رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا شك أن الأستاذ "عمرو خالد" الداعية المعروف قد حقق شعبية جارفة قبل سنوات من خلال برنامجه الدعوي الذي ارتكز على القصص النبوي والتحليل الفكري والتربوي لأحداث السيرة.. ولعل لرحيله عن مصر مدة ثماني سنوات قضاها في انجلترا وقيل إن أسبابها أمنية وسياسية قد رفع من رصيده الشعبي لأن من يعادي نظاما متصهينا أو يعاديه نظام متصهين كنظام حسني لا بد أن يكون على قدر من الخير والموثوقية والمبدئية".
لكن عودة الرجل إلى مصر بصورة مفاجئة في 2010 وبدؤه هذه العودة بإقامة ندوة في جمعية أهلية بالإسكندرية يرأسها اللواء "محمد عبدالسلام محجوب" مرشح الحزب الوطني الحاكم لانتخابات مجلس الشعب آنذاك ضد مرشح الإخوان القيادي صبحي صالح قد استنزف الكثير من هذا الرصيد الشعبي، وألقى على عودته وأسبابها وأبعادها الكثير من التشكيك حتى إن الدكتور سليم العوا قال معقبا عليها: "أحد الدعاة استخدمه الحزب الحاكم في الدعاية له ولمرشحيه رغم ما يروجه هذا الداعية بأنه من المغضوب عليهم من الحكومة".
وأقول: صحيح أن من الدعاة من سقط بانحيازه ضد الثورة – وهم ولله الحمد قلة ولكن أكثرهم سرعان ما استوعبوا القضية واهتدوا إلى الصواب فيها فحاولوا ونجحوا إلى حد ما في استرجاع ما فقدوا من الاحترام.. فمنهم من تغيرت لهجته ومنهم من اعترف بخطئه.. لكن الأستاذ "خالد" وبدلا من أن يستثمر عدم تنبه الناس لعلاقاته ببعض رموز الحزب المنحل ويزيد من الابتعاد عنهم؛ إذ به يتقرب منهم أكثر فأكثر، وإذ به يحاول تسويقهم على أتباعه ومريديه من خلال " منتدى أهل مصر " ذلك التجمع الاقتصادي الذي شكله كبيت للخبرة الإدارية والتنموية وضم إليه العديد من رجال الأعمال والوزراء السابقين ورموز الحزب المنحل.. وإذا به أيضا وفي سياق الانتخابات الرئاسية يصرح لـ"سي بي سي" أن التنافس بين الدكتور "مرسي" وجنرال الفلول "الهارب" إنما هو أشبه بالفتنة بين علي ومعاوية! وبأنه – أي عمرو خالد - اختار أن يجسد موقف عبدالله بن عمر بن الخطاب – رضي الله عنهما – من تلك الفتنة – باعتزالها وعدم التحيز أو الخوض فيها.. ثم عندما وقعت معركة الدستور الفاصلة والتي استقطبت وفرزت الأفكار والأحزاب والاتجاهات وأنطقت من به بكم وأسمعت من به صمم إذ به ينحاز لمجموعة الرافضين الدستور مع البرادعي وعمرو موسى والعلمانيين والقوميين والصليبيين في مواجهة الإخوان والسلفيين والجماعة الإسلامية وجمهرة الشعب المصري الذين اختاروا الـ" نعم"..
وأقول أيضا: بالتأكيد لا يمكن اختزال عمرو خالد ومواقفه والحكم عليه في أربعة أو خمسة مواقف سيئة تورط فيها، وبالتأكيد ليس ممنوعا على عمرو خالد أو سواه من الناس أن يعملوا بالسياسة وأن يقبلوا أو يرفضوا الدستور، وبالتأكيد ليس موقف الإخوان والسلفيين من الدستور وتداعيات الاختلاف عليه هي المحدد الأوحد لقياس الصواب والخطأ في هذه القضية.. لكن؛ وبنفس القدر من الإصرار والضرورة لا يمكن تجاهل أن الخلافات بين من اختار أن يقف معهم الأستاذ عمرو خالد ومن اختار أن يعاديهم ليس الفارق بينها بسيطا أو صغيرا أو عائما يمكن أن تضل فيه الأفهام أو تزيغ عنه العقول.. وبالتأكيد والضرورة أيضا أن مواقفه هذه ومهما بدت صغيرة أو قليلة إلا أنها تأتي في بداية عمله السياسي وفي لحظة فرز وتمايز كبيرين لذا فهي تعبر عن نقطة ارتكاز وجهة انطلاق، وهي تتأسس على مفهوم الولاء والبراء العقدي الذي عليه يقوم جوهر فهم وتطبيق الإسلام، أوثق عرى الإيمان.. بالتالي فإشكالات الرجل تطاول الأصول ولا تكتفي بالفروع وهي في المبادئ والأساسات لا على الأطراف والمكملات.
