رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لحظة الخطر هي لحظة العقل والحكمة، هي لحظة يستدعي فيها الإنسان كل وعيه ويقينه وثقافته وإيمانه، وكذلك الأمم التي بقيت عبر التاريخ، تصارع من أجل البقاء والنمو والحفاظ على وجودها، هذه هي اللحظة التي تمر بها مصر.
بينما كان العالم ينظر تجاه الحدود بين قطاع غزة وفلسطين المحتلة ويثار سؤال من كسب ماذا ومن خسر وما الذي خسره؟، وبعد أن غادرت وزيرة الخارجية الأمريكية بعد إعلان هدنة التهدئة على حدود غزة، والتسريبات تتحدث عن هدنة مداها خمسة عشر عاما!، والتحيات والتقديرات تصل رئيس مصر المنتخب، كان هناك مطبخ في الرئاسة المصرية يشعل فتيل انفجار لا يعلم مداه إلا الله، ويفتح الباب على مصراعيه لاقتتال داخلي لم تشهد مصر له من قبل مثيلا.
أعلن المتحدث باسم رئاسة الجمهورية إعلانا دستوريا، من ست نقاط، تحمل معنى النزوع للانفراد بسلطة الحكم، وتحمل من العناد والثأر أكثر مما تحمل من المسؤولية والضرورة. واشتعل الفتيل، وبدت شواهد الانفجار القادم تتوالى.
صدمة تحصين الجمعية التأسيسية للدستور، كانت عنادا واضحا وتجاهلا، لمعنى التوافق، ولموجات الانهيار التي أصابت أداء الجمعية، وكأن مصدر القرار يدفع إلى غير الحوار سبيلا لحل أزمتها، ويرفع ولاية القضاء عن الحكم في الطعون المقدمة في تشكيلها.
والصدمة الثانية هي إلغاء دور القضاء ومصادرته وغل يده عن الفصل في كل الدعاوى المنظورة أمامه بشأن مجلس الشورى، والجمعية التأسيسية، وبالتالي قرارات مجلس الشورى بشأن الصحفيين وغيرها، ثم المعنى الضمني بتجاهل حق الرئيس في إعادة تشكيل الدستورية لتصل إلى حالة التوافق.
الأمر الثالث تحصين قرارات الرئيس ذاته، أي أنه فوق المراجعة، وامتلك بذلك صفة الخصومة ــ وهو صانعها ــ وصفة الحَكَم، وخاصية الحصانة المطلقة، وهل للاستبداد تعريف مخالف لذلك؟
بداية لننتهي من وصف ما صدر بالإعلان الدستوري، فهذا ليس من حقه على الإطلاق، ويبدو أن مستشاريه قد تناسوا من له هذا الحق، فهو ليس سلطة استثنائية كما كان المجلس العسكري، وليس قائد ثورة، ولكنه رئيس بالانتخاب، فهو سلطة تنفيذية وفقط، وله أن يصدر قرارات بقوانين لحين انعقاد مجلس الشعب المنتخب، وألا يعتمد على أن تؤول إليه سلطة التشريع بناء على إعلانات سابقة. هذه البداية تقول إن هناك غيابا معرفيا، وهناك ادعاء بحقوق لا يملكها يدعيها لنفسه أو يدعيها له آخرون.
ثم أليست هناك شبهة في هذا الإعلان، بأنه محاولة للثأر من القضاء، والذي خسر في مواجهته معركتين سابقتين واحدة مع الجمعية التأسيسية بشأن قراره بدعوة مجلس الشعب المنحل للانعقاد مخالفا في ذلك حكم المحكمة الدستورية، وهو يضمر للمحكمة وأعضاء فيها خصومة عندما أوجبت المحكمة أن يقسم أمامها وعلانية قسم رئيس الجمهورية، ثم بمواقف من أعضاء منها جرت أمام المجلس العسكري قبل الانتخابات وكشفت اتفاقاته كممثل لجماعة الإخوان على حساب الثورة ولحساب الجماعة. والمعركة الثانية معركة إقالة النائب العام المستشار عبد المجيد محمود، وموقف نادي القضاة ومجلس القضاء الأعلى والهيئات القضائية ضد قراره الذي لا يحمل سندا لأن منصب النائب العام محصن ضد الإقالة.
