهور سياساتهم التي تُعاكسُ، عملياً، مضمون الدعاوى المذكورة.
لا يجري هذا، بالمناسبة، مع العرب فقط، بل مع كل من يُفترض فيهم أن يكونوا حُلفاء لأمريكا فعلاً. يكفي مثالاً في السنوات الماضية عدد المرات التي انفجرت فيها فضائح تجسس أمريكية على حكومات الدول الأوروبية الكبرى وقادتها. ففي أعقاب كل فضيحة، كان يأتي الاعتذار، والوعدُ بالتحقيق، وبعدم تكرار ما جرى، ثم لا تلبث أن تظهرَ فضيحةٌ أخرى من نفس النوع والدرجة بعد فترةٍ من الزمن.
قد لا يكون التجسس على رئيس دولةٍ حليفة بمثابة إعلان حرب بالتعريف السائد، لكن المثال يُعبرُ عن قاعدةٍ رئيسية في صناعة السياسة الأمريكية: افعل ما تراهُ مناسباً لمصلحتك (طبعاً ثمة خلطٌ كبيرٌ ومقصود بين مصلحة السياسي ومصلحة أمريكا الدولة)، بغض النظر عن طبيعة علاقتك مع الطرف الآخر، وبغض النظر عن الشعارات المتعلقة بالمبادئ، وسيكون (الكلام المُهذب)، أي (المعسول)، جاهزاً على الدوام للتعامل مع الموضوع.
وقد أصبح من المستحيل إحصاءُ المرات التي أرسَلت، وتُرسِل، فيها الإدارات الأمريكية مبعوثاً لـ»توضيح حقائق الموضوع» فيما يتعلق بمثل هذه القضايا، ابتداءً بأعضاء في الكونجرس، وصولاً إلى نائب الرئيس، مروراً بوزيري الخارجية والدفاع، وذلك بالتناسب مع حجم القضية ذات العلاقة.
هل يمكن اعتبار العلاقة الإستراتيجية بين أمريكا وإيران، والتي تسير قُدُماً تحت مُسمى مُخادع هو «الاتفاق النووي»، نوعاً من إعلان الحرب على العرب؟ قلائلُ مَن يُجادلون في الإجابة بـ»نعم» عن هذا السؤال من المواطنين والمراقبين والساسة في المنطقة العربية.
وفضلاً عن مُعطيات الموضوع الواضحة للمراقب، فقد كُتِبَ فيها وقِيل عنها تفصيلٌ في الإعلام العربي إلى درجة لم يعد فيها مجالٌ لمزيدٍ من التوضيح والإضافة، بل إن (الوقاحة) في هذه المسألة تحديداً تبلغ قمةً غير مسبوقة. فأمريكا التي تعلمُ حجم وطريقة التدخلات الإيرانية في المنطقة، وباستخدام منظمات إرهابية رسمية وشبه رسمية، لتخلق أمراً واقعاً جديداً هنا وهناك، يرمي في النهاية إلى تحطيم الدول والمجتمعات العربية من الداخل، هي أمريكا التي ستفتح أبواب العالم أمام إيران لتزيد من قدراتها المالية والعسكرية (التقليدية) في تنفيذ تلك العملية. وهي، نفسُها، أمريكا التي تؤكد لحلفائها ليلَ نهار أنها لن تسمح لإيران بأي تدخلٍ عسكريٍ خارجي يهدد أمن الحلفاء واستقرار مجتمعاتهم ودولهم!.
هذا هو تحديداً إعلان الحرب، بتهذيبٍ ودبلوماسية، وبطريقةٍ تجعل (بسمارك) يتقلب في قبره انبهاراً من قدرة البعض على تنفيذ وصيته بشكلٍ لم يخطر له في بال.
أما المقولة الأخرى المفيدة في فهم العقلية السياسية الأمريكية فتعود للرئيس الأمريكي السابق رونالد ريجن، قال فيها: «السياسة ليست مهنةً سيئة، إذا نجحتَ فهناك منافع وجوائزُ عديدة بانتظارك، أما إذا فشلت بشكلٍ مُخزٍ فبإمكانك دائماً أن تكتبَ كتاباً»!.
