رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يستمر السباق في المنطقة بين التصعيد وفرض شروط من الولايات المتحدة وإيران وبوساطة خليجية- تركية نشطة بين الطرفين لتجنيب المنطقة مواجهة وحربا لا يرغب بها أحد بتداعيات كارثية على أمن واستقرار المنطقة. واستكمالا لمقال الأسبوع الماضي في «الشرق» هل تنجح الوساطات الخليجية- التركية بمنع حرب على إيران؟ بينت في مقالي السابق: «أنه بالرغم من أن قرع طبول الحرب في المنطقة بجميع تداعياتها بات أكثر ضجيجا واحتمالا من أي فترة سابقة». إلا أن إصرار الطرف الخليجي خاصة- ممثلا بدولة قطر والمملكة العربية السعودية وسلطنة عمان وبدعم ومبادرات من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان- (زار الأسبوع الماضي كلا من الرياض والقاهرة)، واجتمع مع ولي العهد الأمير محمد بن سلمان والرئيس عبدالفتاح السيسي. وما تملكه الأطراف الخليجية من علاقات إيجابية وحتى شخصية مع الرئيس ترامب، تدعم خفض التصعيد والعمل على المشتركات لتجنيب المنطقة صراعا وحربا لا طائل ولا رابح منها.
وكانت ملفتة تطورات الأسبوع الماضي، بعد موافقة الطرفين الأمريكي والإيراني على عقد مفاوضات خفض التصعيد في إسطنبول، ثم نقل الاجتماع إلى سلطنة عمان. ما عقّد المشهد- ودفع الوسطاء لممارسة دبلوماسية نشطة لإعادة الأمور إلى نصابها. وعلق مسؤول في إدارة الرئيس ترامب-أن الرئيس ترامب بعدما تم تسريب رفض تغيير مقر الاجتماع إلى مسقط- ومعارضة إدارة ترامب مطالب إيران التي وضعت خطوط حمراء- بإصرارها على اقتصار المفاوضات على البرنامج النووي ونسبة التخصيب، بدل صفقة كاملة كما تطالب إدارة ترامب. وفي الوقت الذي ترفض إيران تطرق المفاوضات لملفات تطالب بها إدارة ترامب التي تفضل التوصل إلى صفقه شاملة مع إيران (Deal) -تشمل إنهاء كلياً لتخصيب اليورانيوم ما يعني تفكيك برنامج إيران النووي. ونقل اليورانيوم المخصب إلى دولة ثالثة (روسيا أو تركيا) والضغط على إيران لعودة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وتقييد إيران أن تفكك برنامج صواريخها البالستية بعيدة ومتوسطة المدى. ونقل 400 كلغ من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 % خارج إيران. والإبقاء فقط على الصواريخ قصيرة المدى التي لا يتعدى مداها 500 كم-لحماية أمن إسرائيل كما أكد وزير الخارجية الأمريكي روبيو. وتوقف إيران عن تقديم الدعم والإسناد والتكنولوجيا لوكلائها في المنطقة. وتتعهد بضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز. ووقف الإعدامات وإطلاق سراح السجناء السياسيين وعدم قطع شبكة الإنترنت. وقطع إيران دعمها لحلفائها في المنطقة. والتوقف عن قمع المحتجين والمتظاهرين والإعدامات. مقابل بناء الثقة ورفع العقوبات تدريجيا عن إيران، ودمج إيران اقتصادياً وفتح باب الاستثمارات. الرد الإيراني كان واضحا لا تفاوض إلا حول برنامج إيران النووي. ولن يخضع برنامج إيران الصاروخي والدفاعات الأرضية الإيرانية- ورقة ردع إيران الوحيدة للتفاوض.. ترى إيران تلك الشروط تعجيزية وبسقف عالٍ، وبإملاءات إسرائيلية بالدرجة الأولى. والواضح حسب التصريحات والمواقف، لن تقبل إيران بالتفاوض حولها. لأنها تعني نهاية دفاع إيران المتقدم ونهاية مشروعها للبقاء دولة مرجعية وصاحبة نفوذ وحضور إقليمي، يمكنها مواجهة الخصوم وعلى رأسهم إسرائيل بعيداً عن الجغرافيا الإيرانية.
