رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لحظة الخطر هي لحظة العقل والحكمة، هي لحظة يستدعي فيها الإنسان كل وعيه ويقينه وثقافته وإيمانه، وكذلك الأمم التي بقيت عبر التاريخ، تصارع من أجل البقاء والنمو والحفاظ على وجودها، هذه هي اللحظة التي تمر بها مصر.
بينما كان العالم ينظر تجاه الحدود بين قطاع غزة وفلسطين المحتلة ويثار سؤال من كسب ماذا ومن خسر وما الذي خسره؟، وبعد أن غادرت وزيرة الخارجية الأمريكية بعد إعلان هدنة التهدئة على حدود غزة، والتسريبات تتحدث عن هدنة مداها خمسة عشر عاما!، والتحيات والتقديرات تصل رئيس مصر المنتخب، كان هناك مطبخ في الرئاسة المصرية يشعل فتيل انفجار لا يعلم مداه إلا الله، ويفتح الباب على مصراعيه لاقتتال داخلي لم تشهد مصر له من قبل مثيلا.
أعلن المتحدث باسم رئاسة الجمهورية إعلانا دستوريا، من ست نقاط، تحمل معنى النزوع للانفراد بسلطة الحكم، وتحمل من العناد والثأر أكثر مما تحمل من المسؤولية والضرورة. واشتعل الفتيل، وبدت شواهد الانفجار القادم تتوالى.
صدمة تحصين الجمعية التأسيسية للدستور، كانت عنادا واضحا وتجاهلا، لمعنى التوافق، ولموجات الانهيار التي أصابت أداء الجمعية، وكأن مصدر القرار يدفع إلى غير الحوار سبيلا لحل أزمتها، ويرفع ولاية القضاء عن الحكم في الطعون المقدمة في تشكيلها.
والصدمة الثانية هي إلغاء دور القضاء ومصادرته وغل يده عن الفصل في كل الدعاوى المنظورة أمامه بشأن مجلس الشورى، والجمعية التأسيسية، وبالتالي قرارات مجلس الشورى بشأن الصحفيين وغيرها، ثم المعنى الضمني بتجاهل حق الرئيس في إعادة تشكيل الدستورية لتصل إلى حالة التوافق.
الأمر الثالث تحصين قرارات الرئيس ذاته، أي أنه فوق المراجعة، وامتلك بذلك صفة الخصومة ــ وهو صانعها ــ وصفة الحَكَم، وخاصية الحصانة المطلقة، وهل للاستبداد تعريف مخالف لذلك؟
بداية لننتهي من وصف ما صدر بالإعلان الدستوري، فهذا ليس من حقه على الإطلاق، ويبدو أن مستشاريه قد تناسوا من له هذا الحق، فهو ليس سلطة استثنائية كما كان المجلس العسكري، وليس قائد ثورة، ولكنه رئيس بالانتخاب، فهو سلطة تنفيذية وفقط، وله أن يصدر قرارات بقوانين لحين انعقاد مجلس الشعب المنتخب، وألا يعتمد على أن تؤول إليه سلطة التشريع بناء على إعلانات سابقة. هذه البداية تقول إن هناك غيابا معرفيا، وهناك ادعاء بحقوق لا يملكها يدعيها لنفسه أو يدعيها له آخرون.
ثم أليست هناك شبهة في هذا الإعلان، بأنه محاولة للثأر من القضاء، والذي خسر في مواجهته معركتين سابقتين واحدة مع الجمعية التأسيسية بشأن قراره بدعوة مجلس الشعب المنحل للانعقاد مخالفا في ذلك حكم المحكمة الدستورية، وهو يضمر للمحكمة وأعضاء فيها خصومة عندما أوجبت المحكمة أن يقسم أمامها وعلانية قسم رئيس الجمهورية، ثم بمواقف من أعضاء منها جرت أمام المجلس العسكري قبل الانتخابات وكشفت اتفاقاته كممثل لجماعة الإخوان على حساب الثورة ولحساب الجماعة. والمعركة الثانية معركة إقالة النائب العام المستشار عبد المجيد محمود، وموقف نادي القضاة ومجلس القضاء الأعلى والهيئات القضائية ضد قراره الذي لا يحمل سندا لأن منصب النائب العام محصن ضد الإقالة.