وثالثا أليس وضع كل من لديه تحفظ على ما حصنه أمام طريق مسدود بمنع اللجوء للقضاء، هو دعوة لاستخدام أساليب أخرى؟
السؤال الآن لماذا إشعال الفتيل في هذه اللحظة؟ ولماذا استبدال مناهج إدارة الدولة وتوحيد الأمة بالعناد وبالإقصاء؟ ثم هل هذا خطأ وقع فيه دون قصد أم أنه إجراء متعمد لدفع المجتمع لانقسام أشد يطلق يده على الجانب الآخر لقرارات تمس السيادة الوطنية وتمس أهداف الثورة ومهامها؟
نعم عملية إصباغ كل مؤسسات الدولة بعناصر ولاؤها للإخوان، بغض النظر عن القدرات السياسية والفنية لأداء المهام، كانت عاجزة عن اختراق القضاء، فهل هي محاولة لاختراق القضاء وبالقوة؟ والقوة هنا ليست الانقلاب ولا سلطة القرار، ولكنها تجسدت عندما انعقدت الجمعية العمومية لنادي القضاء يوم 24 نوفمبر، وهاجمتها جماعات وصفت بأنها مسلحة في محاولة لمنع الاجتماع. فهل هناك عقل في هذا الأداء وهذه الإدارة؟
مراقبة أداء الإخوان من قبل الثورة وأثناء الأيام الأولى وخلال كافة المواجهات التي جرت بين الشباب والمجلس العسكري والدماء التي سالت، ثم أداء مجلس الشعب المنتخب، وخطاب التعالي الإخواني، أدى إلى تولد حالة رفض شعبي لهم، ولو كان هناك في مواجهة مرسي أحد غير شفيق في انتخابات الرئاسة، ما كانت النتيجة لصالحه، ويبلغ الضغط مداه بهذا الإعلان، فينفجر الشارع في كل المحافظات ضدهم وتنشب معارك الشوارع ومحاولات حرق المقار، لتدوم أربعة أيام حتى اللحظة. ويبرز سؤال من الفاعل الأصيل في هذا؟ أليس هو من أقسم على التزام المسؤولية عن حماية الوطن والشعب من كل خطر يتعرض له وبديلا عن ذلك يصنع هو مشكلة الانقسام ويصر عليها ويفتح باب الاقتتال؟، وهو الأمر الذي استدعى أن يصدر القائد العام للقوات المسلحة ووزير الدفاع يوم 25 نوفمبر بيانا يعلن فيه أن الجيش مسؤول عن حماية الوطن والشعب داخليا وخارجيا!
وتسري في مصر مقولة هي الخطر الداهم، إن كان حزب الحرية والعدالة هو الذراع السياسية لجماعة الإخوان فإن حماس هي الذراع العسكرية للجماعة، وهو ما ينقل الوعي بالقضية الفلسطينية والمقاومة إلى مرحلة تتسم بسواد الخصومة وهذا إحساس دخيل على الوعي الشعبي المصري، وكأن هناك من يريد استبدال الخصومة من أن الخطر هو إسرائيل إلى أن الخطر هو المقاومة الفلسطينية.