ولكن انكسرت تلك الإستراتيجية بضربات إسرائيلية- أمريكية موجعة خلال العامين الماضيين بتدمير قدرات حماس وحزب الله واغتيال قيادتهم العسكرية والسياسية والأمناء العامين ورؤساء المكاتب السياسية وإلحاق دمار هائل داخل إيران بعملية حرب الاثني عشر يوما «الأسد الناهض» الإسرائيلية. وتبعتها أول مواجهة وحرب أمريكية على الأراضي الإيرانية- باستهداف وتدمير أهم منشأتين نوويتين فوردو وأصفهان- بعملية «مطرقة منتصف الليل» في يونيو الماضي. كما يفاخر ترامب، الذي عاد ليهدد بتدمير قدرات إيران النووية، إن قررت إيران إعادة بناء منشآتها النووية وإحياء برنامجها النووي.
تلقت قطر رداً إيرانيا انتقاميا باستهداف مقر القوات الأمريكية في قاعدة العديد في يونيو الماضي. وتكرر الاعتداء على سيادة دولة قطر بعملية متهورة من نتنياهو باستهداف مقر إقامة قيادة حماس في عملية هي الأولى من نوعها في قلب الخليج العربي وضد دولة خليجية ووسيط فعال ومحاولة اغتيال الطرف المفاوض واعتداء على الوسيط. ما أدى لتداعيات خطيرة وتنديد واسع وعقد قمة عربية- إسلامية في الدوحة وتضامن واسع مع قطر ورفض العدوان الإسرائيلي. وأجبر الرئيس ترامب نتنياهو على الاعتذار العلني من البيت الأبيض لرئيس الوزراء الشيخ محمد بن عبدالرحمن.
ولكن برغم تلك العراقيل تصر القيادة القطرية على الاستمرار بلعب دور الوسيط لخفض التصعيد وتجنب المنطقة المواجهة. وتكلل ذلك بالتوصل لوقف إطلاق النار وخفض التصعيد في أكتوبر الماضي ومشاركة قادة الدول التي لعبت دور الوساطة الولايات المتحدة وقطر ومصر وتركيا. والتوقيع على اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس في قمة شرم الشيخ بحضور ومشاركة دول خليجية وعربية وأجنبية.
وأنا أكتب المقال صباح السبت، وصل عباس عراقجي للدوحة والتقى مع رئيس الوزراء ويشارك معنا في منتدى الجزيرة. تلاشى عنصر المفاجأة باستكمال الحشود العسكرية والحرب النفسية والمناورات- والمناورات والمناورات المضادة. آخر التصعيد تحذير الرئيس ترامب للمرشد الأعلى عليه أن «يكون قلقاً بشدة»- «وتريد إيران صفقة واتفاقا وأحدثت فوضى في الداخل ولن تتوانى الولايات المتحدة عن توجيه ضربة لمنشآت إيران النووية إذا أعادت تشغيلها».
يُضاف لذلك التصعيد ووضع عقبات وشروط ترفضها إيران لتجاوز خطوطها الحمراء. وهنا يبرز دور سلطنة عمان مدعومة خليجياً باستضافة وتسهيل عقد المفاوضات. كون عمان وسيطا مقبولا من الولايات المتحدة وإيران. عُقدت ثلاث جلسات بأجواء إيجابية. وتُحدد الجولة الثانية لاحقا! رهان كبير على نجاح المفاوضات، كونها الفرصة الأخيرة لتجنيب إيران والمنطقة حربا مدمرة!
نحن أمام سباق محموم بين التفاوض بوساطات خليجية-مصرية- تركية، لخفض التصعيد. يترافق ذلك مع سباق الحشود والتهديد بحرب نفسية وعسكرية متبادلة، وسط أجواء مضطربة ومشحونة تضع منطقتنا على صفيح ساخن!!