وثالثا أليس وضع كل من لديه تحفظ على ما حصنه أمام طريق مسدود بمنع اللجوء للقضاء، هو دعوة لاستخدام أساليب أخرى؟
السؤال الآن لماذا إشعال الفتيل في هذه اللحظة؟ ولماذا استبدال مناهج إدارة الدولة وتوحيد الأمة بالعناد وبالإقصاء؟ ثم هل هذا خطأ وقع فيه دون قصد أم أنه إجراء متعمد لدفع المجتمع لانقسام أشد يطلق يده على الجانب الآخر لقرارات تمس السيادة الوطنية وتمس أهداف الثورة ومهامها؟
نعم عملية إصباغ كل مؤسسات الدولة بعناصر ولاؤها للإخوان، بغض النظر عن القدرات السياسية والفنية لأداء المهام، كانت عاجزة عن اختراق القضاء، فهل هي محاولة لاختراق القضاء وبالقوة؟ والقوة هنا ليست الانقلاب ولا سلطة القرار، ولكنها تجسدت عندما انعقدت الجمعية العمومية لنادي القضاء يوم 24 نوفمبر، وهاجمتها جماعات وصفت بأنها مسلحة في محاولة لمنع الاجتماع. فهل هناك عقل في هذا الأداء وهذه الإدارة؟
مراقبة أداء الإخوان من قبل الثورة وأثناء الأيام الأولى وخلال كافة المواجهات التي جرت بين الشباب والمجلس العسكري والدماء التي سالت، ثم أداء مجلس الشعب المنتخب، وخطاب التعالي الإخواني، أدى إلى تولد حالة رفض شعبي لهم، ولو كان هناك في مواجهة مرسي أحد غير شفيق في انتخابات الرئاسة، ما كانت النتيجة لصالحه، ويبلغ الضغط مداه بهذا الإعلان، فينفجر الشارع في كل المحافظات ضدهم وتنشب معارك الشوارع ومحاولات حرق المقار، لتدوم أربعة أيام حتى اللحظة. ويبرز سؤال من الفاعل الأصيل في هذا؟ أليس هو من أقسم على التزام المسؤولية عن حماية الوطن والشعب من كل خطر يتعرض له وبديلا عن ذلك يصنع هو مشكلة الانقسام ويصر عليها ويفتح باب الاقتتال؟، وهو الأمر الذي استدعى أن يصدر القائد العام للقوات المسلحة ووزير الدفاع يوم 25 نوفمبر بيانا يعلن فيه أن الجيش مسؤول عن حماية الوطن والشعب داخليا وخارجيا!
وتسري في مصر مقولة هي الخطر الداهم، إن كان حزب الحرية والعدالة هو الذراع السياسية لجماعة الإخوان فإن حماس هي الذراع العسكرية للجماعة، وهو ما ينقل الوعي بالقضية الفلسطينية والمقاومة إلى مرحلة تتسم بسواد الخصومة وهذا إحساس دخيل على الوعي الشعبي المصري، وكأن هناك من يريد استبدال الخصومة من أن الخطر هو إسرائيل إلى أن الخطر هو المقاومة الفلسطينية.
وتنقل أجهزة إعلام مصرية وأمريكية وإسرائيلية أنباء عن أن قبول إسرائيل بالهدنة سبقه اتفاق وتأكيد أمريكي صادر عن رئيس الولايات المتحدة الأمريكية لرئيس وزراء إسرائيل بأن قوات أمريكية ستصل طلائعها خلال 48 ساعة من التوقيع ومهامها، تأمين سيناء وتدمير أي مخزون للصواريخ الإيرانية بها، وأنها ستتولى السيطرة على سيناء من شرق القناة حتى الحدود مع إسرائيل، لمنع عبور الأسلحة القادمة من السودان وسوق السلاح في ليبيا إلى غزة، وذلك لتعويض قصور أجهزة المخابرات المصرية والجيش المصري في التصدي لعمليات التهريب هذه. وتتحدث وسائل الإعلام الإسرائيلية أن الوجود العسكري الأمريكي سيحول بين مصر ومطالبها بتعديل كمب ديفيد أو إلغائها، وعلى الناحية الأخرى فهي ستفتح سيناء لتكون ساحة مواجهة بين تنظيمات مسلحة والقوات الأمريكية القادمة.
