رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في الخامس عشر من أغسطس عام 1970، لم تكن دولة قطر على موعد مع انطلاق قناة تلفزيونية فحسب، بل كانت تؤسس لمرحلة جديدة في تاريخها الإعلامي؛ مرحلة أصبح فيها التلفزيون نافذة الدولة على المجتمع، ومنبرًا لنقل الأخبار والمعرفة والثقافة والتراث، وسجلًا بصريًا رافق مسيرة قطر في مراحل تحولها الكبرى.
ومنذ ذلك التاريخ، أصبح تلفزيون قطر أكثر من مؤسسة للبث التلفزيوني. فقد تحول تدريجيًا إلى جزء من الذاكرة الوطنية، وحافظت شاشته على صور وأصوات وأحداث وشخصيات شكلت ملامح المجتمع القطري الحديث.
وعلى مدى أكثر من خمسة عقود، انتقل تلفزيون قطر من البث الأبيض والأسود إلى البث الملون، ومن الإرسال المحلي إلى البث الفضائي، ثم إلى تقنيات البث عالي الدقة، في رحلة تعكس في جانب منها التطور المتسارع الذي شهدته دولة قطر في مختلف المجالات.
انطلقت أولى صفحات تاريخ تلفزيون قطر في 15 أغسطس 1970، في مرحلة كانت فيها صناعة الإعلام المرئي في منطقة الخليج لا تزال في بداياتها.
وكان البث في سنواته الأولى بالأبيض والأسود، قبل أن يدخل التلفزيون مرحلة جديدة عام 1974 مع بدء البث الملون، في خطوة عكست الرغبة في مواكبة التطور التقني المتسارع في صناعة التلفزيون.
لم تكن الإمكانات التقنية في تلك المرحلة تقارن بما هو متاح اليوم، إلا أن أهمية التجربة تمثلت في تأسيس إعلام تلفزيوني وطني قادر على الوصول إلى المجتمع، وتقديم الأخبار والبرامج والمواد الثقافية والترفيهية، والمشاركة في نقل الأحداث والمناسبات الوطنية.
مع توسع تجربة التلفزيون وتطور احتياجات الجمهور، شهد عام 1982 إطلاق القناة الثانية باللغة الإنجليزية، لتضيف بعدًا جديدًا إلى المشهد الإعلامي القطري.
وقدمت القناة الثانية مجموعة متنوعة من البرامج، شملت المسلسلات والأفلام الأمريكية والهندية، والبرامج الوثائقية والترفيهية، إلى جانب نقل عدد من المنافسات الرياضية والمناسبات المهمة على الهواء مباشرة.
واستمرت القناة في تقديم محتواها لسنوات، قبل أن يتوقف بثها في 27 يوليو 2014.
أدرك تلفزيون قطر مبكرًا أن بناء مؤسسة تلفزيونية ناجحة لا يعتمد على البث وحده، وإنما يحتاج إلى تطوير قدرات الإنتاج والاستوديوهات.
وفي عام 1981، افتُتح استوديو 4 للأعمال التلفزيونية، ليصبح أحد المكونات المهمة في منظومة الإنتاج خلال مرحلة مبكرة من تاريخ التلفزيون.
وقد أسهم الاستوديو في دعم الأعمال التلفزيونية، قبل أن يُغلق بعد نحو عشرين عامًا من افتتاحه، ويصبح موقعه لاحقًا جزءًا من مبنى الجزيرة الرياضية سابقًا، التي أصبحت ضمن منظومة beIN SPORTS.
وكان تطور الاستوديوهات والإنتاج انعكاسًا طبيعيًا لاتساع الدور الذي بدأ التلفزيون يؤديه في المجتمع، وانتقاله تدريجيًا من مجرد وسيلة للبث إلى مؤسسة لصناعة المحتوى.
شكل عام 1998 نقطة تحول استراتيجية في تاريخ تلفزيون قطر، مع بدء البث الفضائي للقناة الأولى عبر الأقمار الصناعية.
ومن خلال أقمار مثل عرب سات ونايل سات وهوت بيرد، توسعت دائرة انتشار القناة، وأصبحت الشاشة القطرية قادرة على الوصول إلى جمهور خارج الحدود الجغرافية للدولة.