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تويتر @docshayji
@docshyji
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
عمل الغرب جاهدًا على أن يزرع في شعوب العالم أنه النموذج الأخلاقي والقيمي الأرقى، قوانين متقدمة، حقوق الإنسان، تحرير المرأة، عدالة اجتماعية، وإنسانية لا تعرف التمييز، هكذا طرح الغرب نفسه بتلك المنظومة القيمية التي حاول فرضها كمعايير عالمية، وجعل لنفسه حق التدخل في شؤون الدول التي لا تساير تلك المنظومة المُعلنة. بيد أن وثائق جيفري إبستين التي كشف عنها وأحدثت زلزالًا تتجاوز آثاره كونها حالة جنائية، إلى النظر إليها والتعامل معها على أنها جرائم سياسية وأخلاقية، تزاوجت في تنفيذها السلطة والمال والنفوذ. تلك الوثائق قد نسفت ادعاءات الغرب في تفوقه الأخلاقي، وأبرزت أن هذه القيم التي يترنم بها قيم نسبية مرهونة بالمصالح والنفوذ، ذلك لأنها ليست خطيئة فردية، بل هي جريمة منظمة ممنهجة ممتدة متشابكة. أظهرت الوثائق أن القيم تتبدد أمام إغراءات المال والسلطة، ولم يكن إبستين مجرد رجل يستغل النظام القضائي والإعلامي والسياسي من أجل تحقيق أطماعه في استعباد النساء والأطفال، بل هو صنيعة ونتاج منظومة الفساد الأخلاقي والقيمي. سيكون من السطحية والسخف أن تختزل هذه الفضيحة في شخص إبستين، فهو مجرد حلقة في سلسلة طويلة من الانتهاكات التي شهدها الغرب، ولذا جرى التهاون القضائي مع الرجل لأنه يعلم جيدًا أن من كان في مثل موضعه من السلطة والمال لن يُحاكم بنفس المعايير التي يحاكم بها غيره. لم يتجل السقوط الأخلاقي للغرب من خلال الفضيحة ذاتها وما ارتبطت به من أسماء ما يمكن أن نسميه «إدارة العالم» فحسب، بل من خلال تأخير الكشف عنها، فلم تكن هذه الحقائق مجهولة، بل كانت مؤجلة، فأصبحت هذه الحقيقة مجرد توثيق لحسابات النهاية، فالعدالة الحقيقية هي تلك التي تأتي في الوقت المناسب، فلماذا لم يتم الكشف عنها حينها؟ كأن الحقيقة قد سمح لها بالظهور فقط بعدما أصبحت فاقدة للقدرة على التغيير.ثم لنا أن نتساءل عن سر التهاون القضائي مع إبستين، وما تفسير حادث موته في السجن بكل ما يتعلق به من سلوكيات مريبة كتعطيل الكاميرات وغياب المراقبة لشخصية من المفترض أن تحظى بالرقابة الصارمة؟ الوثائق كشفت أن العدالة طبقية وانتقائية في النموذج الغربي، وليست سوى عمليات تفاوضية على الصياغة، وعلى ما يقال وما يترك، تجلى ذلك في الصفقات القانونية التي أبرمت، والتخفيف غير المبرر في الأحكام القضائية الصادرة، وتأجيل المحاسبة، بما يجعلنا نقول إن القانون يفسر وفقا لموقع المتهم لا حجم الجريمة، وهذا يؤكد انهيار ركيزة المساواة أمام القانون التي هي إحدى أهم ركائز أية منظومة قيمية. الوثائق كذلك عرّت الإعلام الغربي الذي يفاخر بالحرية والاستقلالية والشفافية والموضوعية وأظهرت ضلوعه في التواطؤ لخدمة السلطة والمال، وذلك بالتغطية على الجريمة، وأبرز طبيعته الاستهلاكية التي يقاس نجاحها بالمشاهدات وعوائد الإعلانات، كما أظهرت كذلك خضوع هذا الإعلام لنفوذ المال والسياسة وتمحوره حول حماية الأقوياء.. حتى في التناول الإعلامي للقضية، جرى التعامل الانتقائي الطبقي، حيث تم تهميش الضحايا وكأنهم مجرد أرقام تُذكر في السياق العام للجريمة، أو خلفية حزينة للأسماء اللامعة. من دواعي السخرية أن هذه الإدارة العالمية التي ضربت بحقوق الإنسان عرض الحائط، هي نفسها التي نصّبت نفسها مراقبًا على حقوق المرأة والطفل والحريات في عالمنا العربي والإسلامي، هي نفسها التي تتدخل في تربية أطفالنا وتسعى لتجريم تأديب الأبناء، وتؤجج الحركات النسوية لدفعها للتمرد على قيم وثقافات المجتمعات، وتبتز الحكومات بملفات الحرية وحقوق الإنسان، بما يؤكد أن الغرب يتعامل مع القيم باعتبارها سلاحًا سياسيًا. فصل الأخلاق عن السلطة، والفصل بين الخطاب السياسي والممارسة، يقوض الثقة الداخلية في الغرب ذاته، فأنّى لمجتمع يؤمن بتلك المنظومة وهو يراها تتهاوى أمام السلطة والمال، ويوقفه حائرًا أمام ذلك الثراء الذي يهب الحصانة. لعل هذا الحدث الجلل يجعل المُختطفين ببريق الغرب ويترنمون بتفوقه القيمي يراجعون أنفسهم، ويفصلون في الدعوة إلى السير على خطى الغرب بين ما يمكن أن نأخذه عنه من تقدم علمي وتكنولوجي ونحوهما، وما لسنا بحاجة إليه من قيم وأخلاقيات لنا السبق والسمو فيها، فالغرب إنما تقدم بسبب الأخذ بأسباب القوة والتقدم، لا من خلال منظومته القيمية والأخلاقية النسبية.
