رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك جملة أمنيات ترتبط بمجموعة وقائع ومستجدات تابعتها أو اطلعت عليها عن كثب في الآونة الأخيرة، وأعرب عن أملي في أن تتحقق في واقعنا العربي لما لها من انعكاس مؤثّر على حاضر ومستقبل مجتمعاتنا كونها تتعلّق بشرائح الناشئة واليافعين والشباب وأكتفي هنا بالإشارة إلى أمنيتين:
ـ خلال هذا الشهر صدرت نتائج الثانوية العامة في أكثر من بلد عربي، وما لفتني أن عددا من الحاصلين على المراكز الأولى أو مراكز متقدمة في سلم التفوق كانوا من الذين يعانون ظروفا صعبة كاللاجئين السوريين في عدد من الدول المجاورة لبلدانهم، أو في قطاع غزة برغم فقد أهليهم، أو تهدم بيوتهم، أو معاناتهم من ظروف صعبة، بسبب عدم توفر الأساسيات لحياتهم.
إنها ظاهرة متكررة، وكثيرون من هؤلاء قد لا يتمكنون من متابعة دراستهم الجامعية، أو من دخول الجامعات والكليات التي تليق بهم، بسبب مصاريفها التي لايطيقونها، والعديد منهم أفصح في الحوارات التي أجريت معهم عن رغبتهم بالحصول على منح ليستطيعوا إكمال مشوارهم العلمي وتميّزهم الدراسي.
وفي غير التحصيل العلمي نبغت مثل هذه الشرائح التي تعاني ظروفا استثنائية أو تئن تحت وطأة الفقر على مستوى المواهب والابتكار والإبداع، وربما لم تلق الدعم والتشجيع الذي يرعى مواهبهم وينمّيها.
والأمنية الأولى التي آمل أن تتجسد على أرض الواقع هي أن تستثمر الأنظمة العربية ـ ولا يقتصر الأمر على الميسورة منها ـ وكذلك المؤسسات الثقافية والجمعيات الخيرية في أصحاب التميز العلمي والإبداعي من هذه الشرائح، وذلك بتخصيص منح دراسية لهم على المستوى الجامعي والدراسات العليا، وإنشاء صناديق خاصة ترعى إبداعهمـ لأنهم ثروة ينبغي أن لايستهان بها. أعرف أن هناك جهودا مبذولة في هذا المجال، ولكنها محدودة ومتواضعة ولا تفي بالاحتياج.
ـ قبل أيام شاهدت في إحدى دور السينما فيلم جديد Finding Dory / أو البحث عن دوري، وهو فيلم انيمشن منتج بحرفية عالية، من توزيع والت ديزتي، حظي بمشاهدة عالية وتقييم ممتاز حوالي ١٠/٨ وفق موقع IMDB.
يحكي الفيلم قصة مغامرات سمكة صغيرة بعد أن فقدت والديها، وتاهت في أعماق البحار، بسبب فقدانها للذاكرة، إلى أن عثرت عليهما وعلى بيتها الآمن في نهاية المطاف، وبمساعدة أحياء البحر.. الفيلم يلامس هما إنسانيا مرهفا تلتقي فيه جميع المخلوقات، ويقلب كثيرا من مواجع الطفولة المكلومة للشعوب التي تعاني بسبب مآسي الفقد والاختطاف المصاحب للنزوح واللجوء، نتيجة الحروب والفقر المدقع، كما في سوريا والعراق وغيرهما، أو الطفولة التي تصنف في خانة ذوي الاحتياجات الخاصة.
وقرأت قبل أيام سيرة كاتب الأطفال البريطاني العالمي "رُولْدْ دال" الذي اشتهر بروايته الثانية للأطفال، وعنوانها "تشارلي ومصنع الشوكلاتة"، حيث بيع منها ملايين النسخ.
وتابعت مؤخرا الجدل المحتدم حول على لعبة بوكيمون التي تمزج بين العالمين الحقيقي والافتراضي، والاكتساح الذي حققته عالميا لدى الكبار والصغار، وتعلقهم بها إلى حد الهوس، بغضّ النظر عن سلبياتها، والمحاذير المرتبطة بها.
