رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ما يزيد على العام ونصف واقتراب السنتين مضى على الربيع العربي.عندما قام الحراك الجماهيري في تونس وانتقل بعدها إلى مصر ومن ثم لبيبا واليمن وفيما بعد إلى سوريا(كما يحلو للبعض اعتبار ما يجري فيها جزءاً من هذا الربيع)،تفاءلت الجماهير العربية من المحيط إلى الخليج بهذا الحراك(ولا نقول ثورة).البعض من الكتّاب والمثقفين كان له رأيٌ آخر فيما يجري:فقد ارتأى أن هذه الحراكات مخطط لها،وأن الولايات المتحدة الأمريكية تقف خلفها بدليل:أن ليس من مصلحتها على الإطلاق تحرير الجماهير من أنظمتها في هذه البلدان،لأن انطلاق المارد العربي من قمقمه سيعني:التحرر من السيطرة الأمريكية والوقوف في وجهها ومقاومة إسرائيل ورفع شعار:تحرير فلسطين من البحر إلى النهر.عملياً فإن غالبية الأمة العربية راهنت على التغيير الجذري لهذه الحراكات لصالح القوى الشعبية العربية.من هنا فالبعض اعتبرها(ثورات)وآخرون(انتفاضات)أو (هبّات) وغيرهم اعتبروها(حراكات).
اليوم وبعد مضي هذه المدّة،وضح الأمر تماماً،وتبين أن ما حصل:هو أبعد ما يكون عن الثورات. فهذه لها أدواتها وبرامجها وقياداتها والحراكات ليست كذلك،هي في حقيقتها انعكاس للظلم والمعاناة التي يقاسيها المواطن العربي في هذه البلدان،فبالنسبة إليه:بلغ السيل الزبى،وانفجر البركان وكان الإعلان بعد مجيء القشة التي قصمت ظهر البعير.بالتالي فلا يمكن ولا بأي حال من الأحوال التشكيك بأصالة وبعفوية وبعدم تبعية هذه الحراكات لأي جهة خارجية. فقد قامت احتجاجاً على رداءة وسوء الأوضاع وقسوتها.الجماهير العربية سبقت قواها الوطنية والإسلامية التي ركبت موجة هذه الحراكات،ومثلما قلنا لم تستطع هذه القوى التوحد في برنامج يرسم مهمات المرحلة المقبلة ما بعد التغيير. والإجابة على أسئلة مهمات المرحلة وما هو المطلوب؟القوى المتواجدة عملت وفقاً لقانون:أقصى الاستفادة من الحراكات للصالح التنظيمي الضيق الأفق وللمصالح الفئوية التنظيمية بعيداً عن مصالح الجماهير وقواها الأخرى.
المعسكر الغربي عموماً والولايات المتحدة بشكل خاص كانا أمام خيارين لا ثالث لهما،الأول:الوقوف في وجه هذه الحراكات وهذا سيزيد من ردة الفعل الجماهيرية العربية ضدها،وبخاصة أن الأنظمة في بلدان الحراك قد استهلكت وتجاوزت تاريخ الصلاحية.الخيار الثاني:محاولة الاستدارة بهذه الحراكات وتوجيهها وجهة أخرى بعيدة تماماً عن نتائج التغيير الجذري(الثوري).الأخير هو الخيار الذي انتهجته الولايات المتحدة.من أجل ذلك كلّفت معاهد الأبحاث والدراسات فيها بالبحث في الوسائل والطرق المتوجب التعامل فيها مع الذين ركبوا موجة هذه الحراكات.الخيارات الجديدة تمثلت أيضاً في مسألتين الأولى:إجراء الحوار. لذلك عقد معهد كارينغي للسلام في واشنطن حلقة حوارية مع وفود من الإخوان المسلمين في كل من مصر،تونس،لبيبا،الأردن،المغرب،وكان جدول الأعمال عبارة عن نقطة واحدة هي: آفاق المستقبل إذا ما تسلمت هذه الأحزاب للسلطة في بلدان الحراك،هذه الوفود عقدت أيضاً لقاءات مع مساعد وزيرة الخارجية الأميركية وليام بيرنز. منذ تلك اللحظة وبعد الوصول إلى قواسم مشتركة،فضت الولايات المتحدة الفيتو عن تسلم الأحزاب الإسلامية للحكم في بلدانها.كثيرون يعتقدون أن صفقات جرى عقدها في تلك اللقاءات.بالتالي بدأنا نسمع من المسؤولين الأمريكيين وعلى رأسهم هيلاري كلينتون تصريحات من نمط:أن الولايات المتحدة لا تمانع في نجاح الأحزاب الإسلامية في انتخابات تسلم السلطة في أقطارها.الخيار الثاني للولايات المتحدة كان من خلال: الضربات العسكرية(من خلال الناتو) كالذي حصل في لبيبا لشل قدرات نظام القذافي.هذا الأسلوب أرادوا تطبيقه في سوريا لولا الفيتو الروسي الصيني في مجلس الأمن على أي مشروع قرار أمريكي من هذا القبيل.