15171
| 08 فبراير 2026
يطرح اليوم الرياضي إشكالية المفهوم قبل إشكالية الممارسة، إذ إن تحديد موقعه الوظيفي داخل البنية المجتمعية يسبق بالضرورة أي حديث عن أشكاله التنظيمية أو مظاهره الظاهرة. فإدراجه ضمن منطق الفعالية الزمنية المحدودة يُفرغه من قيمته، بينما يقتضي الفهم الرشيد التعامل معه كأداة توجيهية لإعادة بناء الثقافة الرياضية على أسس واعية ومستدامة. على مستوى الفرد، لا يمكن اختزال دور اليوم الرياضي في المشاركة الشكلية أو الامتثال المؤقت. بل يفترض أن يشكّل لحظة وعي نقدي تُعيد تعريف العلاقة بين الجسد والمسؤولية الذاتية. فالنشاط البدني، في هذا الإطار، لا يُنظر إليه كخيار ترفيهي، بل كواجب مرتبط بالصحة العامة، والانضباط الشخصي، والقدرة على الإنتاج والاستمرار. ومن ثم، فإن القيمة الحقيقية لليوم الرياضي تتجلى في قدرة الفرد على تحويله من تجربة عابرة إلى التزام سلوكي طويل الأمد، وإلا تحوّل إلى ممارسة رمزية فاقدة للأثر. أما الأندية الرياضية، فيقع على عاتقها دور بنيوي يتجاوز التنظيم اللوجستي إلى الدور التنويري. فهي مطالبة بأن تكون وسيطًا معرفيًا يربط بين الممارسة الرياضية وبناء الشخصية، وبين التدريب والوعي، لا أن تكتفي بتوفير النشاط دون تنظيم فكري. كما ينبغي أن تتحمل الأندية مسؤولية استيعاب المجتمع خارج دائرة النخبة، عبر برامج مستمرة تستهدف الفئات غير النشطة، وتحوّل اليوم الرياضي إلى بوابة انخراط لا إلى ذروة موسمية. كلمة أخيرة: إن اليوم الرياضي يستمد قيمته من كونه لحظة تأسيس وعي لا لحظة استهلاك نشاط، ومن قدرته على إعادة توجيه الأدوار الفردية والمؤسسية نحو ممارسة رياضية واعية، مستمرة، ومتصلة بأهداف المجتمع الكبرى، لا من مظاهره الآنية أو زخمه المؤقت.
