رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
موجات الثورة المصرية المتعاقبة بقدر ما فاجأت الإنسانية وامتلكت المبادأة، بقدر ما استفزت كل من له هوى أو خصومة مع مصر الشعب والدور والإمكانية.
الاستغراق في مجرد قراءة المشهد الداخلي في مصر، يُفقد القارئ القدرة على تحديد عناصر القوى داخل الصراع وبالتالي يُفقده القدرة على التقدير الصحيح للموقف، وهي بداية لافتقاد الإدارة الصحيحة وتداخل الغايات والأهداف. وعندها يستمر نزيف الجهد والعرق والدم والدموع.
العالم لا يترك مكانا يتحرك بعيدا عن سيطرته ووفق مصالح تتباين وتتعدد، ولكنها ذات مراتب متتالية القيمة، فالمصالح لمن يملك القوة أعلى في الترتيب، وتتقلص نسبيا مع تقلص القوة، والقوة هنا ليست مجرد القوة العسكرية، ولكنها بالأساس قوة النمو الاقتصادي واستقلاله وتوافر عناصر الإنتاج والأسواق والقدرة العلمية، ومن هنا صار الأمر يتجاوز عصر الكشوف البحرية، إلى عصر استقرار الخرائط الجيوسياسية، وكل محاولة تهدد هذا السكون الاستاتيكي يتم التعامل معها بلا ضابط وبلا هوادة، بدءا من محاولات الاستقطاب وتفريغ المضمون، وصولا إلى استخدام القوة العسكرية، وفرق القتل.
قدر مصر لم تختاره، ولكن فرضه موقعها وتاريخها وتأثيرها، فنطاق أمنها يمتد من الإسكندرونة إلى منابع النيل بل ويتأثر بكل إفريقيا، ويمتد من غرب الهند ويمتد إلى الأطلسي، وليس هناك تجاوز أن تأثير مصر وصل إلى أمريكا اللاتينية، سواء بجيش إلى المكسيك أو بأفكار الاستقلال الوطني والتحرر، وكانت حركة "الحياد الإيجابي وعدم الانحياز" دلالة دور في زمن الحرب الباردة. هذه الأبعاد لم تحدد تأثير مصر في نطاقها الإقليمي فحسب بل جعلت منها رمزا يمكن أن يحتذى. فليست مصر من دول الطاقة التي يحرص العالم على السيطرة عليها، ولا هي من دول القدرة العسكرية والأطماع التي يجب الحذر منها، ولكنها قوة الإنسانية الكامنة فيها، والقدرة التي ما إن تخرج من عقالها حتى تؤتي أثرها دون أن تستهدفه، من دون سلاح القتل أو الحملات العسكرية.
موجات الثورة المصرية ثلاث، كان المشترك بينها أنها موجات شعبية تتجاوز ما سجله التاريخ الإنساني من حركات الشعوب ضد الاستبداد، وتعددت غاياتها إضافة وليست إحلالا واستبدالا، وفرضت على أطراف الصراع داخليا وخارجيا استبدال التكتيك والأدوات لخدمة إستراتيجية واحدة "عودة الإرادة الشعبية إلى محبسها وإجهاض احتمالاتها المستقبلية"، وتعددت دوائر الطباشير التي يجرى محاولة حبس مصر داخلها حسب التطور، ووجدت ألوان الطباشير الزاهية طريقها إلى أعين في الداخل أثبتت حركة الشعب وتنوع المواجهات، إنها أعين لقدرات لا ترقى إلى ما وصلت إليه الإرادة الشعبية، قدرة ووضوحا وتضحية، وأثبتت موجات الثورة الثلاث ضمور الحياة السياسية في مصر وعدم قدرتها على التطور، وصارت حركة أقوال وحناجر وليست فعلا منظما على الأرض، يمسك بالأرض بقواعد راسخة، ويمتد بامتداد قواها الاجتماعية، فصارت القوى السياسية والنخب والمتكلمة هم "كعب أخيل" الثورة الشعبية في مصر.