وتنقل أجهزة إعلام مصرية وأمريكية وإسرائيلية أنباء عن أن قبول إسرائيل بالهدنة سبقه اتفاق وتأكيد أمريكي صادر عن رئيس الولايات المتحدة الأمريكية لرئيس وزراء إسرائيل بأن قوات أمريكية ستصل طلائعها خلال 48 ساعة من التوقيع ومهامها، تأمين سيناء وتدمير أي مخزون للصواريخ الإيرانية بها، وأنها ستتولى السيطرة على سيناء من شرق القناة حتى الحدود مع إسرائيل، لمنع عبور الأسلحة القادمة من السودان وسوق السلاح في ليبيا إلى غزة، وذلك لتعويض قصور أجهزة المخابرات المصرية والجيش المصري في التصدي لعمليات التهريب هذه. وتتحدث وسائل الإعلام الإسرائيلية أن الوجود العسكري الأمريكي سيحول بين مصر ومطالبها بتعديل كمب ديفيد أو إلغائها، وعلى الناحية الأخرى فهي ستفتح سيناء لتكون ساحة مواجهة بين تنظيمات مسلحة والقوات الأمريكية القادمة.
وتنقل "الأهرام المصرية" عن صحيفة هآرتس موافقة رئيس مصر على نشر أجهزة رصد إلكترونية على طول الحدود المصرية الإسرائيلية، وهو ما رفضه من قبل مبارك وتحدث بأنه "خط أحمر". ويبدو أن كل الخطوط عند الإدارة المصرية الآن لا لون لها ولا معنى سوى خط السلطة بين جماعة الإخوان وبين كرسي السلطة، والسلطة المطلقة.
مازالت في مصر آراء تتهم السادات بالتفريط في السيادة المصرية على سيناء بتقسيمها إلى مناطق ثلاث تحد من وجود القوات المسلحة فيها، وكان السعي دائما للمطالبة بإلغاء اتفاقية كمب ديفيد وعودة الجيش إلى كل الأرض وفق رؤيته العسكرية في انتشار قواته دون مانع. وأثناء العدوان الإسرائيلي على غزة 2008 كان الاتهام الأساسي لمبارك أنه يسهم في حصار القطاع ويشارك إسرائيل ذلك، واتهم بالخيانة، فما بالنا اليوم وهناك هذا القبول بالوجود الأمريكي في كل سيناء، وإطلاق يد هذه القوات في التعامل مع من تراه خطرا أو هدفا، فهي موجودة، وهي صاحبة القرار في قواعد الاشتباك.
هذه الازدواجية، التفريط في السيادة والقبول بالقوات الأمريكية فوق الأرض وحرية قرار الاشتباك، وعلى الناحية الأخرى التغني بحكمة الرئيس في وقف العدوان على غزة، هو تفريط في مصر واستقلالها، ولو كان مبارك فعلها لاتهمه الإخوان بالخيانة، وهل عندما يفعلها الإخوان يسقط اتهام الخيانة؟
الخطر في الشوارع المصرية، والقوات الأمريكية وبكل الرضا تصل إلى سيناء وليست في حاجة إلى هجوم جوي أو بحري، وانفراد بالسلطة المطلقة، فهل يمكن أن يكون الحوار سبيلا لتدارك هذا الخطر؟ وهل هناك سبيل آخر يحول دون تفاقم الخطر وأزمة الثقة؟
مصر في دائرة الخطر وليس مجرد الثورة، وتحت عباءة الدين يتم التفريط في السيادة الوطنية وقضية العرب المركزية... فلسطين وليس أمن إسرائيل.