وتنقل "الأهرام المصرية" عن صحيفة هآرتس موافقة رئيس مصر على نشر أجهزة رصد إلكترونية على طول الحدود المصرية الإسرائيلية، وهو ما رفضه من قبل مبارك وتحدث بأنه "خط أحمر". ويبدو أن كل الخطوط عند الإدارة المصرية الآن لا لون لها ولا معنى سوى خط السلطة بين جماعة الإخوان وبين كرسي السلطة، والسلطة المطلقة.
مازالت في مصر آراء تتهم السادات بالتفريط في السيادة المصرية على سيناء بتقسيمها إلى مناطق ثلاث تحد من وجود القوات المسلحة فيها، وكان السعي دائما للمطالبة بإلغاء اتفاقية كمب ديفيد وعودة الجيش إلى كل الأرض وفق رؤيته العسكرية في انتشار قواته دون مانع. وأثناء العدوان الإسرائيلي على غزة 2008 كان الاتهام الأساسي لمبارك أنه يسهم في حصار القطاع ويشارك إسرائيل ذلك، واتهم بالخيانة، فما بالنا اليوم وهناك هذا القبول بالوجود الأمريكي في كل سيناء، وإطلاق يد هذه القوات في التعامل مع من تراه خطرا أو هدفا، فهي موجودة، وهي صاحبة القرار في قواعد الاشتباك.
هذه الازدواجية، التفريط في السيادة والقبول بالقوات الأمريكية فوق الأرض وحرية قرار الاشتباك، وعلى الناحية الأخرى التغني بحكمة الرئيس في وقف العدوان على غزة، هو تفريط في مصر واستقلالها، ولو كان مبارك فعلها لاتهمه الإخوان بالخيانة، وهل عندما يفعلها الإخوان يسقط اتهام الخيانة؟
الخطر في الشوارع المصرية، والقوات الأمريكية وبكل الرضا تصل إلى سيناء وليست في حاجة إلى هجوم جوي أو بحري، وانفراد بالسلطة المطلقة، فهل يمكن أن يكون الحوار سبيلا لتدارك هذا الخطر؟ وهل هناك سبيل آخر يحول دون تفاقم الخطر وأزمة الثقة؟
مصر في دائرة الخطر وليس مجرد الثورة، وتحت عباءة الدين يتم التفريط في السيادة الوطنية وقضية العرب المركزية... فلسطين وليس أمن إسرائيل.
الضربة المؤجلة.. حين حمت المنطقة إيران من نفسها
لم يكن قرار الرئيس الأمريكي تعليق الهجوم الواسع الذي كان يجري الإعداد له ضد إيران تراجعاً عن التهديد،... اقرأ المزيد
165
| 04 أغسطس 2026
رحلة القطار
رحلة القطار.. حين تمضي الحياة وتدعونا إلى الأمل “الحياة لا تنتظر المترددين، والزمن لا يعود إلى الوراء، ومن... اقرأ المزيد
195
| 04 أغسطس 2026
نقاء القلب.. جوهرةٌ لا تُقدّر
في زحمة الحياة وضجيجها، وفي خضمّ صراعاتها التي لا تنتهي، يظلّ هناك كنزٌ لا يفنى، وجوهرةٌ لا تُقدّر... اقرأ المزيد
99
| 04 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تبدأ أنديتنا مرحلة مهمة من التحضير لموسم جديد، حيث دخلت فرقنا معسكراتها الإعدادية وهي تحمل أهدافًا أكبر من مجرد الاستعداد للمنافسات. فهذه المرحلة تمثل الخطوة الأولى في طريق فرق ستواجه تحديات خارجية كبيرة، وستحمل معها اسم كرتنا القطرية في البطولات الآسيوية والخليجية، هذه المعسكرات ليست مجرد محطة زمنية تنتهي بانتهاء فترة التحضير، بل هي الأساس الذي تُبنى عليه الفرق القادرة على مواجهة التحديات. فالإعداد الحقيقي لا يقاس فقط بعدد الحصص التدريبية أو المباريات الودية المُخطط لها، بل بما يتركه من أثر في الفريق؛ من حيث الانسجام، والجاهزية، ووضوح