موجة يناير 2011 هي الموجة الأولى، موجة احتجاج طورتها الإرادة الشعبية إلى ثورة شعب، وقبل أن تسقط رأس النظام، أسقطت ادعاء ظل الكثيرون من النخب يرددونه من علٍ بأن الشعب استسلم، بل ووصموه بالموات، ولكن هذا الشعب فاجأ العالم بجيل جديد كان رأس حربة الثورة، أبدع آلية الاحتشاد والاستشهاد فهزم الموت وسيلة لقمعه، كسر الشعب حاجز الخوف، واسترد ثقته في القدرة على التغيير.
أطلقت أمريكا بعد استيعاب المفاجأة، مقولة "سرعة نقل السلطة إلى حكومة مدنية"، وكانت هذه دائرة الطباشير الأولى لحصار الإرادة الشعبية، وبدلا من إنجاز مهام المرحلة الانتقالية لاستكمال تغيير النظام، جرى إحالة أوراق التطهير إلى ساحة القضاء، ووجدت أمريكا ضالتها في جماعة الإخوان المسلمين ــ تكشف المعلومات المتاحة الآن أن العلاقة بينهما سبقت الثورة بأعوام كثيرة لم تتحدد بداياتها، ولكنها كانت على الأقل أعواما ثمانية.
ظل الشباب يقدم الدم والشهداء دون أن يدرك حقيقة اختطاف الثورة، وتجاوز أهدافها، وإن كانت الشكوك تساوره بحجم المواجهات وطبيعة المسار الذي وضعته لجنة البشري.
وجاءت الموجة الثانية وخرجت الجماهير بأعداد وصفت بأنها لا مثيل لها في التاريخ الإنساني، وكانت دروس الثلاثين شهرا السابقة واضحة للعيان.
30 يونيو 2013 لم يكن وليد صدفة، ولكنه كان بناء ينمو على محورين، الأول الكيانات السياسية وانعدام العصب التنظيمي الجامع لحركة الشعب، والمحور الثاني أن قيادة القوات المسلحة اختلفت من حيث الوعي والإدراك لحقائق ما يجرى فوق الأرض، وانحازت إلى جانب الشعب في مواجهة سلطة الإخوان.
إذا وصفت الموجة الأولى بأنها الثورة، والثانية بأنها استرداد الدين والهوية والدولة، فإن الموجة الثالثة، 26 يوليو 2013، هي موجة المبادأة في مواجهة أمريكا والغرب، هي موجة الاستقلال الوطني، وكسر كافة الأسيجة التي تحاول أن تحبس الإرادة الشعبية، وهي موجة كشف عمق التربص بمصر من الداخل بالإرهاب وأصحاب أكلاشيهات الديمقراطية دون محتواها، والذين يبحثون عن مبررات الوجود السياسي على حساب الوطن.
لم يعد مجديا لأمريكا والغرب أن يضع دائرة طباشير يحيط بها العقل والإدراك، فقد تلقى ضربة في أداته لتغيير الواقع العربي، وانكشفت أوراق اللعبة، ولم يجد من يذعن له رغم الاستماع لما يقوله ولحملاته الإعلامية، وانكشفت تركيا بأنها أداة أخرى ترفع ذات الشعارات وتعاند مصر، وتحطم حلم تركيا في استعادة إمبراطورية معاصرة بعد أن هدم أتاتورك إمبراطورية "تنابلة السلطان" في اسطنبول، وكأن مصر تأخذ بثأر معركة مرج دابق، وبثأر محمد علي.
وبدأت أمريكا لعبة وقف المعونة العسكرية ولم تصل بعد إلى الحصار وبدأت مسار مجلس الأمن والتحركات العسكرية في المنطقة على نطاق عملياتي، متذرعة بأحداث سوريا، والاستعداد لتوجيه ضربة صاروخية لنطاق الأمن المصري الشمالي في سوريا، وكل هذه الإعلانات تدرك أن وجود روسيا في سوريا عائق رئيسي لتوجيه هذه الضربة، بل إن السبب الذي ترتكن عليه بأن النظام السوري وجه ضربة بسلاح كيميائي فندته روسيا ولجنة التحقيق الموفدة من الأمم المتحدة.