والأمنية الثانية التي آمل تحقيقها هنا هو توفير صناعة راقية في مجالات الثقافة والتربية والإعلام والترفيه الخاصة بأطفالنا العرب، وتأسيس مؤسسات كبيرة تراعي خصوصياتنا الثقافية، وتكون قادرة على جذبهم وتلبية احتياجاتهم من المتجات المختلفة، بدلا من أن نظل نشكو من تعلق أطفالنا بتوافه الأمور، أو نخشى من تعرضهم للوثة المواد التي تصنّع من بيئات غير بيئاتهم، وتغرس قيما وسلوكيات سلبية فيهم.
مؤسسات تنتج مواد مطبوعة كالكتب والمجلات، لتعوّد أطفالنا على حب القراءة والاطلاع، وتحوّلها إلى أعمال سينمائية مشوّقة، وتصنّع لهم الألعاب الإلكترونية ومواد الترفيه الأخرى، وتواكب التطورات المتسارعة للتكنولوجيا وتقنيات التواصل، وترعى المواهب وتنمّي مهاراتها المختلفة لدى الأطفال، وتوفر لها المنابر المختلفة التي تكفل حقهم في التعبير عن رأيهم بثقة واقتدار منذ نعومة الأظفار.
كلّ تأخر في تحويل هاتين الأمنيتين لواقع ملموس يقابلهما خسارة على حساب أهم شرائح مجتمعاتنا تأثّرا وتأثيرا.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
عند الحديث عن التفوق الرياضي، لا يمكن اختزاله في تفاصيل فنية أو نتائج آنية، بل يجب النظر إلى البنية الكاملة للفريق، بدءًا من الإدارة، مرورًا بالجهاز الفني، وانتهاءً بروح اللاعبين داخل الملعب. ومن هذا المنطلق، يبرز الشمال كنموذج متكامل لفريق يعرف ماذا يريد، وكيف يصل إليه. إدارة الشمال تقدم مثالًا واضحًا في الحزم والوضوح والاستقرار. القرارات تصدر بثقة، والرؤية واضحة، والدعم متواصل، ما ينعكس مباشرة على حالة الفريق داخل الملعب. هذا الاستقرار الإداري منح المدرب المساحة الكاملة للعمل، فظهر حضوره قويًا، واضح الشخصية، قادرًا على فرض الانضباط وبناء مجموعة تؤمن به وتقاتل من أجله. المدرب في الشمال ليس مجرد اسم، بل قائد فعلي، يزرع الثقة، ويخلق الانتماء، ويحول اللاعبين إلى وحدة واحدة. أما اللاعبون، فيمثلون جوهر هذا التفوق. يتميز الشمال بلاعبين يمتلكون المهارة، لكن الأهم أنهم يمتلكون العقلية. روح جماعية عالية، التزام، استعداد للتضحية، وقتالية واضحة في كل مواجهة. الفريق يلعب بشراسة إيجابية، لا تعرف الاستسلام، ويقاتل على كل كرة، وكأن كل مباراة معركة إثبات جديدة. هذه الروح لا تُشترى، بل تُبنى، والشمال نجح في بنائها بامتياز. في المقابل، يفتقد أم صلال لهذه المنظومة المتكاملة. غياب الاستقرار الفني، وتراجع الحضور القيادي، وانعدام الروح الجماعية، جعل الفريق يبدو بلا هوية واضحة. اللاعبون يدخلون المباريات دون تلك الشراسة المطلوبة، ودون الإحساس بالمسؤولية الجماعية، ما ينعكس على الأداء العام ويكرّس صورة فريق يفتقر إلى الشخصية والقتال. الفارق بين الفريقين ليس في المهارة فقط، بل في الذهنية. الشمال فريق يؤمن بنفسه، بإدارته، بمدربه، وبقدرته على المنافسة حتى اللحظة الأخيرة. أم صلال، في المقابل، يعاني من غياب هذه القيم الأساسية. كلمة أخيرة: يتألق فريق الشمال بانتصاراته الساحقة، مما يبرز براعته الإستراتيجية وقوة إرادته، بينما يعاني فريق أم صلال من إخفاقات متكررة، لتتكشف أمام الجميع الفجوة بين العزم والضعف، مسجّلة درسًا حقيقيًا في مجريات المنافسة الرياضية.
