رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الرئيس الفلسطيني "محمود عباس" ناقش في الأسبوع الماضي مع أعضاء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية والأمناء العامين لفصائل المنظمة وأعضاء اللجنة المركزية لحركة فتح فكرة إلغاء اتفاق أوسلو واحتمال تفكيك السلطة وإيقاف التنسيق الأمني مع العدو.. وأقول:
سواء كان تفكير السيد " عباس " في ذلك جديا كما يراه البعض أو مجرد مناورة تهدف للضغط على شركائه في عملية التسوية (و / أو) لصرف الاهتمام الداخلي عن الأزمات التي تمر بها حركته وسلطته كما يراها بعض آخر؛ فذلك يعد تحولا وانتقالا كبيرا يجب الوقوف عنده والتأمل في أبعاده إذ رجع الشعب الفلسطيني يناقش القضايا الكبيرة التي انصرف عنها لزمن..
لست أود اليوم الخوض في كل ما يتعلق بهذه العناوين الكبيرة وما عليها من ملاحظات واستدراكات وتحليلات فقد قتلت بحثا وتمحيصا وصار الاختلاف حولها ترفا الذي لا وقت ولا داعي له.. ما يهمني اليوم موضوع تفكيك السلطة خاصة وما يهمني منه بأخص الأخص أمران اثنان أجد من الضرورة تجليتهما وإزالة ما لا يزال يلفهما من الوهم والتشكيك وعدم وضوح الرؤية؛ أولهما: من هي السلطة وما المسار التراكمي والتحصيلي لها في ضوء ما قامت به وما يمكن أن تصل إليه بعيدا عن التهويل أو التهوين أو الإطلاقات العامة أو الاتهام أو التبرئة الجزاف من أجل استشفاف الدور الذي تؤديه ماديا وعمليا وحقيقيا ثم الحكم عما إن كان بقاؤها أو تفكيكها ضروريا.. الأمر الثاني: الرد على دعوى يروج لها من يدافعون عن بقاء السلطة ويكررونها " أن السلطة جسدت الشرعية الفلسطينية وأنها بذلك – أي السلطة – صارت مكسبا إستراتيجيا لا يجوز التفريط فيه أو التراجع عنه".
وأقول: أما بالنسبة لماهية السلطة والمسار الذي تسير فيه منذ وجدت، وإذا أدخلنا التفاصيل الصغيرة والأحداث الجزئية تحت عناوينها الكبيرة وأطرها العامة فتمكن ملاحظة ورصد أن هذه السلطة قد مرت بثلاث مراحل أرادها كلها الاحتلال، وأننا اليوم بصدد المرحلة الثالثة التي تأتي بالضرورة والترتيب المنطقي وبقياس الغائب على الحاضر والمستقبل على الماضي حصادا وتحصيلا للمرحلتين السابقتين.
المرحلة الأولى: هي المرحلة التي امتدت من بداية التسوية حتى اغتيال الراحل "عرفات" وكان من أهم أهدافها نقل الشرعية الفلسطينية من عرفات لتيار بذاته ممن أوجدوا حوله، ومن المنظمة بتفاريعها وتاريخها وأيديولوجيتها إلى حركة فتح الموطأة الأكناف و"المقصقصة" الجناح، ونقل الشرعية داخل فتح نفسها من جيل لجيل ومن رموز لرموز.. وقد اعتمدت هذه المرحلة أساسا على وجود عرفات واستغلال رمزيته وتركيب الشخوص "المقصودين" على كتفيه.. والظن أن الراحل لو فطن لخطورتهم ما قدمهم شبرا وما رفعهم على شعبه بقليل ولا بكثير..
المرحلة الثانية: ردأت بعد استشهاد عرفات مباشرة وكان من أهدافها نقل الشرعية الفلسطينية من داخل فتح إلى خارجها؛ إلى السلطة وإلى آخرين من فصائل صغيرة ومن شخصيات إما كانت مغمورة أو مشبوهة ثم تصفية الحساب بها مع فتح وحماس والمقاومة بمفاهيمها ورموزها وقياداتها ومؤسساتها وإعلامها؛ هنا يحضر الحديث عن أشخاص بأعيانهم ارتكز عليهم مشروع السلطة منذ استشهاد "عرفات" برزوا وصارت لهم أدوار واضحة وخاضوا صدامات مباشرة واستمروا في مواقعهم من دون قاعدة شعبية ولا تاريخ نضالي ورغم كل الرفض الوطني لهم.. في هذه المرحلة يأتي الحديث عن محاولة إدخال بعض هؤلاء لحركة فتح، وعن الانقسام الدموي بين غزة والضفة وعن تقاعدات قسرية لرتب الأمن الوطني وعن مساومة الثوار على أسلحتهم وليتحولوا لفنانين وممثلين على مسارح جنين والضفة وصولا بهم اليوم إلى السجون، وفي إطار هذه المرحلة أيضا تأتي الفضائح الكثيرة والمتلاحقة التي طاولت رموزا تاريخية في فتح كان ممكنا وطبيعيا التستر عليهم.