وكان معامل الاستفزاز الأكبر لأمريكا والغرب حالة التنادي العربي التي قاربت موقف 1973، ومازالت الحالة العربية قابلة للنمو، ولكن المواجهة الحقيقية الآن تتمثل في احتمالات التدخل الخارجي سواء بالحصار أو بالقوة العسكرية، وعندها سيضاف إلى انتحار جماعة الإخوان عندما نادت بالدم أو السلطة، انتحار جديد للإدارة الأمريكية في المنطقة العربية.
هل يمكن أن تبلغ الحماقة بالإدارة الأمريكية إلى خوض مغامرة عسكرية مع مصر؟ سؤال بالقطع يقفز فوق بدائل متعددة يمكن أن تستخدمها.
أمام أمريكا الحصار، وليس بالضرورة إعلانه، ولكن يكفي التباطؤ في المعاملات، فمصر احتياجاتها الخارجية مصدر تأثير على الحياة اليومية لشعبها وهو ميراث النظام الذي ثار عليه الشعب.
وأمامها الحرب الخفية، وإن كانت قد بدأتها بالسفيرة الأمريكية باترسون، فإنها تكمل بالمرشح لخلافتها فورد وهو أحد رجالات نيجروبونتي في فرق القتل الأمريكية أو الإرهاب بوجه إنساني كما وصفها البروفيسور مايكل شوسودوفسكي في دراسة نشرت على موقع "جلوبال ريسيرش"، والغريب أيضاً أن مساعد السكرتير العام الذي أوفده إلى مصر "فيلتمان" هو واحد من نفس مجموعة نيجروبونتي، وكأن مصر بموجة 26 يوليو أخرجت أسوأ ما لدى العالم ليصل للقاهرة حاملا أغصان الزيتون والحرية والديمقراطية، بينما فيلق الإرهاب من الجماعات الإسلامية الذي صاغته المخابرات الأمريكية وترعاه، يمضي في مسلسل الدم بمصر.
ومازال أمامها الدفع بدماء جديدة لمعركة الإرهاب، فقد جرى تداول فتوى من دار الإفتاء الليبية لم يتم التأكد من مصدرها بعد، تقضي بوجوب قتال الجيش المصري، فهل هي باكورة التجنيد هناك لزاد جديد يفتح جبهة في الغرب، خاصة وأن الغرب هو المصدر الرئيسي للسلاح، وجرت عمليات ذات نمط مخالف لنمط القتل والعدوان على المنشآت، حيث أضيف تفجير شريط سكك حديدية يربط بين مرسى مطروح والإسكندرية، وهناك أقوال عن وجود معسكر للتدريب لما يطلقون عليه "الجيش الحر" في شرق بنغازي. وهل يفتح هذا أمام الجيش المصري مهمة عسكرية في شرق ليبيا لتأمين الحدود الغربية ووقف عمليات تهريب السلاح أو معسكرات التدريب، أم أن مصر أيضاً ستتدبر الأمر الأمني بوسائط أخرى دون الدخول في عمل عسكري.
ومازال أمام أمريكا البديل التركي الحمساوي، وبدلا من أن تقوم حماس برعونة بالاشتباك مع مصر، تصبح غزة نقطة ارتكاز لتركيا، وبذات الجماعات الإرهابية، وبتنوع جديد في السلاح والتدريب والإدارة.
ولا تعدم أمريكا ما يطلقون عليه أصدقائهم في السودان، فهل يمكن أن تمثل الحركة من الحدود الجنوبية بديلا آخر.
كافة هذه الاحتمالات ظهرت عندما تأكد أمام أمريكا والناتو أن مصر عصية على الإذعان، وتبين لهم أن جماعة الإخوان التي اعتبرتها روسيا من قبل جماعة إرهابية وهاهي السعودية تعلن نفس الموقف، تلقى نفس المصير شعبيا في مصر، رغم إرهاب الطابور الخامس الأمريكي الفكري في مصر والذي يستغل كل فرصة للحديث عن إمكانية قبول من جديد لجماعة استعانت بالخارج ضد شعبها وهي لا تعدو أداة في يد أمريكا والغرب.
هكذا تتعاظم مهام المرحلة الانتقالية ويضاف إليها احتمالات الحرب. وفي حالة الحرب يجري قياس الأمور والمواقف والكلمات بغير موازين حالات السلام أو حتى الفترات الانتقالية بعد الثورات.