2130
| 04 فبراير 2026
حين وصل الملك فريدريك الثاني الشام سنة 1228م، لم تُسجَّل له معركة كبرى أمام القدس ولم يُحاصرها بجيش يزلزل الأرض. ومع ذلك تسلم مفاتيح بيت المقدس، وذلك باتفاق مع السلطان الأيوبي الذي ليس له من اسمه نصيب (الملك الكامل). هذا الحاكم سلّم بموجب اتفاق مفاتيح القدس. لم تكن هزيمة عسكرية، بل تنازلًا سياسيًا مُخزيًا ووصمة عار في جبين الأمة حتى يومنا هذا، ولتصحيح هذا الخطأ مات الكثير من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهنا يقف السؤال في وجه التاريخ: لماذا أُعطيت القدس بهذه السهولة؟ الجواب المؤلم يبدأ من داخل الدولة الأيوبية آنذاك لأنها كانت تعيش انقسامات. والكامل هذا كان في صراع مع إخوته وأقاربه على النفوذ في الشام، ويخشى تحالفهم ضده. فاختار أن يجعل الدولة الصليبية حائط صد بينه وبين إخوته، فماذا فعل؟! أعطى لفريدريك مفاتيح أقدس مقدسات المسلمين بلا مقابل، فقط ليأمن على سلطانه في مصر. صارت القدس ورقة في لعبة توازنات داخلية. لم تُبع في سوق، لكنها استُخدمت لتثبيت كرسي. بمعنى أوضح، مدينة بقدسيتها، بتاريخها، بدماء من سقطوا دفاعًا عنها، تحولت إلى بند في معاهدة. وهنا تكمن المرارة لأن القدس لم تكن أرضًا عادية، بل رمزًا دينيًا وحضاريًا استعادها قبل عقود صلاح الدين الأيوبي بعد معركة حطين، وما أدراك ما حطين مشروع طويل من الإعداد والوحدة والتضحية. يومها لم تكن المسألة كرسي حكم، بل قضية أمة. صحيح أن بعض الروايات تبالغ في تقليل عدد من رافق فريدريك إلى أقل من 1000 مقاتل فقط لأنه كان مطرودًا من البابوية وغير مرغوب فيه في أوروبا وليس له وزن، ومع ذلك يتسلم هذا المطرود المنبوذ مفاتيح أولى القبلتين. وهنا الدرس الذي لا يشيخ: حين تنقسم الصفوف، يصبح الخصم أقل كلفة. لا يحتاج أن ينتصر، يكفيه أن يراقب وينتظر. هذا الفريدريك قام بمجازر ضد المسلمين في صقلية، وأرسل إليه الكامل يطلب منه التوقف لِظن هذا الناقص أن فريدريك سيحفظ له فضل وجميل إعطاء القدس كهدية، ولكن فريدريك مزّق المسلمين وفعل بهم الأعاجيب. وليس اليوم ببعيد عن أمس، فمن يظن أن الغرب يهتمون بدماء وأعراض المسلمين هو ناقص كهذا الذي نتحدث عنه. والتاريخ الإسلامي نفسه مليء بأمثلة معاكسة. رجال ضحّوا بالملك من أجل المبدأ، وفضلوا الثبات على المكسب العاجل. من زمن الصحابة الذين خرجوا يواجهون إمبراطوريات تفوقهم عددًا وعدة، إلى قادة مثل عمر المختار الذي اختار المقاومة على الخضوع، ودفع حياته ثمنًا، لكنه لم يبع كرامته. هؤلاء لم ينظروا إلى القضية كورقة تفاوض، بل كأمانة أمة. ما أريد قوله من هذه الواقعة التي مر عليها أكثر من ثمانمائة عام، وما زال صداها في الذاكرة، أن أخطر ما يضعف الدول المسلمة ليس قوة الخارج، بل خلاف الداخل، والخضوع لا يبدأ دائمًا برغبة في الاستسلام، بل أحيانًا بخوف من فقدان منصب، أو حرص على تثبيت حكم هو أصلًا زائل. ألا يكفي أن نرى النتيجة؟ حين تُقدَّم التنازلات لتجاوز أزمة داخلية أو مصلحة شخصية، قد تتحول تلك التنازلات إلى أزمات أكبر وأعمق وأشد إذلالًا. الهيبة لا تُبنى بالخطابات، بل بوحدة القرار، وبوضوح الخطوط التي لا تُمس. فالأوطان والمقدسات والثروات ليست ملكًا خاصًا للحُكام، ولا هدية تُقدَّم طلبًا لرضا القوى العظمى. الأصل: (إن تنصروا الله ينصركم). تسليم القدس سنة 1229م لم يكن مجرد حادثة عابرة، بل علامة على أن الذل والخنوع والخيانة قد يفتح ما لا تفتحه الجيوش الجرارة والطائرات المسيّرة. ومن لا يتعظ بما مضى، قد يجد نفسه يعيد المشهد ذاته بأسماء جديدة.