كيف تمنح أطفالك خبرة شخص خمسيني؟
حينما ينقل شخص خبرته لشخص اقل خبرة منه، فإنه بذلك يقيه من عراقيل واخطاء كثيرة قد تواجهه بسبب... اقرأ المزيد
123
| 07 أغسطس 2026
أسباب ارتكاب الجرائم والسرقات
أغلب الدول في العالم لا تخلو من بعض حالات الجرائم والسرقات رغم أنها تُصنف من بين الدول الأقل... اقرأ المزيد
216
| 07 أغسطس 2026
حين يضيع معنى الاستحقاق
أحيانا لا يبدأ التجاوز من كسر النظام. يبدأ من اللحظة التي نجد فيها لأنفسنا مبررا لتجاوزه. ورقة تقول... اقرأ المزيد
93
| 06 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك عادات اجتماعية أصلها طيب ومقصدها نبيل، لكنها مع مرور الوقت توسعت حتى أصبحت أثقل من المناسبة نفسها، ولعل من أكثرها حاجة إلى المراجعة ما يحدث في بعض خيم ومجالس العزاء. فالتعزية في أصلها مواساة ورحمة ووقوف إلى جانب أهل الميت، لكننا أضفنا إليها مع الوقت من الالتزامات والتكاليف ما جعل أهل الفقيد، وهم أحوج الناس إلى الراحة والهدوء، مطالبين باستقبال الناس وخدمتهم والانشغال بهم طوال أيام العزاء. يموت للإنسان أب أو أم أو ابن أو أخ، وربما يكون قد أمضى قبل الوفاة أيامًا طويلة بين المستشفى والمرض والسهر والقلق، ثم تأتي الوفاة والتغسيل والصلاة والدفن، وفي اللحظة التي يعود فيها إلى منزله منهكًا جسديًا ومنكسرًا نفسيًا، ويحتاج إلى أن يجلس مع أسرته ويستوعب ما حدث، يبدأ واجب اجتماعي أصبح للأسف إلزاميًا، مجلس عزاء واستقبال جموع المعزين لساعات طويلة، وضيافة وطعام وغداء وعشاء طوال أيام العزاء. كل معزٍّ يأتي بمحبة ووفاء، ويريد أن يواسي صديقه أو قريبه أو زميله، وهذا مقصد كريم لا خلاف عليه، لكن عندما يأتي المئات وفودًا كل يوم، فإن أهل الميت يصبحون مطالبين بالحضور الدائم، سلام وقيام وجلوس واستقبال ووداع وإعطاء كل زائر حقه ومقامه، لأن كل شخص يريد أن يجد من جاء لتعزيته. وقد يريد أهل الميت أن يناموا بعد أيام من السهر فلا يستطيعوا، وقد تريد أم فقدت ابنها أن تختلي بنفسها، وقد يريد أخ أن يجلس مع إخوته ويتذكر فقيدهم ويبكيه بعيدًا عن الناس، لكن الجميع يشعر بأنه مطالب بالبقاء لأن المعزين سيأتون، وحتى لا يقال: ذهبنا ولم نجدهم. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: لمن أُقيم العزاء أصلًا؟ هل هو مناسبة سلام واستقبال وتوديع؟ أم هو جُعل لإراحة أهل الميت؟ الواجب خدمتهم والتخفيف عنهم، فإذا أصبحت التعزية نفسها عبئًا عليهم، فنحن بحاجة إلى مراجعة الطريقة لا المقصد. والأشد من ذلك أن تتحمل أسرة فقدت عزيزًا همّ الضيافة طوال أيام العزاء، وربما تدخل في تكاليف مالية كبيرة وهي في ذروة مصيبتها. وهنا انقلبت المعادلة، فبدل أن نذهب إلى أهل المصاب لنخفف عنهم، أصبح عليهم أن يستعدوا لاستقبالنا وخدمتنا. وهذا بعيد عن المعنى الجميل الذي جاءت به السنة، فعندما استشهد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم ما يشغلهم). وتأملوا هذا المعنى العظيم: اصنعوا لهم، وليس أشغلوهم يصنعون لكم. الأصل أن الناس هم الذين يخففون عن أهل المصيبة ويعينونهم؛ لأنهم مشغولون بما أصابهم، لا أن يصبح أهل المصيبة منشغلين بخدمة الناس وإلزامهم بالوقوف استقبالًا وتوديعًا. أنا لا أدعو إلى إلغاء خيم ومجالس العزاء، ولا إلى قطع عادة التعزية، فوجود الأقارب والأصدقاء حول الإنسان في مصيبته يخفف عنه، والكلمة الطيبة والمواساة الصادقة لهما أثر كبير. ولكنني أدعو إلى أن نعيد التعزية إلى مقصدها الحقيقي: أن نخفف، لا أن نكلف، وأن نواسي، لا أن نرهق. يمكن أن تكون مجالس العزاء أقصر، وساعات استقبال المعزين محددة وواضحة. وأن نتقبل اعتذارهم عن استقبال الناس في بعض الأوقات دون أن نفسره تقصيرًا أو جفاءً. ومن لم يستطع الحضور، فوسائل التواصل اليوم تتيح له أن يعزي بكلمة صادقة. نحن بحاجة إلى شجاعة اجتماعية تعيد الأشياء نصابها وحجمها الطبيعي. ليس كل ما اعتدناه واجبًا، وليس كل ما ورثناه سنة، وليس من اختصر مجلس عزائه مقصرًا في حق ميته أو في حق من جاء ليعزيه. ((المجتمع الرحيم ليس الذي يفرض على الإنسان كيف يحزن، بل الذي يقف بجانبه بالطريقة التي يحتاجها هو، لا بالطريقة التي اعتدناها نحن)) فإذا ذهبنا إلى بيت إنسان فقد عزيزًا، فلنتذكر قبل أن ندخل أن مهمتنا الأساسية واحدة: أن نخفف عنه، لا أن نضيف إلى مصابه عبئًا جديدًا.
7185
| 03 أغسطس 2026
سبق أن تناولنا في مقال سابق بعنوان «تطور شرط عدم المنافسة في قانون العمل القطري» المسار التشريعي الذي قطعه شرط عدم المنافسة في القانون القطري منذ صدور قانون العمل رقم (14) لسنة 2004 وحتى آخر تعديلاته. ونظراً لما يحمله التعديل الأخير بموجب القانون رقم (9) لسنة 2026 من أهمية خاصة، يخصص هذا المقال لتسليط الضوء على أبرز الجوانب التي أثارها هذا التعديل، مع تقديم قراءة تحليلية مبسطة لبعض النقاط الجديرة بالتوقف عندها. لم يحدد القانون رقم (9) لسنة 2026 آلية معينة لإنفاذ شرط عدم المنافسة، والمرجح أن يكون التصديق هو الآلية المعتمدة لذلك، استناداً إلى الإطار العام المعمول به في اعتماد عقود العمل، وهو الاعتماد الإلكتروني. فالتصديق على عقود العمل يدخل أصلاً ضمن اختصاصات إدارة علاقات العمل، وفقًا للبند (2) من المادة (11) من القرار الأميري رقم (42) لسنة 2022 بالهيكل التنظيمي لوزارة العمل. وبذلك، يكتسب هذا الاعتماد الإلكتروني أهمية مضاعفة في ظل التعديل الجديد، لا سيما بالنسبة للعقود التي تتضمن شرط عدم المنافسة، إذ يصبح التصديق عليها الخطوة الحاسمة التي يُبنى عليها نفاذ الشرط من عدمه. ومن الملاحظ أن المشرع نص على أن شرط عدم المنافسة «ينفذ» بموافقة الإدارة، لا أنه «يصح» بها، وهو ما يحمل دلالة قانونية دقيقة؛ إذ يظل الشرط في ذاته صحيحاً ومستوفياً لأركانه متى استوفى الشروط المنصوص عليها في المادة (43)، إلا أنه يبقى غير قابل للإلزام في مواجهة العامل ما لم تصدر موافقة الإدارة عليه. وبهذا المعنى، يمكن تكييف موافقة الإدارة على أنها شرط واقف لنفاذ الالتزام، فمتى تخلفت هذه الموافقة، فقد الشرط قيمته العملية رغم بقائه صحيحاً من الناحية الشكلية، إذ لا سبيل أمام صاحب العمل لإلزام العامل بمضمونه دون أن تتوافر هذه الموافقة، التي جعلها القانون مناط النفاذ لا مناط الصحة. وتبقى مسألة الإثبات جوهرية في هذا الإطار؛ فبما أن عقد العمل غالباً ما يكون مكتوباً، فإن مجرد تضمنه شرط عدم المنافسة لا يعني تحقق موافقة الإدارة عليه، بل يقع على عاتق صاحب العمل عبء إثبات هذه الموافقة، سواء عبر مراسلة إلكترونية أو ختم الإدارة على العقد ذاته. وفي حال تعارضت النسخة الموقعة لدى العامل مع تلك التي بحوزة صاحب العمل، المرجح وجوب الرجوع إلى النسخة المودعة لدى الإدارة عملاً بالمادة (38) من قانون العمل، بحيث أن تقصير رب العمل في تصديق العقد يفسر لصالح العامل، وبالتالي يعتد بنسخة العامل لا بنسخته، تماشياً مع الفلسفة التي قام عليها قانون العمل، وهي حماية الطرف الأضعف في العلاقة التعاقدية.