ليست مشكلة مصر أنها تستخلص إرادتها الوطنية لتبني المستقبل، ولكن مشكلة مصر قدرها، وأن ما سيتحقق فوق أرضها سيمتد أثره خارجها.
كسر الشعب كافة دوائر الحصار الطباشيرية، وجعلهم يخرجون علنا لمواجهة إرادته، وهكذا دائما معارك الاستقلال والتحرر عندما يقرر الشعب أعمال إرادته، تكشف للعيان حقيقة المواجهة دون تجميل أو تزييف.
قبل أن تصدقوا أن العدوان انتهى
1000 يوم، بل وتجاوزناها منذ أن سُمي العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة حربا ونحن نعلم بأن الحرب يجب... اقرأ المزيد
111
| 28 يوليو 2026
من يدفع ثمن الحرب.. ومن يقبض عائدها؟
بعد قرابة خمسة أشهر على اندلاع الحرب على إيران، ثمة مفارقة تستحق التوقف عندها: الطرف الذي شارك في... اقرأ المزيد
177
| 28 يوليو 2026
المرء نِتاج خلواته !
ما أجدى بذي اللُب أن يتعهّد رياض نفسه بالعناية والاهتمام، في زمنٍ تسارعت فيه الأنفاس وتزاحمت الملهيات، وأن... اقرأ المزيد
252
| 27 يوليو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هذه المرة سأتكلم عن تجربتي وجزء من حياتي، وليس في هذا حرج، فالكاتب يحتاج في بعض الأحيان أن يتكلم عما شاهده، أو ربما عن موقف عاشه وكان شاهدًا عليه، لأن الحديث عن العلاج في الخارج لم يعد مجرد نقاش صحي، بل أصبح قضية تنموية واقتصادية واجتماعية تستحق أن تتوقف عندها كل دولة تطمح إلى بناء منظومة صحية مستدامة. فكيف بدولة كدولة قطر التي ضربت للعالم المتقدم أروع الأمثلة في الجودة الصحية، والبنية التحتية، والدعم اللامحدود؟ وحين تضطر الدولة إلى إرسال آلاف المرضى سنويًا إلى الخارج، فإنها لا تتحمل فقط تكاليف العلاج الباهظة، بل تتحمل معها سلسلة طويلة من الأعباء المالية والإنسانية التي قد لا تظهر في التقارير والأرقام. سافرت مع ابنتي مريم إلى ألمانيا على نفقة الدولة عام 2017، ورأيت كم تنفق قطر من مبالغ طائلة حفاظًا على صحة مواطنيها، وهذه حسنة لا نستطيع رد جميلها مهما فعلنا، فكيف بالحسنات الكثيرة التي أودعتها الدولة في رصيد كل مواطن، ليصبح مدينًا لهذا الوطن مع كل نفس يتنفسه. وها أنا اليوم أعيد التجربة مرة أخرى، آخذ ابنتي مريم، البالغة من العمر 19 عامًا، وشقيقتها البالغة من العمر خمس سنوات، في رحلة علاج جديدة، ولكن هذه المرة على نفقتي الخاصة وذلك حياءً من أن أطلب لهما علاجًا على نفقة الدولة التي ميزتنا بين الأمم وجعلتنا أغنى الشعوب وأعزها وأكرمها. والأمر الأهم، من وجهة نظري، أن تكلفة العلاج في الخارج ليست هي الفاتورة الوحيدة، فهناك تذاكر السفر، والإقامة الطويلة، والمخصصات اليومية، والرواتب اليومية والشهرية التي لا تتوقف للموظف أثناء إجازة مرافقته لمريضه، وكذلك تكاليف التنقل، والعقود مع المستشفيات الخارجية، فضلًا عن ارتفاع أسعار الخدمات التي تقدمها بعض المراكز الطبية للدول المقتدرة ماليًا، كدولة قطر، إضافة إلى إشغال