وكان الانتقال إلى البث الفضائي أكثر من مجرد تطور تقني؛ فقد فتح الباب أمام حضور إعلامي قطري أوسع، وأتاح للمشاهدين في المنطقة وخارجها متابعة الإنتاج الإخباري والبرامجي والثقافي الذي تقدمه القناة.
مع بداية الألفية الجديدة، دخل تلفزيون قطر مرحلة أخرى من التطوير.
وفي عام 2001، شهدت القناة تحديثًا في هويتها البصرية، شمل الشعار والفواصل ونمط البرامج والإعلانات، بما يتناسب مع متطلبات عصر البث الفضائي والتنافس المتزايد بين القنوات التلفزيونية.
ولم يقتصر التطوير على الشكل؛ فقد شهدت تلك المرحلة اهتمامًا أكبر بالمحتوى والإنتاج الدرامي، وخاصة الأعمال التاريخية التي ارتبط عدد منها بالموسم الرمضاني.
وأصبحت الدراما إحدى الأدوات التي ساعدت التلفزيون على تقديم التاريخ والتراث والقضايا الاجتماعية في قالب جماهيري، وجعلت الشاشة جزءًا من المشهد الثقافي والفني في قطر والمنطقة.
في منتصف عام 2011، بدأت ملامح مرحلة جديدة أكثر شمولًا، مع الإعلان عن مشروع لتطوير تلفزيون قطر تحت رعاية لجنة دعم وتطوير العمل التلفزيوني برئاسة السيد طلال العطية.
وشمل المشروع إنشاء استوديو جديد للبرامج بالقرب من مبنى التلفزيون، وكان من أبرز البرامج التي ارتبطت بهذه المرحلة برنامج «الليوان» الذي بث خلال شهر رمضان عام 2011.
لكن المشروع لم يكن مجرد تحديث لاستوديو أو إضافة تجهيزات جديدة؛ فقد كان جزءًا من رؤية أوسع لإعادة بناء البيئة التلفزيونية، وتطوير أدوات الإنتاج، ورفع مستوى الأداء الفني والتقني.
ضمن مشروع التطوير، أُنشئ مبنى جديد لتلفزيون قطر ملاصق لاستوديو البرامج، وزُوّد بأحدث أجهزة وتقنيات البث والإنتاج التلفزيوني في ذلك الوقت.
كما تم إنشاء استوديو متخصص لبث نشرات الأخبار داخل المبنى الجديد، بما وفر بنية متكاملة لإنتاج البرامج والنشرات وإدارة عمليات البث وفق المعايير الحديثة.
وكانت هذه الخطوة تعبيرًا واضحًا عن انتقال تلفزيون قطر من مرحلة التطوير الجزئي إلى مرحلة إعادة بناء شاملة للمنظومة التلفزيونية.
إذا كان 15 أغسطس 1970 هو يوم ميلاد تلفزيون قطر، فإن 16 ديسمبر 2012 يمثل أحد أهم أيام التحول في تاريخه الحديث.
في ذلك اليوم، وفي تمام الساعة 15:30 بتوقيت الدوحة، توقف بث تلفزيون قطر من المبنى القديم بعد نشرة الأخبار.
وبعد ساعات قليلة، وفي تمام الساعة 19:30، عادت الشاشة القطرية إلى الجمهور من مقرها الجديد، ولكن بصورة مختلفة في الشكل والمضمون والهوية.
كانت تلك اللحظة بمثابة إعادة إطلاق حقيقية للمؤسسة التلفزيونية.
تغير شعار القناة، في ثالث تحول رئيسي له بعد شعاري الصقر والدَّانة، وظهرت وجوه إعلامية شابة جديدة في البرامج والنشرات، فيما شهد المحتوى التلفزيوني إعادة صياغة تتناسب مع المرحلة الجديدة.
أما على المستوى التقني، فقد انتقل تلفزيون قطر إلى نظام Full HD 1080i، في خطوة متقدمة وضعت القناة ضمن المؤسسات التلفزيونية الخليجية والعربية التي تبنت البث عالي الدقة.
