رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قد تبدأ مشكلات المؤسسة قبل أن يتخذ الموظف أول قرار خاطئ، وقبل أن يتعثر أول مشروع، بل حتى قبل أن يباشر الموظف عمله. فقد تكون البداية قرار توظيف اتُّخذ على عجل، أو وظيفة استُحدثت دون حاجة حقيقية، أو شخصاً وقع عليه الاختيار لأسباب لا علاقة لها بالكفاءة. وما يبدو اليوم قراراً إدارياً بسيطاً قد يتحول بعد سنوات إلى مشكلة يصعب علاجها.
وأذكر أن السيد فيصل محمد السويدي، الذي كان مديري المباشر عندما كان يتولى منصب الرئيس التنفيذي لشركة قطر للأسمدة الكيماوية (قافكو)، قال لي ذات مرة عبارة قصيرة بلهجتنا القطرية، لكنها بقيت عالقة في ذهني حتى اليوم: «اقبض باب التوظيف».
ومع مرور السنوات، أدركت أن هذه الكلمات القليلة تختصر جانباً مهماً من الحكمة الإدارية. فقرار التوظيف من أسهل القرارات التي يستطيع المدير اتخاذها، بينما قد يكون تصحيح خطئه من أصعبها. ولم أفهم العبارة على أنها دعوة إلى إغلاق باب التوظيف أو حرمان المؤسسة من الكفاءات، وإنما دعوة إلى ضبطه، لأن إضافة موظف جديد ليست مجرد زيادة في عدد العاملين، بل التزام مالي وإداري قد تمتد آثاره سنوات طويلة.
والمشكلة أن بعض المؤسسات تنظر إلى زيادة عدد الموظفين باعتبارها دليلاً على التوسع والنجاح، بينما قد تكون أحياناً مؤشراً على ضعف التنظيم أو سوء توزيع العمل. فقد تطلب إدارة تعيين موظفين إضافيين لمعالجة تراكم الأعمال، في حين أن المشكلة الحقيقية تكمن في إجراءات معقدة، أو تداخل الصلاحيات، أو ضعف استخدام التقنية. وهنا يصبح التوظيف علاجاً لأعراض المشكلة لا لأسبابها، وتجد المؤسسة نفسها بعد سنوات أمام جهاز إداري أكبر، دون تحسن مماثل في الإنتاجية.
والأكثر إثارة للتأمل أن بعض المديرين يطلبون موظفين إضافيين لأنهم لا يعرفون كيف يرفعون إنتاجية الموظفين الموجودين. فبدلاً من مراجعة أساليب العمل، وإزالة الإجراءات غير الضرورية، وتحسين توزيع المسؤوليات، يلجأ المدير إلى الحل الأسهل: زيادة عدد العاملين. وبذلك قد يتحول التوظيف إلى وسيلة لإخفاء ضعف الإدارة، بدلاً من أن يكون أداة لتعزيز كفاءة المؤسسة.
ولهذا فإن أول سؤال ينبغي أن تطرحه الإدارة قبل الإعلان عن أي وظيفة ليس: من سنوظف؟ بل: هل نحتاج فعلاً إلى هذه الوظيفة؟
ومن المفيد ألا تُعتمد وظيفة جديدة قبل أن توضح الإدارة النتائج التي ستضيفها، ولماذا لا يمكن تحقيقها بالموارد الحالية، سواء من خلال تحسين الإجراءات أو تطوير التقنية أو إعادة توزيع العمل بصورة عادلة. وهذا لا يعني تحميل الموظفين أعباء تفوق طاقتهم، بل التأكد من أن التوظيف يعالج حاجة حقيقية، لا خللاً إدارياً كان يمكن إصلاحه بطريقة أخرى.
أما إذا ثبتت الحاجة إلى التوظيف، فإن السؤال التالي يصبح أكثر أهمية: كيف نضمن اختيار الشخص المناسب؟
هنا تقع مؤسسات كثيرة في خطأ لا تظهر نتائجه فوراً، وهو الخلط بين المرشح الذي يجيد الحصول على الوظيفة والمرشح الذي يجيد أداءها. فبعض المتقدمين يمتلكون قدرة كبيرة على الحديث بثقة وتقديم إجابات جذابة في المقابلات الشخصية، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنهم الأكثر قدرة على الإنجاز. وفي المقابل، قد يكون المرشح الهادئ، الأقل براعة في تسويق نفسه، أكثر كفاءة وانضباطاً وقدرة على معالجة المشكلات.