الأفكار، والقدرة على الدخول في المنافسات بثقة. وتزداد أهمية هذه المرحلة عندما ندرك حجم المسؤولية التي تنتظر أنديتنا في البطولات الخارجية، فهي تحمل معها هوية كرتنا القطرية. فالسد والشمال والغرافة يستعدون لخوض دوري أبطال آسيا للنخبة، والريان سيمثلنا في دوري أبطال آسيا 2، بينما سيشارك الدحيل ونادي قطر في دوري أبطال الخليج للأندية، وهذه ليست مجرد مشاركات في روزنامة الموسم، بل مواجهات تحمل طموحات أنديتنا وكرتنا أمام منافسين من مختلف المدارس الكروية، وفرصة لإثبات قدرة الكرة القطرية على الحضور والمنافسة. خلال فترة الإعداد يجب أن تعمل الأجهزة الفنية على بناء الفريق من جميع الجوانب؛ من خلال تجهيز اللاعبين بدنيًا، وزيادة الانسجام، ودمج العناصر الجديدة، وتجربة الخطط والأساليب المناسبة. كما يجب أن تكون المباريات الودية وسيلة لاكتشاف الأخطاء وتطوير الأداء، لا مجرد البحث عن نتائج مؤقتة، وأرى أن المرحلة الحالية تمثل الاختبار الحقيقي لقدرة أنديتنا على تحويل الإمكانات والطموحات إلى واقع، فالإعداد الذي تقوم به فرقنا اليوم يجب أن يكون بحجم المسؤولية التي تنتظرها في البطولات الخارجية. لم تعد الكرة القطرية تبحث عن مجرد الحضور أو تسجيل المشاركة، بل أصبحت تملك من المقومات ما يجعلها تطمح إلى المنافسة، ولذلك فإن جماهيرنا تنتظر أن تدخل أنديتها هذه التحديات بعقلية الفوز، وبهدف واضح هو الذهاب بعيدًا وتحقيق الإنجازات التي تليق بمكانة كرتنا القطرية، يجب أن تستثمر أنديتنا هذه المعسكرات بأفضل صورة، وأن يكون العمل مبنيًا على رؤية واضحة تمتد لما بعد فترة الإعداد؛ لأن البطولات لا تُحسم فقط بقوة البدايات، بل بالاستمرارية، والتركيز، والقدرة على التعامل مع كل تفاصيل الموسم. ومن وجهة نظري فإن كل فريق قطري يخوض منافسة خارجية يمثلنا جميعًا. فرقنا وأنديتنا هي واجهة كرتنا، ونجاح أي ممثل لنا هو نجاح لكرة القدم القطرية بأكملها. لذلك نحتاج إلى دعم جميع فرقنا والوقوف خلفها، لأن طموحنا واحد، وهو أن نرى أنديتنا تنافس وتحقق ما يليق بمكانتها. كلمة أخيرة : الموسم يبدأ من هذه المرحلة، وما يُبنى اليوم سيظهر غدًا في الميدان.
2088
| 29 يوليو 2026
القيادة لا تُمنح بالمنصب... بل يهبها الناس لمن يستحقها، كم مرة سمعنا موظفًا يقول: "أحب عملي... لكنني لا أستطيع العمل مع مديري." قد تبدو هذه العبارة عابرة، لكنها تختصر واحدة من أهم الحقائق في بيئة العمل؛ فالموظفون قد يتحملون ضغط العمل وكثرة المهام، لكنهم نادرًا ما يستمرون مع مدير يفقدهم الثقة أو التقدير. ولهذا فإن جودة بيئة العمل لا تصنعها اللوائح أو التقنيات أو المباني الحديثة، بل يصنعها قبل كل شيء الشخص الذي يقود الفريق. ومن هنا، فإن الفرق بين المدير والقائد ليس فرقًا في المصطلحات، بل هو الفرق بين مؤسسة تنمو باستمرار، وأخرى تخسر أفضل كفاءاتها بصمت. فالمنصب يمنح صاحبه سلطة اتخاذ القرار، لكنه لا يمنحه احترام الناس. والبطاقة الوظيفية قد تحمل لقب "مدير"، لكنها لا تمنح صاحبها صفة "قائد". فالقيادة لا تأتي مع الترقية، بل