أما المرحلة الثالثة: التي يفترض أنها الحصاد والتطور الطبيعي للمرحلتين السابقتين والتي نحن بصددها اليوم فهي تكبيل القضية الفلسطينية وتغيير الثقافة وإشغال المواطن بلقمة العيش وصولا لإنهاء أي فرصة لدولة فلسطينية مستقلة.. من ملامح هذه المرحلة الثالثة وربما الأخيرة الجارية اليوم الترويج لثقافة أكبر رغيف خبز وأكبر طبق مسخن ومهرجانات العنب والرسم على الجدران والمباريات الرياضية وزيارات وتصريحات قادة في السلطة حول الحق التاريخي لليهود في فلسطين.. ومن ملامحها أيضا نشاط التهويد والاستيطان وتجاهل القدس.. إلخ.
هذه السلطة بهذا التشخيص لم تعد مجرد تجربة سياسة خاطئة ولكنها أصبحت نقيضا معاكسا وعنادا مشاكسا للشعب الفلسطيني وإنجازاته الثورية والتاريخية وصارت سوأة بين الثورات المعاصرة مهما قال في الدفاع عنها مستفيدون متسمنون أكلوا على عسابها وشربوا وتورمت أرصدتهم وأرصدة ذويهم.
كثير مما يقوله هؤلاء لا يقوم على ساق ولا يستند إلى منطق وما هو إلا صيغ إنشائية ودغدغات عاطفية وخلط للتمنيات بالتحليلات ولكن ثمة حجة يقولونها أرى أن أردها وأفندها لأنها من إلباس الحق بالباطل ومما يطول فيه لسانهم.. يقولون: يكفي أنه صار للشعب الفلسطيني بالسلطة شرعية وتمثيل رسمي في المحافل الدولية.. ويقولون: هذه الشرعية مطلوبة ويلتقي عليها الجميع بكل أفكارهم واتجاهاتهم.. وأقول:
هذا التوصيف غير صحيح لا بالنسبة للشعب الفلسطيني ولا بالنسبة للسلطة ولا بالنسبة للحقائق على الأرض؛ فالشعب الفلسطيني هو أصل الشرعية وهو موجود قبل السلطة وبعدها وبها وبدونها، والشعب الفلسطيني لم يكن يوما فاقدا للشرعية حتى تكون السلطة أو المنظمة أو أي جهة في العالم كله متفضلة عليه بشيء منها؛ وعلى العكس من ذلك مرة أخرى فالصهاينة هم الذين لا يزالون يبحثون عن شرعية وعن هوية وعن نوعية بعد نيف وستين سنة من إقامة كيانهم، ثم إن الشرعية التي تتمتع بها السلطة مؤطرة بالاتفاقيات الخانقة وملوثة بالتنسيقات الأمنية الفاضحة ومجزوءة سياسيا بكونها حكرا على فئة مطاوعة اختارها وأعلاها الاحتلال دون كل الناس.. ومن شاء فهذه انتخابات الـ2006 التي فازت بها حماس واعتقالات النواب والعدوان على غزة كلها تدلل وتؤكد أن شرعية السلطة خاصة ومحدودة لفريق دون غيره ولفكرة دون سواها وأن الشعب الفلسطيني لم يتمتع بشرعية حقيقية للسلطة لحظة واحدة؛
فإن كان وجود السلطة ذات يوم مطلبا فلسطينيا؛ فقد بني على وهم " الربع ساعة الأخير " الذي امتد حتى اليوم إلى عشرين سنة، وعلى وهم " الضوء في نهاية النفق " الذي من الواضح أننا لن نصل إليه أبداً ولكن هذا الوجود أدى أيضا لانقلاب كثير من القيم والمفاهيم حتى قتل الأخ أخاه وتجسس الثائر على الثائر ووصل ببعض الثوار أن يحموا المحتل وأن يعيدوا جنود الصهاينة القتلة إلى أهاليهم في كل مرة سالمين بعد تكريمهم بقدح شاي بالنعناع أو المريمية الفلسطينية والأعجب أن يصير ذلك في نظر البعض قمة الوطنية وغاية غايات المصلحة العليا.
آخر القول: لا بد أن نرى كلا طرفي الصورة ولئن كان للراحل عرفات - رحمه الله – عذر في إيجاد السلطة وأنه لم يخلص الشعب الفلسطيني من مشروعها حتى مات؛ فليس مثل ذلك للسيد " عباس " وحركة فتح بعد كل هذا الافتضاح الذريع الذي يعرفه ويعيشه ويعانيه كل فلسطيني.. صحيح أن الاحتلال لن يسلم لهم بذلك ولكنها المسؤولية الوطنية، فقد صار وجود السلطة عبئا على الشعب والقضية بقدر ما أصبح تفكيكها وتسعير الأرض من تحت الاحتلال بعدها " ضرورة شرعية ومصلحة سياسية وفرصة تاريخية".
من دخل مدخلا خاطئا يخرج منه
نلتقي أحيانا ببقية ممن لا يزالون يعيشون الخيال الذي رسمه لهم السيسي ، ويؤيدونه على غير وعي بما... اقرأ المزيد
664
| 12 يناير 2017
صديقي أقال أحسن موظفيه !
صديقي أقال أحد الموظفين لديه من العمل .. فجاءني الموظف يستشفع بي لدى صديقي كي يعيده للعمل فالموظف... اقرأ المزيد
967
| 05 يناير 2017
سحب الانقلاب المصري مشروع القرار .. خزي يستحقه !
بعد أن سحبت مصر – الانقلاب - مشروع قرار قدمته إلى مجلس الأمن الدولي لإدانة الاستيطان الصهيوني في... اقرأ المزيد
603
| 29 ديسمبر 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8991
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4899
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
4278
| 23 سبتمبر 2026