أيضاً وكما جرى التخطيط للعالم العربي مع بدء العولمة ووصولها إلى مرحلة التنفيذ:إثارة النعرات الطائفية والمذهبية والإثنية في كل الدول العربية لتفتيت الوحدة الوطنية فيها،حيث يسهل تقسيم البلدان العربية إلى دويلات.نجح هذا الأمر في السودان بانفصال الجنوب.التجربة قيد التنفيذ في العراق فالأكراد شبه مستقلين في دويلتهم،وكذلك دويلة للسنة وأخرى للشيعة.في ليبيا واليمن وسوريا كذلك الأمر،فيجري الحديث حول الأخيرة لتقسيمها إلى ستة دويلات.في مصر:إثارة النعرات بين الأقباط والمسلمين،في لبنان:المسألة الطائفية في أوجها وهكذا دواليك.
ما جرى هو ملامح مستقبلية لشرق أوسط جديد،تكون فيه القوة الإقليمية الأولى في المنطقة هي:إسرائيل. في حوار جمع بين رئيس تحرير جريدة السفير طلال سلمان والمناضلة الفلسطينية ليلى خالد أثناء زيارتها للصحيفة،قال سلمان(بما معناه):أن المرحلة المقبلة(والحوار كان قد دار قبل سنوات. أي قبل مرحلة الربيع العربي) ستشهد إشعال حرائق تفتيتية كبيرة في الدول العربية وبخاصة الدول المحاذية لفلسطين. بهدف الإجهاز على القضية الفلسطينية.
بالمعنى الفعلي:فإن إشغال الدول العربية بأزمات سياسية واقتصادية واجتماعية وطائفية وحروب داخلية هو الطريق للقضاء على أي مقاومة للمشروع الأمريكي-الإسرائيلي في المنطقة. وتصفية القضية الفلسطينية إلى الأبد(هكذا يعتقدون).منذ سنوات كثيرة رسمت للوطن العربي خرائط تقسيمية تقريباً لكافة الدول العربية،بالطبع من معاهد أمريكية،وأحد المروجين لهذا المشروع هو الصهيوني برنارد ليفي.
بالنسبة لفلسطين في الحراكات الشعبية العربية،فباستثناء مظاهرة أقامها الناصريون وبعض القوى الأخرى حول السفارة الإسرائيلية في القاهرة،تطورت إلى هدم جدار السفارة،وإنزال العلم الإسرائيلي من عليها ورفع العلم المصري بدلاً منه وفيما بعد اقتحامها. فإن شعار فلسطين ظل مغيبا. الهجوم على السفارة جاءا لأهداف مصرية بشكل رئيسي نتيجة للدور التخريبي للسفارة في مصر.الشعار الفلسطيني غاب إلى حد كبير عن الحراكات الشعبية العربية.في تونس الشعار شبه مغيبْ،كذلك الأمر في لبيبا ويقال إن حادثة القنصلية الأمريكية كان مخططاً لها قبل ظهور الفيلم المسيء للرسول الكريم(صلوات الله عليه وسلامه عليه) وفي مناسبة 11/سبتمبر للرد على اغتيال أحد أمراء الجهاد في أفغانستان.في مصر بعد نجاح مرسي:فإن موقف الرئيس الجديد لا يختلف عن الرئيس المخلوع حسني مبارك بالنسبة للقضية الفلسطينية. وجملة تأييد حقوق الفلسطينيين تجيء كلمة عامة في خطابات الرئيس المصري.بالنسبة لكامب ديفيد والعلاقات مع الولايات المتحدة،ظلّت كما هي.معبر رفح يعمل بنفس روتين برنامج مبارك،الجديد:أن مصر قامت بهدم كافة الأنفاق في رفح والتي يجري من خلالها تهريب بعض المواد الغذائية الحياتية إلى قطاع غزة.في عهد مبارك كان يجري تجاهل وجود بعض الأنفاق. مصر الدولة العربية الوحيدة التي حضرت مؤتمر ما يسمى باللاجئين اليهود من الدول العربية. والذي عقد مؤخرا في نيويورك على هامش الدورة الجديدة للأمم المتحدة. بالنسبة لليمن فإن الشعار الفلسطيني مغيب والأزمات كثيرة في هذا البلد.
في سوريا كان رئيس المجلس الوطني السوري السابق برهان غليون واضحا في رسائله التي أرسلها للولايات المتحدة وإسرائيل في أنه سيقطع علاقات سوريا مع إيران والمقاومة اللبنانية،وأنه سيحل قضية الجولان مع إسرائيل من خلال المفاوضات.الرئيس الحالي للمجلس وأعضاء قيادته هم في هذا الإطار السياقي لغليون فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية.من ناحية ثانية فإن إسرائيل تفرض وقائعها على الأرض وهي في غاية الارتياح للصراعات والحرائق البينية في العديد من الدول العربية،الأمر الذي يمكننا فيه القول:إن الربيع العربي وبدلاً من تحرير فلسطين سيسهم ولو بطريق غير مباشر في تصفية القضية الفلسطينية.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4602
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3198
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1260
| 28 سبتمبر 2026