لا صوابَ في عملية التعميم، لا في أمريكا ولا في غيرها. لكن السائد في الثقافة والساحة السياسية في أمريكا أن يأخذ السياسي قراراتٍ تؤثر في مصالح الدول والمجتمعات، لأسباب تغلبُ عليها المصالح الشخصية والفئوية، وأحياناً الأيديولوجية، بمعزلٍ كامل عن حساب مصلحة الدول والمجتمعات المذكورة، وبغض النظر عن حجم الكوارث والأضرار التي ستواجهها. يفعل السياسي هذا ببساطة، لأنه يعلم أنه سيعود في نهاية المطاف، مُتقاعداً، إلى دارتهِ الواسعة في تلةٍ جميلة أو على ساحل البحر، مع مزيدٍ من المنافع المادية التي سيجنيها من (محاضراته) التي سيلقيها هنا وهناك، ثم (كتابه) الذي سيكتبه عن تجربته.. وفي جميع الأحوال، لن يتذكر جمهورُهُ المُستهدَف أسماء الدول والمجتمعات تلك، ولن يعلم شيئاً عما أصابها من كوارث، وعن نصيب السياسي العتيد في حصولها..
لهذا، يعرف العارفون أن كثيراً من الكلام الذي يسمعه العرب من المسؤولين الأمريكان، حين يكونون في مواقعهم الرسمية، هو (بَيعُ كلام) وهو (لزوم الصنعة) لا أكثر ولا أقل. ومن الخطأ أخذهُ بجدية، بغض النظر عن مُقتضيات الدبلوماسية بطبيعة الحال، من الابتسامات إلى الزيارات مروراً بالتصريحات والمُصافحات..
منذ عقود طويلة، قال (ونستون تشرشل): «من الممكن اختصارُ تاريخ العالم في الحقيقة التالية: عندما تكونُ الأمم قوية، فإنها لا تكون دائماً عادلة. وعندما ترغبُ في ممارسة العدالة، فإنها لا تعودُ قوية». قد تنطبق هذه القاعدة على علاقة العرب بالولايات المتحدة كدولةٍ قوية اليوم، فانتظارُ العدالة منها فيما يتعلق بقضاياهم أشبهُ بانتظار (غودو) الذي لا يأتي أبداً، رغم كل (التفكير الرغائبي) السائد بخصوص قدومه.
ما العمل في مواجهة هذا الواقع؟ قيل كثيراً في إجابة هذا السؤال، ويُمكن أن يُقال بأشكال وقنوات مختلفة. لكن عِبارتين من تراثنا يمكن أن توحيا بالكثير: «لا يُلدغُ المؤمن من جُحرٍ مرتين»، خاصةً مع (باعة الكلام) المتكرر هؤلاء، من الذين لا تصلح معهم إلا العبارة الأخرى: «ما حكﱠ جلدكَ مثل ظفرك.. فَتَولﱠ أنت جميعَ أمرك».
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
تعيش منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية، حيث تتقاطع المصالح الدولية والإقليمية في مشهد معقد يجعل أي توتر قابلاً للتحول إلى مواجهة أوسع. ومع تصاعد التوتر بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تجد دول الخليج نفسها في قلب معادلة أمنية دقيقة. فهذه المنطقة ليست مجرد مساحة جغرافية في خريطة الصراعات، بل مركز اقتصادي واستراتيجي يعتمد عليه العالم في الطاقة والتجارة والاستقرار الإقليمي. في مثل هذه الظروف، يبرز دور المؤسسات الوطنية التي تتحمل مسؤولية حماية الأمن والاستقرار. فوجود مؤسسات دفاعية قوية ومهنية يشكل أحد أهم عناصر حماية الدولة من التهديدات الخارجية، كما يعزز الثقة داخل المجتمع بأن أمن البلاد في أيدٍ قادرة على صونه. إن الجاهزية العسكرية والانضباط المهني لا يمثلان فقط قوة ردع، بل رسالة واضحة بأن أمن الدول الخليجية ليس أمراً يمكن العبث به أو استخدامه كورقة ضغط في صراعات الآخرين. غير أن الخطر الأكبر في أي تصعيد عسكري يتمثل في استهداف البنية التحتية