948
| 04 فبراير 2026
امشِ في أحد أحيائنا القديمة التي بقيت على حالها، إن وجدتَها. ستلاحظ شيئاً غريباً في التصميم: الجدران قصيرة، والأبواب تكاد تكون متقابلة، و»السكيك» ضيقة وكأنها صُممت لتجعل الناس يصطدمون ببعضهم البعض فيلقون السلام. كان العمران هناك «خادماً» للوصل. وكانت روح الفريج حاضرة في كل تفصيلة معمارية. كان الحجر يُجبر البشر على التلاقي. ثم انتقل بسيارتك إلى أحيائنا السكنية الحديثة. شوارع فسيحة، وفلل تشبه القلاع الحصينة. كل بيت يحيط نفسه بسور عالٍ، وبوابات إلكترونية، وكاميرات مراقبة. لقد حصلنا على «الخصوصية» التي كنا نحلم بها، ولكن، هل سألنا أنفسنا عن الثمن؟ المعادلة بسيطة ومؤلمة: كلما ارتفعت الجدران الإسمنتية بين البيوت، ارتفعت معها الجدران النفسية بين القلوب، وتآكلت روح الفريج شيئًا فشيئًا. في زمن «الفريج»، كان الجار هو «خط الدفاع الأول»، وهو «الأهل» الأقرب. كانت الأمهات يتبادلن الأطباق، والأطفال يركضون من بيت لآخر وكأن الحي كله بيت واحد كبير. كانت «عين الجار» حماية، وصوته أنساً. لم يكن الفريج مجرد مكان للسكن، بل كان «نظاماً اجتماعياً» متكاملاً للتكافل والتربية المشتركة. اليوم، تحت ذريعة «الخصوصية» و»الاستقلالية»، عزلنا أنفسنا. أصبحنا نعيش لسنوات بجانب شخص لا نعرف إلا نوع سيارته. قد يمرض الجار، أو يحزن، أو يفرح، ولا نعلم عنه شيئاً إلا إذا رأينا خيام العزاء أو الزفاف صدفةً عند الباب. تحول الجار من «سند» إلى «غريب»، وأحياناً إلى مصدر إزعاج نشتكي منه إذا أوقف سيارته أمام سورنا. لقد قتلنا «روح الفريج» بدم بارد، واستبدلناها بـ «ثقافة العزلة». نحن لا ننكر أن التطور العمراني ضرورة، وأن الخصوصية حق. لا أحد يطالب بالعودة إلى بيوت الطين وضيق المكان. ولكننا نطالب بـ «أنسنة» مدننا الحديثة. المشكلة ليست في «الحجر» وحده، بل في «البشر» الذين سمحوا لهذه الأسوار أن تتسلل إلى نفوسهم. لقد استوردنا تصاميم هندسية غربية تقدس الفردية، ونسينا أننا مجتمع «جمعي» يتنفس الوصل. صممنا مدناً للسيارات لا للمشاة، وللأبواب المغلقة لا المشرعة. هل يمكننا استعادة ما فقدناه؟ نعم، ولكن البداية ليست بـ «هدم الأسوار» الإسمنتية، بل بهدم «الأسوار النفسية». أن نمتلك الشجاعة لنطرق باب الجار ومعنا «طبق حلو» وابتسامة، بلا مناسبة. أن نُحيي «مجلس الحي» ولو مرة في الشهر. أن نعلم أطفالنا أن «حق الجار» ليس مجرد كف الأذى، بل هو بذل الندى، والسؤال، والاهتمام. وهو جوهر روح الفريج. إن «الوحشة» التي نشعر بها في أحيائنا الفارهة لا يعالجها المزيد من الرخام والزجاج، بل يعالجها «دفء» القلوب المتواصلة. فلنجعل بيوتنا قلاعاً تحمينا من الخارج، نعم، ولكن لا تجعلها سجوناً تعزلنا عمن هم أقرب الناس إلينا جغرافياً، وأبعدهم عنا شعورياً.
723
| 04 فبراير 2026