يكتسبها الإنسان بعدالته، وتواضعه، وقدرته على بناء الثقة وإلهام الآخرين. وقد أوضح الباحث الأمريكي جون كوتر، أستاذ القيادة والتغيير في كلية هارفارد للأعمال، أن الإدارة والقيادة يكمل كل منهما الآخر، لكنهما ليسا شيئًا واحدًا. فالإدارة تُعنى بالتخطيط والتنظيم ومتابعة التنفيذ وضمان سير العمل بكفاءة، بينما تهدف القيادة إلى رسم الرؤية، وتحفيز الناس، وبناء ثقافة تدفعهم إلى تقديم أفضل ما لديهم. وتشير أبحاث مؤسسة غالوب العالمية، المتخصصة في قياس أداء المؤسسات ورضا الموظفين، إلى أن المدير المباشر يُعد من أكثر العوامل تأثيرًا في اندماج الموظفين، وإنتاجيتهم، وشعورهم بالانتماء للمؤسسة. كما أظهرت نتائج مشروع «أوكسجين»، وهو دراسة أجرتها شركة جوجل لتحليل صفات المديرين الأكثر نجاحًا، أن أفضل المديرين هم الذين يجيدون الاستماع، ويثقون بفرقهم، ويعملون على تطويرهم، لا على مجرد مراقبتهم. والقاسم المشترك بين هذه النتائج أن الإنسان يقدم أفضل ما لديه عندما يشعر أن مديره يثق به ويمنحه مساحة للتفكير واتخاذ القرار. فالإبداع لا ينمو في بيئة يسودها الخوف، ولا تظهر المبادرات في مكان يخشى فيه الموظف أن يُحاسب على كل فكرة جديدة. وهنا يبدأ الفرق الحقيقي بين المدير والقائد. فالمدير يهتم بأن تُنجز المهمة في موعدها، أما القائد فينظر إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فهو يبني فريقًا قادرًا على تحقيق النتائج بصورة مستدامة، لأن النجاح الحقيقي لا يصنعه فرد واحد، بل تصنعه ثقافة عمل قائمة على الثقة والمسؤولية. ومن أكثر الممارسات التي تضعف المؤسسات ما يُعرف بالإدارة الدقيقة، وهي أسلوب إداري يقوم على متابعة المدير لكل تفصيلة صغيرة، والتدخل في كل قرار، ومراجعة كل خطوة يقوم بها الموظفون، اعتقادًا منه أن ذلك يضمن جودة العمل. فعندما يشعر الموظف أن كل خطوة يقوم بها محل شك، يتوقف عن المبادرة، ثم يتوقف عن الإبداع، ويكتفي بتنفيذ ما يُطلب منه. ومع مرور الوقت، تتحول المؤسسة إلى بيئة ينتظر فيها الجميع قرار المدير، بينما يتحول المدير نفسه إلى عنق زجاجة تتعطل عنده القرارات وتتراجع سرعة الإنجاز. ومن المفارقات أن بعض المديرين يظنون أن كثرة تدخلهم ترفع جودة العمل، بينما تثبت التجارب أن الإفراط في السيطرة يضعف جودة القرارات؛ لأن الموظفين يتوقفون عن تحمل المسؤولية ويكتفون بتنفيذ التعليمات. أما القائد، فإنه يتابع النتائج، لكنه لا يصادر صلاحيات فريقه، لأنه يدرك أن بناء الثقة أكثر قيمة من فرض السيطرة. والتفويض الناجح لا يعني التخلي عن المسؤولية، بل يعني توزيعها بطريقة ترفع كفاءة المؤسسة وتبني صفًا ثانيًا من القيادات. فالمؤسسة التي تعتمد على شخص واحد في كل صغيرة وكبيرة تصبح أكثر هشاشة، بينما تبقى المؤسسات القوية قادرة على الاستمرار لأنها تستثمر في تطوير الإنسان. ومن الصفات التي تميز القائد أيضًا أنه لا يخشى الموظف المتميز، بل يفرح به. فالمدير غير الواثق قد ينظر إلى الموظف الكفء باعتباره منافسًا، بينما ينظر إليه القائد باعتباره إضافة حقيقية للمؤسسة. وبعد