المدنية. فالمرافق الحيوية مثل الطاقة والكهرباء والمياه والمطارات ليست أهدافاً عسكرية بالمعنى التقليدي، بل هي شرايين الحياة اليومية للمجتمعات. وعندما تتحول هذه المنشآت إلى أهداف في النزاعات، فإن النتائج لا تصيب الحكومات وحدها، بل تمس حياة الناس بشكل مباشر. فتعطّل هذه المرافق يعني اضطراب الاقتصاد، وتعطّل الخدمات، وتهديد الاستقرار الاجتماعي. لقد بنت دول الخليج خلال عقود طويلة بنية تحتية متطورة واقتصادات حديثة تعتمد على الاستقرار والانفتاح. ولم يكن هذا التقدم نتيجة الصدفة، بل جاء نتيجة سياسات تنموية واستثمارات كبيرة هدفت إلى تحسين مستوى الحياة للمواطنين وبناء مستقبل أكثر ازدهاراً. ولذلك فإن تحويل هذه الإنجازات إلى أهداف في صراعات إقليمية يمثل تهديداً حقيقياً لمصالح الشعوب التي تعتمد على هذه الموارد في حياتها اليومية. ومن المهم في هذا السياق فهم طبيعة العلاقات الإقليمية بواقعية. فالعلاقة بين إيران ودول الخليج ليست علاقة خالية من التوتر، لكنها أيضاً ليست علاقة صراع دائم لا يمكن تجاوزه. فقد شهدت هذه العلاقة عبر السنوات مراحل مختلفة من التوتر والتهدئة، وهو أمر طبيعي في العلاقات الدولية بين الدول المتجاورة. لكن تحويل الخلافات السياسية إلى صراع عسكري مفتوح قد يؤدي إلى نتائج لا يمكن السيطرة عليها. كما أن المشهد الإقليمي لا يخلو من محاولات بعض الأطراف استثمار التوترات القائمة لتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية. ومن بين هذه الأطراف الحكومة الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو، التي ترى في تصاعد المواجهة مع إيران فرصة لإعادة ترتيب التحالفات الإقليمية بما يخدم رؤيتها الأمنية والسياسية. غير أن دول الخليج تدرك أن الانجرار إلى صراعات واسعة قد يحمل مخاطر كبيرة على استقرارها الداخلي ومسارها التنموي. فهذه الدول استطاعت خلال فترة زمنية قصيرة بناء نماذج اقتصادية ناجحة ومجتمعات مستقرة نسبياً في منطقة تعاني من كثرة الأزمات. ولهذا فإن الحفاظ على هذا الاستقرار يتطلب سياسات متوازنة تقوم على الحكمة وتجنب التصعيد غير الضروري. إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في اختيار طرف ضد آخر، بل في حماية مصالح الشعوب والحفاظ على استقرار المنطقة. فدول الخليج ليست بحاجة إلى أن تتحول إلى ساحة مواجهة بين القوى الإقليمية والدولية، بل إلى أن تواصل مسارها التنموي وأن تحافظ على أمنها واستقرارها بعيداً عن حسابات الصراعات الكبرى. كلمة أخيرة: الخليج ليس ساحة حرب، بل منطقة تسعى شعوبها إلى الأمن والتنمية والاستقرار. وحماية هذا الهدف تتطلب تغليب صوت العقل والحكمة على منطق التصعيد والمواجهة. فحين تكون مصلحة الشعوب هي البوصلة، يصبح الطريق واضحاً نحو مستقبل أكثر أمناً وازدهاراً للمنطقة بأسرها. ib_1983@hotmail.com
4791
| 09 مارس 2026
