رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تحتل فكرة مركزية الحضارة الغربية موقع الصدارة خلال التاريخ الحديث والمعاصر، مسبغة على العالم رؤية أحادية غير قابلة للتغير والنقض على المستوى المنظور، وحتى مع التبدلات التي تطال تلك البنية المتماسكة أيدلوجية كانت أو فكرية أو اقتصادية أو سياسية، تبقى قواعد تلك المركزية ثابتة غير قابلة للتراجع، وفي هذا السياق يرى الدكتور عبد الوهاب المسيري في كتابه (الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان)، "أن الانسان الغربي عوضاً من أن يضع الجنس البشري في مركز الكون وضع الجنس الأبيض في هذا المركز، ووضع بقية البشر مع الطبيعة/المادة في الهامش، وبدلا من أن يكون الهدف من الوجود في الكون هو تحقيق مصلحة الإنسان، أصبح الهدف هو تحقيق مصلحة الإنسان الأبيض، وبدلا من الإيمان بأسبقية الإنسان على الطبيعة أصبحت المسألة هي أسبقية الإنسان الأبيض على الطبيعة وبقية البشر". ويمكن توصيف تلك الصورة بالقول بأنها ليست إفرازاً للتفوق الحضاري الأوروبي ومنجزاته وحسب، بل أنها مرتبطة بنظرة متعالية مستمدة من شرعية ماورائية وأفضلية عرقية.
تتمحور هذه النزعة الأوروبية في كثير من المجالات، انطلاقاً من الماضي وصولاً إلى الحاضر، وقد تركزت عبر التاريخ، في النشاط الاستعماري الأوروبي تحديداً، ففي الوقت الذي وطأت فيه قدما المستكشف الإيطالي كريستوفر كولومبوس أراضي القارة الأمريكية، في عام 1498، ظن حينها أنه بلغ شبه القارة الهندية مثبتاً نظرية كروية الأرض وإمكانية الالتفاف عليها عبر الإبحار غرباً، وعلى أن تلك النظرية صحيحة في مجملها، إلا أن جهل الأوروبيين آنذاك بوجود أراضٍ بعيدة في الغرب ونتيجة لسوء فهمهم للجغرافيا حينها، أطلق المستكشفون الأوروبيون على شعوب تلك الأراضي تسمية "الهنود الحمر"، ظناً منهم أنهم بلغوا أراضي شبه القارة الهندية!، والطريف في الموضوع أن التاريخ الذي يدونه المنتصر دائماً اعتبر كولومبوس هو المستكشف الأول للقارة الأمريكية متجاهلاً وجود شعوب فيها اكتشفتها واستعمرتها قبلهم بقرون، حتى جاء الأوروبي بغطرسته وأبادها ودمر تاريخها، وما تزال البقية الباقية من تلك الشعوب تعاني التهميش والازدراء في أراضيها إلى يومنا هذا.
بعد تلك الأحداث بسنوات، قرر المستكشف البرتغالي فرناندو ماجلان الالتفاف على الكرة الأرضية عبر الإبحار غرباً، عابراً المحيط الأطلسي وصولا الى المحيط الهادي، لاستكشاف طريق جديد يؤدي إلى آسيا عموماً وإلى جزر التوابل على وجه التحديد، وهي أرخبيل من الجزر تشكل جزءاً من إندونيسيا حالياً، وقد كانت تلك الجزر محكومة من قبل عدد من الملوك ينفرد كل منهم بملكه، وعلى الرغم من نجاح تلك الرحلة في الالتفاف على الكرة الأرضية والعودة إلى أوروبا من جهة الجنوب، إلا أن ماجلان لم يكن على متنها، حيث لقي حتفه في معركة "ماكتان" الشهيرة التي دارت في جزر الفلبين على يد القائد المسلم "لابو لابو"، والذي رفض الانضمام إلى حلف ماجلان واعتناق المسيحية كغيره من ملوك تلك الجزر، واستبسل في مقاومة الغزاة ورفض الاستعمار الأوروبي لبلاده حتى أردى ماجلان قتيلا و رفض تسليم جثته للغزاة المتقهقرين.