ارتبط أول شعار لتلفزيون قطر بصورة الصقر، الذي أصبح أحد أبرز الرموز البصرية في ذاكرة المشاهدين.
وصمم الشعار الفنان المصري فؤاد محمد أحمد الشبيني، الذي عمل مهندسًا للديكور في تلفزيون قطر خلال تلك المرحلة، وارتبط اسمه أيضًا بتصميم شعار دولة قطر.
ومع مرور الزمن، لم يعد الشعار مجرد علامة تعريفية للقناة، بل تحول إلى جزء من الذاكرة البصرية لجيل كامل عاش البدايات الأولى للتلفزيون الوطني.
ثم جاءت لاحقًا هوية الدَّانة، قبل أن ينتقل التلفزيون إلى هويته البصرية الجديدة في مرحلة التطوير الحديثة.
تاريخ تلفزيون قطر لا يمكن اختزاله في تواريخ تأسيس أو تغيير شعارات أو تحديث أجهزة.
فالشاشة القطرية كانت على مدى عقود مرآة للمجتمع وسجلًا بصريًا لتحولاته.
ومن خلال نشرات الأخبار والبرامج السياسية والثقافية والاجتماعية والرياضية، والبرامج الترفيهية، والأعمال الدرامية، والتغطيات المباشرة، والمناسبات الوطنية، وثّق التلفزيون تفاصيل متعددة من الحياة العامة في قطر.
ويمكن للباحث اليوم، من خلال أرشيف التلفزيون، أن يتتبع ليس فقط تطور الخطاب الإعلامي، وإنما أيضًا تطور المجتمع نفسه: أنماط الحياة، واللغة المستخدمة في الخطاب العام، والمناسبات، والأزياء، والعادات، والشخصيات العامة، والتحولات العمرانية والاقتصادية والاجتماعية.
وهنا تتجاوز قيمة الأرشيف التلفزيوني الجانب الإعلامي لتصبح له قيمة تاريخية وثقافية ووطنية.
يمثل أرشيف تلفزيون قطر اليوم واحدة من أهم الثروات الوثائقية التي يمكن أن تخدم الباحثين في تاريخ قطر الحديث.
فكل نشرة إخبارية، وكل مقابلة، وكل برنامج، وكل تسجيل لمناسبة وطنية، وكل تقرير ميداني، يحمل في داخله جزءًا من تاريخ مرحلة زمنية محددة.
ومن هذا المنطلق، فإن المحافظة على هذا الأرشيف ورقمنته وفهرسته وفق منهج علمي حديث تمثل مسؤولية ثقافية ووطنية، تضمن ألا تضيع المواد التي وثقت مراحل مهمة من تاريخ الدولة.
كما أن إتاحة جانب من هذا الأرشيف للباحثين والمؤسسات الأكاديمية والثقافية من شأنه أن يفتح مجالات واسعة أمام الدراسات الإعلامية والتاريخية والاجتماعية، ويمنح الأجيال الجديدة فرصة للتعرف على مراحل تطور بلادهم من خلال الوثيقة البصرية الأصلية.
رحلة تلفزيون قطر منذ 15 أغسطس 1970 وحتى اليوم هي قصة تحول مستمر.
بدأت الرحلة بصورة بالأبيض والأسود، ثم انتقلت إلى البث الملون، وتوسعت إلى القنوات المتخصصة، ثم عبرت إلى الفضاء، وتطورت استوديوهاتها ومبانيها، وتغيرت هويتها البصرية، وصولًا إلى البث عالي الدقة والتقنيات الحديثة.
لكن جوهر التجربة ظل مرتبطًا برسالة أساسية: أن يكون الإعلام التلفزيوني جزءًا من مسيرة الوطن، وأن ينقل صورة المجتمع ويحفظ ذاكرته ويعكس تحولات الدولة.
بعد أكثر من خمسة عقود ونصف على انطلاقه، لا يمكن النظر إلى تلفزيون قطر باعتباره مؤسسة إعلامية فحسب؛ فهو جزء من تاريخ الدولة الحديثة، ومن ذاكرة أجيال متعاقبة من المواطنين والمقيمين.