الملاحق الدبلوماسية والسفارات في تلك الدول بمتابعة هذه الملفات. ومع مرور السنوات تتحول هذه المصروفات إلى مليارات يمكن أن تبني صروحًا طبية متقدمة داخل الوطن، تخدم الأجيال لعقود طويلة، بدلًا من أن تذهب إلى اقتصادات دول أخرى. ولا تتوقف الخسائر عند الجانب المالي، فالموظف الذي يسافر للعلاج يغيب عن عمله شهوراً، وبعضهم ليس موظفًا عاديًا، بل عمود ترتكز عليه جهة عمله، وربما يضطر رب الأسرة إلى ترك عمله أو استنزاف رصيد إجازاته لمرافقة المريض، بينما يبقى الأبناء بعيدين عن أحد والديهم أو كليهما، فتتوزع الأسرة بين بلدين، ويعيش الجميع ضغوطًا نفسية واجتماعية لا تعوضها أي مخصصات مالية. إن المرض في حد ذاته ابتلاء، فكيف إذا أضيفت إليه الغربة، والبعد عن الأهل، واختلاف اللغة والثقافة، وصعوبة التأقلم مع بيئة جديدة؟ إن الاستثمار الحقيقي لا يكون فقط في علاج المرض، بل في بناء القدرة الوطنية على العلاج. فوجود مركز وطني متكامل ومتقدم للعلاج الطبيعي وإعادة التأهيل، مثلًا، مجهز بأحدث التقنيات، ويستقطب أفضل الكفاءات العالمية، ويفتح كذلك المجال أمام أبناء الوطن لدراسة مهنة مهمة وأساسية في كل المجتمعات، ليس مشروعًا صحيًا فحسب، بل مشروع اقتصادي وإستراتيجي واجتماعي. فهو يقلل الإنفاق المستمر على العلاج الخارجي، ويوفر على الأسر عناء السفر، ويحافظ على استقرار الموظفين في أعمالهم، ويخلق فرص عمل جديدة، ويمنح المرضى فرصة التعافي بين أسرهم وفي مجتمعهم، في بيئة أسرع للتشافي، وهي عوامل أثبتت الدراسات أنها تسهم في تحسين النتائج العلاجية. كما أن مثل هذه المراكز لا تخدم المواطنين وحدهم، بل يمكن أن تتحول مع مرور الوقت إلى وجهة علاجية إقليمية تستقبل المرضى من الدول المجاورة، فتسهم في تنويع الاقتصاد، وتوفر فرص عمل للكوادر الوطنية، وتنقل الخبرات الطبية إلى الداخل بدلًا من استيرادها بصورة مؤقتة. فكل ريال يُستثمر في بنية صحية متقدمة هو استثمار يعود بالنفع سنوات طويلة، بينما يبقى الإنفاق على العلاج الخارجي مصروفًا متكررًا ينتهي بانتهاء كل حالة. ولا يعني ذلك الاستغناء الكامل عن العلاج في الخارج، فهناك حالات نادرة ودقيقة تستلزم مراكز عالمية متخصصة، وهذا أمر طبيعي في جميع دول العالم. لكن ينبغي أن تكون الأولوية لبناء منظومة وطنية قادرة على استيعاب معظم الحالات التي يمكن علاجها بكفاءة داخل البلاد. إن الدول العظيمة لا تُقاس بحجم ما تنفقه خارج حدودها، بل بما تبنيه داخلها، وهذه ركيزة من ركائز الرؤية الوطنية في الاستثمار في العنصر البشري. فالمستشفى المتكامل الذي يُشيد اليوم سيبقى يخدم الوطن عشرات السنين، وسيختصر معاناة آلاف الأسر، ويحفظ المال العام، ويعزز الأمن الصحي، ويجسد رؤية تؤمن بأن الإنسان هو أغلى ثروة، وأن الاستثمار في صحته داخل وطنه هو الاستثمار الأكثر حكمة، والأطول أثرًا، والأعمق مردودًا على المجتمع والدولة.