سنوات من العمل، لا يتذكر الموظف عدد التعاميم ولا الاجتماعات، لكنه يتذكر مديرًا وثق به، أو كلمة أعادت إليه ثقته بنفسه، أو فرصة فتحت أمامه بابًا جديدًا. فالقيادة الحقيقية لا تُقاس بحجم المكتب ولا بعدد الصلاحيات، بل بالأثر الذي يبقى في نفوس الناس. ولهذا يبقى المنصب وظيفة، أما القيادة فهي أثر. فالسلطة قد تفرض الطاعة، لكن الاحترام لا يُفرض، والثقة لا تُشترى، والإلهام لا يصنعه المنصب، بل تصنعه العدالة، والتواضع، والقدوة الحسنة. قد يمنحك المنصب صلاحية إصدار القرار، لكنه لن يمنحك احترام الناس. فالقيادة لا تُكتب على بطاقة وظيفية، بل تُكتب في قلوب من عملوا معك. وفي ختام هذا المقال، أتقدم بخالص التقدير إلى الأستاذ فيصل محمد السويدي، والمهندس خليفة عبدالله السويدي، فقد تشرفت بالعمل معهما، ورأيت فيهما نموذجًا للقيادة التي تقوم على الثقة، والاحترام، وتمكين الآخرين. وقد أكدت تجربتي معهما أن القيادة ليست لقبًا وظيفيًا، بل أثر يبقى في النفوس ويستمر بعد انتهاء سنوات العمل.
2085
| 01 أغسطس 2026
ليس للحلم قيمة إن بقي حبيس الخيال، ولا للنتائج معنى إن جاءت دون قصة تُروى عن الطريق الذي سبقها. ففي حياة كل إنسان مساحة تمتد بين ما يتمناه وما يحققه، وبين ما يرسمه في مخيلته وما يراه واقعًا ملموسًا، وهذه المساحة لا يملؤها سوى الاجتهاد. نحن نعيش في زمن يُبهرنا بما نراه من إنجازات الآخرين، فنشهد لحظة وصولهم إلى القمة، ونغفل عن سنوات السعي التي سبقتها. نرى النتائج ولا نرى الليالي التي أُرهقت فيها الأرواح، ولا المحاولات التي تعثرت ثم نهضت من جديد، ولا الدموع التي تحولت بإصرار أصحابها إلى ابتسامات فخر ونجاح. فالنتائج ليست محض صدفة، وإنما هي الابن الشرعي للاجتهاد والصبر والاستمرارية. إن الحلم هو الشرارة الأولى التي تُضيء دروب الطموح، لكنه لا يستطيع أن يسير وحده. فهو بحاجة إلى عقل يُخطط، وقلب يؤمن، ويد تعمل دون كلل. وما بين نقطة البداية وخط الوصول، يقف الاجتهاد شاهدًا على كل خطوة خطاها الإنسان نحو ما أراد أن يكونه. وقد يتأخر الحصاد، وتطول الطريق، وتأتي الأيام بما يُثقل الخطى ويُضعف العزيمة، لكن أصحاب الأحلام الحقيقية يدركون أن النجاح ليس سباقًا مع الزمن، بل رحلةٌ مع النفس. رحلة يتعلم فيها الإنسان أن كل تعثر درس، وأن كل تأخير قد يحمل في طياته حكمة لم ندركها بعد، وأن النتائج العظيمة تحتاج إلى وقت يليق بها. ولعل أجمل ما في الاجتهاد أنه لا يمنحنا النتائج فحسب، بل يصنع منا أشخاصًا أكثر قوة ونضجا وقدرة على مواجهة الحياة. فما نكسبه في الطريق لا يقل قيمة عما نصل إليه في نهايته. ختامًا، يبقى الحلم بداية الحكاية، وتبقى النتائج آخر سطورها، أما ما بينهما فهو واقع اسمه الاجتهاد؛ ذلك الرفيق الذي لا يخذل من أحسن السعي، ولا يُضيع تعب من أخلص العمل. فليكن لنا من أحلامنا نصيب، ومن اجتهادنا أوفر الحظ، ولنتذكر دائمًا أن ما نزرعه اليوم، سنحصد ثماره غدًا بإذن الله. فبين الحلم والنتائج، لا تُقاس المسافة بالأيام، بل بما بذلناه فيها من اجتهاد.
1461
| 30 يوليو 2026