لقد تغيرت التقنيات، وتبدلت الشعارات، وتطورت الاستوديوهات، وتغيرت طبيعة المحتوى ووسائل الوصول إلى الجمهور، لكن قيمة التلفزيون بوصفه وثيقة حية لتاريخ المجتمع بقيت حاضرة.
ومن هنا، فإن الاحتفاء بتاريخ تلفزيون قطر ليس مجرد استعادة لذكريات الماضي، وإنما هو تأكيد على أهمية الإعلام الوطني باعتباره شاهدًا على مسيرة الدولة، وأرشيفًا يحفظ تفاصيل رحلتها للأجيال القادمة.
ففي كل صورة قديمة على شاشة تلفزيون قطر قصة، وفي كل نشرة إخبارية حدث، وفي كل برنامج ذاكرة، وفي كل تسجيل تلفزيوني صفحة من صفحات تاريخ قطر.
تلفزيون قطر.. بدأ كشاشة، واستقر في ذاكرة الوطن.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يفترض أن يشعر الموظف بالاطمئنان عندما يدخل المدقق الداخلي إلى إدارته؛ فهو لا يأتي لإدانة أحد، بل للتأكد من سلامة الإجراءات، وحماية المؤسسة من المخاطر، ومساعدة المسؤولين على اكتشاف الخلل وتصحيحه قبل أن يتحول إلى أزمة. لكن هذا الاطمئنان يتبدل إلى خوف عندما يفقد التدقيق استقلاله، ويتحول من عين تحمي المؤسسة إلى عصا غليظة في يد الرئيس التنفيذي، يلوّح بها في وجه مَن لا يرتاح إليهم. لا يحدث ذلك عادة بقرار معلن، بل يبدأ بهدوء؛ إدارة تخضع لعمليات تدقيق متكررة، بينما تبقى إدارات أخرى بعيدة عن خططه، وملاحظة بسيطة تُضخّم هنا، في حين تمر ملاحظات أكبر هناك، وملفات قديمة تُفتح فجأة، وأسئلة توحي بأن الحكم قد صدر قبل بدء التدقيق. عندها لا تعود المشكلة في وجوده، بل في اختيار مَن يُدقَّق عليه، ومتى، ولماذا، وكيف تُفسر الوقائع وتُعرض النتائج. يحتاج الرئيس التنفيذي إلى تدقيق داخلي قوي؛ لأنه يساعده على رؤية ما قد لا يصل إليه عبر التقارير الإدارية. لكنه لا ينبغي أن يمتلك سلطة توجيهه نحو أشخاص بعينهم، أو إبعاده عن آخرين، أو التأثير في صياغة ملاحظاته. فعندما يختار مَن يخضع للتدقيق، ويتابع تفاصيله، ثم يستخدم نتائجه في قراراته تجاه الموظفين، تختلط الإدارة بالرقابة، وتضيع المسافة التي تمنح التدقيق صدقيته. وقد لا يحتاج الرئيس التنفيذي إلى إصدار توجيه صريح؛ فمدير التدقيق قد يقرأ ميوله، ويدرك مَن ينسجم معهم ومَن لا يرتاح إلى آرائهم، ثم يوجه التدقيق نحو الطرف غير المرغوب فيه، وينتقي من الوقائع ما ينسجم مع توجه الرئيس، أملاً في كسب ثقته وتعزيز موقعه. وهنا لا يعود مدير التدقيق خاضعاً للتأثير فحسب، بل يصبح شريكاً في صناعة الصورة التي يرغب الرئيس التنفيذي في رؤيتها. وكلما قدّم تقريراً يضعف شخصاً لا يرتاح إليه الرئيس، ازداد قرباً ونفوذاً، حتى تصبح قوته مستمدة من رضا الرئيس، لا من استقلاله المهني أو ثقة لجنة التدقيق. وقد يبدأ بقياس أهميته بقدرته على العثور على الملاحظات التي يريدها الرئيس التنفيذي، لا بقدرته على تقديم الحقيقة المتوازنة، فتختلط المصلحة الشخصية بالمسؤولية المهنية، ويصبح التدقيق وسيلة يستخدمها مدير التدقيق لتعزيز موقعه وإثبات ولائه. فأخطر