أما في عام 1497 فقد قرر المستكشف البرتغالي فاسكو دا غاما "الذي لم يكن سوى سفاح دموي"، اكتشاف طريق يؤدي إلى الهند دون المرور بطرق التجارة المعتادة التي تربط أوروبا بشبه القارة الهندية، والتي كانت تقع ضمن نطاق الأراضي التي يسيطر عليها العرب، وفي ذلك العام بدأ رحلته في محاولة للالتفاف حول رأس الرجاء الصالح وتجنب الأراضي العربية، واكتشاف طريق جديد يوصله للهند وهو الطريق الذي كان معروفاً لدى البحارة العرب، وفي هذا السياق فقد ذكر المؤرخ "النُّهْرُوالي" أن البحّار العربي المعروف أحمد بن ماجد هو من ساعد دا غاما في اكتشاف هذا الطريق وهو الذي دل البرتغاليين عليه، إلا أن تلك الرواية التاريخية لم تجد ما يؤيدها ويسندها، وقد ثبت خطؤها تاريخيا، ولم يأتِ على ذكرها أي من المؤرخين البرتغاليين.
خلال رحلة فاسكو دا غاما، حطت به الرحال في أول محطة أفريقية على الطريق الجديد، وكانت تلك المحطة هي "الموزمبيق"، وعندما فشل دا غاما في التقرب لأهالي تلك المنطقة وأثار في نفوسهم الشك حول حسن نواياه، قام بقصفهم بالمدفعية انتقاماً منهم وهو يهم بالرحيل، مخلفا وراءه كماً من الدمار والقتل والتشريد، مطلقاً بذلك شرارة الخراب والتدمير والسلب والنهب التي مارسها البرتغاليون بعد ذلك لسنوات في أفريقيا والخليج العربي وكل المناطق التي وطؤوها، فبعد تلك الحادثة ولإدراك دا غاما أنه نجح في اكتشاف الطريق المؤدية إلى الهند أطلق مقولته الشهيرة "الآن طوقنا المسلمين، ولم يبقَ إلا أن نشد الخيط"، واستمرت بعد ذلك الحملات البرتغالية في نشر الذعر والرعب والتخريب على طول الساحل الأفريقي وصولا إلى الخليج العربي، فقد قام أثناء رحلته الإجرامية تلك بهدم ثلاثمائة مسجد بمجرد دخوله لمدن المسلمين في أفريقيا، كما قام في حادثة شهيرة بإغراق سفينة للحجاج في بحر عمان كان على متنها مائة شخص، كما قام في حادثة أخرى بحرق مجموعة من السفن المحملة بالبضائع من الهند، وأمام تلك الأحداث المأساوية من النهب والسلب على طول السواحل والتي سجل التاريخ كماً كبيراً منها، يمكننا تصور أن ما لم يسجله التاريخ من المآسي يفوق ما ذكر بكثير، وخلال رحلة أخرى قام دا غاما بإضرام النار في سفينة كانت عائدة من الحج تحمل على متنها 380 راكباً، وتركها لتشتعل في عرض البحر، ويذكر المؤرخون أن السفينة استغرقت أربعة أيام لتحترق بالكامل وتغرق بعد ذلك بمن فيها.
خلال فترة احتلال البرتغاليين لمنطقة الخليج العربي التي استمرت لما يزيد عن مائة عام، وجد البرتغاليون أنفسهم أمام رفض شعبي لوجودهم، نظراً لتاريخهم الدموي وإفسادهم للتجارة والملاحة في المنطقة، وقد وقعت مواجهات عديدة مع المحتل، إلا أن أروع الملاحم التي سطرها التاريخ، هي المقاومة الباسلة التي قادها البطل العربي مقرن بن زامل الجبري، آخر حكام الإمارة الجبرية، فقد رفض مقرن بن زامل دفع الجزية للمحتل، مما حدا بالأخير لإعلان الحرب عليه، وواجه مقرن بن زامل جيوش المحتل في ملحمة بطولية سطرها مؤرخو البرتغال أنفسهم، وتحدثوا عن شجاعته واستبساله في المقاومة، إلى أن استشهد في تلك المعركة في عام 1521، بعد أن دافع عن أرضه ورفض الانصياع لإرادة المحتل، وقد بلغت درجة الحقد على القائد مقرن بن زامل إلى قطع رأسه وحمله إلى البرتغال، وقد قام القائد البرتغالي أنطونيو كوريا بتخليد هذه الذكرى الدموية برسم رأس الأمير مقرن وهو ينزف على درع أسرته وهو الرسم الذي لايزال موجودا حتى يومنا هذا.