1632
| 10 فبراير 2026
راقب المشهد في أي مجمع تجاري في عطلة نهاية الأسبوع. ستري عائلة خليجية صغيرة تتمشى. الأب والأم يمشيان في الأمام بكامل أناقتهما، وخلفهما بمسافة مترين تمشي «المربية» وهي تحمل الطفل، وتدفع العربة، وتحمل حقيبة الحفاضات. وإذا بكى الطفل، لمن يمد يده؟ إلى المربية. وإذا نطق كلماته الأولى، بأي لغة (أو لهجة مكسرة) يتحدث؟ بلغة المربية. هذا المشهد، رغم تكراره حتى أصبح مألوفاً، هو «جرح» غائر في كرامة الأسرة الخليجية. نحن، وبدافع الحاجة والرفاهية وانشغالنا في وظائفنا، لم نستقدم عمالة لتساعدنا في «أعمال المنزل» فحسب، بل ارتكبنا خطأً استراتيجياً فادحاً: لقد قمنا بـ «تعهيد» (Outsourcing) مهمة التربية. لقد سلمنا «مفاتيح» عقول وقلوب أطفالنا لأشخاص غرباء. المشكلة ليست في وجود المساعدة، فالدين والواقع يبيحان ذلك. المشكلة تكمن في «تداخل الأدوار»..... «الدريول» (السائق) لم يعد مجرد سائق يوصل الأبناء، بل أصبح هو «الأب البديل» في السيارة، يسمع أحاديثهم، ويختار موسيقاهم، وربما يغطّي على أخطائهم. و»المربية» لم تعد منظفة، بل أصبحت «الأم البديلة» التي تطعم، وتناغي، وتمسح الدمعة، وتلقن القيم (أو غيابها). نحن نشتكي اليوم من أن أبناءنا «تغيروا»، وأن لغتهم العربية ركيكة، وأن «السنع» عندهم ضعيف. ولكن، كيف نلومهم ومعلمهم الأول في سنوات التأسيس (من 0 إلى 7 سنوات) لا يملك أياً من هذه القيم؟ كيف نطلب من طفل أن يكون «ابن قبيلة» أو «ابن عائلة» وهو يتربى على يد ثقافة مختلفة تماماً في الدين واللغة والعادات؟ إن «السيادة» لا تكون فقط على الحدود الجغرافية للدولة، بل تبدأ من «السيادة على المنزل». هناك مناطق «محرمة» لا يجب أن يدخلها الغريب مهما كنا مشغولين. أن تروي قصة قبل النوم، هذا «مفتاح» لا يُسلم للمربية. أن توصل ابنتك المراهقة وتستمع لثرثرتها في السيارة، هذه «فرصة ذهبية» لا تتركها للسائق. وإذا كنا نتفق جميعاً على أن القيم هي أول الهرم التربوي، فلا خلاف على أن القرآن الكريم يتربع على قمة هذا الهرم بلا منازع. وهنا، يجب أن نتوقف للمصارحة: هل يكفي أن نوكل مهمة ربط أبنائنا بكتاب الله إلى «المحفّظ» أو «المحفّظة» فقط؟ نحن لا ندعو -بالتأكيد- لترك حلقات التحفيظ، ولكن العقد لا يكتمل في صدور أبنائنا إلا إذا وضعنا نحن لمساته. كيف تهون علينا أنفسنا أن يسبقنا غريبٌ إلى تعليم فلذة أكبادنا «سورة الفاتحة»؟ هذه السورة هي «أم الكتاب»، وهي الأساس في حياة كل مسلم، ولا تجوز الصلاة إلا بها. ألا تطمع أن يكون لك أنت «أجر» كل مرة يقرأها ابنك طوال حياته؟ ألا تغار أن يكون هذا الحبل السري الروحي موصولاً بغيرك؟ لن يكتمل «عقد القرآن» في صدور أبنائنا ما لم نضع نحن، الآباء والأمهات، لبناته الأولى. فلتكن أصواتنا هي أول ما يتردد في آذانهم بآيات الله، ليكبروا وهم يحملون «القرآن» في صدورهم، و»صوت الوالدين» في ذاكرتهم. الرفاهية الحقيقية ليست في أن يخدمك الناس، بل في أن تملك الوقت والجهد لتخدم أهل بيتك، وتصنع ذكرياتهم. الطفل لن يتذكر نظافة الأرضية التي مسحتها الخادمة، لكنه سيتذكر طوال عمره «لمسة يدك» وأنت تمسح على رأسه، وصوتك وأنت تعلمه «المرجلة» أو «الحياء» أو «الفاتحة». دعونا نستعيد «مفاتيح» بيوتنا. لتبقَ المساعدة للمساعدة في «شؤون البيت» (التنظيف، الغسيل)، أما «شؤون القلب» و»شؤون العقل» و»شؤون الروح»، فهذه مملكتكم الخاصة التي لا تقبل الشراكة. لا تجعلوا أطفالكم «أيتاماً» والوالدان على قيد الحياة.
1176
| 12 فبراير 2026