4461
| 05 أغسطس 2026
القيادة لا تُمنح بالمنصب... بل يهبها الناس لمن يستحقها، كم مرة سمعنا موظفًا يقول: "أحب عملي... لكنني لا أستطيع العمل مع مديري." قد تبدو هذه العبارة عابرة، لكنها تختصر واحدة من أهم الحقائق في بيئة العمل؛ فالموظفون قد يتحملون ضغط العمل وكثرة المهام، لكنهم نادرًا ما يستمرون مع مدير يفقدهم الثقة أو التقدير. ولهذا فإن جودة بيئة العمل لا تصنعها اللوائح أو التقنيات أو المباني الحديثة، بل يصنعها قبل كل شيء الشخص الذي يقود الفريق. ومن هنا، فإن الفرق بين المدير والقائد ليس فرقًا في المصطلحات، بل هو الفرق بين مؤسسة تنمو باستمرار، وأخرى تخسر أفضل كفاءاتها بصمت. فالمنصب يمنح صاحبه سلطة اتخاذ القرار، لكنه لا يمنحه احترام الناس. والبطاقة الوظيفية قد تحمل لقب "مدير"، لكنها لا تمنح صاحبها صفة "قائد". فالقيادة لا تأتي مع الترقية، بل يكتسبها الإنسان بعدالته، وتواضعه، وقدرته على بناء الثقة وإلهام الآخرين. وقد أوضح الباحث الأمريكي جون كوتر، أستاذ القيادة والتغيير في كلية هارفارد للأعمال، أن الإدارة والقيادة يكمل كل منهما الآخر، لكنهما ليسا شيئًا واحدًا. فالإدارة تُعنى بالتخطيط والتنظيم ومتابعة التنفيذ وضمان سير العمل بكفاءة، بينما تهدف القيادة إلى رسم الرؤية، وتحفيز الناس، وبناء ثقافة تدفعهم إلى تقديم أفضل ما لديهم. وتشير أبحاث مؤسسة غالوب العالمية، المتخصصة في قياس أداء المؤسسات ورضا الموظفين، إلى أن المدير المباشر يُعد من أكثر العوامل تأثيرًا في اندماج الموظفين، وإنتاجيتهم، وشعورهم بالانتماء للمؤسسة. كما أظهرت نتائج مشروع «أوكسجين»، وهو دراسة أجرتها شركة جوجل لتحليل صفات المديرين الأكثر نجاحًا، أن أفضل المديرين هم الذين يجيدون الاستماع، ويثقون بفرقهم، ويعملون على تطويرهم، لا على مجرد مراقبتهم. والقاسم المشترك بين هذه النتائج أن الإنسان يقدم أفضل ما لديه عندما يشعر أن مديره يثق به ويمنحه مساحة للتفكير واتخاذ القرار. فالإبداع لا ينمو في بيئة يسودها الخوف، ولا تظهر المبادرات في مكان يخشى فيه الموظف أن يُحاسب على كل فكرة جديدة. وهنا يبدأ الفرق الحقيقي بين المدير والقائد. فالمدير يهتم بأن تُنجز المهمة في موعدها، أما القائد فينظر إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فهو يبني فريقًا قادرًا على تحقيق النتائج بصورة مستدامة، لأن النجاح الحقيقي لا يصنعه فرد واحد، بل تصنعه ثقافة عمل قائمة على الثقة والمسؤولية. ومن أكثر الممارسات التي تضعف المؤسسات