1503
| 27 يوليو 2026
هل أنت آمن اقتصاديًا؟ سبعة مؤشرات تكشف مستوى أمنك الاقتصادي اعتدنا أن نسمع عن الأمن الاقتصادي للدول، وأن نقرأ عن خطط الحكومات لحماية اقتصاداتها من الأزمات، لكننا نادرًا ما نتحدث عن الأمن الاقتصادي للأفراد. ومع أن الإنسان هو أول من يتأثر بأي أزمة اقتصادية، فإن كثيرًا منا لا يراجع وضعه المالي إلا عندما يواجه مشكلة، وليس قبلها. الشركات تراجع نتائجها المالية كل عام، والمؤسسات تقيس أداءها بصورة مستمرة، وحتى الإنسان يحرص على إجراء فحص طبي دوري للاطمئنان على صحته. لكن كم شخصًا يخصص نصف ساعة في السنة ليجري فحصًا اقتصاديًا لوضعه المالي؟ ورغم أن معظم الناس يحرصون على متابعة دخلهم ومدخراتهم، فإن القليل منهم يمتلك وسيلة بسيطة تقيس مدى جاهزيته لمواجهة تغيرات الحياة. فكثير من القرارات المالية تُتخذ بصورة يومية، لكن نادرًا ما نتوقف لنسأل أنفسنا سؤالًا واحدًا: هل وضعنا الاقتصادي قادر على الصمود إذا تبدلت الظروف؟ ولهذا أقترح أن يجري كل شخص فحصًا اقتصاديًا سنويًا لا يستغرق أكثر من نصف ساعة، يعتمد على مجموعة من المؤشرات البسيطة التي تكشف مواطن القوة والضعف قبل أن تتحول إلى مشكلات حقيقية. أول هذه المؤشرات هو الاحتياطي النقدي. فإذا توقف دخلك اليوم، إلى متى تستطيع تغطية نفقاتك الأساسية؟ إذا كانت الإجابة أقل من ثلاثة أشهر، فقد تكون الأولوية هي بناء احتياطي للطوارئ قبل البحث عن أي استثمار جديد. فالسيولة ليست مالًا معطلًا، بل وسيلة تمنح صاحبها الوقت لاتخاذ قرارات هادئة عندما تتغير الظروف. ويأتي بعد ذلك تنوع مصادر الدخل. فالاعتماد الكامل على وظيفة واحدة أو نشاط واحد يعني أن استقرارك المالي مرتبط بجهة واحدة. وليس المقصود أن يتحول الجميع إلى رجال أعمال، وإنما أن يعمل كل شخص، تدريجيًا، على بناء مصدر دخل إضافي يتناسب مع خبرته وظروفه، لأن تنوع مصادر الدخل يقلل المخاطر قبل أن يزيد الإيرادات. ويأتي بعد ذلك توزيع الاستثمارات. فكثير من المستثمرين يعتقدون أنهم نوّعوا محافظهم، بينما تكون جميع استثماراتهم مرتبطة بقطاع واحد أو سوق واحدة. والتنويع الحقيقي لا يمنع الخسائر، لكنه يمنع أن تتحول خسارة واحدة إلى أزمة مالية. ولا تقل المهارات أهمية عن الأموال المستثمرة، بل قد تكون أكثر قيمة على المدى الطويل. فالمهارات هي الأصل الذي يولد الدخل، وقيمتها تتغير باستمرار مع تطور التكنولوجيا واحتياجات سوق العمل. وما كان يمنح صاحبه ميزة قبل سنوات قد لا يكون كافيًا اليوم. لذلك من المفيد أن يراجع كل شخص مهاراته مرة كل عام، وأن يحدد مهارة واحدة على الأقل يطورها، لأن الاستثمار في الذات غالبًا ما يكون أعلى عائدًا من كثير من الاستثمارات المالية. كما تستحق الالتزامات المالية مراجعة صادقة. فهناك فرق كبير بين دين يساعد على تكوين أصل منتج، ودين يمول استهلاكًا ينتهي أثره سريعًا. وكلما انخفضت الالتزامات غير الضرورية، ازدادت قدرة الإنسان على الادخار والاستثمار، وأصبحت قراراته المالية أكثر حرية. ومن المهم أيضًا أن تتحول مراجعة الأرقام إلى عادة سنوية. فصافي الثروة، ونسبة الادخار، وحجم احتياطي الطوارئ، وتوزيع الاستثمارات، وعدد مصادر الدخل، كلها مؤشرات تستحق أن تُراجع بانتظام. فما لا يُقاس لا يمكن تطويره، وما لا يُراجع يتآكل بصمت. ويبقى المؤشر الأخير هو وجود رؤية واضحة للمستقبل. ليست خطة معقدة، بل أهداف محددة للسنوات الخمس القادمة: ما حجم الاحتياطي الذي أريد الوصول إليه؟ وما مصدر الدخل الذي أسعى إلى بنائه؟ وما المهارة التي سأكتسبها؟ عندما تكون هذه الأهداف مكتوبة، تصبح القرارات اليومية أكثر اتساقًا مع المستقبل الذي نطمح إليه. هذه المؤشرات لا تقدم ضمانة ضد الأزمات، لكنها تمنح الإنسان فرصة لاكتشاف نقاط الضعف مبكرًا ومعالجتها قبل أن تتحول إلى أزمة. وهذا هو جوهر الأمن الاقتصادي؛ الاستعداد قبل وقوع المشكلة، لا البحث عن الحلول بعدها. لقد حان الوقت لأن يصبح لكل واحد منا، إلى جانب الفحص الطبي السنوي، فحصٌ اقتصادي سنوي يراجع فيه احتياطه النقدي، ومصادر دخله، واستثماراته، ومهاراته، والتزاماته، وخطته للمستقبل. فالدول لا تنتظر الأزمات حتى تبني أمنها الاقتصادي، والأفراد أولى بذلك. إن الأمن الاقتصادي لا يبدأ عندما ترتفع الرواتب أو تتحسن الأسواق، بل يبدأ عندما يتحول التفكير المالي من رد فعل إلى عادة. ونصف ساعة من المراجعة الصادقة مرة كل عام قد تكون من أكثر الأوقات أثرًا في حماية مستقبل الإنسان وأسرته.
1500
| 26 يوليو 2026
حين نتحدث عن الجريمة، يتجه الذهن مباشرة إلى المحاكم، والقضاة، والسجون، ونصوص القوانين. غير أن الحقيقة أوسع من ذلك بكثير؛ فليست كل جريمة يُعاقب عليها القانون، وليست كل براءة تصدرها المحكمة تعني براءة الضمير. فهناك جرائم لا تعرفها مواد قانون العقوبات، لكنها تترك في النفوس من الألم ما لا تتركه كثير من الجرائم الجنائية، لأنها تستهدف الإنسان في كرامته، ومشاعره، وثقته، وأمله بالحياة. إن القانون، مهما بلغ من الدقة، يبقى أداة لتنظيم المجتمع، لا لصناعة الفضيلة. فهو يعاقب من يسرق المال، لكنه قد يعجز عن محاسبة من يسرق فرحة إنسان، أو يهدم مستقبله بكلمة، أو يكسر قلبًا كان مفعمًا بالأمل. وقد يخرج شخص من المحكمة بريئًا، بينما يبقى مدانًا في محكمة الضمير، لأن العدالة القانونية شيء، والعدالة الأخلاقية شيء آخر. ولعل أولى هذه الجرائم هي كسر الخواطر، فكم من كلمة قاسية أطفأت نورًا في قلب إنسان، وكم من سخرية حطمت موهبة، وكم من احتقار قتل الثقة بالنفس. إن الجروح التي تصيب الجسد قد تلتئم، أما الجروح التي تصيب الروح فقد تبقى عمرًا كاملًا. لذلك جاء الإسلام ليجعل الكلمة الطيبة عبادة، والابتسامة صدقة، لأن بناء الإنسان يبدأ من احترام إنسانيته. ومن هذه الجرائم أيضًا جحود المعروف، فما أقسى أن يقف إنسان إلى جانبك في ساعة عسر، ثم تنكره عندما تتبدل الأحوال. إن نكران الجميل لا يعاقب عليه القانون، لكنه يهدم قيمة الوفاء، ويجعل الإحسان مغامرة لا يجرؤ عليها إلا أصحاب النفوس الكبيرة. وهناك جريمة أخرى لا تقل خطرًا، هي الظلم المعنوي؛ حين يُحرم إنسان من حقه في التقدير، أو تُسرق أفكاره، أو يُنسب جهده إلى غيره، أو يُقصى