وقد تناولت الأبحاث الإدارية هذه المسألة، وأظهرت أهمية المقابلات المنظمة التي تعتمد على أسئلة ومعايير تقييم موحدة، بدلاً من ترك القرار للانطباعات الشخصية. كما أن الاختبارات العملية المرتبطة بطبيعة الوظيفة تساعد على معرفة ما يستطيع المرشح فعله، لا ما يستطيع قوله عن نفسه.
فإذا كانت المؤسسة تبحث عن مدير للمشتريات، مثلاً، فمن المفيد أن تعرض عليه مشكلة تتعلق بتأخر توريد مواد أساسية، وتطلب منه توضيح كيفية التعامل معها. هل يبحث عن بدائل؟ هل يراجع شروط العقود؟ هل يوازن بين التكلفة والجودة والوقت؟ مثل هذا التقييم قد يكشف عن طريقة تفكيره وقدرته على اتخاذ القرار أكثر مما تكشفه أسئلة عامة عن خبراته السابقة.
ولا تقل خطورة عن ذلك المبالغة في تقدير الشهادات والألقاب الوظيفية. فليس كل من يحمل مؤهلاً عالياً يمتلك بالضرورة القدرة على تطبيق معرفته، وليس كل من أمضى عشرين عاماً في العمل قد اكتسب خبرة تعادل عشرين عاماً من التعلم والتطور. فقد يكرر الإنسان الأسلوب نفسه طوال تلك السنوات، دون أن يضيف إلى معرفته شيئاً يُذكر.
كما أن النجاح في مؤسسة معينة لا يضمن النجاح في مؤسسة أخرى. فالمدير الذي حقق نتائج ممتازة في شركة كبيرة ذات أنظمة مستقرة قد يواجه صعوبة في شركة تحتاج إلى بناء أنظمتها وإعادة تنظيم أعمالها. ولذلك ينبغي ألا تكتفي لجنة التوظيف بالسؤال عن المناصب السابقة، بل تبحث في طبيعة الإنجازات، والظروف التي تحققت فيها، والدور الفعلي الذي قام به المرشح.
وتزداد المشكلة تعقيداً عندما تتدخل العلاقات الشخصية في قرارات التوظيف. فالمعرفة السابقة بالمرشح ليست عيباً في ذاتها، وقد تكون مفيدة في تقييم سلوكه وخبرته، لكنها تصبح خطراً عندما تحل محل المعايير المهنية. والأخطر أن الموظف الذي يُعيَّن بالمجاملة قد يصبح من الصعب تقييم أدائه أو مساءلته، لأن الاعتراف بضعفه قد يُفسَّر باعتباره اعترافاً بخطأ من اختاره.
وهكذا تتحول مجاملة عابرة إلى مشكلة مؤسسية مستمرة.
ومن الأخطاء التي لا تحظى بالاهتمام الكافي أن بعض المديرين يفضلون توظيف من يوافقونهم الرأي، ويتجنبون المرشحين الذين يتمتعون باستقلالية التفكير. وقد يشعر المدير براحة أكبر مع فريق لا يعارضه، لكنه يحرم مؤسسته من الآراء المختلفة التي تساعد على اكتشاف الأخطاء قبل وقوعها. فالمدير الناجح لا يبحث عن موظفين يشبهونه، بل عن كفاءات تكمل قدراته وتضيف إلى المؤسسة ما ينقصها.
أما تكلفة التوظيف الخاطئ فلا تتوقف عند الراتب والمزايا والتدريب. فقد تشمل تأخر القرارات، وتراجع جودة الخدمات، وضياع فرص تجارية، وانشغال الموظفين الأكفاء بتصحيح أخطاء غيرهم. وفي بعض الحالات، تصبح الخسارة الأكبر رحيل الموظفين المتميزين الذين يفقدون الثقة في عدالة المؤسسة أو كفاءة إدارتها.