تعطينا تلك الومضات من التاريخ عدة دلالات، منها أن نهضة أوروبا وانفتاحها على العالم وتطورها التقني والصناعي، لم يكن أمرا إيجابيا بالنسبة لغيرهم على الدوام، فقد تجرعت مناطق عديدة وبعيدة الأمرين نتيجة الحملات الاستكشافية والتجارية الأوروبية، وتعرضت أراضي العالم الجديد بحسب تعريفها في ذلك الوقت لإبادة وتدمير وتشريد، كما صاحب تلك الحملات حروب وويلات وسفك للدماء واستعباد لكل الشعوب التي كانت تسكن الأراضي التي وطئتها قدم المستعمر، هذا فضلا عن حملات التبشير ونشر الدين المسيحي، وإقناع الشعوب المستضعفة وبالقوة أن الرب يحبهم ويريد خلاصهم. من جهة أخرى تكشف لنا تلك اللمحات عن النظرة المركزية التي يحملها الأوروبي في قرارة نفسه، متصورا أنه سيد العالم بلا منازع، مثبتاً ذلك بالقوة الجبرية كما يتبين من أحداث التاريخ محافظاً على تطبيق تلك الرؤية إلى يومنا هذا عبر القوة الناعمة والقوة الفعلية إذا تطلب الأمر، ومن ناحية أخرى تبين لنا تلك الومضات أننا في كثير من الأحيان، نقرأ التاريخ وفق نظرة مدونيه دون تمحيص، فكثير من المستكشفين والرحالة والأبطال القوميين بالنسبة لشعوبهم، ليسوا كذلك بالنسبة لنا فماهم في حقيقة الأمر سوى سفاحين ومحتلين ومجرمين أساؤوا للشعوب أيما إساءة، وللأسف نجد كتبنا تزخر بذكرهم وفق الرواية الغربية وتمجد إنجازاتهم، في الوقت الذي لا تأتي فيه على ذكر أبطالنا التاريخيين، ولا نجد لهم سوى نذرا يسيرا في الذاكرة التاريخية، ولم يدون تاريخنا بطولاتهم وإنجازاتهم، ونحن هنا لسنا بصدد استرجاع الآلام وإذكاء الأحقاد التاريخية، فالتاريخ يبقى تاريخاً، إلا أن الأجدر بنا إعادة الاعتبار لكثير من الشخصيات التاريخية العربية التي طُمست وطواها النسيان، وإجراء الأبحاث حول تلك الشخصيات وتضمينها المناهج الدراسية، وإعادة كتابة التاريخ بشكل موضوعي وصياغة الأحداث وإيضاح الحقائق وفق وجهة نظرنا وعدم الاكتفاء بما دونه المنتصر، فما يدونه المنتصر ليس صحيحاً دائماً.
سيرى العالم قدرة قطر على استضافة أحداث عالمية بنجاح استثنائي
في عام 1993، انتهى "شكلياً على الأقل" نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، أو ما يسمى بالـ(الأبارتايد)، والقائم... اقرأ المزيد
4311
| 10 نوفمبر 2022
المجلس المنتخب بين الواقع... والمأمول
خلال الفترة الماضية، تصدرت مستجدات مجلس الشورى عناوين الأخبار، وما زالت، إلا أنها لم تعد كالسابق، فقد انتقلت... اقرأ المزيد
2458
| 16 ديسمبر 2021
هكذا تكلم أبو تريكة
اعرف ابو تريكة بالاسم، ولكنني لو شاهدته قبل اليوم لما عرفته، ليس لكونه مجهولاً بل لجهلي أنا الكبير... اقرأ المزيد
3565
| 09 ديسمبر 2021
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8976
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4893
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
4242
| 23 سبتمبر 2026