ما يُعرف بالإدارة الدقيقة، وهي أسلوب إداري يقوم على متابعة المدير لكل تفصيلة صغيرة، والتدخل في كل قرار، ومراجعة كل خطوة يقوم بها الموظفون، اعتقادًا منه أن ذلك يضمن جودة العمل. فعندما يشعر الموظف أن كل خطوة يقوم بها محل شك، يتوقف عن المبادرة، ثم يتوقف عن الإبداع، ويكتفي بتنفيذ ما يُطلب منه. ومع مرور الوقت، تتحول المؤسسة إلى بيئة ينتظر فيها الجميع قرار المدير، بينما يتحول المدير نفسه إلى عنق زجاجة تتعطل عنده القرارات وتتراجع سرعة الإنجاز. ومن المفارقات أن بعض المديرين يظنون أن كثرة تدخلهم ترفع جودة العمل، بينما تثبت التجارب أن الإفراط في السيطرة يضعف جودة القرارات؛ لأن الموظفين يتوقفون عن تحمل المسؤولية ويكتفون بتنفيذ التعليمات. أما القائد، فإنه يتابع النتائج، لكنه لا يصادر صلاحيات فريقه، لأنه يدرك أن بناء الثقة أكثر قيمة من فرض السيطرة. والتفويض الناجح لا يعني التخلي عن المسؤولية، بل يعني توزيعها بطريقة ترفع كفاءة المؤسسة وتبني صفًا ثانيًا من القيادات. فالمؤسسة التي تعتمد على شخص واحد في كل صغيرة وكبيرة تصبح أكثر هشاشة، بينما تبقى المؤسسات القوية قادرة على الاستمرار لأنها تستثمر في تطوير الإنسان. ومن الصفات التي تميز القائد أيضًا أنه لا يخشى الموظف المتميز، بل يفرح به. فالمدير غير الواثق قد ينظر إلى الموظف الكفء باعتباره منافسًا، بينما ينظر إليه القائد باعتباره إضافة حقيقية للمؤسسة. وبعد سنوات من العمل، لا يتذكر الموظف عدد التعاميم ولا الاجتماعات، لكنه يتذكر مديرًا وثق به، أو كلمة أعادت إليه ثقته بنفسه، أو فرصة فتحت أمامه بابًا جديدًا. فالقيادة الحقيقية لا تُقاس بحجم المكتب ولا بعدد الصلاحيات، بل بالأثر الذي يبقى في نفوس الناس. ولهذا يبقى المنصب وظيفة، أما القيادة فهي أثر. فالسلطة قد تفرض الطاعة، لكن الاحترام لا يُفرض، والثقة لا تُشترى، والإلهام لا يصنعه المنصب، بل تصنعه العدالة، والتواضع، والقدوة الحسنة. قد يمنحك المنصب صلاحية إصدار القرار، لكنه لن يمنحك احترام الناس. فالقيادة لا تُكتب على بطاقة وظيفية، بل تُكتب في قلوب من عملوا معك. وفي ختام هذا المقال، أتقدم بخالص التقدير إلى الأستاذ فيصل محمد السويدي، والمهندس خليفة عبدالله السويدي، فقد تشرفت بالعمل معهما، ورأيت فيهما نموذجًا للقيادة التي تقوم على الثقة، والاحترام، وتمكين الآخرين. وقد أكدت تجربتي معهما أن القيادة ليست لقبًا وظيفيًا، بل أثر يبقى في النفوس ويستمر بعد انتهاء سنوات العمل.
2370
| 01 أغسطس 2026