مدير للتدقيق ليس مَن يستجيب للضغط فقط، بل مَن يسبقه، ويتوقع رغبة صاحب السلطة، ثم يستخدم صلاحياته لتحقيقها. ويكفي أن يعرف الموظف أن اختلافه مع الرئيس التنفيذي قد يعقبه تدقيق مفاجئ، أو فتح ملفات قديمة، أو تضخيم هفوة صغيرة، حتى يفهم الرسالة من دون أن ينطق بها أحد: الصمت أكثر أماناً من إبداء الرأي، والموافقة أقل كلفة من الاعتراض. ولا يتوقف الخطر عند اختيار مَن يخضع للتدقيق، بل يمتد إلى قراءة الوقائع وعرضها. فالمعلومة الواحدة قد تُكتب بوصفها ملاحظة إجرائية قابلة للتصحيح، وقد تظهر، إذا أُخرجت من سياقها، كمخالفة جسيمة. وربما يُهمَل ما يبرر القرار، أو تُقتطع مراسلة من سياقها، أو تُستخدم عبارات لا تتناسب مع حجم الملاحظة، فيبدو الخطأ البسيط كأنه تقصير متعمد. وهنا يصبح التقرير أداة لصناعة الانطباع، لا لكشف الحقيقة. فليس ضرورياً أن يتضمن معلومة كاذبة حتى يكون ظالماً؛ قد تكون وقائعه صحيحة، لكن ترتيبها، وانتقاء بعضها وإهمال الآخر، والمبالغة في تفسيرها، قد تصنع صورة مختلفة عن الواقع. فالحقيقة لا تُشوَّه بالكذب وحده، بل عندما يُقال جزء منها ويُحجب ما يفسرها. ومن أخطر صور ذلك استخدام لغة غير متوازنة؛ فيُوصف الخطأ غير المقصود بأنه «تجاوز»، والاجتهاد الإداري بأنه «مخالفة»، والاختلاف في التقدير بأنه «عدم تعاون». ثم تتحول الملاحظة الصغيرة إلى قضية تمس كفاءة الموظف ونزاهته وسمعته المهنية. ولا يقع الضرر على الموظف المستهدف وحده، بل يمتد إلى المؤسسة. فعندما يرى الموظفون زميلاً كفؤاً تُفتح ملفاته لأنه اختلف مع الرئيس التنفيذي، يتعلمون أن السلامة ليست في الالتزام بالنظام، بل في تجنب الاختلاف. ويصبح الولاء للشخص أهم من الولاء للمؤسسة، وتختفي المبادرة، وتصمت أصوات كان يمكن أن تنبه إلى أخطاء حقيقية. وهنا تظهر مسؤولية المدقق الداخلي. فالمهنية لا تعني تنفيذ كل ما يُطلب منه بلا سؤال. عليه أن يسأل: هل تستند المهمة إلى تقييم موضوعي للمخاطر؟ هل تُطبق المعايير نفسها على الجميع؟ هل نحاول اكتشاف الحقيقة، أم نبحث عن أدلة تؤيد حكماً اتُّخذ مسبقاً؟ إن استقلال المدقق يُختبر عندما يستطيع القول إن الوقائع لا تبرر الاستهداف، أو إن الخلل مؤسسي ولا يتحمله شخص واحد. والتدقيق العادل لا يبحث عما يدين الموظف، بل عما يفسر الواقعة كاملة. يستمع إلى جميع الأطراف، ويفرق بين الخطأ الفردي والخلل المؤسسي، وبين سوء النية وضعف الإجراء، ويوازن بين الملاحظة وأثرها. فالتقرير المهني لا يضخّم ليرضي مَن طلب التدقيق، ولا يخفف لحماية صاحب النفوذ؛ بل يضع الحقيقة كما هي، لا أكبر ولا أصغر. لكن مطالبة المدقق بالشجاعة لا تكفي؛ فالشجاعة الفردية تحتاج إلى نظام يحميها. ومن الصعب أن يكون المدقق مستقلاً إذا كان الرئيس التنفيذي يستطيع التأثير في تعيينه وتقييمه ومكافآته وميزانيته ومستقبله. ولهذا لا تكون الاستقلالية شعاراً، بل ترتيبات واضحة تجعل الارتباط الوظيفي لمدير التدقيق