وأقول: إذا كان الأستاذ عمرو خالد لا يزال محتارا بين مرسي وخصومه، وإذا كان لا يزال يرى الجنرال "الفاسد الهارب الذي تطارده أكثر من 35 تهمة جرائمية" أحد اثنين من الصحابة الكرام "علي أو معاوية" وإذا كان لا يزال مصرا على أنه هو عبدالله بن عمر لهذا الزمان وفي هذه "الفتنة".. فإن لنا أن نسأله: هل كان عبدالله بن عمر رضي الله عنهما ليقبل التماهي مع من يعتبرون نصرة مرسي لغزة وأطفالها ومستشفياتها ومدارسها في وجه العدو الصهيوني تهمة يجب أن يتخلص منها وعارا يجب أن يدفعه عن نفسه؟ وهل كان عبدالله بن عمر رضي الله عنهما ليقبل أن يكون في سواد الكاذبين والفاسدين والمجرمين ومن يرفضون الشريعة ويعتبرونها تخلفا ورجعية؟ وهل كان عبدالله بن عمر رضي الله عنهما ليكون في حلف من يرفضون الدستور بسبب أن من يكتبونه لا يؤمنون بالهلوكوست اليهودي المزعوم؟ وهل كان عبدالله بن عمر رضي الله عنهما ليحتار في التفضيل بين "مرسي" الإسلامي الذي يحفظ القرآن الكريم ويصلي الخمس ويؤدي العشر أو نصف العشر ويقوم الليل ويصوم الاثنين والخميس، وفلول الفاسدين والمجرمين والذين تحالفوا معهم ووصل تحالفهم إلى إراقة الدماء وقتل الأبرياء ومحاولة تهديم كل إنجازات الثورة؟
الحقيقة أن على عمرو خالد وكل من نال شعبية لدى الجمهرة الطيبة من الناس أن يعلموا أنهم إنما نالوا ذلك بكونهم في نظر الناس العلماء الفضلاء والدعاة الكرماء والقدوات الكاملة، وبما يرونه فيهم من علو فهم وعمق فقه وكثرة خبرة ونصاعة نزاهة وشدة استقامة.. وأنهم إن نطقوا فبنص مثبت.. وإن اختاروا فباجتهاد محكم.. لذا كانت سقطة العالم سقطة أمة، وكان خطؤه على حد عال من الخطورة والفداحة.
والحقيقة أيضا أن على الناس فهم أن العلماء والدعاة مهما بلغوا من الفهم وتحصنوا بالفقه، وأيا كان ما وطنوا أنفسهم عليه من العصامية والمعصومية وكل الشفافية والطهارة؛ فإنما هم بشر ككل البشر، فإن كانوا يصيبون عادة فلا يمنع ذلك أن يخطئوا، أو كانوا مستقيمين دائما؛ فلا يمنع أن ينحرفوا، وإن كانوا عالمين عارفين فلا يمنع أنهم قد يجهلون.. ولست أقول ذلك لتسويغ خطيئة ولا لتسويق خطأ.. ولكنها الحقيقة التي لا بد أن تذكر كلما رأينا سقطة أخلاقية لأحدهم أو شائهة آرائية أو ضلالة مواقفية من بعضهم..
آخر القول: لست متفاجئا بالأستاذ عمرو خالد وبالتأكيد لن أكون متفاجئا بسواه من الدعاة أو العلماء مهما بلغت بهم المنازل أو هملجت بهم البراذين، والظن أن مشكلة هؤلاء في الأعم الأغلب هي من جهة العلم والفهم واستيعاب خير الخيرين وشر الشرين لا من جهة الإخلاص والنية والرغبة في النجاح.. وليس كل من يحسن القول يحسن العمل، ولا كل من ينبغ في فن يجيد غيره، ويبقى أن خط الإسلام ومنهاج النبوة هو ما يجب أن يظل العدة والعتاد (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة).. نسأل الله تعالى أن يحفظنا من الخطل والزلل وأن يعيذنا من الحَوَر بعد الكَوَر.. آمين.
من دخل مدخلا خاطئا يخرج منه
نلتقي أحيانا ببقية ممن لا يزالون يعيشون الخيال الذي رسمه لهم السيسي ، ويؤيدونه على غير وعي بما... اقرأ المزيد
667
| 12 يناير 2017
صديقي أقال أحسن موظفيه !
صديقي أقال أحد الموظفين لديه من العمل .. فجاءني الموظف يستشفع بي لدى صديقي كي يعيده للعمل فالموظف... اقرأ المزيد
970
| 05 يناير 2017
سحب الانقلاب المصري مشروع القرار .. خزي يستحقه !
بعد أن سحبت مصر – الانقلاب - مشروع قرار قدمته إلى مجلس الأمن الدولي لإدانة الاستيطان الصهيوني في... اقرأ المزيد
609
| 29 ديسمبر 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4599
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3198
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1245
| 28 سبتمبر 2026