من أعظم النِّعم نعمة الأمن والأمان، فهي الأساس الذي تقوم عليه حياة الإنسان وتستقيم به شؤون المجتمعات وتزدهر الأوطان، وعندما يفقد الأمن تضطرب الحياة وتتبدل الطمأنينة خوفًا والاستقرار قلقًا، ولذلك فإن ما تشهده منطقتنا في هذه الأيام من حروب وصراعات مؤلمة يمثل شاهدًا حيًا ودليلًا واضحًا على أن الأمن ليس أمرًا عابرًا أو واقعًا مفروضاً، بل هو نعمة عظيمة تستحق أن تُحفظ وأن يُشكر الله عليها في كل وقت، فالمشاهد التي نراها والأوضاع التي نشهدها تذكرنا بأن الأمن هو الشريان الأساسي الذي تتدفق من خلاله الحياة في كل وطن، وبدونه تتعطل التنمية وتتراجع مسيرة التقدم ويعيش الإنسان في قلق دائم على نفسه وأسرته ومستقبله. إن استقرار الأوطان وطمأنينة الشعوب لا يتحققان صدفة، بل هما نتيجة منظومة متكاملة من الجهود الأمنية والتنظيمية التي تعمل ليل نهار عليها الدولة لحماية البلاد وصون سلامته والحفاظ على استقراره من كل الجوانب الأمنية واللوجستية، ولذلك فإن الواجب على كل مواطن ومقيم أن يستشعر عظمة هذه النعمة وأن يدرك قيمتها الحقيقية، خاصة في هذه الأيام المباركة من العشر الأواخر من شهر رمضان، وهي أيام عظيمة يتضاعف فيها الأجر ويقبل فيها المسلمون على الدعاء والاستغفار والتقرب إلى الله، ومن أعظم ما ينبغي أن يحرص عليه الإنسان في هذه الأيام أن يسأل الله دوام الأمن والاستقرار وأن يحفظ الأوطان من الفتن والاضطرابات وأن يوفق القائمين على أمنها لما فيه الخير والصلاح، فالدعاء للأوطان واستقرارها ليس مجرد كلمات تقال بل هو تعبير صادق عن وعي الإنسان بقيمة الأمن وأثره في حياة الجميع. كما أن شكر نعمة الأمن لا يقتصر على الدعاء فقط، بل يظهر كذلك في سلوك الإنسان وتصرفاته اليومية، فالمجتمع يقوم على وعي أفراده والتزامهم بالقوانين واحترامهم للأنظمة وتعاملهم المسؤول مع كل ما يمكن أن يؤثر في استقرار المجتمع، ومن مظاهر شكر هذه النعمة الابتعاد عن السلوكيات التي تعكس اللامبالاة أو الاستهتار، لأن الأمن مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع، وكل فرد في الوطن يعد شريكًا في الحفاظ على استقراره وطمأنينته. ومن الواجب أيضًا أن يقدّر الجميع الدور الكبير الذي تبذله الدولة وأجهزتها المختلفة في حماية الوطن وصون أمنه، فهناك جهود كبيرة وخطط دقيقة وإجراءات مستمرة تُبذل من أجل الحفاظ على سلامة البلاد واستقرارها، وهذه الجهود تتطلب دعم المجتمع وثقته وتعاونه، لأن الأمن لا يتحقق إلا بتكامل الجهود بين الجهات المسؤولة وأفراد المجتمع. كما ينبغي على الجميع التحلي بالوعي والمسؤولية في التعامل مع الأخبار والمعلومات، والابتعاد عن نشر الشائعات أو تداول الأخبار غير الموثوقة، فهناك جهات رسمية في الدولة مكلفة بمتابعة الأحداث ونقل المعلومات الصحيحة للمجتمع، ونشر الأخبار دون تحقق قد يؤدي إلى إثارة القلق والارتباك ويؤثر في استقرار المجتمع، ولذلك فإن الالتزام بالمصادر الرسمية والابتعاد عن تداول الأخبار دون تأكد يعد جزءًا مهمًا من المسؤولية الوطنية. وفي النهاية يبقى الأمن والأمان أعظم ما يمكن أن ينعم به أي وطن، وما يحدث الآن في المنطقة يذكرنا كل يوم بأن هذه النعمة تحتاج إلى شكر دائم ووعي حقيقي للحفاظ عليها، وأن مسؤولية حمايتها لا تقع على جهة واحدة فقط بل هي مسؤولية الجميع، مواطنين ومقيمين، بالدعاء الصادق والالتزام الواعي والتعاون الصادق مع الجهود التي تبذلها الدولة، فالأوطان الآمنة لا تُبنى فقط بالقوة والإمكانات بل تبنى أيضًا بوعي أبنائها وإحساسهم العميق بقيمة الأمن وأهميته في حياتهم ومستقبل أوطانهم.