لأنه قال كلمة حق. وقد لا يجد القاضي نصًا يدين به هذا السلوك، لكنه يبقى عدوانًا على الكرامة الإنسانية، وهي أعظم ما يملكه الإنسان. ثم تأتي جريمة اللامبالاة، وهي من أخطر أمراض المجتمعات. أن ترى محتاجًا فلا تمد يدك إليه، أو تسمع أنين مظلوم فتدير وجهك عنه، أو تشاهد باطلًا يقع أمامك ثم تقنع نفسك بأن الأمر لا يعنيك. فالحياد أمام الظلم ليس دائمًا فضيلة، بل قد يكون مشاركة صامتة في استمراره. ومن أبشع الجرائم التي لا يعاقب عليها القانون أن يكون الإنسان قادرًا على رفع الظلم عن مظلوم، أو إنقاذ بريء، أو قول شهادة تعيد حقًا إلى صاحبه، ثم يختار الصمت خوفًا أو مصلحة أو مجاملة. فالظلم لا يعيش بقوة الظالم وحده، وإنما يعيش أيضًا بصمت القادرين على منعه. ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ۚ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾، فجعل الإثم في القلب قبل اللسان، لأن كتمان الحق خيانة للعدل قبل أن يكون مخالفة للأمانة. ولا تقل عن ذلك خطرًا جريمة يبررها بعض الناس باسم الوفاء للصداقة. فقد يعلم الإنسان أن صديقًا له اعتاد الكذب، أو الظلم، أو أكل حقوق الناس، ومع ذلك يستمر في الدفاع عنه، أو تلميع صورته، أو التغاضي عن أفعاله بحجة أنه صديق قديم. لكن الصداقة ليست رخصة لمساندة الباطل، ولا سنوات المعرفة تمنح أحدًا حصانة أخلاقية. إن الوفاء الحقيقي لا يكون للأشخاص إذا تعارضوا مع الحق، وإنما يكون للمبادئ التي تحفظ كرامة الإنسان وعدالة المجتمع. ومن يجامل الظالم وهو يعلم ظلمه، فإنه لا يظلم الآخرين فحسب، بل يظلم الصداقة نفسها، لأنها تتحول من رابطة فضيلة إلى ستار يحجب الحقيقة. ثم تأتي جريمة الكلمة؛ فكم من أسرة تفككت بسبب إشاعة، وكم من سمعة اغتيلت بكذبة، وكم من إنسان عاش سنوات يدفع ثمن اتهام لم يرتكبه. إن الرصاصة قد تقتل إنسانًا واحدًا، أما الكلمة الكاذبة فقد تقتل حياة كاملة، وتترك آثارها في أسرته ومجتمعه. لقد أدرك الفلاسفة أن القانون يحفظ النظام، لكنه لا يصنع الأخلاق، وأن المجتمع لا يستقيم بالقوانين وحدها، بل بالضمائر الحية. فكلما ارتفع منسوب الأخلاق، قلت الحاجة إلى العقوبات، وكلما مات الضمير، ازدادت القوانين وعجزت عن تحقيق العدالة الحقيقية. إننا بحاجة إلى محكمة لا تُبنى بالحجارة، ولا يجلس فيها قاضٍ، بل يسكنها الضمير الإنساني. في تلك المحكمة تُحاكم قسوة القلوب، وكسر الخواطر، ونكران الجميل، وخيانة الأمانة، والصمت عن الظلم، ومجاملة الظالمين، والكلمة الجارحة، وكل ما يهدم الإنسان دون أن تلتفت إليه مواد القانون. وفي النهاية، قد ينجو الإنسان من حكم الأرض، لكنه لن ينجو من حكم السماء، ولن يفلت من محكمة الضمير التي لا تسقط أحكامها بالتقادم. فالجرائم التي لا يعاقب عليها القانون هي، في حقيقتها، أخطر الجرائم؛ لأنها لا تسرق مالًا أو تنتهك جسدًا فحسب، بل تقتل القيم، وتُميت الرحمة، وتكسر الإنسان من داخله. وإذا مات الضمير، فلن يبقى للقانون إلا أن يُحصي الضحايا، بعد أن يكون قد فات أوان إنقاذهم. باحث وكاتب ومستشار أكاديمي
765
| 23 يوليو 2026