الداخلي بلجنة التدقيق المنبثقة عن مجلس الإدارة. فهي التي تعتمد ميثاقه وخطته وموارده، وتتابع أداءه، وتحمي وصوله إلى المجلس، وتلتقي به بعيداً عن الإدارة التنفيذية. ولا يعني ذلك عزل التدقيق عن الرئيس التنفيذي؛ فالتعاون بينهما ضروري، لكن التعاون شيء والتبعية شيء آخر. للرئيس التنفيذي أن يطلب فحص خطر أو ملاحظة، لكن لا ينبغي له تحديد النتيجة، أو تقييد نطاق التدقيق، أو منع وصول التقرير إلى لجنة التدقيق، أو تحويله إلى أداة لمعاقبة مَن يختلفون معه. كما يجب ألا تبدأ خطط التدقيق بالأسماء، بل بالمخاطر، وأن تكون هناك معايير واضحة لاختيار مهامه، وحق عادل للجهة الخاضعة له في تقديم ردها وأدلتها، ومراجعة مستقلة لجودة عمله. فمَن يراجع الآخرين يجب أن يكون مستعداً لأن تُراجع منهجيته وأحكامه أيضاً. إن التدقيق القوي قد يكشف أخطاء مؤلمة، لكنه يفعل ذلك بعدالة. أما استخدامه لتخويف الموظفين، فقد ينجح في إسكات الأصوات، لكنه يفشل في حماية المؤسسة. وربما يمنح الرئيس التنفيذي شعوراً مؤقتاً بالسيطرة، ومدير التدقيق نفوذاً مؤقتاً، لكنه يترك ثقافة خائفة وموظفين يتجنبون قول الحقيقة. التدقيق الداخلي لم يُنشأ ليكون سيفاً في يد الإدارة، ولا سلماً يصعد به مديره نحو مزيد من النفوذ، بل ضميراً مهنياً للمؤسسة. والضمير لا يختار مَن يحاسبه بناءً على القرب أو الخصومة، ولا يغيّر صوته بحسب قوة الأشخاص. فأخطر ما يصيب التدقيق ليس أن يفشل في اكتشاف الأخطاء، بل أن يتحول إلى أداة لتخويف الموظفين، ولَيِّ الحقائق، وتضخيم الهفوات، وإسكات الحقيقة.
10308
| 06 سبتمبر 2026
في بداية أي موسم، يذهب الحديث عادةً إلى الفرق المرشحة والأسماء الكبيرة، لكنني أفضل أن أقرأ أول جولتين من زاوية مختلفة: ماذا فعل كل مدرب بفريقه؟ النتائج في هذه المرحلة قد تخدع، أما شكل الفريق داخل الملعب فيكشف الكثير. ومن خلال ما ظهر حتى الآن، أرى أن الفارق الحقيقي لا يكمن دائمًا في جودة اللاعبين، بل في قدرة المدرب على تحويل هذه الجودة إلى فريق واضح في أدواره؛ يعرف كيف يبني الهجمة، ومتى يضغط، وكيف يتحول بعد فقدان الكرة، وماذا يفعل عندما لا تسير المباراة وفق خطته. السد، مثلًا، أظهر قوة هجومية لافتة، لكنني لا أرى أن عدد الأهداف وحده يكفي للحكم على جاهزية الفريق. الأهم هو قدرته على فرض أفضلية واضحة أمام منافس يغلق المساحات ويجبره على تغيير أسلوبه. هنا تحديدًا تبدأ قيمة المدرب في الظهور: هل يملك الفريق الحلول عندما لا تسير المباراة وفق السيناريو الذي يفضله؟ أما بقية الفرق، فالصورة ما زالت بحاجة إلى قراءة أعمق، ليس لأن الإمكانات غائبة، وإنما لأن المسافة بين ما تملكه هذه الفرق وما تقدمه داخل الملعب ما زالت موجودة بدرجات مختلفة. الدحيل والغرافة والريان والوكرة تملك من الخبرة والجودة ما يجعل سقف التوقعات أعلى، ولذلك سيكون المطلوب من مدربيها ترجمة هذه القدرات إلى أداء أكثر وضوحًا واستمرارية طوال الموسم. وفي المقابل، تبدو المهمة مختلفة عند العربي والأهلي ولوسيل والسيلية، حيث لا يتعلق الأمر فقط بالنتائج، وإنما ببناء ملامح فريق يمكن أن تتطور هويته مع الجولات. أما قطر، فأراه الحالة الأكثر إثارة للتساؤلات. الخسارة أمام السد ليست مفاجئة، لكن طريقة فقدان الفريق لتوازنه تضع ماركيز لوبيز أمام مسؤولية واضحة: ماذا فعل عندما بدأت المباراة تخرج من يده؟ وأين كانت الحلول التي تعيد للفريق توازنه؟ لا أعتقد أن الإمكانات وحدها يمكن أن تكون عذرًا دائمًا، خصوصًا عندما تكون المشكلة في كيفية إدارة المباراة والتعامل مع تحولاتها. وفي المقابل، كان الشحانية بقيادة المدرب الوطني يونس علي، والشمال بقيادة المدرب الإسباني ديفيد براتس، من أكثر الفرق التي لفتت انتباهي في أول جولتين، من خلال تنظيم واضح وجرأة في التعامل مع المباراة، مع قدرة جيدة على قراءة مجرياتها والتفاعل معها، وهو ما منح الفريقين حضورًا وملامح واضحة داخل الملعب. وهنا تظهر قيمة العمل التدريبي؛ فليس المطلوب أن يمتلك كل فريق لاعبين بنفس الجودة أو الإمكانات، وإنما أن يعرف المدرب ما يملكه فريقه جيدًا، ويضع له أسلوب لعب واضحًا يتناسب مع هذه الإمكانات، ويستطيع من خلاله استخراج أفضل ما لدى لاعبيه. لذلك، فإن الجولة الثالثة بالنسبة لي ليست مجرد جولة جديدة في حسابات النقاط، وإنما فرصة لمعرفة أي الفرق تستطيع تثبيت ما قدمته في أول جولتين. هل سيحافظ الفريق الذي ظهر بشخصية واضحة على مستواه؟ وهل تستطيع الفرق التي ما زالت تبحث عن شكلها أن تجد حلولًا أكثر وضوحًا؟ كلمة أخيرة: الجولات المقبلة ستكشف أي المدربين نجح فعلًا في تحويل ما يملكه فريقه إلى شخصية وأسلوب يمكن الاعتماد عليهما.
8274
| 03 سبتمبر 2026
اجتماعٌ لا يحتاج إلى رسائل تذكير، ولا دعوات رسمية، ولا بصمة حضور، ولا إذن انصراف. يأتي إليه المسلم مقبلًا بإرادته، يغتسل ويتطيب ويأتي ثم يجلس منصتًا لا يتحدث لأنه جاء ليستمع فقط. إنها صلاة الجمعة، ذلك الاجتماع الإيماني والاجتماعي والإنساني العظيم، وأحد أكبر التجمعات الأسبوعية المنتظمة في العالم. ولكن ماذا نقدم للمسلم في هذه الدقائق الثمينة؟ المسلم يأتي إلى الجمعة ليُذكَّر بدينه، ولكن أيضًا ليجد من ينير بصيرته، ويفهم واقعه، ويلامس همومه، ويحدثه عن أسرته وأبنائه ومجتمعه، وعن المتغيرات التي تحيط به، ثم يربط كل ذلك بالقرآن والسنة وقيم الإسلام. ولهذا فإن خطيب الجمعة ليس مجرد شخص يتحدث من فوق المنبر ويلقي خطابًا. نحن بحاجة إلى خطيب فصيح، متمكن، حاضر الذهن، حسن الإلقاء، سليم اللغة، يعرف كيف ينطق العربية ويستخدم مفرداتها، ويعرف المجتمع الذي يخاطبه وقضاياه وتحدياته. ومن هنا أقولها بكل وضوح: من غير المقبول أن نجد في بعض مساجدنا خطباء لا يتقنون اللغة العربية إتقانًا يليق بمنبر الجمعة، وتظهر في ألسنتهم أخطاء لغوية واضحة، أو تكون لغتهم وإلقاؤهم ضعيفين إلى درجة يفقد معها المنبر جانبًا كبيرًا من هيبته وتأثيره. وهنا يقع السؤال مباشرة على وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية: كيف يُكلف خطيب للجمعة وهو غير متمكن من اللغة التي سيخاطب بها الناس أو لسانه أعجمي؟ المسألة هنا لا علاقة لها بجنسية الخطيب أو أصله، فالعلم والفضل والكفاءة لا تحمل جواز سفر، وكم من عالم غير عربي خدم العربية والإسلام خدمة عظيمة. ولكن عندما تكون المهمة خطابة، والأداة الأولى للخطيب هي اللغة فلا يمكن أن تصبح سلامة العربية وفصاحة اللسان أمرًا ثانويًا في الاختيار. نحن نتحدث عن جمهور عربي يستمع وينتظر كلمة واضحة مؤثرة. فكيف نقبل بخطيب يتعثر في العربية أو يخطئ فيها، بينما لدينا في قطر شباب قطريون متخصصون في الشريعة والعلوم الإسلامية واللغة العربية والجامعات تخرج كل سنة أعدادًا كبيرة!! ومنهم من حقق مراكز متقدمة في مسابقات القرآن والعلوم الشرعية والخطابة؟ هذه مفارقة تستحق من وزارة الأوقاف وقفة حقيقية. ومن حقنا أن نسأل: ما معايير اختيار خطباء الجمعة؟ أم أن امتلاك المعرفة الشرعية وحده يكفي للصعود إلى المنبر؟ فليس كل صاحب علم خطيبًا، كما أن حفظ النص أو قراءته لا يصنع خطيبًا. الخطيب يحتاج إلى العلم نعم، ولكنه يحتاج كذلك إلى لغة سليمة، وصوت حاضر، وقدرة على الإقناع، وفهم للمجتمع، ومعرفة بما يشغل الناس. لأن الخطبة ليست امتحانًا في الحفظ، وإنما رسالة يراد لها أن تصل. ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تبذل جهودًا كبيرة ومقدرة في خدمة المساجد والدعوة، وهذا لا يمنع من نقد موضع الخلل، بل إن الحرص على هذه الجهود هو ما يدفعنا إلى السؤال: لماذا لا يكون هناك مشروع وطني واضح لاكتشاف وتأهيل الخطيب القطري وتحفيزه؟ لماذا لا نرى خريجي الشريعة والدراسات الإسلامية من شبابنا على جميع المنابر، ونؤهل أصحاب الأصوات واللغة والحضور منهم، ونفتح أمامهم المنابر، ونصنع جيلًا من الخطباء القطريين القادرين على مخاطبة مجتمعهم؟ ابن البلد يعرف مجتمعه، ويعيش تحولاته، ويفهم لغة شبابه، ويعرف القضايا التي تدخل بيوتنا وتؤثر في أسرنا، وإذا اجتمع لديه العلم الشرعي مع الفصاحة والموهبة والتأهيل، فإنه قادر على أن يجعل المنبر أقرب إلى الناس وأكثر تأثيرًا فيهم. لدينا كل يوم جمعة فرصة استثنائية لا تملكها كثير من المؤسسات: آلاف الناس يجلسون بإرادتهم ليستمعوا وفيهم المسؤول والمدير والوزير والمؤثر والقاضي والمعلم والعسكري والرياضي … إلخ. فلا يجوز أن نهدر هذه الفرصة بخطبة ضعيفة أو لغة مكسرة أو أداء لا يصل إلى القلوب. إن منبر الجمعة أكبر من أن يكون مجرد وظيفة تُسد بها حاجة مسجد، والخطابة أكبر من أن تكون قراءة ورقة لمدة دقائق. فإذا كنا نختار بعناية من يتحدث باسم مؤسسة أمام عشرات الأشخاص، أفلا يستحق أن نختار من يتحدث من فوق منبر الجمعة أمام آلاف المسلمين كل أسبوع أن يكون اختياره أكثر دقة؟ هذه مسؤولية، وهذه أمانة، والمنبر يستحق الأفضل.
2355
| 08 سبتمبر 2026