1491
| 11 مارس 2026
حين وضعت الدول أنظمة التقاعد عند سن الستين، كان لذلك وجاهته الإدارية ومنطقه السليم. فالدماء الجديدة تحتاج لفرص لتتدفق، والهياكل الإدارية تحتاج لتجديد، وسنة الحياة تقتضي التداول. لا أحد ينكر أن «تدوير المناصب» هو الرئة التي تتنفس بها المؤسسات الحية. ولكن، في سياقنا الخليجي الخاص، هناك معادلة اقتصادية وإنسانية تستحق التأمل بحكمة وهدوء. نحن في دول أنفقت بسخاء منقطع النظير على الإنسان. استثمرنا في صحته، فارتفع معدل الأعمار واللياقة، واستثمرنا في تعليمه وتدريبه عقوداً طويلة. وحين يصل هذا «الاستثمار» إلى ذروة نضجه في الستين، نجد أنفسنا أمام معضلة: كيف نوفق بين «حاجة الشباب للمنصب» وبين «خسارة المؤسسة لهذا العقل الناضج»؟ إن الاستغناء التام والفوري عن هؤلاء بمجرد بلوغ رقم معين، هو نوع من «البتر» الإداري المؤلم. فنحن هنا لا نتحدث عن موظفين عاديين، بل نتحدث عن ثلاث عملات نادرة يصعب تعويضها: 1. ذاكرة المؤسسة: الشخص الذي يمثل «الأرشيف الحي»، ويعرف لماذا اتخذنا هذا القرار قبل عشرين سنة، فيحمينا من تكرار الأخطاء المكلفة. 2. الخبير المحلل: الذي عاركته التجارب، فصار يملك «حدساً» إدارياً يقرأ ما خلف السطور والأرقام. 3. المستشرف الحكيم: الذي تجاوز مرحلة «التنفيذ» اليومي الغارق في التفاصيل، وصار يرى الصورة الكبرى والمستقبل بوضوح. لذلك، ومن منطلق الحفاظ على هذه الثروة الوطنية، نقترح الانتقال من «التقاعد الإجباري» وفقاً لتاريخ الميلاد، إلى «التقاعد المرن» وفقاً للقدرة والعطاء. وبالموازاة مع هذا التعديل النظامي، نقدم مقترحاً آخر يتعلق بالجانب البشري، وهو معالجة «الفجوة السلوكية» التي تفشل بسببها عادةً فكرة الاستعانة بـ «الخبراء» أو «المستشارين» في مؤسساتنا. نحن نعاني من عدم وضوح في «تأهيل الأدوار» حين ينتقل الموظف من كرسي الإدارة إلى كرسي الاستشارة. المؤسسات لا تهيئ أبناءها لهذا التحول الحرج في آخر سنواتهم الوظيفية. فمن جهة، «الخبير المتقاعد» لم يتدرب على خلع «عباءة التنفيذي». يجد صعوبة نفسية في التنازل عن سلطة «الأمر والنهي»، فيتدخل في التفاصيل، ويحاول إدارة الدفة، مما يخلق صداماً مع المدير الجديد. هو لم يتعلم أن دور المستشار هو «الإضاءة» لا «القيادة». ومن جهة أخرى، «المدير التنفيذي» الشاب لم يتدرب على «كيفية استثمار الحكماء». قد يرى في الخبير تهديداً لسلطته، أو عبئاً قديماً، ولا يعرف كيف يستخرج منه العصارة الذهبية دون أن يسلمه المقود. لذا، نقترح اعتماد برامج تطويرية في السنوات الأخيرة من الخدمة لتهيئة الطرفين. برامج تعلم الموظف الخبير مهارات التوجيه (Mentoring)، وفن تقديم النصح دون فرض الرأي، وكيفية التحول من «لاعب» يسجل الأهداف، إلى «مدرب» حكيم يصنع النجوم. حين نجمع بين «نظام مرن» يحفظ الكفاءات، وبين «وعي سلوكي» يوضح الأدوار، سنحفظ لمؤسساتنا «ذاكرتها» و»حكمتها»، ونفسح في الوقت ذاته المجال لشبابنا ليقودوا الدفة بطاقة متجددة. هكذا نتحول من «هدر الثروة» البشرية، إلى «توارث الحكمة» بسلاسة ورقي.
1257
| 11 مارس 2026