لكن تجنب هذه النتائج لا يتطلب بالضرورة إجراءات توظيف معقدة أو مكلفة. فالحل يبدأ بوصف وظيفي يعكس احتياجات العمل الحقيقية، وتحديد نتائج واضحة يُتوقع من الموظف تحقيقها خلال سنته الأولى، ثم تقييم المرشحين وفق معايير معلنة ترتبط بهذه النتائج. ومن المفيد أن تتضمن عملية الاختيار مقابلة منظمة واختباراً عملياً مناسباً، وأن يشارك في تقييم الوظائف المهمة أكثر من مسؤول، مع توثيق أسباب القرار.
ولا ينبغي أن تنتهي مسؤولية المؤسسة بمجرد توقيع عقد العمل. فالأشهر الأولى فرصة لاختبار مدى نجاح الاختيار، وتحديد احتياجات الموظف من التدريب والتوجيه. وإذا ظهرت مشكلات في الأداء، فمن الضروري التمييز بين موظف يحتاج إلى التأهيل وموظف لا تتناسب قدراته مع متطلبات الوظيفة. فالقرار المهني السليم لا يقوم على التسرع في الاستغناء عن الأشخاص، ولا على التساهل المستمر مع ضعف الأداء.
وهناك إجراء أراه مهماً، لكنه لا يحظى دائماً بما يستحقه من اهتمام، وهو مراجعة نتائج قرارات التوظيف بعد مرور سنة. فالمؤسسات تراجع استثماراتها ومشاريعها وميزانياتها، لكنها قد لا تسأل نفسها بالقدر نفسه من الجدية: هل نجح الأشخاص الذين وظفناهم؟ وهل حققوا ما توقعناه منهم؟ وإذا لم ينجحوا، فهل كان الخطأ في الاختيار أم في بيئة العمل أم في الإدارة التي أشرفت عليهم؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة تحول التوظيف من ممارسة إدارية متكررة إلى عملية تتعلم منها المؤسسة وتطور قراراتها باستمرار.
ولعل أهم ما تعلمته من مقولة «اقبض باب التوظيف» أن حسن الإدارة لا يُقاس بعدد الوظائف التي تُستحدث، ولا بسرعة ملء الشواغر، وإنما بقدرة المؤسسة على معرفة متى تحتاج إلى موظف جديد، وما القيمة التي تتوقع أن يضيفها، وكيف تختار الشخص القادر على تحقيقها.
فالمؤسسة التي تتساهل في التوظيف قد تجد نفسها متشددة في خفض التكاليف لاحقاً، والمؤسسة التي تتجاهل الكفاءة عند الاختيار قد تنفق سنوات في محاولة معالجة نتائج ذلك التجاهل.
وفي النهاية، فإن المؤسسة لا تدفع ثمن الموظف غير المناسب وحده، بل تدفع أيضاً ثمن الكفاءة التي لم توظفها، والقرارات التي تأخرت، والفرص التي ضاعت، وربما الموظفين المتميزين الذين غادروها. ولذلك فإن التوظيف ليس مجرد باب للدخول إلى المؤسسة، بل أحد الأبواب التي يتحدد عندها مستقبلها.
كانو وستة أجيال: قواعد بقاء الشركة العائلية
حين يطلب أحد أبناء العائلة منصبًا إداريًا في شركتها، فإن طريقة التعامل مع طلبه تكشف كيف تُدار المؤسسة.... اقرأ المزيد
1446
| 18 أكتوبر 2026
خطاب سمو الأمير.. ما وراء استمرار الحياة
قد يكون من أهم إنجازات الدولة خلال الأزمات ما لا يشعر الناس بحدوثه: خدمة لم تنقطع، وسلعة لم... اقرأ المزيد
1137
| 14 أكتوبر 2026
حين تصبح الأمانة واجباً قانونياً
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل... اقرأ المزيد
1248
| 11 أكتوبر 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8745
| 27 أكتوبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
3600
| 30 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
3123
| 30 أكتوبر 2026